‏إظهار الرسائل ذات التسميات الرئيس مبارك. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات الرئيس مبارك. إظهار كافة الرسائل

إطلاق سراح أيمن نور لأسباب صحية

تحديث : وأضافت زوجته جميلة اسماعيل في اتصال مع رويترز "انه في المنزل"

قالت جميلة إسماعيل زوجة المعارض المصري أيمن نور إنه تم إطلاق سراح زوجها لأسباب صحية. جاء ذلك في تصريح أدلت به لوكالة رويترز للأنباء.

وكانت الحكومة المصرية قد رفضت من قبل عدة نداءات لاطلاق سراح نور الذي سجن بتهمة التزوير فى التوكيلات الخاصة بحزبه.

ويقول انصار نور ان التهم وجهت له جاءت عقب تحديه للرئيس المصرى حسنى مبارك فى اول انتخابات رئاسة مصرية.

ورفضت السلطات المصرية ضغوط واشنطن ومنظمات حقوق الإنسان للإفراج عن المعارض المصري.

وكان نور حل في المركز الثاني في انتخابات الرئاسة التي جرت في مصر سبتمبر/ أيلول 2005 بعد الرئيس حسني مبارك بعد أن حصل على ثمانية في المائة من الأصوات.

الفيل والتنين «4»


من أول السطر
إبراهيم عيسي

تحكي النكتة عن مسئول مصري رفيع المستوي زار الصين فاستقبله الرئيس الصيني الذي أخذ يروي متفاخراً إنجازات الصين فقال له المسئول المصري إن دولته كانت يمكن أن تفعل ذلك لولا عدد السكان فأسرَّها الرئيس الصيني في نفسه، حيث إن عدد سكان الصين قارب علي المليار ونصف المليار نسمة فليس هناك عدد سكان في الأرض أكثر منها، ومع ذلك تقدمت وتفوقت علي العالم كله
لكن الرئيس الصيني - احتراماً لضيفه - لم يعلق واستمر يروي إنجازات الصناعة الصينية فعاجله المسئول المصري بأن دولته كانت يمكن أن تفعل ذلك لولا عدد السكان، أمسك الرئيس الصيني أعصابه وتماسك خشية الانفلات وكرر الكلام عن منجزات الصين العلمية فأصر المسئول المصري علي نفس جملته «أن دولته كانت يمكن أن تفعل ذلك لولا عدد السكان»، هنا لم يتمالك الرئيس الصيني نفسه وسأله: هُوَّ عدد سكان مصر كام؟ فرد المسئول المصري تمانين مليون نسمة، فابتسم الرئيس الصيني وقال له : بس.. يا راجل ومجبتهمش معاك ليه!!

بعد أن شرحنا كيفية تطور وتحول الهند والصين من «طور» الدول النامية التعسة والمفلسة والفقيرة إلي «دور» الدول الكبري والعظمي اقتصادياً وصناعياً في أقل من عشرين عاماً، مازلنا نسأل : لماذا لم تتحول مصر مبارك إلي كيان اقتصادي وصناعي عالمي وهائل مثل هاتين الدولتين، خصوصاً أن حجة الرئيس التي يرددها عن زيادة السكان تتبخر تماماً أمام الزيادة السكانية الرهيبة للهند والصين، طبعاً حجج نظام مبارك لا تتوقف ولا تتعطل، فالحاصل أن هذا الحكم المستمر منذ 28عاماً علي عرش مصر لم يعد متميزاً في شيء إلا في التحجج، ولم ينجح هذا النظام في شيء إلا في الفشل!

المهم أن الهند والصين (الفيل والتنين) نجحتا في الانتقال الرائع ومصر لم تبرح مكانها في الدول النامية النائمة؛ لأنه قد غاب عنا ما حضر في نيودلهي وبكين، التخطيط والنزاهة!

نعم هذا هو العمود الفقري لأي نجاح اقتصادي لأي دولة في العالم، التخطيط الذي هو وضع خطط علمية ومدروسة ومحترمة وهذا التخطيط قد يقوم به نظام مستبد وديكتاتوري لا يعرف الديمقراطية ولا يعرف ربنا حتي مثل نظام بكين، لكنه يعرف احترام التخطيط والخطط، يعتمد علي الخبراء وأصحاب الكفاءة والعلماء ذوي الدراية، لا يجمع حوله وداخله الأفاقين والمنافقين الذين يرفعون شعار أحلامك أوامر يا أفندم، نظام مستبد وديكتاتوري لكنه علمي ومنهجي لا يتعامل مع الرئيس الحكيم الذي يفهم كل شيء في الزراعة والصناعة والتجارة وبناء الكباري وخطط مباريات المنتخب، نظام مستبد لكنه لا يعبد الرئيس ولا يقدس سيادته ومن ثم فهو يرفع من قيمة العقل والمنطق والعلم وليس لديه جوقة من المحبظاتية من ترزية القوانين والخطط حسب الكيف ورقبتي ياريس، الصين تعيش تحت حكم ديكتاتوري وحزب واحد محتكر للسلطة لكنه ليس حزب العشوائية والفهلوة وشيل ده من ده يرتاح ده عن ده، حزب محتكر للسلطة ولكنه ليس محتكرً للحقيقة ولا للفهم ولا للعلم ثم ليس فيه رجال أعمال ومليارديرات خطتهم الوحيدة هي نفخ ثرواتهم، حزب مستبد لكنه علي الأقل لا يضع رجل أعمال متهماً بالاحتكار مسئولاً عن الخطة والموازنة، إذن يمكن أن يلتزم بالتخطيط حزب ديكتاتوري ولكنه يملك عقيدة وطنية لتطوير بلده وليس لإثراء أعضائه كما أنه لا يقوم علي تقديس رئيسه ولا تأليه زعيمه (ليس غريباً أن هذا التفوق يظهر بعد رحيل الزعيم الصيني المؤله ماوتسي تونج) والتخطيط كذلك قد يصدر عن حكومة منتخبة ديمقراطياً مثل حكومة الهند التي تملك عقلاً وطنياً ووعياً قومياً ومسئولية تجاه مجتمعها وشعبها فتخطط لبلدها مستعينة برجال العلم والخبرة والكفاءة وبدقة وبالتزام وأمانة لأنها تعرف أن الشعب سوف يسائلها ويحاسبها وأنها لن تبقي للأبد في الحكم وأنها جزء من هذا الوطن وليست هي الوطن وغيرها خونة وعملاء، التخطيط هو بداية وأساس أي تطور وتقدم اقتصادي وتنموي سواء جاء عن حكومة ديمقراطية كالهند أو ديكتاتورية كالصين.

نأتي للحتمية الثانية لأي تطور وهو النزاهة، طهارة اليد شرط نجاح تنفيذ أي خطط، وهذه النزاهة قد تتحقق كما في الصين عبر توفر شفافية داخلية في حزب محتكر وسلطوي ولديه قدرات عالية علي المحاسبة والرقابة علي مسئوليه ولا يتهاونون في أي فساد أو إفساد إلي حد تنفيذ عقوبات الإعدام في المرتشين والفسدة ثم هو حزب محتكر للسلطة لكن يتم داخله تداول للسلطة وصعود وإبعاد لقياداته ومن ثم يحقق هذا التداول الشفافية الواجبة والرقابة الذاتية ومسئولية المحاسبة، وليس هو الحزب الذي يركن إلي قيادات مستقرة في مقاعدها لا تغير ولا تتغير وتأبي المحاسبة وتتحصن بمقاعدها فتفسد وتُفسد كما شاءت وساءت، وقد تتحقق النزاهة عبر نظام ديمقراطي كالهند يملك برلماناً محترما وفاعلا بلا موافقين ومصفقين وانتقال لجدول الأعمال، برلمان قادر علي محاكمة وزراء وسحب ثقة من حكام وصحافة حرة نابهة ومتعددة الرؤي والمصالح ومجتمع مفتوح ورأي عام قادر علي مراقبة ومحاسبة حكومته والعصف بها إن أراد!

عند الفيل والتنين في الهند والصين تخطيط ونزاهة وفي مصر رمز الجمل تخبيط وتخليط.. ونزيهة!

قارن إذن بيننا وبينهم وتحسر وتحسبن.. حسبي الله ونعم الوكيل!

الفيل والتنين 3


من أول السطر


قبل أن أقول لك لماذا لم تصبح مصر مثل الهند والصين؟

لماذا لم تتحول مصر خلال عشرين عاماً أو أقل مثلما تحولت الهند والصين من دولة نامية يأكل الفقر نصف سكانها ومفلسة تقريباً إلي دولة عظمي تتصدر العالم في التصنيع والتصدير وتشكل قوة اقتصادية كبري تغير موازين الكون ويعمل لها العالم ألف حساب؟

قبل أن أقول لك لماذا؟ (علي الأقل من وجهة نظري) تعال نتأمل الرموز التي يتم استخدامها في جميع أنحاء الدنيا لوصف تلك الدولتين، أما الهند فهي الفيل، وكما نعرف فالهند دولة تعيش وتنتشر فيها الأفيال ولكن قارة أفريقيا كذلك تشتهر بالأفيال لكنها لم تستخدم في وصف أفريقيا اللهم إلا في لقب فريق كوت ديفوار في كرة القدم، ويبدو السبب أن الأفيال وسيلة نقل في أماكن كثيرة بالهند في وقت من الأوقات ولم تكن حيواناً للترفيه أو للعيش في الغابات، ثم هي استطاعت ترويض هذه الأفيال وتحويلها إلي حيوانات صديقة وأليفة ولها كذلك احترامها الواجب بين أفراد الشعب كما أن في الهند شبهاً بالفيل فعلاً فهي ضخمة العدد واسعة المساحة ثقيلة وقوية وبعيدًا عن الهزار السخيف الذي يردده المصريون عن المهراجا والفيل الأزرق والألماظة وهذا الحشد من البلاهات فإن الفيل رمز صادق للهند.

أما التنين الذي يرمزون للصين به فهو كائن أسطوري كما حضارة الصين الأسطورية القديمة كما أنه أخطبوطي التكوين كما الصين المترامية والغامضة، ثم هي دولة تمكنت من مزاحمة وممازحة الوحوش الكامنة في تاريخها، ما يشكل التنين جزءاً أصيلاً من تراثها في الحكايات والمهرجانات الشعبية!

ومن ثم يأتي السؤال منطقياً ومفاجئاً في الوقت نفسه : بماذا يمكن ان نشبه مصر؟ ما الحيوان أو الطائر الذي يمكن أن نرمز به لمصر؟

ممكن يبقي النسر؟ حيثيات هذا الاختيار هو ان النسر أهم شيء في التعامل اليومي والإداري في مصر فلا أعرف من أين استوحي الموظف المصري النسر علي علم مصر الوطني (قبل أن يصبح الصقر) وكيف تحول النسر إلي ختم وشعار الجمهورية الذي لا تتم مكاتبة ولا تصدر وثيقة إلا ممهورة ومختومة بختم النسر؟ فالحقيقة أن 99%من المصريين لم يشاهدوا نسراً في حياتهم ولا مصر معروفة بالنسور ولا تجد في ثقافتها حكاية واحدة عن نسر ولا في حواديت الجدات، فضلاً عن أن مصر بلد لا يشتهر بعلاقة كبيرة بالطيران مثلا حتي يكون النسر بطلاً أو رمزًا وأقرب الطيور إلينا هي الحمامة وسيجد المصريون عيباً كبيراً في وصف مصر بالحمامة علي اعتبار أن مصر لا يمكن أن تبيض فهي بلد ولادة وليست بلداً بياضة!

أو ربما يكون رمز مصر هو الجمل حيث إن الجمل هو رمز الحزب الوطني الحاكم في الانتخابات وهو الذي تمارس حكومتنا أكبر عملية تزوير من أجل إنجاحه وفوزه بالانتخابات، ومن هنا فهو الحيوان الأهم والمتحكم في مصيرنا وأمورنا وهو كذلك سفينة الصحراء وأنت تعرف أن مصر في هذا العصر سفينة غارقة فهي في أمس الحاجة إلي سفينة أخري، ثم إن البلد كله يعاني الأمرِّين بين الجمل والجمَّال.

إذا لم يكن النسر أو الجمل هو نظير الفيل والتنين عندنا فما البديل؟ هل هو الحمار؟ فالحمار هو أشهر حيوان في مصر وهو جزء أصيل من منظومة العمل اليومية وهو صديق الفلاح ورأسماله وهو وسيلة النقل الأشهر وله في ثقافتنا عشرات القصص والحكايات وهو كذلك مثل ومسبة وطرفة ونكتة في حياتنا، فضلاً عن أن شبهاً ما يحوم بين الحمار وواقعنا فنحن نصف العامل بهمة بأنه حمار شغل، ويصف بعضنا بعضاً بالحمير التي تعمل وهي راضية بقليل من الطعام والغذاء والتي تشقي دون أن تحصل علي مكافأتها من الدنيا وهي صبورة وغلبانة وهي طيبة وربما غبية وهي حمولة وحمالة وهي تأخذ علقة لم يأخذها حمار في مطلع، ثم إن شعار مصر كلها «اربط الحمار مطرح ما عايزه صاحبه»، ونحن شعب لا يفعل في الحياة شيئاً أكثر من ربط الحمار مطرح ما صاحبه عايزه!!


الفيل والتنين 2


من أول السطر
إبراهيم عيسي

حين نعرف كيف نجح الآخرون سنعرف لماذا فشلنا نحن؟
لقد دفع اليأس الهند إلي التغيير الاقتصادي بالسرعة التي حدث بها في الصين، لكن بعد أكثر من عقد وفي شكل مختلف تماما، في عام 1991 كانت الهند مفلسة تماما، ألقت المقادير خلال عامي 90و91 فقط بمائة وعشرين مليون هندي إلي حضيض الفقر، وأدي التضخم - الذي بلغ 17 في المائة إلي تآكل الدخول المنخفضة - وبحلول العام 1991، أصبح 330 مليون نسمة أو( اثنان من بين كل خمسة هنود) يعيشون تحت خط الفقر، وانهارت الموارد المالية للحكومة، وأضحت الهند أمام كارثة محققة.
كان البلد مفلساً، أوقفت المصارف الإقراض للهند، كما ألغت بطاقة الائتمان لعدم السداد، وهبط احتياطي الصرف الأجنبي إلي مستويات تكاد لا تفي إلا بتكلفة أسبوعين من واردات النفط. وطارت حمولة طائرة بأكملها من احتياطي الذهب الهندي إلي لندن تم دفعها رهانا مقابل ضمان قروض قصيرة الأجل من الغرب، خلال هذه الأعوام ماذا حدث للهند بعد أن قررت النهوض؟

نما الاقتصاد بأسرع مما كان علي مدي عقود، وبدأت الشركات تشغيل العاطلين، وانخفض حجم التضخم من أكثر من عشرة إلي ما دون العشرة، بحيث يمكن التحكم فيه، وانخفض الدَّين، كما تم استرداد احتياطي الصرف الأجنبي النفيس، وتجنبت الهند الأزمة، وظلت الأضواء مشتعلة لم تنطفئ في أعظم بلاد الدنيا في هندسة الكمبيوتر وأكبر عدد مهندسي البرمجيات في العالم.

أما الصين عندما تولي «هسياو دنج» مقاليد الأمور زار في نوفمبر 1978 بانكوك وكوالامبور وسنغافورة، وصل «دنج» إلي سنغافورة مرتديا البدلة الصينية (هي تقريبا البدلة الصيفي الشهيرة للموظف المصري )، وقام بجولة في أنحاء سنغافورة، ووجد في البلد نموذجا حديثا متقدما تكنولوجيا جديرا بأن تقتدي به الصين لتطوير نفسها، وقال السيد لي بعد ذلك بعقود: «كانت هذه الرحلة بمنزلة جرعة استنفار ونقطة تحول»، وكانت كذلك حقا سواء بالنسبة إلي دنج شخصيا أو إلي كل الصين، ولقد كانت ولا تزال سنغافورة - التي هي دولة صينية عرقيا - مشهورة علي نطاق العالم بما تتمتع به من استقرار، وأنها خاضعة لحكم الحزب الواحد، وتفتقر إلي الحريات واشتهرت كذلك بتحولها السريع والمثير من بلد نام إلي بلد حديث ورأسمالي، وتتدخل الدولة بقوة في عملية التخطيط الاقتصادي في سنغافورة، كذلك تقوم بإقامة بنية أساسية حديثة وجذب الاستثمار الأجنبي.، وبينما كان دنج يحاول في العام 1992 الإسراع في الإصلاحات، أرسل ما لا يقل عن أربعمائة وفد صيني متفرقين - من المحافظين ورؤساء البلديات وسكرتارية الحزب وغيرهم من الرسميين - إلي سنغافورة خلال سنة واحدة ليشاهدوا- في تعجب- الصورة التي يمكن أن تكون عليها الصين بعد التحديث. والنتيجة علي سبيل المثال في سنة 2000 كانت الصين تُصَدِّر 30 في المائة من لعب الأطفال في العالم، وبعد خمس سنوات كانت الصين تُصَنِّع 75 في المائة من كل اللعب الجديدة في العالم!

وأصبحت الصين علي مدي العشر سنوات الأخيرة صانع الأحذية العالمي، وتُصَدِّر زوجا من بين كل ثلاثة أزواج أحذية في العالم، وصدّرت الصين في العام 2001 ما قيمته 3.1 مليار دولار قطع غيار للسيارات، ووصل الرقم إلي 9 مليارات دولار خلال السنوات الأربع التالية، وصدرت الصين في العام 1996 ما قيمته 20 مليار دولار أجهزة كمبيوتر وهواتف خلوية وأجهزة تسجيل «سي دي» وغيرها من الأجهزة الإلكترونية، وبحلول العام 2004 صدّرت الصين أكثر من أي بلد آخر ما قيمته 180 مليار دولارأي حوالي تسعة أضعاف، وتصدر الصين الآن في اليوم الواحد أكثر ما كانت تبيعه في الخارج علي مدي عام 1978 وقتما شرعت في الانفتاح الاقتصادي!

نجحت الصين والتي هي سلطة ديكتاتورية ونجحت الهند وهي دولة ديمقراطية حكامها ملزمون بالمحاسبة أمام البرلمان وأمام صحافة حرة (جدا)، فلماذا لم نفلح نحن في مصر؟ أخذنا من الصين ديكتاتوريتها ولم نأخذ تقدمها؟ ولم نأخذ من الهند لا تقدمها ولا ديمقراطيتها!

ليه؟

أقولك ليه !..

الفيل والتنين


من أول السطر

إبراهيم عيسى
كي تعرف أن نظام الرئيس مبارك الذي يستمر منذ 28 عامًا فشل في أن يصنع من مصر شيئًا كبيرًا وعظيمًا بين الأمم، وكي تدرك أن ما نعيشه من ظروف اقتصادية بائسة إنما هي بفعل فشل هذا النظام في إدارته للبلد، تعال نذهب معًا إلي الفيل والتنين أو الهند والصين وكيف نجحت هاتان الدولتان في الصعود إلي قمة العالم الاقتصادية والانتقال بشعبيهما من درك الإفلاس والفقر الدكر إلي أن يتحولوا إلي ذكور العالم الاقتصادية، كيف تغير الهند والصين مصيريهما؟ وكيف تغيران - بفضل هذا كله - مصير العالم، وتنتقلان من بين صفوف بلدان العالم النامي لتحتلا موقع القوي العظمي؟ هذه ليست قصة نجاح الصين والهند بقدر ما هي ملحمة فشل مصر، ففي خلال أقل من عشرين عامًا حدثت المعجزة الآسيوية في الهند والصين!

سأستند في معلوماتي هنا إلي كتاب (الفيل والتنين) لكاتبة أمريكية متخصصة هي روبين ميريديث (صدر عن سلسلة عالم المعرفة من ترجمة الكبير شوقي جلال) لم ترد فيه كلمة واحدة عن مصر لكن في كل سطر فيه يقفز في وجهك السؤال: إشمعني إحنا؟ لماذا لم نصبح في عصر مبارك الطويل مثل هاتين الدولتين، لقد كسر (أو بالأحري حطم) الصعود الصيني والهندي كل الأوهام التي يروجها لنا نظام الرئيس مبارك كمبررات للوضع الاقتصادي الهزيل والمخجل الذي تجد مصر فيه نفسها بين دول العالم؛ حيث تقبع في قاع الدول المصدرة والمصنعة أو المكتفية ذاتيًا أو المؤثرة اقتصاديا، فضلاً عن وجود 44% من الشعب المصري تحت خط الفقر، ناهيك عن الانتشار الهائل للبطالة والتي تصل نسبتها حسب بعض الخبراء إلي 18% ويمكن لأي قارئ كريم أن يتكرم ويضيف لهذا المقال مزيدًا من الأمثلة علي حال الشعب المصري، فالكاتب ليس أعلم من المكتوب له. لكن لنركز الآن في الأوهام التي عاش عليها النظام المصري، الوهم الأول الذي ضربه النجاح الهندي والصيني وَهْم أعملكوا إيه وأجيب لكم منين؟وهذا الكلام الذي تسمعه من كبير مسئوليك، فالدرس الصيني هو أنك يمكن أن تنجح! نعم، فالفشل ليس قَدَرًا والتأخر والتدهور الاقتصادي ليس قضاء محتومًا ونقدر نعمل حاجة وحاجة كبيرة مش علي طريقة أجيبلكوا منين؟.. الوهم الثاني الذي تحطم هو أن التقدم والنجاح الاقتصادي المذهل حِكْرٌ علي الغرب سواء أوروبا أو أمريكا. أبدًا أي بلد عفي في أي مكان في العالم يمكن أن يفعلها. الوهم الثالث الذي تم نسفه نسفًا هو التحجج الملح والمخجل بأن الزيادة السكنية هي سبب استنزاف الثروة؛ حيث الهند والصين أعلي بلاد العالم كثافة وزيادة سكانية. الوهم الرابع هو الجملة الرزلة والممجوجة التي يرددها كل مسئول من عام 81 وحتي الآن وهي عنق الزجاجة التي يمر بها اقتصادنا، أو سخف الحديث عن إصلاح اقتصادي لمدة 28عامًا، فهل يصدق عاقل أو حتي مخبول أن اقتصادًا يتم إصلاحه 28عامًا ولا ينصلح أبدًا، إلا إذا كان الذين يصلحونه إنما هم مفسدون؟ في الهند والصين يتحقق إصلاح وتطور ونقلة هائلة في أقل من عشرين سنة تجعل من دولة نامية موشكة علي الإفلاس تتحول إلي دولة عظمي اقتصاديًا. الهند تحركت ببطء لكن في ثبات مطرد، علي عكس الصين التي صعدت بسرعة الصاروخ. ومع ذلك الهند بدأت نهضتها سنة 1991وهوب في السما، أما الصين فقد بدأت من 78 وسبقت أسرع وارتفعت أعلي، رغم أن الهند والصين، من نواح أخري كثيرة، متعارضتان؛ الهند ديمقراطية والصين تتبع نظام حكم ديكتاتوري، والهند أمة فيها مائة مِلَّة ويتحدث شعبها أكثر من ثلاثين لغة مختلفة، بينما الصين لغة واحدة وملة واحدة لكن ثمة شيئًا واحدًا فقط مشتركٌ بين البلدين الآن؛ الهند والصين أسرع الاقتصادات الكبري نموًا علي ظهر الكوكب، وفجأة أصبح كل منهما أرضا خصبة لأصحاب الأعمال والعاملين والعملاء والمنافسين، واستطاع المديرون التنفيذيون في مجالس إدارات الشركات من نيويورك إلي طوكيو ومن لندن إلي فرانكفورت التقاط حمي الهند الآن مثلما التقطوا منذ عقد مضي حمي الصين، وها هم كبار أصحاب مشروعات الأعمال يتحركون جيئة وذهابًا في سفريات مكوكية حول العالم؛ لأن الأمتين الصاعدتين تحققان نموًّا سريعًا للغاية، بحيث جعلتا اقتصادات الولايات المتحدة وأوروبا واليابان تبدو كأنها اقتصادات راكدة، وفجأة أيضًا أصبحت إقامة مشروعات الأعمال في الهند والصين الأمل الوحيد للشركات الغربية التي قررت الإسراع لكسب عملاء جدد.. مرة أخري تخيل أن الصين بدأت كل هذه النهضة منذ عام 1978فقط حيث كانت وقتها مبددة وضائعة تقريبًا، بينما الهند بدأت صعودها المدوي منذ حوالي 17عامًا فقط.. إزاي؟

أقولك إزاي!

ابراهيم عيسى يكتب :أزمة غزة بين حكمة الرئيس وحكمه


ابراهيم عيسى يكتب :أزمة غزة بين حكمة الرئيس وحكمه
الرئيس مبارك كان مصمماً على أن يضع بصمات الآخرين فوق جثة العروبة النافقة منذ السكوت المخجل عن مجازر إسرائيل وعدوانها أظن أن باب الاتهامات بالمتاجرة باب مفتوح من الاتجاهين ويمكن للجميع أن يتهم به الجميع

كان خطاب الرئيس مبارك فى مؤتمر القم العربية يوم الإثنين الماضى نموذجاً واضحاً يكاد يكون أوضح مما يجب عن وجهة نظر الرئيس وسياسته فيما يخص العالم العربى والقضية الفلسطينية، ولعلى أعتقد أن نفاد الصبر بدا يميز التعبير المصرى الرسمى عن نفسه وأفكاره، فأن ينقل رئيس فرنسى عن مبارك كلاما عن أن الرئيس يوصى بعدم خروج حماس منتصرة من حرب غزة وهو ما نفته الرئاسة المصرية فيما بعد ولم تنفه الرئاسة الفرنسية فهذا يعبر عن ضيق صدر الرئيس بحركة حماس هكذا أمام ضيفه وكأنه يتحدث مع رجال قصره وليس رجل قصر الإليزيه، ثم ما ينقله الدبلوماسيون الغربيون عن آراء مبارك الصريحة والجارحة لبعض من حركات وقيادات المقاومة وما ينقله مفوضو وممثلو حماس وغيرها من الفصائل من تعبيرات غاضبة وخشنة ضد دول عربية وقادتها يدخل كله فى حيز عدم الصبر وفراغ الطاقة والذى يعكس بطبيعة الحال إحساساً بالضغوط الهائلة فضلاً عن البعد الفسيولوجى، فقيادات مصر بلغت من العمر مرحلة لا تحتمل فيها كظم الغيظ أو لجم الغضب، وفى السياق ذاته فإن الخطاب الذى ألقاه مبارك فى القمة كما عكس لهجة البلد الحانق فقد أظهر كذلك روح القيادة التى تعتقد أنها بلغت من الرؤية والحكمة ما لا يجب لأحد أن يناقشها فيها وفيما تفعل وأن الأمور تقتضى طبقا لمنطقها السير وراء مواقفها وحكمتها بالتصفيق والتهليل وليس بالتشويش والمشاغبة، وأن امتلاك هذه القيادة للحقيقة المطلقة والحكمة الخالصة لا يتحمل لماضة من أحد أو معارضة من مجموعة جهولة أو مجهولة أو مراهقة

من هنا أصدق تماماً صدق الرئيس مبارك وإخلاصه فى هذا الخطاب الذى أشم فيه رائحة كتابة دكتور مفيد شهاب «وأكاد أصدق أن فيه شيئا من روح صياغة دكتور أحمد كمال أبوالمجد» فأنا لا أعرف من كتب هذا الخطاب بالضبط ، وكذلك بيان مطالبة إسرائيل بوقف إطلاق النار لكن يد رجل قانونى وسياسى قديم وعميق الصلة بذكريات الشأن الفلسطينى لابد وأنها تقف وراء سطوره، فضلا عن دقة الخطاب فى الإفصاح عن سن رجل وصل لاقتناع راسخ بصحة وحكمة موقفه حتى إنه ضاق ذرعا بنكران البعض لأفضاله
وأعرف أن الكثيرين الماثلين على الساحة السياسية والإعلامية المصرية يحبون أن يسلموا للرئيس مبارك بقدراته على إدارة ملف العلاقة مع إسرائيل والعرب، فإذا انتقدت هذه السياسة أو عارضتها فإنهم يسارعون لسحب الوطنية عنك، وأكثرهم رحمة بنا وشفقة علينا يتأسف على أن معارضتنا للسياسة الداخلية للرئيس أعمتنا عن رؤية حقيقة جدارة سياسته الخارجية، فإننا انطلاقا من معارضتنا له فى الداخل نعارضه لمجرد المعارضة والعناد فيما يتصل بسياسته الخارجية
لكننى فيما أعتقد لا أجد أى فارق ولا فرق بين السياسة الداخلية والخارجية للرئيس مبارك على الإطلاق، فيكاد الأمر يكون متوحدا تماما، فهو يتميز بالفردية والانفراد بصناعة القرار بعيداً عن الرجوع للرأى العام ولا الاعتبار للمعارضة فقرار الداخل مخطوف بأغلبية مزورة وقرار الخارج مُصَادر لصالح المصلحة التى يراها الرئيس ويحتكرها دونا عن الآخرين، ومن ملامحه كذلك الاستبعاد والنفى للرأى الآخر فكل من يخالف الرئيس فى سياسته الداخلية عميل مأجور لأمريكا والأمريكان الذين يحركون أذنابهم فى مصر «إلا من استثناه النظام وختمه بخاتم الوطنية» وكل من عارض موقف الرئيس وسياسته الخارجية فهو عميل للقوى الإقليمية ولإيران وهكذا يجد المعارض نفسه عميلاً لجهتين من الصعب أن يعمل لديهما معا إلا عفريت من الجن، فكيف تكون عميلا لأمريكا حين تقول للرئيس أن يجرى إصلاحات سياسية ثم تكون أنت نفسك عميلاً لإيران لو قلت للرئيس افتح المعبر وتوقف عن تصدير الغاز لإسرائيل؟
الثابت أن هناك منهجين فى الرؤية شديدى الاختلاف والتباين فى النظر لإسرائيل، وهو التناقض المركزى والرئيسى بين الرئيس وأنصاره من جهة وبين معارضيه من جهة أخرى وهو ما يحرك الأزمة التى تطاحنت داخليا وعربيا عقب العدوان الإسرائيلى على غزة وما تبعه من مجازر وجرائم حرب وقفت إزاءها مصر الرئيس موقفا بدا لكثيرين داخل مصر أقل مما يجب، بل أقل مما يحتمله أحد، وشهد هجوماً سياسياً عنيفاً ضد مصر فى العالم العربى وكان سهلاً للغاية أن تتهم مصر قطر وسوريا وإيران بالوقوف خلفه، وكأن مصر الرئيس لم تعد تصدق أن هناك من يتخذ موقفاً ضدها وضد سياستها لوجه الله ولأجل اعتقاده وأن مئات الألوف الذين خرجوا فى مظاهرات رفعت شعارات ضد السياسة المصرية تجاه فلسطين والعشرات من المفكرين والإعلاميين والسياسيين الذين انتقدوا وعارضوا موقف مبارك كلهم عملاء وباعة ذمم، ولم تراجع مصر الرئيس نفسها أبداً فى هذا الموقف ولا بدا أنها مستعدة لإعلان خطئها فى القرار وفى التقدير، وهذا ما ظهر بقوة وجلاء فى خطاب الرئيس مبارك فى القمة والذى خلا من أى لحظة مراجعة للذات وخلا تماما كذلك من أى اعتراف بخطأ فى التقدير أو فى الحساب، بل كان خطاباً مكرساً كله فى تحميل الآخرين مسئولية التدهور والانحدار العربى وأنهم جميعا لم يسمعوا الكلام ولم يصدقوا الحكمة ولم يمشوا وراء النبوءة، ومن هنا فقد حصل الملك عبدالله ملك السعودية على حظ من التعاطف الدافئ عقب خطابه رغم أن سياسة مبارك كانت توأم سياسة الملك، لكن الأخير اعترف أو حاول أن يبدو كريما فاعترف بمسئوليته كما كل القادة عما فيه العرب فى هذه اللحظة، بينما الرئيس مبارك كان مصمماً على أن يضع بصمات الآخرين فوق جثة العروبة النافقة منذ السكوت المخجل عن مجازر إسرائيل وعدوانها
العودة ضرورة إذن لخطاب الرئيس مبارك فى القمة العربية وهو الشارح المبين للمفهوم والمنظور المصرى الرسمى لما تعيشه الأمة العربية فى وقتنا الحالى ففى الخطاب
يقول الرئيس «امتحنت هذه المأساة عملنا العربى المشترك فكشفت الكثير من أوجاعه وتناقضاته ومعايبه وأوضحت للأسف انقسام عالمنا العربى واختراقه وتشتته»

ولا أظن كائنًا من كان يختلف مع الرئيس فى توصيفه للحال العربى الراهن، لكن المدهش أن هذا الكلام إن جاء من محلل سياسى أو ضيف فى برنامج تليفزيونى لوافقناه وصفق له بعضنا، لكن أن يصدر من رئيس أكبر دولة عربية فهو الأمر الذى يستدعى التأمل فى فداحة الوصف مع تجاهل أن الرئيس شريك أساسى وأصيل فى صناعة المشهد وأنه لو كان الواقع العربى هكذا وهو هكذا فعلاً فهو كفيل بأن يدفع الحكام العرب المسئولين عن ترديه واهترائه ومبارك منهم وأولهم باعتبارات المكانة والمكان يدفعهم للرحيل، فإما أنه صانع معهم لهذا الوضع وإما أنه عاجز عن تغيير هذا الوضع، وفى الحالتين هذا وضع لابد بعده من ولادة، ومن العجيب أن توصيف الوضع العربى وانقسامه واختراقه وتشتته أمر يشترك فيه بشار الأسد والقذافى وأمير قطر مع رئيس مصر وملك السعودية وعاهل الأردن، فمادام كلا الطرفين يجمعان على سوء الوضع فالأجدر بالطرفين أن يعلنا التنحى ويتركا الساحة للراحة
يقول الرئيس «كان منطق الأمور يملى علينا الوقوف إلى جانب «غزة» بمواقف جادة تعى خطورة العدوان وشراسته وتسعى لإيقافه واحتواء تداعياته الإنسانية بعيداً عن المزايدة والشعارات الجوفاء»

ليس هناك أكثر من الإفراط فى استخدام تعبيرات مثل تلك فى السياسة المصرية هذه الأيام، وحين يستخدمها الرئيس مبارك بنفسه فى خطاب مفصلى فى أزمة مدوية فهو يعنى اعتمادا كاملا مختوما بخاتم النسر من الدولة المصرية لوصف ما عداها من أفعال وأقوال تصدر من دول وجهات وجماعات بالمزايدة والشعارات، وليست الشعارات فقط بل الشعارات الجوفاء، والأمر كله يستحق السؤال الأمين والمخلص عن معنى هذه الأوصاف، فيبدو أنها من كثرة ما ترددت لم يعد أحد معنيا بمعناها، فالمؤكد يا سيدى الرئيس أن الشعارات ليست حاجة وحشة أبدا، فالحرية والإخاء والمساواة شعارات أقامت ثورة وأمة وغيرت العالم حين غيرت فرنسا، و«الدين لله والوطن للجميع» شعار مصرى رائع ربى أفكار الملايين ومازلنا نتمناه ونردده، وشعار «ما أُخذ بالقوة لا يسترد بغير القوة» كان شعاراً حقيقياً وصادقاً ولم يحدث أن أُخذ شىء بالقوة واسْتُرد بالتفاوض وإذا لم تكن هناك قوة حرب أكتوبر التى كنت أحد رجالها يا سيادة الرئيس ما كان السلام الذى كنت كذلك أحد رجاله، بل حرب أكتوبر نفسها شهدت الشعار الأعلى والأنبل وهو «الله أكبر»، وفى كل أحداث التاريخ ورغما عن كل تهكمات المتهكمين وقصور القاصرين فقد صنعت الشعارات أعظم الثورات وغيرت التاريخ وربما لهذا فقط تحفظ الرئيس حين زاد وصف «الجوفاء» على الشعارات حتى لا يصم الشعارات بما لا يجب أن توصم به من رئيس يجلس على مقعد رئاسة بلد علم العالم كيف تكون الشعارات والأحلام مفاتيح للخلود والمجد، ومن هنا نسأل عن معنى جوفاء؟ ومن القادر على معرفة كنه وحقيقة أنها جوفاء «المقصود طبعا بالجوفاء أنها صادرة من الجوف وليس من القلب وأنها لا تتجاوز الصوت وأنها فارغة من المعنى ومن ثم لا تفعل ولا تقدم فعلا ولا تغير أمراً»؟ وأستغرب هذا الصدق الذى يتجلى فى نبرة الرئيس وهو يتهم مقاتلين على خط النار ومقاومين أمام قوات الأعداء يدفعون أعمارهم وحياتهم فداء لوطنهم وأرضهم ودينهم بأنهم يرفعون شعارات جوفاء، هل الموت فى سبيل الله شعار أجوف؟ هل التضحية من أجل تحرير الوطن شعار أجوف؟ هل تسقط إسرائيل شعار أجوف؟ هل لن نستسلم ولن نتنازل عن شبر واحد من أرضنا شعار أجوف؟ هل المرأة الفلسطينية التى تصرخ حزنا على موت ابنها تحت الأنقاض ثم تصرخ بعدها مباشرة «تعيش المقاومة» شعار أجوف؟ هل مليون شهيد فى الجزائر من أجل تحريرها شعار أجوف؟ هل هتاف الملايين من المصريين على مدى السنين «نموت نموت وتحيا مصر» شعار أجوف؟
لعلى مخطئ «وأتمنى ذلك» وألا يكون هذا قصد الرئيس، ربما يقصد ما قاله أمير قطر ورئيس سوريا أو أنه أراد أن يصف كلامهما عن المقاومة بأنها مزايدة وشعارات جوفاء، وربما يكون كذلك وربما لا يكون، لكن اتهامًا من هذا النوع يسمح بمنتهى البساطة أن يصف آخرون كلام الرئيس مبارك عن حق أهل غزة فى الحياة والعيش دون التعرض لإطلاق القذائف وعن أن السلام هو طريق الرخاء والحرية وأن مصر ثابتة فى الدفاع عن الشعب الفلسطينى وهذا الكلام الكثير الذى تردده مصر بأنه شعارات جوفاء كذلك، الحقيقة أن اتهام كل طرف للآخر بالمزايدة وبترديد الشعارات الجوفاء مسألة سهلة وغير مكلفة وتنتهى غالبا بلا غالب ولا مغلوب
يقول الرئيس «من المؤسف أن يعمل البعض على تقسيم العرب إلى «دول الاعتدال» و«دول الممانعة» كأننا لا نتعلم من أخطاء الماضى، ودروس التاريخ القريب وكأننا نعود بالعالم العربى ثلاثين عامًا إلى الوراء هل هى عودة لـ «جبهة الرفض» خلال سبعينيات القرن الماضى؟ أولم نعتمد معا وبالإجماع فى بيروت مبادرة عربية للسلام العادل والشامل؟»

والحقيقة هذه فرصة للسؤال الأكثر مرارة فى حياتنا العربية وهو «مَنْ الذى أخطأ فى الماضى؟ » ربما لا يعرف الرئيس أن هناك من يؤمن عن عقيدة بأن الذى أخطأ فى الماضى هو الرئيس السادات ومصر الرسمية حين عقدت صلحا فرديا مع إسرائيل وقضت على وحدة الموقف العربى أو على احتمالية وحدة الموقف العربى، فالحاصل أن الرئيس يسأل وهو واثق أن الإجابة لا يمكن أن تخرج عما يؤمن به وهو أن الذى أخطأ فى الماضى هى دول الممانعة أو جبهة الرفض وأن الحاضر أثبت أن الرئيس السادات كان صاحب رؤية سابقة لعصره حين تصالح مع إسرائيل، والمفاجأة أن هناك من يعتقد يا سيادة الرئيس فى العكس تماما وكلية، وأن الحاضر أثبت أن إسرائيل كيان عنصرى واستعمارى ونازى وعدوانى ولا يمكن أن يتنازل عن إرهابه وأطماعه التوسعية وأن السلام معه وهم كامل وأنه لابد من هزيمته عسكريا وحضاريا لأجل إقامة دولة فلسطين وتحرير كامل التراب الفلسطينى شعار آخر مما يكرهها الرئيس لكننا نذكره بأن تحرير كامل التراب الفلسطينى شعار يشبه شعار اليهود بالأرض الموعودة وأرض الميعاد وكما تحقق الثانى سيتحقق الأول بإذن الله ويبدو تمسك الرئيس ومن معه بالمبادرة العربية للسلام أمرًا فى غاية الغرابة فهى مبادرة ملقاة على الرصيف وموءدة منذ ميلادها وإسرائيل تتعامل معها بتأفف وتعفف، ومع ذلك فالرئيس يعتبرها مقياسا للفصل بين الممانعة والموالاة، وإذا كان الملك عبدالله ملك السعودية الذى خرجت المبادرة أول ما خرجت باسمه يلوح بسحبها فى نفس جلسة تمسك الرئيس المصرى بها، فلا نكاد نعرف هذا السر الذى يربط مصر بمبادرة مرفوضة ومنبوذة إسرائيليا وأن يحتسبها الرئيس معيارا للتعلم من دروس الماضى فالذى يوافق على الاستمرار فى مبادرة مثل هذه يبقى تعلم الدرس ومن يرفضها ويطالب بسحبها يبقى ناقص علام
هنا تجدر الإشارة إلى أننا لا نزكى على مصر جبهة الرفض ولا نرفع من شأن دول الممانعة فهم فى الحقيقة عندنا كما كل الحكام العرب ديكتاتوريون ومستبدون وقامعون لشعوبهم، ولا نحمل مثقال حبة من خردل ثقة فى هؤلاء ولا فى حكمهم ولا أحكامهم، ومن المؤكد أن سجل سوريا فى انتهاك حقوق الإنسان أسوأ وأسود كثيرا من سجل مصر، وأن الأسد الموروث والوارث وصدام غير المأسوف على رحيل حكمه صورتان قاتمتان من نفس الاستبداد والقمع والديكتاتورية الموجودة فى مصر، وإن كانت مصر أرحم كثيرا منهما إلا أنها لا تختلف كثيرا عن منهجيهما، هذا فقط كى يدرك المواطن العربى أن الطرفين الممانع والموالى للمبادرة حليفان فى الاستبداد وتوأمان فى الطغيان توائم غير ملتصقة وغير متشابهة لكن الرحم واحدة والقابلة واحدة
يقول الرئيس «ومن المؤسف أن نسمح باستغلال مأساة غزة لاختراق عالمنا العربى بقوى من خارجه، تتطلع للهيمنة وبسط النفوذ وتتاجر بأرواح الفلسطينيين ودمائهم»
وهنا بالذات تظهر الرؤية المزدوجة فى السياسة المصرية والكيل بمكيالين فى التعامل مع الشأن الفلسطينى، فلا توجد سياسة لأى دولة أو حركة مقاومة أو تنظيم مسلح أو سلمى إلا وتضع فى اعتباراتها الموازين الدولية والقوى المحيطة والدول الحليفة والأنظمة المعادية، فلا أحد يعمل وحيدا وفى الفراغ فى هذا العالم، وأى تحرك داخلى أو خارجى لابد له من أصدقاء وحلفاء، ومن ثم لا يمكن لمصر نفسها أن تتصرف دون حسابات ودون توافقات ودون تنسيق مع آخرين فى الساحة، هذا من حيث المبدأ النظرى المثالى الذى يدرسونه للطلبة فى اقتصاد وعلوم سياسية، لكن أيضا على المستوى العملى العربى كيف يهاجم الرئيس مبارك قوى من خارج العالم العربى باستغلال مأساة غزة ولايهاجم قوى صنعت مأساة غزة؟ ما الأجدى والأجدر أن نتهم أمريكا وإسرائيل أم نتهم إيران؟ ولماذا يعتبر الرئيس إيران فقط هى القوى الخارجية التى تحاول الهيمنة وبسط النفوذ فلماذا لا تكون تركيا مثلا، أو لماذا لا تكون فرنسا وألمانيا اللتين تدخلتا بمنتهى السخافة والنطاعة فى دعم إسرائيل وفرض الهيمنة على القرار الفلسطينى؟ لماذا إيران هى بنت البطة السوداء إذا كانت القضية الفلسطينية هى البئر التى يلقى فيها الجميع بحجارتهم؟ فلماذا يختار الرئيس لمزًا إيران وحدها كقوى إقليمية تحاول الهيمنة ويترك الآخرين وكأنه حلال للدول من كل حدب وصوب حرام بالذات على إيران؟ ثم إن مسألة المتاجرة بدماء الفلسطينيين يمكن لأى عابر سبيل أن يرميها كذلك على المصريين الذين اتهمهم العالم كله بالمشاركة فى حصار شعب واستنزافه وفرض الهيمنة عليه بحكم الجغرافيا والتاريخ والرغبة فى فرض تسوية رغما عن إرادة قطاع كبير من الشعب الفلسطينى لصالح رضا قوى دولية وإمداد إسرائيل بالبترول والغاز الذى يشكل آلة قتل الفلسطينيين واستنزاف دمائهم الغالية، أظن أن باب الاتهامات بالمتاجرة باب مفتوح من الاتجاهين ويمكن للجميع أن يتهم به الجميع
يقول الرئيس «إن العلاقات العربية العربية ليست فى أحسن أحوالها، والعلاقات بين الإخوة الأشقاء لابد أن تقوم على الوضوح والمصارحة، وتطابق الأقوال مع الأفعال لا مجال فى هذه العلاقات للالتواء والتطاول، ولا مجال للتخوين وسوء القول والفعل والتصرف، وكأننا نعود بعالمنا العربى إلى الوراء بدلاً من أن ندفع به معا إلى الأمام لقد كان الموقف المصرى قويا وواضحا منذ اليوم الأول للعدوان على «غزة» برغم مغالطات البعض وتجاهلهم لحقائق معروفة وأخرى غائبة»

ولا يمكن أن تعلق على هذا الكلام الطيب والرقيق الذى قاله الرئيس فى السطور عاليه سوى بمطالبته سيدى الرئيس قل هذا لإعلامك ورجالك، أو بالأحرى أؤمر به إعلامك ورجالك لعلهم يسمعون القول فيتبعون أحسنه ولا يعودون بنا إلى أيام «القصرية» حين كان الإعلام المصرى يشن حملة هجوم رخيصة على رئيس عربى ينشرون اسمه الآن مسبوقا بالأخ وهو يلبس كسرونة على رأسه ويجلس على قصرية لقضاء حاجته استهزاء وسخرية منه لاختلافه وهجومه على الرئيس السادات والحقيقة أن هجوم الأخ كذلك على السادات لم يكن أقل شناعة وانحدارًا أخلاقيًا من هجومهم الآن يرجع بكامل النجاعة إعلام القصرية حيث تنتشر الشتائم الرخيصة بطول الإعلام المصرى وعرضه وكأننا نعود بعالمنا العربى إلى الوراء كما قال بحق الرئيس مبارك
يقول الرئيس «هناك من فصائل المقاومة من يعترف بأن ميزان القوى الدولى الراهن ينحاز انحيازا واضحا لإسرائيل، ويدعون للانتظار لحين بزوغ نظام دولى أكثر عدالة حتى لو استغرق ذلك عقودا طويلة، فهل يستقيم هذا المنطق؟ وهل تحتمل معاناة الشعب الفلسطينى هذا الانتظار؟ وهل يستمر فى الانتظار والاستيطان يقتطع الأراضى المحتلة يوما بعد يوم؟ وإلى متى نسمح بأن تظل القضية الفلسطينية قضية الفرص الضائعة؟»

لا لن يحتمل الشعب الفلسطينى هذا الانتظار وإن احتمله من قبل الشعب الجزائرى مع احتلال استمر عاما حتى حرر أرضه، والشعب المصرى الذى استمر احتلاله عاما حتى حرر أرضه، لكن الاحتلال الإسرائيلى أسوأ وأحقر وأعقد، ومن ثم قد لا يحتمل الشعب الفلسطينى فعلا لكن هل معنى ذلك أن يتنازل عن حقه وأرضه لعدم قدرته المحتملة على الاحتمال؟ وهل يصادر جيل حالٍِِِِ وتالٍِ حق الأجيال القادمة ويعطى الدنية فى دينه وحقه؟ القضية فى يد الشعب الفلسطينى الذى لا يريد أحد أن يتركه يقرر لا مصر ولا السعودية ولا سوريا ولا إيران ولا أمريكا ولا فرنسا دعوا الشعب الفلسطينى يقرر ونحن مع قراره أيا كان ،ندافع عنهم وننتصر لهم ونؤيدهم ونقف معهم ونكافح من أجلنا وأجلهم، لا وصاية ولا ابتزاز من أى طرف بمن فيه نحن فى مصر، فما نفعله يمكن أن يصفه بعضنا وبعضهم بأنه ابتزاز، وكأننا نريد للشعب الفلسطينى أن يختار ما يريده رئيسنا أو رئيسهم لا ما يريده الشعب نفسه، ثم يبقى السؤال ماذا فعل أنصار التسوية السلمية لفلسطين؟ لم نشهد إلا أرضًا مسلوبة ومنهوبة، وما يقول عنه الرئيس من معاناة واستيطان واقتطاع للأرض تم فى عهد التسوية السلمية وفى عصر السلطة الفلسطينية التى اعترفت بإسرائيل، أليس كذلك أم أننى وغيرى فقدنا الذاكرة مؤقتا؟
ثم قولوا لنا ما الفرص الضائعة أرجوكم؟ هل فرص دولة من غير قدس ولا عودة لاجئين؟ ما هذه الفرص، فى عرضكم قولوا لنا، لأن إسرائيل هى من تدعى أن الفلسطينيين ضيعوا الفرص، بينما الحقيقة أن فلسطين هى قضية الحقوق الضائعة والذاكرة الضائعة وليست الفرص الضائعة
يقول الرئيس «إننى آتى إلى هذه القمة موقنا بأن الوضع العربى الراهن بانقسامه وخلافاته ومحاوره لابد أن يتغير واثقا أن الخلافات العربية أيا كانت لاتستعصى على الحل بالجهود المخلصة والعزيمة الصادقة، فهى فى النهاية خلافات بين أشقاء
وكعهد مصر مع أشقائها عبر عقود طويلة فإنها ستبذل أقصى طاقتها لرأب الصدع العربى الراهن، ولتضع نهاية للخلافات العربية القائمة، كى نلتقى جميعا حول ما يجمعنا ولا يفرق شملنا وإننى على يقين من أننا سوف ننحاز فى نهاية المطاف لهويتنا العربية وأهدافنا الواحدة ومصالحنا المشتركة، ويظل اقتناعى أكيدا بأنه لا يصح إلا الصحيح، وبأن مستقبل عالمنا العربى وتضامنه سيكون بعون الله وتوفيقه أفضل مما هو عليه الآن»

سيدى الرئيس شكرا على هذا التفاؤل بأنه لا يصح إلا الصحيح، لكن المشكلة فى عالمنا العربى الآن هى اختلافنا على تعريف الصحيح حتى يصح؟ ولا يمكن ثم لا يجب أن تكون هذه الخلافات شخصية حتى يتم حلها على مائدة غداء، فالخلافات كما هو واضح ويتضح حول سياسات ومواقف ورؤى وقرارات جوهرية ومصيرية وليست خلافات بين حكام حول من هو أحكم من الثانى، ومن ثم فاسمحوا لنا يا حكامنا ألا نشارككم التفاؤل، هذا إذا سمحتم لنا أن نفعل أى شىء يعارض سياستكم الحكيمة، التى من حكمتها أوصلت العالم العربى إلى ما هو فيه الآن فأرجوكم لا داعى لمزيد من الحكمة كفاية علينا لغاية كده

انقلاب عربي يصعب تصديقه


انقلاب عربي يصعب تصديقه
عبد الباري عطوان
ما حدث في قمة الكويت الاقتصادية من مصالحات بين اطراف متنافرة، بل ومتصادمة، جاء مفاجئاً للكثيرين، فحروب القمم العربية، التي اشتعل اوارها طيلة الايام القليلة الماضية، وما شهدته المنطقة من مقاطعات واستقطابات واصطفافات رسخ انطباعا بأن الشروخ التي اصابت الجسم الرسمي العربي باتت اصعب من ان يتم التئامها، وأنها بصدد الاتساع.
فمن كان يصدق منظر العاهل السعودي الملك عبد الله بن عبد العزيز وهو يسير متشابك الأيدي مع الرئيس السوري بشار الأسد، ومن كان يتوقع ان يرى امير قطر الشيخ حمد بن خليفة يجلس جنباً الى جنب مع الرئيس المصري حسني مبارك بعد المعارك الاعلامية الطاحنة، يتبادلان الابتسامات والأحاديث الودية وكأن شيئاً لم يحدث؟
مشهد صعب هضمه، ناهيك عن تفسيره، يعكس لوغاريتمات السياسة العربية، والطبيعة الغريبة، واحيانا غير المنطقية، لمواقف اقطاب النظام الرسمي العربي، وطريقة تفكيرهم، ومواصفات خلافاتهم او تحالفاتهم، الامر الذي يدفعنا الى طرح العديد من الاسئلة حول اسباب هذا الانقلاب المفاجئ، ومدى جديته، وما يمكن ان يترتب عليه من خطوات عملية في اتجاهات عديدة، وعلى الصعد كافة.
هل هي دماء أطفال غزة التي حققت هذه المعجزة، ام انها العربدة الاسرائيلية التي فاقت كل التصورات في تغولها ووحشيتها، ام هو الصمت الامريكي والغربي، ام هو الهوان العربي، ام انها جميع العوامل هذه مجتمعة حتمت هذا التحول؟
لا نستطيع ان نغرق كثيراً في التفاؤل، لأن خيباتنا من النظام الرسمي العربي ورموزه لا تعد ولا تحصى، فقد شبعنا من الخطابات الرنانة، والكلمات النارية، وعبارات 'العين بالعين، والسن بالسن' وتكرار الجمل الخالدة مثل 'ما أخذ بالقوة لا يسترد بغيرها'، دون ان نرى غير اعتداءات اسرائيلية مهينة ومتواصلة، وقادة عرب يديرون الخد الأيسر لمن يصفع خدهم الأيمن.
هل ما حدث أمر جدي فعلاً، ومؤشر على بداية مرحلة جديدة من العمل العربي المشترك تضع حداً لمسلسل الاهانات الاسرائيلية، والازدراء الامريكي، والاحتقار العالمي لكل ما هو عربي؟ اما انه حدث طارئ لامتصاص حالة غضب شعبي عبّرت عن نفسها بقوة في شوارع المدن والعواصم العربية والاسلامية؟

خطاب العاهل السعودي كان نقطة التحول الرئيسية خلف كل التداعيات التي اطلت برأسها في قمة الكويت، وانعكست في المصالحات التاريخية، في توقيت عربي وعالمي حساس، حيث يقف العالم بأسره امام مرحلة جديدة ومختلفة تنبئ بالكثير من التغييرات، الامر الذي قد يوحي بان المملكة العربية استعادت زمام المبادرة الذي فقدته طوال سنوات التيه السابقة ومنذ مطلع هذا القرن على وجه التحديد، مما قزّم دورها، وصنّفها في خنادق تتناقض مع تطلعات شعبها.
هناك مجموعة من النقاط يمكن استخلاصها من القراءة السريعة لبعض الوقائع التي تبلورت على المسرح العربي، والقمم العربية الاخيرة، والكويتية منها على وجه الخصوص:
اولا: ادرك النظام الرسمي العربي انه يقف امام تحد اسرائيلي شرس ينسف كل الآمال بجدوى التعامل السياسي السلمي معه، مما يعني ان الاستمرار في استجداء السلام بدأ يعطي نتائج عكسية تماما.
ثانيا: اكدت الاتفاقات الامنية الامريكية ـ الاسرائيلية لمراقبة الحدود المصرية مع قطاع غزة لمنع تهريب الاسلحة، ودون دعوة القيادة المصرية او حتى التشاور معها، ان العلاقة الامريكية مع دول محور الاعتدال العربي، ليست علاقة تحالفية وانما 'خدمية' حيث ترى واشنطن العرب كمجموعة من التابعين باتت وظيفتهم محصورة في خدمة حروبها، وحماية اسرائيل. والشيء نفسه يقال ايضا عن تجاهل اسرائيل للمبادرة المصرية لوقف اطلاق النار، وانهاء الحرب من طرف واحد ودون التشاور مع الوسيط المصري.
ثالثا: نجح الرأي العام العربي المغيّب في فرض نفسه على النظام الرسمي العربي، من خلال مظاهراته الاحتجاجية الصاخبة والمستمرة، الامر الذي اعطى ثماره في اجبار الانظمة على وقف نظرتها الازدرائية غير المبالية للشارع العربي.
رابعا: صمود اهل قطاع غزة الاسطوري لأكثر من ثلاثة اسابيع في وجه العدوان الاسرائيلي، ودون اي دعم رسمي عربي، عسكري او سياسي، وفشل كل الرهانات على رضوخهم للابتزاز الارهابي الاسرائيلي والانقلاب على المقاومة وفصائلها وثقافتها.
خامسا: تعاظم المعارضة لحال الخنوع العربي الراهنة، واقدام دول على خطوات عملية للمرة الاولى لتبرئة نفسها من تهم التواطؤ مع الاحتلال، وتبلور حالة من الفرز في اوساط الانظمة، بين من يريد ان يفعل شيئا عمليا كرد على الاذلال الاسرائيلي ـ الامريكي، ومن يتحلى بفضيلة الصمت، واعطاء اسرائيل فرصة لانهاء المقاومة. ورأينا قطع علاقات مع اسرائيل، ومطالبة قوية بسحب مبادرة السلام العربية، والتلويح بخطوات اخرى قادمة.
سادسا: مساء اليوم تنتهي فترة حكم اكثر الزعماء الامريكيين كراهية للعرب والمسلمين، وصداقة وتأييدا للاسرائيليين ومشاريعهم وحروبهم ضد العرب والفلسطينيين خاصة، وتبدأ فترة ادارة جديدة تعد بالتغيير، وتقليص الاعتماد على العرب ونفطهم، وفرض احترام قيم حقوق الانسان والديمقراطية، الامر الذي يفرض على النظام العربي، او رموزه الاساسية اعادة ترتيب اوضاعها، والتخلي عن بعض جوانب غطرستها وجنوحها، ومحاولة اصلاح الجسور مع انظمة اخرى اختلفت معها، وعادتها لاسباب شخصية محضة، وليست استراتيجية.
سابعا: لعب الاعلام العربي، والشريف منه على وجه الخصوص، دورا فاعلا في تعرية المتواطئين مع العدوان، والمتدثرين بعجز مفتعل عن مواجهته لاسباب غير وجيهة، علاوة على كونها غير مقنعة، سواء من خلال ابراز الوحشية الاسرائيلية في قطاع غزة، ومظاهر الصمود الاعجازية للثكالى والاطفال المقطعة اوصالهم، او الاطباء الذين يعملون ببطولة لانقاذ المصابين، او تحريض الشارع العربي ضد الانظمة، وتعبئته خلف عملية التغيير على مستوى القمة.

لعلها 'صحوة'، او بوادر حراك في اتجاه صحيح، وفق بوصلة جديدة، ترتكز قاعدتها على معجزة مساحتها مئة وخمسون ميلا مربعا اسمها قطاع غزة، تضم شعبا من الجبارين فعلا، قد تكون حلما كاذبا يدفعنا الى التريث والحذر لاننا لدغنا كشعوب في مرات سابقة، وانخدعنا بخطابات نارية مماثلة، وقد تكون 'انتفاضة' حقيقية وجدية تؤشر لمرحلة جديدة.
نفضل التريث قليلا، وانتظار الايام المقبلة، حيث سيهدأ غبار قمة الكويت، ويعود الزعماء العرب الى بطانتهم وقصورهم، بعدها سنرى الحقائق على الارض، واضحة للعيان، ونأمل ان تكون شكوكنا وحذرنا وعلامات استفهامنا في غير محلها.
ختاما نقول ان اي مصالحة عربية ـ عربية، او فلسطينية ـ فلسطينية لا تستند الى ارضية مقاومة المشروع الاسرائيلي هي مصالحة مغشوشة، ستصطدم حتما بالشارع العربي، ولن تنقذ النظام الرسمي العربي.

نص كلمة الرئيس حسنى مبارك التى وجهها إلى الأمة حول التحرك المصرى لوقف العدوان على غزة


الإخوة المواطنون ..

يتواصل العدوان الإسرائيلى على غزة للأسبوع الثالث، بما يشهده من فظائع وإزهاق للأرواح وإراقة الدماء، وما يؤدى إليه من تدمير واسع النطاق للبنية الأساسية ومقومات الحياة.

يمثل هذا العدوان تصعيداً خطيراً فى تاريخ الصراع العربى الإسرائيلى، وعبر ما شهدته القضية الفلسطينية من مراحل وتطورات خلال الستين عاماً الماضية. لقد رعت مصر هذه القضية منذ عام 1948، وقدمت من أجلها ما لم يقدمه أحد آخر من تضحيات .. انطلقت من أرض مصر منظمة التحرير الفلسطينية، ودعمناها بالمال
والسلاح .. تمسكنا بأن يصاحب السلام المصرى الإسرائيلى اتفاق للحكم الذاتى للفلسطينيين وصولاً لإقامة دولتهم المستقلة .. كنا مع أبو عمار فى نضاله من أجل شعبه وأخرجناه من حصاره فى لبنان .. كنا معه فى مؤتمر مدريد ووضعنا أسس ومبادئ السلام العادل .. دعمناه كرئيس للسلطة الوطنية الفلسطينية فور تشكيلها .. أعادته مصر إلى غزة وقمت بمرافقته - شخصيا - حتى رفح فى أول عودة له وللقيادات الفلسطينية للأراضى المحتلة منذ عام 1967 .. رفضنا تشجيعه على قبول تسوية ظالمة فى كامب ديفيد عام 2000، كنا معه ومع الشعب الفلسطينى فى الانتفاضة الأولى والثانية .. ومع أبو مازن فى جهوده من أجل الدولة الفلسطينية المستقلة .. ولم نحاول يوماً إملاء مواقف بعينها على الفلسطينيين.

نعم .. لقد احتضنت مصر شعب فلسطين وقضيته بمواقف واضحة .. ودور يسعى إليها لاعتبارات عديدة تمارسه بشرف وتجرد منزه عن الغرض، وتتحمل على طريقه الكثير من العناء والمصاعب .. ومزايدات تأتى ممن لم يقدموا شيئاً لشعب فلسطين وقضيته .. ولا يستطيعون.

لقد تواصلت جهودنا لتحقيق الوفاق الوطنى الفلسطينى .. دعونا لأن يكون قرار أبناء فلسطين بأيديهم، بعيداً عن التدخلات الخارجية وضغوطها وإغراءاتها .. ودعونا لأن تقف المقاومة الفلسطينية وراء المفاوض الفلسطينى .. تشد أزره فى الدفاع عن قضيتهم .. وسعيهم لإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة.

قلنا لمن يقسمون الصف العربى بين "دول الاعتدال" و"دول الممانعة" .. ماذا فعل الممانعون لشعب فلسطين وقضيته؟ وماذا فعلوا لتحرير الأراضى العربية الرازحة تحت الاحتلال؟ لقد تحسبت مصر من وقوع هذا العدوان الراهن، وبذلت جهوداً متواصلة كى تحول دون وقوعه .. سعياً - دون كلل - لتمديد التهدئة .. أبلغنا الإخوة الفلسطينيين بأن رفض التمديد سيمنح إسرائيل الذريعة للعدوان .. وقمنا - فى ذات الوقت - بتحذير إسرائيل من الاعتداء على غزة، وطالبنا قادتها بممارسة أقصى درجات ضبط النفس.

عندما وقع العدوان على غزة .. كان موقفنا أن فظائعه، المدانة والمرفوضة، لا تحتاج لبيانات الشجب والاستنكار، بقدر ما تحتاج لتحرك عملى عاجل .. يوقف العدوان ويحقن الدماء.

رأينا أن التحرك العملى هو الأكثر جدوى لوقف العدوان .. تحرك يحتوى تداعياته على أهالى غزة بعيداً عن الخطب الرنانة والشعارات الفارغة .. واجتماعات تكتفى ببيانات الإدانة والمزايدة وتبادل الاتهامات، تدفعها محاولات للعب الأدوار وبسط النفوذ .. تؤدى لتعميق الخلافات العربية .. وتمعن فى شق الصف العربى.

بذلت مصر جهوداً مضنية ـ ولا تزال - لوقف العدوان واحتواء تداعياته الإنسانية على الأهل فى غزة .. فتحنا معبر رفح منذ اليوم الأول للعدوان .. أدخلنا من هذا المعبر ما يزيد على 1000 طن من مساعدات الإغاثة والأطقم الطبية .. وما يقرب من 400 جريح فلسطينى للعلاج بمستشفياتنا .. قمنا بدفع ما يزيد على 2000 طن من المساعدات الإنسانية من معبر العوجة، وضغطنا على إسرائيل لفتح باقى المعابر أمام مساعدات الغذاء والدواء والوقود.

طرحنا المبادرة الوحيدة للخروج من الأزمة .. وسعينا لإنجاحها باتصالات لم تتوقف مع الجانبين الفلسطينى والإسرائيلى والأطراف الدولية الفاعلة .. طرحت مصر هذه المبادرة فى غياب أية مبادرات أخرى لوقف نزيف الدماء، وفى مواجهة مماطلة مجلس الأمن الدولى فى النهوض بمسئوليته. وبرغم اعتماد قرار المجلس (1860) بعد يومين من طرح المبادرة المصرية، فإن العلميات العسكرية الإسرائيلية لا تزال متواصلة بقطاع غزة المحتل.

لقد استمر التحرك المصرى، فى سباق مع الزمن، لوقف إطلاق النار، وشهد حلقات متتالية من المفاوضات المكثفة والصعبة مع الجانبين الإسرائيلى والفلسطينى، كما شهد تمسك كلا الجانبين بمواقف لا يحتملها نزيف الدم المتواصل فى غزة.

إن مصر، فى سعيها لوقف العدوان، تعمل على تأمين حدودها مع إسرائيل وقطاع غزة، ولن تقبل أبداً أى تواجد أجنبى لمراقبين على أرضها، وأقول إن ذلك خط أحمر لم ولن أسمح بتجاوزه.

الإخوة المواطنون ..
إن مصر ترفض العدوان الإسرائيلى المستمر على غزة، وتطالب بوقفه على الفور ودون إبطاء، وتحذر من عواقبه على أمن واستقرار الشرق الأوسط، وأقول لقادة إسرائيل إن هذا العدوان لن يوقف المقاومة، ولن يحقق أمن إسرائيل وشعبها، أقول لهم إن العدوان يزيد من صمود شعب فلسطين، يعمق مشاعر الغضب والكراهية تجاه إسرائيل وشعبها، ويقطع الطريق إلى السلام.

وتأسيساً على ما دعت إليه المبادرة المصرية، وما تم فى إطارها من مشاورات، فإننى أطالب إسرائيل اليوم بوقف عملياتها العسكرية على الفور، أطالب قادتها بوقف فورى غير مشروط لإطلاق النار، وأطالبهم بالانسحاب الكامل للقوات الإسرائيلية خارج القطاع.

إننى أدعو مخلصاً لمواقف مسئولة من إسرائيل والفصائل الفلسطينية، تستجيب لنداء العقل والضمير، وتضع نهاية لما يسقط كل يوم من الشهداء والضحايا وتنهى معاناة أهلنا فى غزة وآلامهم.

سوف تواصل مصر جهودها، فور وقف إطلاق النار، من أجل استعادة التهدئة فى غزة وإعادة فتح المعابر ورفع الحصار عن أهاليها. وسوف يظل معبر رفح مفتوحاً أمام مساعدات الإغاثة المصرية والعربية والدولية وأمام الحالات الإنسانية، إلى حين التوصل لترتيبات إعادة تشغيله وفق اتفاق المعابر لعام 2005 بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل والاتحاد الأوروبى.

كما أن مصر عازمة على مواصلة جهودها لتحقيق الوفاق الوطنى الفلسطينى بما ينهى الانقسام الراهن ويضع حداً لتداعياته على شعب فلسطين وقضيته العادلة. وفضلاً عن ذلك، فسوف تدعو مصر لمؤتمر عالمى للدول والمؤسسات الدولية المانحة من أجل حشد الموارد اللازمة لإعادة إعمار غزة وتعويض ما لحق ببنيتها الأساسية ومنشآتها من تدمير وخسائر فادحة.

إن الوضع الراهن فى غزة رغم خطورته لا ينبغى أن يصرف انتباهنا عن جوهر القضية الفلسطينية، وهو إنهاء الاحتلال وإقامة الدولة المستقلة، ولا ينبغى أن يصرف أنظارنا عن خطورة تكريس الانقسام الحادث بين الأراضى المحتلة فى الضفة والقطاع. لقد وجهت مأساة غزة ضربة قاسية لجهود السلام .. إلا أن الأمل فى تحقيقه لن يخبو فى قلوبنا وعقولنا وضمائرنا.

سيبقى السلام العادل هدفاً نسعى إليه .. سلام يحقن الدماء .. ينهى الاحتلال فى الضفة الغربية وغزة، يقيم الدولة الفلسطينية المستقلة .. يضمن الأمن للشعبين الفلسطينى والإسرائيلى وباقى شعوب المنطقة .. ويحقق استقرار الشرق الأوسط والعالم.

ستبقى مصر على عهدها للشعب الفلسطينى الصامد .. تعلى مصالحه فوق مصالح الفصائل .. تدعم قضيته بعيداً عن الخطب والشعارات .. ترفض المتاجرة بأرواح ودماء أبنائه .. تمضى مصر فى ذلك بصدق وتجرد .. ولا تلتفت للمزايدات والمهاترات والصغائر.

وبرغم الظرف العربى الراهن .. فسوف تظل مصر راعية لقضايا أمتها .. مدافعة عن مصالحها .. تحفظ الهوية العربية والشأن العربى من محاولات الاختراق .. وتسعى كعهدها لما يجمع العرب ولا يفرقهم.

رحم الله شهداء غزة .. وحمى الشعب الفلسطينى .. وهيأ لقادته من أمرهم رشداً.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته ..