‏إظهار الرسائل ذات التسميات البديل. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات البديل. إظهار كافة الرسائل

ليالي الإصلاح بمكتبة الإسكندرية

إبراهيم البيومى غانم
في الليلة الأولي (1 مارس الجاري) لمؤتمر الإصلاح العربي السادس بمكتبة الإسكندرية كاد المشاركون في المؤتمر يروحون ضحية وجبة العشاء التي تناولوها في واحد من أفخر فنادق الثغر، إذ يبدو أنها كانت نصف فاسدة، أو بالأقل "كانت بايتة"، فأصيب أغلبهم بتلبك معوي بدرجات متفاوتة، وفي الصباح كان حديث الاضطرابات المعوية هو سيد التعليقات والثرثرات التي لم تنقطع طوال أيام المؤتمر، ولا أحد يعرف ما الذي كان سيحدث لو أن العشاء كان كامل الفساد.
فاق عدد ضيوف المكتبة في هذا المؤتمر الـ 600 شخص- حسب ما أعلنه مدير المكتبة في إحدي كلماته الافتتاحية- جاءوا من عدد كبير من البلدان العربية ومن مصر طبعاً، شيباً وشباناً، رجالاً ونساءً، بعضهم أصحاب رؤي واختيارات فكرية وسياسية (إسلامية، ويسارية، وليبرالية، وقومية). ومنهم موالون للحكومات علي طول الخط، ومنهم معارضون لها علي طول الخط، وآخرون منهم لا إلي هؤلاء ولا إلي هؤلاء، وإنما هم في حكم "عابري السبيل". ووسط هذا الحشد كان لأعضاء لجنة السياسات بالحزب الوطني الديمقراطي حضور بارز، بعضهم التزم الصمت وآثر السكوت، وبعضهم تحدث حتي قال الحاضرون ليته سكت كزملائه ولم يتكلم.
في الليلة الأولي للمؤتمر أيضاً، وبعد محاضرة بارعة لمدير المكتبة- الحق يقال إنها كانت وحدها التي حملت جديداً من الأفكار في كل ما قيل في المؤتمر- أثار الانتباه بقوة ما قاله في الجلسة الافتتاحية الدكتور صبري الشبراوي- وهو شخصية مرموقة في الاقتصاد والإدارة، فضلاً عن عضويته في لجنة السياسات بالحزب الوطني- فقد أدان منهج الحكومة في إدارة البلاد. وكثّف انتقاده في عبارة موجزة وبليغة للغاية وهي أن "الإدارة الحالية هي إدارة للفقر وتوزيعه"، وتساءل: لماذا يتحدثون دوما عن الفقر فقط، ولا يتحدثون عن مصادر الغني والثراء والموارد الطبيعية والبشرية التي تتمتع بها مصر؟. وقال في حسرة: ليس لمصر أي ترتيب في عالم التقدم الصناعي!، وقال: هل يعقل أن تكون مبيعات محلات كارفور السنوية في مصر 78 ملياراً ينفقها 700.000 مستهلك، وأن يكون إجمالي الدخل القومي لمصر كلها أكثر قليلاً من هذا الرقم؟. وكرّر القول: مصر غنية جداً، فلماذا يتحدثون فقط عن الفقر.. وليه ليه؟". وقد سألته في تعليق علي ما قيل في الجلسة- دون انتظار إجابة منه- وليه ما بيسمعوش كلامك يادكتور شبراوي؟!.
في الليلة الثانية أثار الانتباه أيضاً في جلسة عن التفاعلات العربية العربية، ما ورد علي لسان السيد عدنان عمران- الذي شغل سابقاً ولسنوات عديدة منصب الأمين العام المساعد للجامعة العربية- وهو قوله" عملت طويلاً في العمل العربي المشترك، ولكني أكثر الناس جهلاً بهذا الموضوع"!!. وكان واضحاً أن الرجل لا يتحدث حديث التواضع، وإنما حديث الحيرة والغموض ولم يحاول مجرد محاولة، ولم يلمّح ولو بالقليل إلي سر فشل العمل المشترك. وظل كلامه في عموم العموميات، ويبدو أن "العموميات" هي الدرس الأكبر الذي يعيه كبار المسئولين العرب إذا أرادوا أن يظلوا تحت الأضواء- ولو كانت خافتة- بعد خروجهم من مناصبهم.
في ليلتي المؤتمر (أول وثاني مارس) شوهد عدد من أبرز الأساتذة والمفكرين المصريين والعرب وهم يغطون في نوم عميق أثناء الجلسات. من هؤلاء: أستاذ فلسفة شهير بأقدم جامعة عربية (كان ينتبه بين الحين والآخر علي سماع التصفيق للمحاضر، ثم يستأنف النوم)، وأستاذ قانون لا يقل شهرة بجامعة الزقازيق، وأستاذ آخر بطب قصر العيني وعضو في لجنة السياسات (كان دمه زي العسل، إذ كان يجلس بجواري، وواصل النوم دون انقطاع إلي نهاية الجلسة، ولما انتبه في نهايتها سألني: إحنا فين؟ قلت له: مازلنا في المكتبة. فشكرني، وقال لي: يبقي أنت ما نمتش). ونام أيضاً رجل دين كاثوليكي معروف، إضافة إلي عدد آخر من الحضور. وانتهت ليالي الإصلاح!.
صحيح أن شيوع ظاهرة النوم ليست حكراً علي مؤتمرات الإصلاح بمكتبة الإسكندرية، بل هي في أغلب المؤتمرات، وآخرها المؤتمر الحادي والعشرون للمجلس الأعلي للشئون الإسلامية حيث نشرت بعض الصحف المصرية الصادرة (6 مارس الجاري) صورة تجمع شيخ الأزهر وبابا الكنيسة الأرثوذكسية وهما يغطان في نوم عميق أثناء الكلمة التي ألقاها وزير الأوقاف محمود زقزوق في الجلسة الافتتاحية. فهل يعني هذا أن النوم مشروع في المؤتمرات؟ أم أنه لابد من شرطة متخصصة في مطاردة النوم من أعين المشاركين فيها؟، أم أن المطلوب هو إصلاح منهجية المؤتمرات ذاتها؟

العالمي والغربي في العدوان علي غزة

هيثم مناع
أعاد العدوان علي غزة بهمجيته، وتواطؤ أطراف غربية وعربية بشكل مباشر أو غير مباشر عبر موضوعه "الحرب علي الإرهاب"، وهي المقولة الأكثر خطرا علي الحريات والحقوق منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، أعاد الصراع بين اتجاه عالمي يعتبر الشرعة الدولية لحقوق الإنسان والقانون الإنساني الدولي مرجعه الوحيد، واتجاه غربي مُسيطر عليه بشكل أو بآخر من مجموعات الضغط الصهيونية والمؤسسات الحكومية الغربية.
أبرز هذا العدوان من جديد الصراع بين فكرة إعلام موضوعي يسمع أكثر من صوت، وإعلام موجه يسيطر عليه صوت واحد. بين منظمات غربية النشأة دولية التكوين ومنظمات دولية التصور سواء كان تكوينها دولياً أو إقليمياً. بين الحديث عن السلام وحقوق الإنسان ومأسسة الدعم لعدوان عسكري مفضوح علي شعب مُحاصر، بالتأييد المباشر للمجرم أو بإعاقة جهود إدانة المعتدي. ذلك في تغييب جوهري لما كان في صلب نشأة حقوق الإنسان: واقعة أن المقاومة حق والعدوان جريمة.
مجموعات الضغط الموالية لإسرائيل تعمل بكل الوسائل: فهي تسعي للمشاركة والحضور في عدة مؤسسات لتفرمل العمل، تطالب بمقاطعة العديد من التجمعات بدعوي العداء للسامية أو التطرف الديني، تتحرك لاحتكار وسائل الإعلام والتهديد المباشر أو غير المباشر لكل من يتوجه لإسماع الصوت الفلسطيني أو الحقوقي. ومع اشتداد الحملة الشعبية والمدنية لنصرة الشعب الفلسطيني في غزة، جرت عدة تعديلات في أساليب العمل. فمثلا وفي الوقت الذي تتحدث فيه أكثر من 100 منظمة وكونفدرالية غير حكومية وأكثر من ستين نقابة محامين عن ضرورة تحرك المدّعي العام للمحكمة الجنائية الدولية أوكامبو من تلقاء نفسه، وبطلب من أطراف مصدقة علي ميثاق روما، يتم تحريك أكثر من صهيوني من الأوساط الحقوقية ليقول برفض هكذا مسيرة، ومن الأفضل الذهاب إلي جنيف والحديث أمام مجلس حقوق الإنسان أو الاكتفاء برسالة مفتوحة لتوفر الجهد! وكأن هذا يحُول دون ذاك أو يمنع تعدد المبادرات. لكن الصحافة تأخذ التصريح، فتسمي المنظمات المدنية التطوعية التي تتحرك ضد مجرمي حرب الدولة العبرية "منظمات موالية للفلسطينيين" وتشير لمن يتحرك بالحد الأدني بصفته يمثل منظمة حقوقية متزنة.
هذه المهزلة نفسها نجدها حين يوظف أكثر من صحفي صهيوني وسائل إعلام تابعة للدولة (يدفع المواطن في أوروبا ضريبة الإعلام من مرتبه) بحيث تغدو الإذاعة الفرنسية في خدمة الجيش الإسرائيلي، عبر ما فعله إيفان ليفاي علي راديو "فرانس إنتر" (ثلاثة أيام تضامن مع إسرائيل) أو يفعله فنكلكراوت علي راديو "فرنسا الثقافة" كل يوم سبت. والأنكد، اللجوء إلي ما يسمي بالإضراب السلبي. فحين يزداد القصف علي غزة نجد أكثر من موظف صهيوني في مؤسسة حقوقية يصاب بالمرض لإعاقة بيان أو تحرك، أو يترك العمل لأسباب طارئة. وقد وصلتني شكاوي من عدد من الذين حاولوا إيصال رسالة لمنظمات حقوقية غربية، واعتذرت هذه حتي عن تسلم رسائلهم طالبة إرسالها بالبريد(!). لا يتسع المجال هنا لتعداد مختلف وسائل التحايل والتوظيف والاستعمال من أجل حماية الدولة العبرية. ومع ذلك عندما لا ينجح كل هذا يخرجون آخر سلاح سحري بوجه المطالبين بتحرك تضامني: "ما تقومون به يعزز العداء للسامية في أوروبا"!
لن أنسي في حياتي معركة خضناها كمجموعة من المناضلين الأمميين (ضمت الأمريكي جيمس بول وإرسكين شايلدرز والفرنسي رولان فيل مع أفارقة وأمريكيين لاتينيين)، ضمن نطاق إصلاح ودمقرطة الأمم المتحدة منذ نهاية حرب الخليج الثانية، حول ضرورة توسيع صلاحيات الجمعية العامة، وإلغاء تقليد أصبح يسمي "حق الفيتو" هو ليس بحق في أي مؤسسة تعتبر من وظائفها دمقرطة المؤسسات. وكنت قد طالبتُ في الفيدرالية الدولية لحقوق الإنسان بأن يحتوي بيان الذكري الخمسين للأمم المتحدة هذا المطلب. لكن يومها أعادوني للمأثورة المتداولة "الشرق شرق والغرب غرب، ولن يلتقيا" التي لها في أوساط حقوق الإنسان مدافعون. فقد استنفر أبناء الشمال كلهم باستثناء شخص واحد يحق له التصويت (البريطاني مايكل إيلمان) دفاعا عن حق الفيتو للدول الدائمة العضوية. وتحرك ممثل اللوبي الصهيوني يهمس في أذن هذا ويتمتم لذاك عن خطورة تبني قضية كهذه. وبكل أسف تم التصويت في منظمة لحقوق الإنسان ضد التعرض لحق الفيتو.
نلاحظ أنه يوجد في كل منظمات حقوق الإنسان التي يمسك بمفاصل المسئولية الفعلية فيها عناصر من اللوبي الموالي لإسرائيل، تحفظات أساسية تُذكرنا بالتحفظات البريطانية الأربعة: عدم السماح لأي حملة تمس الدولة العبرية بتجاوز خطوط حمراء، مثل اعتبار الإسرائيلي والفلسطيني في نفس الدرجة كضحية ولكن ليس كطرف سياسي، توزيع المسئولية بين الضحية والجلاد، عدم تقديم مكافأة لفلسطيني دون وضع إسرائيلي بجواره، سد الطريق علي أي تحرك يطالب برفع المنظمات الفلسطينية من قائمة الإرهاب (للعلم هذه النقطة موجودة قبل ولادة حماس وقبل 11 سبتمبر وعانينا منها عندما طالبنا بالتعامل بشكل طبيعي مع الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين التي أسسها الدكتور العلماني واليساري جورج حبش وهو من أسرة مسيحية)، تحجيم الوجود الفلسطيني ما أمكن في المنظمات الدولية (وقد نجحنا في كسر هذه السياسة بفرض انتساب المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان كعضو كامل العضوية في الفيدرالية الدولية مثلا بعد شهرين من تأسيسه وكانت سابقة)، تسليم منطقة الشرق الأوسط لصهيوني أو مسئول تحت السيطرة، وتشويه سمعة كل من يحاول إعطاء الانتهاكات المرتكبة من الدولة العبرية بحق الفلسطينيين والعرب حقها، رفض أي عقوبة بحق الدولة العبرية، فمثلا عندما نطالب بإلغاء الاتفاقية الأوروبية الإسرائيلية الموقعة في 8 ديسمبر 2009 يخرج علينا من يقول: نحن نطالب بعدم وضعها موضع التنفيذ إلا عند وقف إطلاق النار، وآخر يقول لا تعزلوا إسرائيل فالاتفاقية مُفيدة للضغط عليها. ثم تخرج الصحافة بالقول "توجد خلافات عميقة بين راديكاليين يطالبون بإلغاء الاتفاقية أمام المحكمة الأوروبية الابتدائية، وأصوات معتدلة ومتعقلة تتحدث عن تأخير تنفيذها لحين وقف إطلاق النار" (كذا). طبعا، بعد نجاح الإعلام الغربي في شيطنة حماس منذ وصولها إلي السلطة في انتخابات ديمقراطية، أصبح من المعتاد اتهام كل من يدافع عن علاقات طبيعية مع الحكومة الفلسطينية، بما في ذلك حكومة الوحدة الفلسطينية، بالتعامل مع منظمة إرهابية. بل جري التعرض، في منظمة تدعي بأنها للعمل الإنساني الخيري، بالنقد لمن ينسق مع وزير الصحة الفلسطيني في غزة باسم نعيم، لأنه "يطبع مع منظمة إرهابية"!
رغم أن منظمات الجنوب تشكل اليوم الأغلبية الكاسحة في كل ما يسمي بالاتحادات والتجمعات الدولية لحقوق الإنسان، فهي ما زالت للأسف مشتتة الأصوات ومخترقة من عرب الخدمات ومتأثرة بالمكاسب السريعة كمنصب هنا أو مساعدة مالية هناك. لذلك نجدها غير قادرة علي إسماع صوت يعبر عن موقف عالمي يشبه ما يتخذ من مواقف عندما يتعلق الأمر برواندا أو كمبوديا أو روسيا مثلا. وما زالت التنظيمات العربية المنخرطة في هذه التجمعات غير قادرة علي تحديد استراتيجية عمل أممية واضحة، تنطلق من مبادئ حقوق الإنسان ومن معرفتها الدقيقة بالمأساة الفلسطينية والجرائم الإسرائيلية. لذا، لن نسمع صوت التجمعات الدولية في الأزمات الفعلية وسنجدها تُستنفر لاعتقال مواطن إيراني أكثر مما تتحرك لجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في فلسطين <

ملامح الجيل الرابع للمقاومة الفلسطينية


إبراهيم البيومى غانم
ما هدمته آلة الحرب الإسرائيلية المجرمة من منشآت ومبان سيعاد بناؤه، وما أراقته من دماء الشهداء والجرحي سيرسم ملامح "الجيل الرابع" للمقاومة الفلسطينية الباسلة وهي في طريقها الطويل نحو الحرية والانعتاق من أبغض وأحقر محتل عرفه تاريخ البشرية.
قتل إسرائيل أطفال غزة هو محاولة متعمدة لقتل ثلاث قيم تصنع المستقبل هي: البراءة، والجمال، والحق. فالبراءة أجمل ما في الطفولة، والجمال أرقي ما في البراءة، والحق أسمي معاني الجمال، ولا تملك الطفولة غير هذه الثلاثة: البراءة، والجمال، والحق. ومزيج هذه القيم الثلاث هو الذي يشكل مستقبل أي أمة. وإسرائيل باستهدافها الأطفال بهذه الوحشية تقول للفلسطينيين بصراحة: لا مستقبل لكم لأنني أقتله هكذا كما ترون أطفالكم صرعي أمامكم!
هذا ما أرادته إسرائيل وفعلته في عدوانها الإجرامي علي غزة بقتل 410 من الأطفال، (32% من جملة الشهداء البالغ عددهم حتي وقف العدوان يوم 18 الماضي 3000 شهيد، إلي جانب 5500 جريح أكثر من 35% منهم أطفال أيضاً). ولكن قوانين التاريخ وتجارب حركات التحرر الوطني تقول إن ما أرادته إسرائيل لن يكتب له النجاح، وإن هذا القتل المروع، وبخاصة قتل الأطفال، هو ذاته ما يعيد إنتاج المقاومة في صورة أقوي وأكثر شراسة في الأجيال المقبلة.
لقد استوعبت حركة التحرر الوطني الفلسطيني ثلاثة أجيال نضالية منذ منتصف الثلاثينيات (ثورة الشيخ عز الدين القسام سنة 1935 من القرن الماضي) حتي اليوم بحساب أن العمر السياسي النضالي لكل جيل هو من خمسة وعشرين إلي ثلاثين عاماً. وتغيرت ملامح كل جيل عن الذي تلاه بحسب تغير الظروف والأحوال التي مرت بها القضية الفلسطينية. وكان كل جيل أشد بأساً، وأكثر صلابة وثباتاً وعنفاً في جهاده للعدو المحتل.
الجيل الأول من المقاومة الفلسطينية (1935ـ 1956 تقريباً)، تشكل من مزيج من الشباب ذي النزعة الوطنية الإسلامية بالمعني الواسع. وكان معظم مجاهدي هذا الجيل من أبناء المُهجَّرين الذين شردتهم العصابات الصهيونية. وكانت أدواتهم القتالية عبارة عن أسلحة بسيطة، وبمستوي متواضع جداً من التأهيل والتدريب القتالي، ودون تدريب أصلاً أو استعداد عسكري بمعني الكلمة في بعض الأحيان. ولهذا كانت نتائج معارك جيل المقاومة الأول هذا متواضعة، والذين التحقوا بالمقاومة من صفوف الجيوش، أو كانت لديهم خبرات عسكرية رفيعة، خذلتهم بعض الأنظمة العربية، أو بددت نتائج جهادهم، أو سرقته منهم.
الجيل الثاني من المقاومة (1967ـ 1987 تقريباً) تشكّل علي أثر الهزيمة التي صعقت الجيوش العربية سنة 1967 ودمرتها في ستة أيام. ومارس الاحتلال الإسرائيلي صنوف القمع لأهالي الأراضي المحتلة في فلسطين. ومن رحم المعاناة تشكل الجيل الثاني من أبناء الشتات الفلسطيني، في إطار"منظمة التحرير الفلسطينية"، التي مارست أعمالها النضالية من خارج الأراضي المحتلة، إلي أن عادت إلي الداخل، بعد اجتماعات مدريد، وفي إطار اتفاقيات أوسلو. تمثل المتغير الأبرز في مسيرة هذا الجيل في ارتفاع وتيرة القمع الإسرائيلي في الضفة والقطاع، وكانت النتيجة هي اندلاع الانتفاضة الأولي (انتفاضة الحجارة) سنة 1987، ومن قلب المحنة والمعاناة بدأت طلائع الجيل الثالث للمقاومة في الظهور، وكان البيان الأول لميلاد حركة المقاومة الفلسطينية حماس سنة 1987 .
الجيل الثالث (1987ـ 2008 تقريباً)، هو جيل انتفاضة الحجارة، وما بعدها انتفاضة الأقصي. وهم أبناء الذين عانوا الإجراءات الوحشية التي مارستها قوات الاحتلال، في إطار سياسة تكسير الأيادي لمنع المقاومة من إلقاء الحجارة علي قوات الاحتلال. إلي جانب مختلف أشكال الاضطهاد الأخري. وبروز الأجنحة العسكرية هو من أبرز الملامح المميزة لهذا الجيل الثالث للمقاومة مثل كتائب عز الدين القسام، وسرايا القدس، وشهداء الأقصي..إلخ. وكلها ظهرت بعد سياسة تكسير الأيدي والأرجل في عهد رابين، حيث انتقلت المقاومة من قذف الحجارة في الانتفاضة الأولي، إلي قذف الصواريخ محلية الصنع، وقذائف الهاون في الانتفاضة الثانية.
اغتالت إسرائيل أغلب قادة الصف الأول في حركة حماس، وعلي رأسهم الشيخ أحمد ياسين، والرنتيسي، وحوصرت حكومة إسماعيل هنية من أول يوم لتسلمها السلطة مطلع سنة 2006 . ولم يتوقف مسلسل القهر والاضطهاد والحصار والتجويع، حتي بلغ ذروته في المجزرة البشعة التي ارتكبتها قوات الاحتلال في غزة.
الجيل الرابع للمقاومة تتشكل ملامحه الأولي هذه الأيام من تحت ركام الدمار ومن وسط بحور الدماء التي أراقتها آلة الموت الإسرائيلية. ولا بد أنه ستكون له إضافته المتميزة إلي تراث المقاومة، حتي تصل إلي تحرير أرضها، طال الزمن أم قصر. أول ملامح هذا الجيل ستتمثل في عمق نزعة الإيمانية في نفوس أبنائه، وهم أطفال اليوم الذين روّعتهم مشاهد القتل والدماء الغزيرة، بلا أدني جريرة، الأطفال الذين أزهقت براءتهم. الملمح الثاني لهذا الجيل سيتمثل في الرغبة الشديدة في الانتقام عبر الانضمام لعمل جماعي، بدرجة أكثر تركيزاً مما هي عليه الآن في تنظيمات محكمة كحركة حماس، أو الجهاد الإسلامي، وذلك للتعويض عن الشعور بالعجز المختزن من عهد الطفولة، وعدم القدرة عن حماية الأحباء والأقارب الذين استشهدوا أمام عينيه أيام طفولة الشاب، أي في وقت كان ينظر إليهم كمصادر لقوته وملاذ لأمنه. وهم هنا الآباء والأمهات والأشقاء الأكبر للأطفال الذين مروا بتجربة الحرب الأخيرة علي غزة. ويأتي الملمح الثالث وهو "الاحتراف"، الذي يدفع إليه الشعور الدائم بقرب الخطر منه، وتكرار وقوعه. ويتيح الانتماء للتنظيمات والجماعات المسلحة فرصة الاحتراف التي تنزع إليها نفسية الشاب الذي مر في طفولته بخبرة القتل، ورؤية دماء محبيه مراقة. وينتظر اللحظة المناسبة لتفريغ شحنة الغضب المختزن ضد "الغريم" المتمثل في الاحتلال الإسرائيلي.
هذه أهم ملامح الجيل الرابع للمقاومة الفلسطينية القادمة من منظر التحليل النفسي/السياسي. وهي ملامح ستكون مضافة ـ وليست بديلة ـ لملامح المقاومة الباسلة التي لم تستسلم للعدوان، وصمدت في مواجهة رابع أكبر جيش في العالم أربعة أضعاف المدة التي صمدتها الجيوش العربية في عدوان سنة 1967 <

قِصَر نظر" أوباما أمام اختبار غزة


قِصَر نظر" أوباما أمام اختبار غزة
هيثم مناع
في غمرة العدوان الإسرائيلي على غزة، جرى افتتاح سفارة الولايات المتحدة الاميركية في بغداد، كأكبر سفارة اميركية في العالمين العربي والإسلامي. وقد غادر السفير الاميركي أحد قصور صدام حسين الى مقر عمله الجديد الذي يستوعب من الموظفين والخبراء أكثر من كل البعثات الديبلوماسية العربية في بغداد بمرات عدة. وبهذا العمل الرمزي، تُذكرنا الإدارة الاميركية الراحلة أن الاحتلال هو الاحتلال وانتزاع السيادة ليس أغنية أو قصيدة هجاء. فالإدارة الاميركية لم تدفع ما دفعت من أجل عيون العرب والكورد، وإن كان لأوباما أن يوقف بعض النزيف المادي والمعنوي لبلده في وقت يرث فيه أزمة اقتصادية لا سابق لها واحتلالاً في العراق وآخر في أفغانستان وطريقاً مسدوداً في فلسطين، فإن هذا الرئيس الوسيم الذي بهر العالم بكونه أول ملون يعتلي منصب الرئاسة، لن يكون وفق كل المؤشرات، وأولها اختبار العدوان على غزة، التغيير أو الحلم أو الأمل. بل لعله وفق ما نملك من مؤشرات بما في ذلك فريق عمله التقليدي، بكل المعايير، مجرد رئيس إدارة وقف التدهور ووضع الرتوش والترقيعات الضرورية لإعادة زخرفة الحلم الاميركي.
رغم كل الأهمية التي توليها مراكز القرار الاميركي للعراق والدول النفطية الخليجية، فإن الحليف الأول والمقياس الثابت لكل من دخل البيت الأبيض كان توثيق التعاون والدعم لإسرائيل. من هنا في الرد على السؤال ما إذا كان أوباما مشروع تغيير أو مشروع تجميل، أجاب أحد العرب الاميركيين بجملة بسيطة: "التغيير الاميركي النوعي لا يمكن أن يمر فوق البيت الفلسطيني". فالقضية الفلسطينية كالمارد كلما حاولت الدولة العبرية اختصارها في حلمها اللاواعي (الهنود الحمر)، تعود إليها أكثر حضورا وأكثر قوة. وعوض أن تسمع صوت ثمانية ملايين فلسطيني، ها هي اليوم تسمع أصوات أكثر من مليار إنسان يقولون: كلنا فلسطينيون.
حتى اليوم، كانت إسرائيل قوة إقليمية وحيدة في المشروع الاميركي، وقد اعتبرت عند الجمهوريين والديموقراطيين مربط الفرس لسياسة الولايات المتحدة في المنطقة. طبعا، ومنذ اتفاقات "كمب ديفيد"، لم تعد المشكلة، حتى في البروباغندا الإسرائيلية والصهيونية، تكمن في الدفاع عن حق الدولة العبرية في الحياة، وإنما في توسعها الجيو سياسي والاقتصادي ودورها الأمني والعسكري في المنطقة، بعد تفتيت فرص دولة فلسطينية جديرة بتسمية دولة على الأراضي الفلسطينية المحتلة بعد حرب 1967. لكن إسرائيل ومنذ عام 2000 في حالة تقدم عسكري وتراجع سياسي ومجتمعي معمم، وهي لا تحمل أي فكرة حضارية أو ثقافية مقبولة حتى من مكوناتها التي تنحسر أكثر فأكثر في قراءات غيبية للذات والآخر. "جدار الفصل العنصري" الذي تقوم ببنائه هو الرمز لقطيعتها البشرية والثقافية والسياسية مع المحيط لأنها لا تحمل، رغم غرورها الأعمى، أية أوهام عن إمكان تحولها قوة تفاعل حضاري. وهي تخوض في مشاريع استيطان وفق برامج الأطراف الأكثر عنصرية وتطرفا في الكيان الصهيوني، ويقوم جيشها بمحاصرة وتقطيع أوصال كل ما يجعل الفلسطيني قادراً على العيش بشكل طبيعي، وها هي أمام أنظار العالم تحطم كل ما في طريقها وهي تخوض عدوانا بربريا على قطاع غزة. إن ما انحدرت إليه الدولة العبرية في خطابها الإيديولوجي عن الأمن والديموقراطية ومناهضة الإرهاب يتعرى ببشاعة الممارسات الوحشية التي تجعلها لا تثق بأقل من تغييب الآخر كقوة مادية كشرط لبقائها. الآخر كجسر ومصنع ومدرسة ومزرعة وبئر ماء ومجتمع مدني. بهذا المعنى نستجوب الرئيس الاميركي الجديد، وبهذا المعنى أيضا نذكره بأن "الحقد على الاميركي" رغم كل عمليات التطويع والتركيع لسماسرة حكمٍ وقلمٍ هنا وهناك، ما زال أقوى من كل الخطابات العقلانية عن المجتمع الاميركي. ولا شك في أن أي خطاب أمريكي جديد سيصطدم بالضرورة بحقيقة أن العميل الإقليمي الرسمي (الدولة العبرية) قوة بدون أية حكمة سياسية، تتمتع بتضخم سرطاني عسكري ترافقه حالة استعصاء سياسي، وشعور بالتفوق خالٍ من القيم الأخلاقية والحقوقية الأساسية للعصر، بكلمة أخرى، تل أبيب تجسد كل ما اعتبره العالم شؤما في الإدارة الاميركية الراحلة.
إذن، مهما كان حجم التغيير عن سياسة بوش-تشيني، فإن ميزان حرارة السياسة الجديدة مرتبط بشكل عضوي بالقضية الفلسطينية. لكن هذا الميزان لن يكون محصورا في غزة أو رام الله، فبالنسبة للمجتمعات المدنية على الصعيد العالمي، لا يمكن اختزال مصائب المحافظين الجدد بمواقفهم في فلسطين والعدوان على لبنان. وهناك عشرات الأسئلة المهمة التي تجنب الرئيس الاميركي الإجابة عليها في حملته الانتخابية منها للمثل لا للحصر: هل يقبل بملاحقة الاميركيين المتهمين بجرائم حرب في قوات حفظ السلام؟ هل هو على استعداد لإلغاء أكثر من سبعين اتفاقية ثنائية مع دول صدقت على النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية كي لا تحاكم الاميركيين على أراضيها؟ هل سيطالب بمحاسبة قوات الاحتلال في العراق وأفغانستان في جرائم الحرب؟ هل سيقبل بلجنة دولية للإشراف على الأنترنيت بدل هيمنة دولته عليها؟ هل سيوقف إرهاب الحرب على الإرهاب المتجسد بوضع العمليات في 7800 مؤسسة مصرفية تحت الرقابة وتجميد أموال عشرات المؤسسات الخيرية الإسلامية وتقييد الحقوق الدستورية بقرارات "قراقوشية" اتخذها سلفه مثل إلغاء حق الإحضار habeas corpus والاعتقال بالأدلة السرية والسماح بالضغط على المعتقلين لأخذ المعلومات (التعذيب في اللغة الحقوقية)؟ هل سيستمر في فرض تعهدات على أية جمعية غير حكومية تنال مساعدة أمريكية أهلية أو حكومية بعدم التعامل مع أي طرف تتهمه الإدارة الاميركية بالإرهاب؟ وهل ستستمر السجون السرية ويغلق غوانتنامو لذر الرماد في العيون؟
ومن كل هذه الأسئلة، ثمة سؤال مركزي يتعلق بمستقبل الديموقراطية في العالم، هذا السؤال يعود إلى أكبر انتهاك للحقوق والحريات قامت به إدارة بوش، بإعلانها الأمن معيارا لسياستها الداخلية والخارجية على حساب الحرية. وكما يقول الفيلسوف الإيطالي جيورجيو أغامبن في رده على هذا الزلزال السياسي والإيديولوجي: "لقد أصبح الأمن المعيار الوحيد للشرعية السياسية. فكرة الأمن تحمل في طياتها خطرا أساسيا. إن أية دولة تجعل الأمن غاية أساسية ومصدر شرعية هي مجرد جسم هش، جسم يسمح للتعرض المستمر لتحريض الإرهاب ليصبح بدوره إرهابيا".
قصر نظر أوباما لم يسمح له حتى الآن بإبصار تحول الدولة الأمنية الإسرائيلية إلى دولة إرهابية بكل معاني الكلمة، ولن يسمح له بقراءة ما كتب الأديب الياس خوري في معمعان العدوان على غزة: "لم يعد السلام ممكنا، لأن اسرائيل لا تريد سلاما، بل تريد هيمنة مطلقة وترهيبا متواصلا. لذا فان العقلانية الوحيدة في مواجهة النار والوحشية والدمار هي المقاومة".