‏إظهار الرسائل ذات التسميات أردوغان. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات أردوغان. إظهار كافة الرسائل

هذه الأشياء الصغيرة



أحمد المسلمانى

ما الذى فعله رئيس الوزراء التركى العظيم أردوغان مع إسرائيل؟ الإجابة: لم يفعل الكثير.. لا قطع العلاقات الدبلوماسية، ولا أوقف المعاملات التجارية، ولا ألغى اتفاقيات التعاون العسكرى.

لكن أردوغان الذى يعرف جيداً ما هى السياسة، فعل تلك الأشياء الصغيرة.. المبادئ التى لا تكلف الكثير من الجيش ولا المال ولكنها تعنى الكثير من الاعتبار والاحترام.

استثمر أردوغان فى المبادئ ونال بعائد الأخلاق ما لم ينله زعيم آخر فى تلك المحنة، قال أردوغان عن الحرب ما هو لازم، وقال عن الضحايا ما هو واضح، وقال عن إسرائيل ما هو شائع. لم يفعل أردوغان إلا هذة الأشياء الصغيرة الكبيرة. لم يطالب أحد تركيا بقطع العلاقات، ولم يتظاهر عربى واحد يطلب من أنقرة طرد السفير، ولم يخطب ثائر أو تاجر يزايد على موقف رجل استقبل كل قادة إسرائيل واحداً تلو الآخر.

■ لكن.. لماذا لم يحدث الأمر نفسه مع مصر؟ ولماذا تجرأ على بلادنا كل من هب ودب وما لم يهب وما لم يدب؟ ولماذا أصبحت القاهرة مرمى نيران العرب بديلاً عن تل أبيب؟ ولماذا تجاسر قادة فصائل وفسائل على الهجوم على بلادنا دون اكتراث بحاضر المحنة أو قادم الأيام؟

■ الإجابة أسهل من الأسئلة.. ذلك أن فى مصر دبلوماسية تساوى صفراً وإعلاماً يساوى صفراً.. لأن الذين يعبرون عن بلادنا أقل من مستوى قرانا ونجوعنا.. لأن لدينا وزير خارجية لا يعرف شيئاً عن مصر أو العالم.. لا يعرف كيف يؤيد ولا كيف يهاجم ولا كيف يرد ولا كيف يجادل ويناور.. وزير خارجيتنا فشل فى الصمت بمثل ما فشل فى الكلام.. كلامه من تراب وسكوته من ذهب.

أسس وزير خارجيتنا نوعاً جديداً من الدبلوماسية هو دبلوماسية المصطبة مزيج من أحاديث ربات البيوت وثرثرات المراهقين وانفعالات العامة.. لا فكر ولا رؤية.. لا تكتيك ولا استراتيجية.. ولا أى شىء.

■ فى كل مرة يخطئ الآخرون ويظهر للجميع حجم المزايدات والرياء الذى هم فيه يرتعون، يقوم وزير خارجيتنا بما ينزع عنا الهيبة ويعيد إليهم الاعتبار، لو صمت وزير خارجيتنا تماماً لكسبت مصر ثلاثة أرباع المشهد الراهن.. ولو أنه أجاد بعض العبارات لكسبت مصر المشهد بكامله.

■ كان يمكن للوزير ألا يهاجم حماس ولا حزب الله ولا قطر، كان يمكن ألا يوقع بلادنا فى خصومات لا تجوز ولا تليق. وكان يمكنه أن يُظهِر بلادنا طرفاً لا وسيطاً وداعماً لا مشاهداً.. وكبيراً فوق جميع الأدوار والرجال.

كان يمكنه أن يطلق تصريحاً قوياً بالتفكير فى طرد السفير، والشروع فى وقف الغاز والتمهيد لإلغاء أبوحصيرة، والمرونة فى إدارة المعبر، والإعداد لمحاكمة إسرائيل. وحتى لو لم يفعل الوزير أى شىء من ذلك فإن أردوغان أيضاً لم يفعل، ولكنها السياسة والقيادة.. إنها المسافة الشاسعة بين دبلوماسية الدولة ودبلوماسية المصطبة.

السيد عمرو موسى .. استقل يرحمك الله



أبو العلا ماضى
منذ فترة طويلة أتابع السيد /عمرو موسى منذ أن كان وزيرا لخارجية مصر والرجل يحاول أن يحسن من صورة الموقف الرسمي المصري الخارجي بقدر طاقته وكنت أحترم فيه ذلك ,ثم انتقل الرجل إلى مبنى الجامعة العربية كأمين عام لها ,محاولا أن يحافظ على صورته وقد نجح قليلا في البدايات ثم انهارت دفاعاته لاحقًا ,فالنظام الرسمي العربي في أسوأ حالاته ومحاولات السيد عمرو موسى باءت جميعها بالفشل في رسم صورة أفضل للواقع العربي ,بل وبدأت صورته الإيجابية تتآكل مع الوقت , حتى أصبح الرجل في موقف لا يحسد عليه ,بل بدأ يعلن في أعقاب مذبحة غزة والعدوان الهمجي الإسرائيلي على أهلنا هناك أنه يفكر في الاستقالة وهو توقيت متأخر قليلا في أخذ هذا القرار .

· بين أردوغان وعمرو موسى :

ولكن الواقعة القاصمة هي ما حدث منذ أيام في منتدى دافوس الاقتصادي حينما تصدى السيد /رجب طيب أردوغان لوقاحة رئيس إسرائيل المجرم شيمون بيريز وهو يدافع عن قتل الأبرياء وسط تصفيق جمهور مختار بعناية ومتعاطف مع العدوان الإجرامي وكان تصدي أردوغان قويًا وانسحب محتجًا على مقاطعة مدير الجلسة (وهو صهيوني ورئيس تحرير واشنطن بوست) مغادرًا القاعة فإذا بالسيد /عمرو موسى يقف في طريق أردوغان مصافحًا ويستدير استدارة كاملة كأنه يهم بالخروج فإذا بالسيد/بان كي مون أمين عام الأمم المتحدة يشير له بيده بالجلوس فيجلس السيد /عمرو موسى مصيبنا جميعًا بالغضب والحزن والشعور بالمهانة ,فلن أستفيض هنا في شرح أثر رد الفعل لما فعله السيد /أردوغان فقد كتب له الكثير من الثناء وهو يستحقه ,لكن أكتب هنا عن الجزء الذي صدمني وهو موقف السيد /عمرو موسى ,فالواضح أن الرجل قد فقد توازنه الشخصي الذي حاول الحفاظ عليه كثيرا وأخشى إن أستمر في موقعه بعد الآن من تصرفات أكثر اهتزازًا وتزيد الشعور بالإحباط واليأس لدى كل المواطنين العرب ,وأخشى ليس فقط من تآكل صورة الرجل الإيجابية فلعلها قد حدثت فعلا ولكن من رسم صورة شديدة السلبية عنه مثل باقي المسئولين الرسميين العرب .

لذلك نصيحتي المتواضعة له بالتعجيل بالاستقالة قبل فوات الأوان.

عمق «موقعة» دافوس بين أردوغان وبيريز



د. إبراهيم البيومى غانم يكتب:
كثير من أوهام «القوة والضعف» شارك في إزاحتها أردوغان وبيريز.. رئيس الوزراء التركي بصدقه وقوة منطقه والرئيس الصهيوني بكذبه وتهافته وتصوير الجاني بصورة الضحية

رئيس الحكومة التركية ظهر ممتلئاً بالثقة وقوة العزيمة مستشعراً ثقل الأمانة وكأن هموم العالم كله فوق رأسه.. وهذه الملامح نفتقدها تماماً في وجوه الحكام والمسئولين العرب الضاحكين في بلاهة رغم المصائب


أول الأوهام التي بددها أردوغان «وهم قوة الرواية الواحدة التي تحتكرها إسرائيل لوصف مجريات الصراع العربي الإسرائيلي وقال للعالم إن الحقيقة لها رواية أخري

ما حدث في دافوس مساء الخميس 29 يناير الماضي بين أردوغان وبيريز سيسجله التاريخ علي أنه «موقعة» بكل ما تحمل هذه الكلمة من معاني، صحيح أنها موقعة سياسية، ولكنها لا تقل في دلالاتها وأبعادها الاستراتيجية عن المواقع الحربية. خرج أردوغان من هذه الموقعة منتصراً بعد أن أزاح كثيراً من الأوهام التي ظلت مهيمنة علي الرأي العام العالمي«الأوروبي والأمريكي تحديداً»، وفضحت مواقف لكثير من الأنظمة العربية، بل ومواقف بعض الحركات الإسلامية من القضية الفلسطينية، وبرهنت علي أن غطرسة القوة العارية من الأخلاق هي كبيت العنكبوت في وهنه وهشاشته.

قال أردوغان ـ مراراً وتكراراً ـ في تعقيبه علي ما جري في دافوس إنه مؤتمن علي كرامة تركيا، ولن يسمح لكائن من كان أن يمسها بسوء لأنها دولة إقليمية كبري، وإنه مضي زمن النظر إليها كدولة تابعة. «أنا رئيس وزراء تركيا، ولست زعيم قبيلة». هذه هي نوعية الخطاب الذي يتحدث به أردوغان، وهذا هو الموقف الذي ألهب مشاعر الجماهير عبر العالم الإسلامي، ولدي أحرار العالم، ودفع عشرات الآلاف من الأتراك للخروج ليلاً رغم شدة البرد لاستقبال رئيس وزراء حكومتهم الذي انتخبوه بإرادتهم الحرة. وهذه هي المرة الأولي التي يخرج فيها الأتراك بعفوية لاستقبال أحد زعمائهم منذ ما يزيد علي أربعمائة سنة عندما توقفت الفتوحات العثمانية في قلب أوروبا.

كثير من أوهام «القوة والضعف» شارك في إزاحتها كل من أردوغان وبيريز. أردوغان بصدقه وقوة منطقه، وبيريز بكذبه وتهافته. كلام بيريز الذي حاول أن يبرر به عدوان الكيان الصهيوني علي غزة جاء بنفس الطريقة التقليدية التي أسستها الدعاية الصهيونية قبل أكثر من قرن من الزمان علي الأكاذيب وقلب الحقائق، وتزوير الواقع، وتصوير الذات الصهيونية الجانية بصورة الضحية، وتصوير المجني عليه «الفلسطيني» بصورة الجاني.

أردوغان ظهر في دافوس ممتلئاً بالثقة، مستعصماً بقوة الحق التي يؤمن بها، وقوة الوعي بهذا الحق، وقوة العزيمة علي الذود عن هذا الحق في حدود مسئوليته كرئيس حكومة منتخب بإرادة شعبية حرة. ظهر قوياً بيقظة ضميره، مستشعراً ثقل الأمانة التي يحمل عبء أدائها، متجهماً كعادته؛ وكأن هموم العالم كله فوق رأسه. هذه الملامح نفتقدها تماماً في وجوه الحكام والمسئولين العرب، ونجدهم علي الدوام مهما كانت المصائب التي يجرونها علينا، نراهم ضاحكين في بلاهة، مبتسمين في بلادة كلما وجدوا كاميرات الإعلام مسلطة علي طلعاتهم البهية !. عمرو موسي ظهر في الصورة يقهقه قبيل بدء الجلسة التي غادرها أردوغان احتجاجاً علي حرمانه من تفنيد مغالطات بيريز.

بيريز ظهر في مشهد دافوس مفلساً في منطقه، غارقاً في الشعور بغطرسة القوة. وبدا منعزلاً في ذات اللحظة عما حدث في العالم من تغيرات عميقة بفعل ثورة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، هذه التغيرات التي جعلت من المستحيل الاستمرار في احتكار الحقيقة، أو إخفائها أو تزييفها. عزلة بيريز علي هذا النحو جعلته يقدم خطاباً تبريريا للعدوان الإجرامي علي غزة معتمداً نفس استراتيجية التضليل والخداع القديمة، والضرب علي عقدة الاضطهاد التي استخدمتها الصهيونية في وخز الضمير الأوروبي والأمريكي باستمرار. ظهر بيريز مطمئناً إلي أن خطابه سيمر بكل ما فيه من مغالطات كما اعتاد أن يمر الخطاب الصهيوني في كل المحافل الدولية دون أن يتصدي له أحد، وأخذته سكرة غطرسة القوة عندما صفق له الحاضرون في قاعة المنتدي.

أول الأوهام التي بددها أردوغان هو «وهم قوة الرواية الواحدة» التي تحتكرها إسرائيل لوصف مجريات الصراع العربي الإسرائيلي. تدخل أردوغان قال للعالم إن الحقيقة لها رواية أخري، أما الرواية الإسرائيلية فزائفة، وكاذبة، وعيب أن يظل العالم أسيراً لها. بيريز رفع صوته أثناء حديثه أكثر من المعتاد، ولاحظ أردوغان أنه ينظر إليه علي نحو غير لائق، فعاجله بعبارات تجعله يفوق من سكرته قائلاً له: «ارتفاع صوتك هو تعبير عن نفسية متهم. عندما يأتي الحديث عن القتل أنتم تعرفون القتل جيداً». أردوغان وحده فقط من بين زعماء العالم وجد في نفسه الجرأة علي قول ذلك، وتوجيه نقده وتوبيخه علناً للجالسين أمامه في القاعة الذين صفقوا لبيريز لأنهم «يصفقون للجرائم الإسرائيلية. صحيح أن مدير الجلسة ـ صحفي يهودي بالواشنطن بوست ـ لم يمكن أردوغان من إتمام روايته لحقيقة ما جري، ولكن رسالته وصلت للعالم كله، وربما بأسرع مما لو كان أكمل روايته، ومن هنا قلنا إن وهم احتكار إسرائيل لرواية مجريات الصراع انتهي، وأصبح جزءاً من الماضي.

الوهم الثاني هو «إمكانية إضعاف المقاومة بعزلها دوليا»، ومن ثم الاستفراد بها، والاستقواء عليها ليس فقط بالحلف الاستعماري الأوروبي الأمريكي ـ فهذا قديم ولا جديد فيه ـ وإنما أيضاً بحلفاء من الأنظمة العربية ومن دول الجوار. هذا الوهم كثف المسئولون الإسرائيليون التأكيد عليه خلال العدوان الأخير علي غزة، تارة بالترويج لمقولة وجود مصلحة مشتركة إسرائيلية ـ مصرية لمواجهة حماس، وأنه لابد من إضعافها لأنها «تهدد الاستقرار في مصر» ـ كما قال عاموس جلعاد ـ وتارة بتأكيد قادة العدو علي أن «الاعتدال العربي يشارك إسرائيل في حربها ضد حماس» «نيوزويك 11/1/2009». صحيح أن هناك ما يدل علي نجاح السياسة الصهيونية في خلق قاعدة مصالح مشتركة مع محور الاستبداد/الاعتدال العربي، بما يعني عزل المقاومة وتشديد الحصار عليها، غير أن قوة التدخل التركي الذي عبر عنه أردوغان في دافوس جاء ليكسر هذه العزلة، ويهدم فكرتها الأساسية وهي: أن المصلحة المشتركة بين دول المنطقة وإسرائيل تعني عزل المقاومة. هذه الفكرة هدمها موقف أردوغان لأن تركيا ليست فقط من دول الاعتدال في المنطقة، وإنما لها علاقات دبلوماسية كاملة ومصالح اقتصادية وعسكرية كبيرة جداً مع إسرائيل، ولكن لم يمنعها ذلك من الوقوف إلي جانب الحق الفلسطيني، وتبني رواية المقاومة. ويشكل هذا الموقف إحراجاً شديداً لدول الاعتدال العربي الأخري التي تسهم في عزل المقاومة، وقد يدفعها للتراجع عن هذا المسار. لم تخرج تركيا فقط من الصف الساعي لعزل المقاومة، وإنما تصر علي التعامل مع اختيار الشعب الفلسطيني الذي أسفرت عنه الانتخابات التشريعية، وهو اختيار المقاومة التي تقودها حماس بأغلبية تشريعية 65%.

الوهم الثالث الذي أسقطه أردوغان في دافوس من يد بيريز هو «فزاعة الإرهاب». بيريز كرر وصف المقاومة بالإرهاب، وأصر علي دمج العدوان الوحشي علي غزة ضمن ما يسمي «الحرب علي الإرهاب». أما أردوغان فقد طالب المجتمعين في دافوس بضرورة التمييز بين المقاومة والإرهاب، وقلب الطاولة علي بيريز بقوله «عندما يأتي الحديث عن القتل فأنتم أعلم الناس بالقتل»، وسبق له أن وصف عملية اغتيال الشيخ أحمد ياسين بأنه «إرهاب دولة» قامت به إسرائيل، ولم يجرؤ حاكم عربي واحد علي قول ذلك. كرر أردوغان القول في دافوس بأنه «يتوجب علي الرئيس أوباما إعادة تعريف الإرهاب والمنظمات الإرهابية، وتأسيس سياسة أمريكية جديدة في المنطقة وفق التعريف الجديد». هذا الكلام يعني أن تركيا ترفض الإذعان لما تقوله أمريكا وإسرائيل بشأن اعتبار المقاومة مرادفاً للإرهاب. الموقف الأردوغاني في نقد المفهوم الأمريكي للإرهاب يكتسب قوة مضافة من كون تركيا داخلة في اتفاق شراكة استراتيجية وقعته سنة 2006 مع أمريكا، ويسهم كذلك في كسر الحواجز النفسية التي ظلت تحول لفترات طويلة دون إدانة إسرائيل علناً. موقف أردوغان يقول إن نقد إسرائيل ليس ممكناً فقط، وإنما هو واجب والتزام أخلاقي قبل أن يكون عملاً سياسياً. أردوغان قال للعالم بموقفه في دافوس: «إن تركيا لن توضع علي مائدة الطعام ليأكلها النظام العالمي بعد اليوم».

"صفعة عثمانية" من أردوغان لشيمون بيريز في دافوس


انسحب رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان غاضبا من إحدى جلسات منتدى دافوس الاقتصادي العالمي في سويسرا احتجاجا على عدم إعطائه الفرصة للرد على كلمة مطولة للرئيس الإسرائيلي شيمون بيريز برر فيها المجزرة الإسرائيلية في قطاع غزة.

ففي جلسة حول غزة بالمنتدى دافوس مساء الخميس، تحدث في البداية أردوغان لمدة 12 دقيقة موجها كلامه للرئيس الإسرائيلي قائلا "ما دمت تقوم بإلقاء القنابل وتتعلل بالصواريخ و(حركة المقاومة الإسلامية) حماس، ماذا فعلت خلال مدة ستة أشهر من التهدئة غير قتل 28 فلسطينيا وقطع الكهرباء والطعام".

وأضاف "نحن كبشر يجب علينا التفكير في هذه المواقف، وأؤكد على عدم وجود أي توجه غير إنساني لموقفي في دعم الناس في غزة، فأنا لست ضد السامية ولا ضد أي دين كان، وذكركم بأنكم تؤخرون المساعدات الإنسانية للهلال الأحمر التركي على المعابر".

وحول اعتقال البرلمانين والوزراء الفلسطينيين، قال أردوغان "طلبت من أولمرت إطلاق سراح البرلمانيين والوزراء, فرد قائلا آنذاك "عباس يغضب لو فعلنا هذا", فقلت له إذن أطلق الأسرى العاديين فقال: إذا تركتهم تعرض محمود عباس لأزمة ثم وجدت بعد هذا اللقاء قتل الناس بدون هوادة في غزة".

كما أعرب عن دهشته من المقارنة بين قوة إسرائيل والفلسطينيين, قائلا "هل هناك أسلحة لدى الفلسطينيين مماثلة لما هو موجود لدى إسرائيل بما فيها أسلحة الدمار الشامل؟ بالطبع الجواب لا، حتى أنهم يضربون مراكز الأمم المتحدة والمدارس والمساجد بالصواريخ والقنابل".

بدوره، تحدث الرئيس الإسرائيلي شيمون بيريز لمدة 25 دقيقة شرع خلالها في عرض مبررات وذرائع للعدوان الإسرائيلي على غزة قائلا: إن حماس هي من دفعت إسرائيل لهذه الحرب، بعد أن أطلقت صواريخها على البلدات الإسرائيلية، وكان بيريز يتكلم بحدة وينظر إلى أردوغان مباشرة بين الحين والآخر.

وحين صفق بعض الحضور بقوة لبيريز على كلمته، بدت علامات الغضب الشديد على وجه أردوغان، فقاطع بيريز وقال بحدة : موجها كلامه للحضور: "عار عليكم أن تصفقوا على عملية أسفرت عن سقوط آلاف الأطفال والنساء على يد الجيش الإسرائيلي في غزة".

"أنتم أدرى الناس بالقتل"

وأضاف رئيس الوزراء التركي موجها كلامه هذه المرة لبيريز: "السيد بيريز، أنت أكبر مني سنا وقد استخدم لغة قوية، وهذا يعنى وجود أزمة نفسية لديك"، وتابع موجها حديثه إلى بيريز بحزم: "أتذكر الأطفال الذين قتلوا على الشاطئ ولم يكن هناك صواريخ تطلق منها.. عندما يتعلق الأمر بالقتل فأنتم أدرى الناس بالقتل".

بينما رد عليه بيريز مشيرا إليه بأصبعهً: "كانوا سيقومون بمثل ما نقوم به لو كانت الصواريخ تسقط على إستانبول"، في إشارة إلى الصواريخ التي تطلقها المقاومة الفلسطينية على البلدات الإسرائيلية دون أن تحدث خسائر تذكر.

واستدرك أردوغان قائلا "أذكرك أن التوراة تمنع القتل وكثير من يهود العالم شجبوا كل هذا القتل واستخدام القوة المفرط".

تدخل أمريكي!

وهنا تدخل منسق الجلسة، ديفد إيغناتيوس، كاتب العمود الشهير بصحيفة واشنطن بوست الأميركية، والمعروف بتوجهاته الداعمة لإسرائيل، ليقاطع أردوغان قائلا إن الوقت انتهى، ثم قاطعه بيديه مرة ثانية فحاول أردوغان الرد عليه بطلب عدم مقاطعته لمنحه فرصه للرد، خصوصا وأن الوقت الذي استغرقته مداخلته (12 دقيقة) لم يكن متوازنا مع الوقت الممنوح لبيريز (25 دقيقة).

وبعد أن وجد أردوغان نفسه في موقف الممنوع من الحديث، انتفض غضبا وجمع أوراقه قائلا: "شكرا أنتم لا تتركون لي فرصة كي أتحدث.. لقد تحدثت نصف مدة بيريز فحسب.. لن أحضر إلى دافوس مرة أخرى".

وبينما قام أردوغان ليغادر القاعة بدا على الرئيس الإسرائيلي الارتباك ملتفتا حوله دون أن ينطق بأي تعليق.

ووقف الأمين العام لجامعة الدول العربية عمرو موسى وصفق بحرارة لأردوغان قبل أن يصافحه فيما غادر أردوغان القاعة وسط تصفيق من بعض الحضور.

وعقب مغادرة أردوغان وقف موسى يتلفت يمينا ويسارا، فأشار له الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون بالجلوس، فأخذ مكانه في الندوة مرة أخرى.

وقال أردوغان خلال موتمر صحفي عقب الندوة مبررا موقفه: "بيريز تحدث لمدة 25 دقيقة، وكان يتكلم بشكل يغلب عليه الحدة وينظر إلي مباشرة بطريقة لا تتلاءم مع الحرية العامة".

وعلق مراقبون أتراك على الواقعة قائلين أن أردوغان وجه "صفعة عثمانية" إلى بيريز، مستندين إلى ما هو معروف في التراث العثماني، فحين يفحم شخص آخر مستندا إلى المنطق والعقل، فيقال أنه وجه إليه "صفعة عثمانية". وتم تكريم أردوغان في ندوة سبقت الجلسة التي شهدت الواقعة بالمنتدى الاقتصادي أمس الخميس، باعتباره أفضل دبلوماسي.


"زاد الطين بلة"

وفي تعليقه على الحادثة أشاد ليث شبيلات، رئيس جمعية مناهضة الصهيونية بالعاصمة الأدرنية عمان، بموقف رئيس الوزراء التركي، قائلا إن: "موقف أردوغان ينبئ بتقدم نحو المواقف المستقلة عن الإرث التركي العلماني".

كما انتقد شبيلات بشدة حضور الأمين العام لجامعة الدول العربية الندوة مع الرئيس الإسرائيلي.

وقال: "كيف يسمح العرب بأن يجلس عمرو موسى هذه الجلسة مع قادة إسرائيل"، مضيفا أن جلوس عمرو موسى بعد خروج أردوغان "زاد الطين بلة"، وقال متحدثا عن الساسة والحكام العرب: "هؤلاء لا يدرون ماذا يفعلون".

وكان أردوغان قد هاجم في وقت سابق أمس الأربعاء العدوان الإسرائيلي على غزة، واعترض على تصنيف حركة المقاومة الإسلامية "حماس" ضمن قائمة "المنظمات الإرهابية"، داعيا في الوقت نفسه الرئيس الأمريكي باراك أوباما إلى إعادة النظر في تعريف المنظمات الموجودة في الشرق الأوسط تحديدا.

«لوموند» الفرنسية: عن أي نصر في غزة تتحدث إسرائيل!


«لوموند» الفرنسية: عن أي نصر في غزة تتحدث إسرائيل!
ترجمة: إسراء محمد علي

في الوقت الذي ذهب فيه رئيس الوزاء الاسرائيلي ليعلن أن عملية «الرصاص المصبوب» في غزة حققت أهدافها، وتصدرت كلمة «النصر» للصفحة الأولي من صحيفة «معاريف» الإسرائيلية بعد إيقاف إطلاق النار، وانتشار صور الجنود فوق دباباتهم الميركافا وهم يرفعون بأيديهم علامة النصر، شككت صحيفة «لوموند» الفرنسية في الزهو الإسرائيلي كله، بقولها إن الصواريخ الفلسطينية أطلقت باتجاه إسرائيل بمجرد دخول إطلاق النار الأحادي الجانب حيز التنفيذ، وبعدها أعلنت حماس وقف إطلاق النار من جانبها، وأمهلت الجيش الاسرائيلي أسبوعًا للانسحاب من غزة.



وأشارت الصحيفة إلي قول رئيس الأمن الداخلي الإسرائيلي إلي «إن حماس بإمكانها إعادة بناء أنفاق مرة أخري في غضون شهورقليلة وستعود من جديد لحمل وتهريب السلاح»، وأبرزت وجود أصوات داخل إسرائيل تقول إنه «لا يوجد شيء من الأهداف التي أعلن عنها في بداية العملية التي بدأت في 27 ديسمبر تم تحقيقه» وهذا ما أعلنه الرجل الثاني في حزب الليكود سيلفان شالوم، وهو الحزب الذي أعلن معارضته لقرار من جانب واحد لإنهاء القتال.

وأشارت الصحيفة إلي انتقاد العديد من الإسرئيليين لحكومة تل أبيب لعدم قدرتها علي تحرير الجندي جلعاد شليط الذي أسرته حماس في 25 يونيو 2006 في قطاع غزة، وأشار ناحوم بارنياكاتب عمود في صحيفة «يديعوت أحرونوت» إلي «أن توافق الآراء علي الصعيد الوطني التي سادت في إسرائيل لاثنين وعشرين يومًا توفي مساء يوم وقف إطلاق النار» في إشارة إلي أن الإسرئيليين كانوا يعتقدون أن الحرب ستحقق شيئًا مما وعدت به إسرائيل شعبها فلما تم إيقاف إطلاق النار لم يتحقق شيء من هذه الوعود.

وتساءلت الصحيفة: ما هو «الرصاص المصبوب» إذن؟ في إشارة إلي أن إسرائيل لم تجن الثمار التي منت نفسها بها من هذه العملية في نهاية المطاف، وقالت الصحيفة «إن الثمن التي ستدفعه الدولة اليهودية سيكون أعلي بكثير مما يتصورون، فكل من فنزويلا وبوليفيا وموريتانيا قرروا تعليق العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وأعلنت قطر إغلاق المكتب التجاري الإسرائيلي في الدوحة، وقال بشار الأسد الرئيس السوري إن المبادرة العربية للسلام التي اعتمدتها دول جامعة الدول العربية في مارس 2002 في بيروت أصبحت الآن بالية، وحتي تركيا التي كانت علاقاتها بدأت تتحسن مع تل أبيب، قرر رئيس وزراؤها رجب طيب رجب أردوجان أن أنقرة لن تلعب دورًا في المساعي الحميدة في مفاوضات السلام الإسرائيلية - السورية».

وقالت الصحيفة إن حرب إسرائيل الدموية والمميتة علي غزة أضعفت محمود عباس - رئيس السلطة الفلسطينية - وشريك إسرائيل في التفاوض من أجل إحلال السلام، وأنها لم تخفض القدرات العسكرية للمقاومة الإسلامية كما يزعم المسئولون الإسرائيليون، فهي لم تتمكن من القضاء سوي علي جزء ضئيل لا يتعدي 2% منهم فعدد مقاتلو حماس يتأرجح ما بين 15 ألفًا و20 ألف مقاتل ومن لقوا مصرعهم من هؤلاء المقاتلين يترواح ما بين 500 و600 مقاتل قتلوا في الحرب الإسرائيلية علي غزة بحسب التقارير الإسرائيلية، وباقي الضحايا هم من المدنيين، فيما تؤكد المقاومة أن خسائرها أقل من ذلك بكثير.

وأضافت الصحيفة إذا كانت حماس قد اهتزت خلال هذا الهجوم، لكنها لا تزال علي قيد الحياة، بل وظهرت مرونتها أكثر من أي وقت مضي، وهذا في واقع الأمر ضروري، حتي لو كان الاسرائيليون والعالم الغربي ما زالوا يرفضون إجراء محادثات مع قادتها، وكان ترحيب حماس بوقف إطلاق النار من جانب إسرائيل قبل إعلانها وقف إطلاق النار وإمهالها هدنة لمدة أسبوع لتسهيل وصول المساعدات الإنسانية ومواصلة المفاوضات للتوصل إلي حل لإعادة فتح نقاط العبور، وهذا يعني أن حماس لن تقبل بوقف دائم لإطلاق النار من دون إنهاء الحصار المفروض علي قطاع غزة، فهذه المطالب هي من أولويات حماس لوقف إطلاق نار دائم في القطاع.

وقالت الصحيفة: إنه ومع كل الاحترام لإيهود أولمرت الذي قال إن «قوة حماس في تناقص مستمر، فإن الثلاثة أسابيع من الحرب الإسرائيلية علي غزة زادت من جماهيرية حركة حماس بين السكان الفلسطينيين، واعتقد الكثير من المعلقين أنه ارتكب خطأ جسيمًا بعدم تجديد الهدنة التي كانت قائمة منذ يونيو وحتي 19 ديسمبر الماضي».

محنة غزة بين النكبة العربية والنجدة التركية


إبراهيم البيومي غانم أستاذ العلوم السياسية يكتب: محنة غزة بين النكبة العربية والنجدة التركية
فاجأت تركيا عدة أطراف دولية بهجومها الدبلوماسي المكثف علي الشرق العربي منذ اليوم الأول للعدوان النازي الإسرائيلي علي غزة. واستندت تركيا في هجومها هذا إلي عناصر قوة كثيرة تمتلكها، وأهمها: قوة شعبية حكومتها
بدلالة الانتخابات الديمقراطية، وقوة الاستراتيجية التي تتبناها كدولة إقليمية مركزية تدرك مكانتها وتتصرف بحجم هذه المكانة، وقوة علاقاتها بمختلف أطراف الصراع في المنطقة وفقاً لمبدأ «لسنا مع أحدهم ضد الآخر» الذي يعتبر من أهم المبادئ التي وضعها كبير مستشاري رئيس الحكومة التركية أحمد داود أغلو.


أول الأطراف التي فاجأتها الدبلوماسية التركية هو النظام الرسمي العربي، الذي لا يزال يتخبط في حالة مروعة من الهرج والمرج، ويعاني الإفراط في العبث إلي حد يبعث علي الغثيان؛ فمن صدام المبادرات العربية في «قاعات القمم» بين القاهرة، والدوحة، والكويت، والرياض، إلي الكوميديا السوداء، والتصريحات البهلوانية التي مارسها عدد من قادة هذا النظام الرسمي؛ معبرين تارة عن قلة الحيلة، والشعور بالعجز عن فعل شيء، أو متحولين تارة أخري ـ وبقدرة قادر ـ من حكام أصحاب سلطة وقرار، وقادة جيوش، وأصحاب فخامة وجلالة وسمو، إلي تقمص دور المواطن العادي الذي لا حول له ولا قوة، أو في أحسن الأحوال تقمص دور محلل سياسي من الدرجة الثالثة. أحدهم شرح لنا أسباب العدوان علي غزة ورده إلي رفض حماس تمديد التهدئة دون أن يقول لنا تمديدها إلي متي وتحت أي شروط؟ وآخر ذكر إحصائيات بأعداد الشهداء والجرحي وتوقع المزيد، وثالث ولول علي الضحايا من شهداء المحرقة، ورابع تبرع بقطرات من دمه الفاسد لدعم الفلسطينيين الذين تذبحهم إسرائيل بجواره. أما أمين عام الجامعة فقد اختار لغة مسجوعة تنتمي فقط إلي عصر المماليك حيث الركاكة اللغوية المتخمة بالمحسنات البديعية فارغة المعني.

مفاجأة تركيا للنظام الرسمي العربي بهجومها الدبلوماسي لم تفلح في إخراج هذا النظام من حالة الفوضي التي يتخبط فيها، بدليل أنها نأت عن الانغماس أكثر من اللازم في بهلوانيات القمم العربية. ويبدو أن جولة أردوغان الأولي بين دمشق وعمان والقاهرة والرياض كانت لجس نبض هذه العواصم الأمريكية؛ حيث توجد القوة التي يمكن الاعتماد عليها، وهو ما ظهر في تركيز الدبلوماسية التركية عملها مباشرة مع من بيدهم قوة الحل والعقد: حماس، ودمشق، والقاهرة،
وطبعاً تل أبيب. ويبدو أن تركيا ستحتاج إلي وقت أطول كي تمسك بنبض النظام العربي بعد أن فقدته لمدة طويلة قاربت ثمانية عقود بدأت بعد إلغاء الخلافة واستمرت إلي نهاية القرن العشرين.

ثاني الأطراف ـ وثالثها أيضاً ـ التي فاجأها الموقف التركي هو العدو الإسرائيلي والإدارة الأمريكية؛ وهما يرتبطان بعلاقات وثيقة مع تركيا منذ عشرات السنين. صمتت أمريكا علي رد فعل أردوغان صمتاً مريباً حتي الآن. أما إسرائيل فقد حاول بيريز استيعاب الموقف القوي الذي اتخذه أردوغان رداً علي الإهانة التي وجهها رئيس حكومة العدو إليه عندما زار أنقرة واجتمع به قبل خمسة أيام فقط من شن العدوان علي غزة، مؤكداً رغبة إسرائيل في متابعة المفاوضات غير المباشرة مع سوريا؛ دون أن يذكر له أي شيء عن نيته في مهاجمة غزة، فلما وقع الهجوم انتفض أردوغان لإدانته، ونقل القضية إلي برلمانه وعرضها أمام ممثلي شعبه الذي انتخبه، واعتبر أن أولمرت بكذبه وخداعه أهان الشعب التركي بأكمله، وليس شخص أردوغان فقط. خدعه كرئيس أحد أكبر ثلاث دول في الشرق الأوسط. وكأن أردوغان بهذا التأكيد أراد أن يلزم من سيأتي بعده ـ عندما يرحل عن رئاسة الوزراء لأي سبب، نفس سياسته تجاه إسرائيل؛ لأن إسرائيل خدعت تركيا كدولة وليس أردوغان كشخص. هذا ما قصدناه بالقول إن أحد مصادر قوة تركيا في تدخلها في أزمة غزة هو ديمقراطيتها، وقوة رؤيتها الاستراتيجية والتصرف بحجم مكانة الدولة وليس بأقل أو أصغر منها.

توالي التصعيد في الموقف التركي علي لسان أردوغان من تحميل إسرائيل المسئولية الكاملة عن العدوان، وتبرئة
حماس من رفض تجديد التهدئة، إلي المطالبة بتعقب قادة إسرائيل لمحاكمتهم أمام محكمة الجنايات الدولية بتهم ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، والمطالبة أيضاً بفرض عقوبات علي إسرائيل لعدم التزامها بقرارات مجلس الأمن رغم إلزاميتها، وكلها مواقف لم تجرؤ قيادة عربية واحدة علي الاقتراب منها؛ بل إن محمود عباس رفض التوقيع علي إحالة قادة إسرائيل للمحاكمة الجنائية الدولية!!. وتتناثر في الأيام الأخيرة معلومات تفيد أن جهاز الموساد الإسرائيلي يحذر من أن غضبة أردوغان قد لا تقف عند حد التنديد والإدانة الكلامية كما يفعل الحكام العرب، وإنما قد تنتقل إلي تجميد اتفاقية التعاون الاستراتيجي مع إسرائيل، وحرمانها من التسهيلات العسكرية الممنوحة لها بموجب هذه الاتفاقية.

تلويح تركيا لإسرائيل بأنها إزاء مقايضة بين استمرار علاقاتها معها إذا أوقفت العدوان، أو المغامرة بفقدان هذه العلاقات وخسارة المزايا الاستراتيجية العسكرية والاقتصادية إذا استمرت في عدوانها، هذا التلويح لم يدعمه موقف عربي مماثل ومنسجم مع «لغة المصلحة»، أو لغة القوة التي لا تفهم إسرائيل غيرها. وأردوعان لا يهزل، وسبق له أن ألغي اتفاقاً مع إسرائيل لصيانة طائرات إف 4 والدبابات التركية بمبلغ 20 مليار دولار؛ حتي لا تلوي إسرائيل ذراعه، وأحال المهمة لشركة تركية أدت المطلوب بكفاءة أفضل، وبتكلفة أقل.

جاء الموقف العربي الرسمي عبثياً هزلياً وقت الجد. وهذه الفجوة بين الموقف التركي والموقف العربي هي التي أضاعت الكثير من ثمرات الصمود الأسطوري للمقاومة الباسلة في ميدان المعركة لمدة بلغت أربعة أضعاف المدة التي استغرقها جيش العدو الإسرائيلي في تدمير أربعة جيوش عربية في عدوانها سنة 1967.

الخذلان العربي الرسمي لم يثن الدبلوماسية التركية عن الاستمرار في هجومها المكثف، علي طريقة الجولات المكوكية بقيادة أحمد داود أوغلو، الذي يعد بحق كيسنجر السياسة التركية، بل ستثبت السنوات المقبلة أنه يتفوق عليه. ولكن رغم قوة المساعي التركية وتفانيها وتأكيدها أكثر من مرة أنها تأخذ دور أحد، فإن فرص نجاح هذه المساعي ستظل محدودة هذه المرة. وستعمل إسرائيل والولايات المتحدة ـ إلي جانب الخذلان العربي ـ علي عرقلة الدور التركي والالتفاف عليه بكل السبل؛ كي تحرم تركيا من كسب مواقع لها في هذا الصراع، وكي لا تصبح لاعباً يصعب ترويضه فيما بعد، خاصة أن تلميحات أردوغان إلي أجداده العثمانيين ودورهم في حماية اليهود تحمل دلالات كثيرة باتجاه تكريس تركيا كدولة إقليمية كبري يجب أن يحسب حسابها، وأن زمن النظر إليها كعضو في حلف الأطلسي فقط قد ولي.

لا تمسك تركيا إذن بالمفتاح السحري لحل الصراع العربي الإسرائيلي دفعة واحدة، ولكن دخولها علي خط التفاعلات المتطاحنة فيه سيضيف له مذاقاً جديداً. قد يتمخض الدور التركي هذه المرة علي الأرض في صورة رئاستها قوات دولية يجري نشرها علي المعابر، أو علي حدود غزة في إطار ترتيبات العودة للتهدئة، علي غرار ما حصل في لبنان من إرسال قوات دولية بعد عدوان يوليو 2006، ولكن هذا الهجوم الدبلوماسي التركي فتح صفحة جديدة في علاقتها بالمنطقة، وسيكون له تأثيراته في قضاياها العالقة. وفي كل الأحوال فإن هذا التحرك التركي قدم درساً للدول العربية الكبيرة، خاصة مصر، في كيفية التصرف بحجم عمقها الحضاري، وعلي قدر مكانتها الدولية والإقليمية.