
لا أقوى على مغادرة مغتربى المصرى إلى مغترب جديد، من دون صحبة جيدة أو سند من العظماء الكبار: ماركيز، بورخيس، فلوبير، أو دستويفسكى.



أحمد المسلمانى
هذه سطور من مقدمة الطبعة الثانية لكتابى «ما بعد إسرائيل» والتى تصدر عن «دار ميريت» قريباً.
■ كأن الطبعة الأولى لهذا الكتاب قد صدرت قبل قرن من الزمان.. لقد أصبحت الأوضاع فى الشرق الأوسط تمضى أسرع من البصر وأبعد من البصيرة، فلا النظرة كافية للفهم ولا النظرية كافية للعلم.
فى وقت محدود تحول التساؤل عما بعد إسرائيل إلى ما بعد فلسطين.. قبل عشر سنوات كانت إسرائيل تراجع نفسها فى مناسبة مرور نصف قرن على إعلانها، وكان كثيرون فيها يلقون ظلال شك حول الماضى وظلال يأس حول المستقبل. لكن احتفالات إسرائيل بعيدها الستين جاءت وسط مشهد آخر وعالم آخر. كان الظن أن العام الستين هو عام التقاعد لإسرائيل.. هو بداية خريف مفتوح أو غروب قريب.. غير أن ما جاء كان خارج المنطق وخارج التاريخ.
لم يعد الهدف العربى هو حدود الرابع من يونيو، بل صغر الهدف إلى إزالة الجدار الفاصل، ثم ضمر الهدف إلى فتح معبر وإدخال طعام ودواء.
تحولت القضية من الصراع على الأرض إلى الصراع على الضوء.. وكانت أضواء الكاميرات باهرة وشاسعة.. تغطى كل فصيل وكل فسيلة وضعها فصيل! وأصبح لدينا رجال طرب لا رجال سياسة.. وحل الصوت والضوء محل الوطن.
■ فى أثناء الهبوط رحل شاعر فلسطين الكبير محمود درويش.. ليغيب حلم اللغة بمثل ما غاب حلم السياسة.. ليموت القلب بعد أن مات العقل، لتنكسر الروح بعد انكسار الجسد!
وأذكر أننى قابلت الشاعر الكبير قبل الرحيل بعامين.. وكان الرجل بشوشاً مشرقاً يضحك من الأعماق.. وكان يواصل النكتة بالنكتة ولا يستريح من ذكر اللطائف والطرائف.. وقد كنت أعجب لتلك القهقهة الكبرى والابتسامة الفسيحة.
فقد كانت معطيات الساحة الفلسطينية لا تدعو إلى ابتسامة واحدة.. ثم أدرك الرجل ما أدركت.. فقال لى: إننى مثل تلميذ بليد أدى الامتحان ورسب، وقد سكب من البكاء ما يكفى ألف فشل.. ثم فقد البكاء دلالته.. لم تعد الدموع قادرة على غسل الآلام.. فكان الخيار الآخر.. كانت الحركة القاتلة نحو النقيض.. إننى أضحك لأواصل الحياة والبكاء.. ولكننى إذ أضحك وأبكى، أوقن تماماً أن كل شىء قد انتهى.. الأشعار والرجال.. القصيدة والوطن.
■ تقع سطور هذا الكتاب فى نطاق ما وراء البكاء.. هى سطور تؤمن بأن الجهل خيانة واليأس خيانة.. وأنه فى لحظات المصير القاسى.. فإن الأمل يعادل الوطن.


مصقولة ندية، كالثمرة الناضجة في شعاع الفجر، وكالشيطان! فتنة ماثلة أمام عينيه، جميلة جمالا لا يختلط بملامح النساء، لونها الشهد المصفى يأخذ من محاسن الألوان مسحة واحدة، عيناها نجلاوان، تخفيان الأسرار ولا تكتمان الرغبات، فيها خطفة الصقر ودعة الحمامة، ولها فم الطفل الرضيع، وذقن كطرف الكمثرى الصغيرة، وبضاضة جسم هو الفتنة مجسدة.. حزمة من أعصاب تسمى امرأة، استغرقتها الأنوثة فلعلها أنثى ونصف! ولو تفرقت بين أجسام شتى لطغت الأنوثة على جميع الأجسام، شغلتها جواذب الجسد، وعاشت تنظر إلى الخطايا نظرة المرأة الوثنية قبل الأنبياء، عن نزعة طبيعية فيها، كالطفل يأكل الحلوى خلسة إن لم يأكلها جهرة، ولا لوم عليه في الحالتين، وإنما اللوم على من منعوه.
سارة التي أحبها العقاد، امرأة ليست كسائر النساء، لها آلاف الوجوه والملامح؛ طفلة لاهية وامرأة ماكرة أفنت عمرها في كيد النساء، وعقل أوتي عقول الفلاسفة، وأم تفيض بحنان الأمهات!.. شريدة بوهيمية، خاشعة في محراب الصلاة.. مرحة، كسيرة، فطرية أو عصرية، وفي كل أحوالها الأنثى السرمدية، لا يهمها من رجلها غير الحماية والأمان.
سارة!! كم لك من وجوه يا سارة!!.
مكالمة.. فمجاملة.. فلقاء
كان لقاؤهما الأول في بيت خائطة فرنسية في صباح هادئ من ضحوات الخريف، كانت الشمس تبتهج في هدوء، والهواء يرقص في حنين، ويرق الجو في ارتقاب، وتطرح النفس أعباءها كما تطرح القافلة أحمالها عند الواحات، التقاها العقاد ولم يكن يعرف أنه الحب الكبير..
تم التعارف بالأسماء، ثم مضت وكأنه لم يترك أثرا في نفسها، لذلك فوجئ حينما حادثته هاتفيا: من مجاملة إلى ملاطفة إلى تحية إلى اللقاء الأول.
شعر أنه مخلوق جديد، وإلا فلماذا تمر الساعات خاطفة، وكأن الشمس في سباق؟ وسيارات الأجرة التي يستقلانها لا ريب أنها سيارات سباق! خف كل شيء في الدنيا حتى قانون الجاذبية، وطفقا يتحدثان عن الموت بنفس الخفة التي يتحدثان بها عن الحياة، أحب أن يعرف مدى العلاقة التي ستجمعه بتلك المرأة الجالسة أمامه، فاستدرجها للحديث فحكت كل شيء، من قصة طفولتها إلى زواجها الفاشل، شعر وقتها أنها طفلة بائسة فقدت رحمة الأمومة، ثم أخطأت حظها من الزواج، لم تعذر الدنيا ولم يعذرها أحد.
في لقائه الثاني أدرك أنها فتاته بلا مراء، وأوجس –في نفس الوقت– خيفة مما يلي الغرام حتما من نكبات، بهرته بأشياء غير مفتعلة لم يعهدها من قبل في النساء؛ تحري الدقة في مواعيدها، المرح بغير تكلف، الزينة التي لا تظهر ولا تختفي، ربة بيت هي أول خادمة فيه، وامرأة تستطيع أن تكون إنسانا فلا تستغرق الأنوثة كل وظائفها.
لكن المرأة التي منحته السعادة كلها، سقته الشقاء مقطرا، لم يعصمه عقله الكبير ولا طبعه الجاد من الوقوع في حبالها، وبرغم مقاومته الصادقة فإنها نفذت من مسامه كالهواء، كالمعدن اللطيف. أفلحت في الاستيلاء عليه بغير مدافع أسطول ولا فرق مشاة، وكأنها الطيارة المحلقة، نزواتها القوة الدافعة في الفضاء، وثنية في مقاييس الأخلاق، شديدة الإيمان بضعف الإنسان مع أضعف المغريات، ما نفرت من مذمة عن مبدأ وعقيدة، بل كما ينفر المرء من طعام يعافه، مسألة ذوق ورغبات لا شرف واعتقاد.
كل هذا كان يعرفه عنها، لم يخدع نفسه قط، ولا استطاعت هي أن تخدعه، المشكلة أنه أحبها كما لم يحب في حياته من قبل، هي الحلم والواقع، والجمال والخيال، السعادة التي لم يذق مثلها، نسمة منعشة في الظهيرة، ونجدة الأمان بعد خوف طويل. يلتقيان فينقسم العالم إلى قسمين؛ قسم فيه كل شيء، وقسم ليس فيه شيء، قسم ذاخر وهاج، وآخر مهجور كخرائط الأطفال.
أيام!! ثم جاءت من بعدها أيام.
نار الشك
كانت سارة كتابا مفتوحا قرأه مرارا، ولم تحاول أن تكتم عنه شيئا، اعترفت له بعلاقتين سابقتين، الأولى طويلة متينة، والثانية سريعة هوجاء.. أخبرته بحيلها البارعة وردودها الصالحة لكل موقف، واسترسلت في التفصيلات كأنها تفرغ قلبها بين يدي كاهن، حمد لها وقتها صراحتها ولكنه لم يسلم من الاحتراس منها والتوجس عليها منذ تلك الساعة، ولم يزل على علم أنه لا يأوي إلى حصن حصين.
كان أدرى الناس بها؛ الوعظ لا يستحق عندها إلا الضحك والاستهزاء، ويكبر الناس عندها بقدر ما يخالفون ما يرفعونه من شعارات! تتذوق الكلام وتعطيه درجته العادلة من التأثر، ولا يبعد أن تبكي إذا كان فيه ما يحرك الشجن، لكنها لا تزيد عن ذلك، ولا تخلط بين التقدير والنتائج العملية!..
لم يكن مستعدا لخداع نفسه، ولكنه كان حزينا وآسفا، ولطالما تمنى أن يراها بعين الفخر والإعجاب، هو الرجل الوحيد الذي يرى لها كرامة غير كرامة جسدها، ويحب أن يعرف لها قيمة أكبر من هذه القيمة.
فلما ساورته شبهات الشك فيها توالت أمامه الدلائل من فلتات اللسان، وشوارد الخواطر، وعلامات الزينة والملابس، قرائن هي أصدق عنده من كل شهود، عذاب جهنمي مزق لحمه وأعصابه، كان يحبها حقا، ولم يكن يتصور أن يستغرق في حبها ويسمح لها أن تصل غيره من الرجال. شكوك لا تغسل مرارتها كل أنهار الأرض.. أن تشك ثم لا تصل إلى الحقيقة، ولا تكف عن الشك، ولا تستقر عليه، سجن ينطبق، وأحيانا ينفرج كالهرة اللئيمة، ثم يعاود الانطباق.
هل تخلص له؟ هل تخونه؟ كالمشدود بين حبلين متساويين في القوة والمقدار. يتساوى جانب الاتهام وجانب البراءة؛ فلا تنهض الحجة هنا حتى تنهض هناك، ضاعف من هذه الحالة ذكاؤها وطبيعة ذهنه الذي يخلق الاحتمالات الكثيرة.
ألم لا نظير له بين آلام النفوس، أقرب ما يكون لحيرة الأب المستريب في وليده المنسوب إليه؛ هل هو ابنه أم ابن غيره؟ رمز الحب والوفاء، أم رمز الخيانة والاستغفال؟.. مخدوع في عطفه عليه، أم مخدوع في النفور منه؟
وتمنى وقتها لو كان حبه لها أقل، وماضيه معها أقصر، وشرطه عليها أقرب، إذن لاكتفى منها بما تعطيه؛ لكنه كان يعرف الحقيقة.. الرجل الذي يهب المرأة ساعة من يومه يكتفي منها بساعة، أما حين يهبها أيامه ولياليه، وينسج حولها حاضره وماضيه، ويحجب بيده المستقبل كأنه يطمع في غرام بلا فراق، يستحيل أن يقبل بغير الإخلاص التام، والغيرة حية سامة، والابن إما أن يكون ابنا أو غير ابن، والتحفة النفيسة صحيحة أو زائفة، لا توسط في هذه الأمور.
وهذه المرأة -التي لا امرأة غيرها– إما تحفة نفيسة لا تعادلها كنوز الأرض، أو زائفة لو باعها بدرهم ما كان بخاسر! كل شيء أو لا شيء، لن يبيعها إلا بدرهم، فإذا كانت الأخرى فلا شراء ولا بيع!.. المهم أن يعرف هذا الفارق المهول بين ما يباع بدرهم، وما لا يباع بكنوز الأرض!.
لا يوجد أمامه سوى أن يراقبها !!!.
أمين على الصداقة
أذكر أن الكاتب الكبير أحمد بهجت استهول أن يلجأ رجل في مكانة العقاد إلى مثل هذا الأسلوب، كتب ذلك في جريدة الأهرام منذ سنوات، وصححه له القراء وطالبوه بالعودة إلى الرواية، فاعترف بعدها بأيام بحدوث ذلك، وبدا محرجا مع مقام المفكر الكبير، وعزاه إلى ضعفه البشري الذي لا يخلو منه إنسان.
هل أخطأ العقاد حين طلب من صديقه "أمين" مراقبتها؟ سؤال لا أعرف إجابته، لكن المهم أنه فعل، "أمين" صديقه الذي يؤمن بالواجبات الشعرية أشد من إيمانه بجميع الواجبات الإنسانية، ويعتبر أن خيانة الصديق في العشق كخيانته في أقدس الحرمات، ذو أريحية ومروءة وصدق لسان، يتبعها في الغدوات والروحات، أمينا متربصا مثابرا في عمله.
دامت المراقبة شهورا حافلة بالنوادر والمفارقات، لكنها كانت تقيمه وتقعده، تساءل العقاد فيما بعد: ترى لو شهدنا حوادث الحياة دفعة واحدة هل تهون أم تصعب؟.. تشغلنا الحادثة شهورا فلا نفكر في غيرها، ثم تمضي الأيام فتصبح -عندنا لا عند غيرنا– تسلية نرويها وطرفة نحكيها. ترى هل يكون اجتماع الحوادث فاجعة تضاف إلى الفاجعة، أم بمثابة الشيء يلغي ما بعده؟ كما يذهب الحر بالبرد، والصيف بالشتاء!!.
وسواء هذا أو ذاك، يخطئ من يظن أن عبرة الأيام تعلمنا الاستخفاف بالحاضر كما نستخف بالماضي، وخير ما يتاح لأبناء الفناء أن يقلقوا ثم يضحكوا من هذا القلق.
مبكيات ومضحكات...!!
كان شعورا معقدا يصعب وصفه، يتمنى أن تكون مخلصة، ويتمنى أيضا أن يكتشف خيانتها فيستريح. لم يكن يخفى عليه أن فراقها يرادف عنده توديع الحياة، وإن خبت هذه العاطفة فهي جذوة الغرام الأخير.. من أين له بفتاة تخلفها في ذكائها ونضارتها؟ وإذا وجد الفتاة فمن أين له القلب الذي يخفق وقد استنفده في الغرام؟
متغلغلة في أنحاء النفس والجسد، كألفة المدمن للعقار المخدر، لو سماها حبا فهو صادق، ولو سماها بغضا فهو صادق، يتعاطى العقار وهو راغب فيه، ويتعاطاه وهو ساخط عليه، صعبة جدا مجابهة الحقيقة، وعر حقا طريق المكاشفة. تكلفك تغيير العادات، فيما النفس مولعة بالمراسم والشعائر، والطقوس والعادات.
راحة اليأس
وبعد مفارقات كثيرة، محزنة ومضحكة، انتهت المهمة وبطلت الرقابة واستراح الرقيب، كان أمين موفقا كل التوفيق في مهمته حين زوده بالحجة القاطعة التي يواجه بها غوايته ويجمح بها نكسات ضعفه، عاونته المصادفة حين تتبعها إلى مخدع مريب في بيت عرف اسم صاحبه، وعرف أيضا أنها تغشاه حينا بعد حين.
وكانت راحة اليأس.. لم يزد العقاد أن أغمض عينيه، وكأنه يتحاشى النظر إلى سبة شائنة، أو يتهيأ للنوم بعد سهر طويل، صافح صديقه، وهز يده هزة الشكر والرضا، الرضا بانقطاع الشكوك وتقليم مخالب العذاب، والقدرة على التفريط فيها بغير حسرة ولا ندم، حينما صارت امرأة من سائر النساء سقط عنها سحر الانفراد.
"هونت خطبك جدا، وخلته لن يهونا..
حمدا لكيدك حمدا، حمدا يفيض العيونا
بدلت بالنار بردا، وبالعذاب سكونا.
إني أمنت الفتونا، وأنت، ماذا أمنت؟
قد هنت، والله هنت........"
أشعار سوف يتركها لنا العقاد فيما بعد في تراثه الشعري، وتبقى قصص الحب العظيمة، لشخصيات إنسانية مميزة، رابطة للأخوة الإنسانية، وعلامة على الضعف البشري، يستوي فيه الكبار والصغار، والعظماء والبسطاء، والسادة والخدم، كلهم مجبولون على العشق، مفطورون على الانجذاب للجنس الآخر، بالقلب والروح والجسد، بالضحك والابتسام، واللوعة والفراق، قدرا مقدورا على أبناء الفناء.

الجمهورية فيما ذكر، أمام الهيئة البرلمانية للحزب الوطني الديمقراطي، وهو الحزب الحاكم لأكثر من ثلاثين سنة مضت، وذلك بمناسبة بدء الدورة البرلمانية لمجلسي الشعب والشوري في سنة 2003 - 2004.



* كانت رايس جاهزة لمنح ليفني أية ورقة تمكِّنها من العودة إلى المجتمع الإسرائيلي بإنجاز ما، ودون انتظار تحقق الإملاءات المصرية على حماس ناهيك بتفاهمات معها.
لا نعرف تفاصيل الاتفاق، وأقصد عدا الأمور العامة المتعلقة بتجند الولايات المتحدة لمنع وصول السلاح إلى حماس. وطبعا سوف يتعلق الأمر بمدى استعداد إدارة أوباما لمتابعة التنفيذ ومدى تعاون مصر معهم في ذلك. وبالمجمل، هذه اتفاقيات غير ممكنة التنفيذ دون تعاون عربي.
* ما هي الأهداف التي حققتها إسرائيل من حربها على غزة؟ هل هي مدارس وكالة الغوث "الأونروا"؟ هل هو حرق البشر بالفوسفور؟ هل انتصرت الإف 15 على من هم في سن الـ15 عاما مستعيدة هيبة الردع، أو الرعد أو الرعب؟
ردعت إسرائيل الأطفال في غزة وفي كافة منازل الوطن العربي. مرحى مرحى مرحى، هورا هورا هورا. لتستمر مقاهي تل أبيب (المدينة دون توقف كما يحبون تسميتها هناك) باحتضان الطيارين الشباب والفنانين والصحفيين الذين يروون النكات عن غزة، وعن أطفال ونساء غزة. فهذا لا يثير انطباعا عند من انطبعت الصور في أذهانهم. كل شيء هنا توقف غير تلك الصور في الأذهان، وكل شيء هنا يتوقف على إنجاز مهمة واحدة، أن يعود التاريخ إلى نفسه في المنطقة العربية وهو لا يشمل إسرائيل. إنه لا يشمل تل أبيب ولا بطرها من حروب قليلة الضحايا عند من يملك الطائرات، ولا فائض سخريتها ممن لا يملكها.
* إن ما يحتاج إلى دراسة هو تحول قتل المدنيين، والتباهي باستهدافهم إلى مركب في الثقافة الإسرائيلية.
هنالك ميل سادي كولونيالي واضح لدى الشباب الإسرائيلي على مر الحروب لتحويل عذاب الفلسطينيين إلى تسلية. أما رسم الابتسامات وعلامات النصر من قبل الجنود العائدين من المجزرة إلى الحضارة، ومن قتل العائلات إلى عائلاتهم ومن التنكيل بالمدنيين إلى الحياة المدنية. فهو ليس فرح الجبناء فحسب بل طقوس العبور لتشكل الرجولة في مجتمع المستوطنين المستعمرين العابرين.
* إذا كان المقصود بتحقيق الأهداف هو الأهداف المعلنة في بداية الحرب، فليس صحيحا ما أعلنه رئيس الحكومة الإسرائيلي من تحقيق الأهداف. فلم تحقق الحرب الأهداف العلنية المتعلقة بتغيير الوضع الأمني في "جنوب إسرائيل". أما إذا كان الهدف الذي تحقق هو اغتيال قيادات في المقاومة، فقد بات هذا من مسلمات المقاومة. ليس ذلك إنجازا، لأن قيادات المقاومة بحكم تعريفها تتوقع الاغتيال في أي وقت.
* توحدت الأمة العربية مع المقاومة، وتوحدت الشعوب معها، إلا في لبنان حيث ينقسم الشعب، ولكن ليس إلى مواقف، بل إلى طوائف.
* وانقسم النظام الرسمي العربي إلى اثنين لكل منهما هوامش ما زالت تتقاطع. ويمكن تمييزها باختصار شديد بما يلي: يعتبر الموقف الأول الاحتلال هو المشكلة وهو سبب الحرب، في حين يعتبر الموقف الثاني مقاومة الاحتلال هي المشكلة ويحملها مسؤولية الحرب.
* ومن هذه الزاوية فإن القمة العربية في الدوحة هي استجابة بالحد الأدنى ليس للانقسام الرسمي، بل للرأي العام العربي. والأمر الأهم الذي أنجزته هو كونها أول مراجعة رسمية لخط التسوية. لأول مرة تحصل انعطافة في الخطاب الرسمي العربي منذ أن سيطر عليه خطاب التسويات المنفردة مع إسرائيل.
* إعلان رئيس الحكومة الإسرائيلي المتأخر أن وقف إطلاق النار هو استجابة لطلب الرئيس المصري هو محاولة لإنقاذ المعتدلين العرب. فمن مصلحة إسرائيل أن يبدو المعتدلون شركاء يحظون ببعض المصداقية. لقد كان ضحية القصف الأولى هم المدنيون الفلسطينيون، أما الضحية الثانية فهو التسوية وجماعة عملية السلام.
* كان غضب مبارك وأبو الغيط (الذي سعد لدقائق أن تتطلب الوظيفة مرة واحدة تقمص شخصية تشي جيفارا) غضبا تكتيكيا. حماس لم تقبل بشروط المخابرات المسماة أفكارا مصرية، وإسرائيل لم تنتظر. وقد أوقفت إطلاق النار مستغنية عن الجهد المصري. كما كانت هنالك قمة الدوحة التي أثارت غضبا غير تكتيكي إذ طرحت أفكارا أخرى غير المبادرة المصرية، وشاركت فيها أنظمة رسمية متجاوبة بالحد الأدنى مع رأيها العام. كان لا بد من إنقاذ مبارك بتصريح مفاده أن وقف إطلاق النار هو استجابة لطلب مبارك. ولكن هذا التصريح الإسرائيلي تحول إلى إهانة وإساءة لمصر. فإذا كان بوسع مبارك وقف إطلاق النار وإذا كانت إسرائيل تصغي له، فلماذا لم يطلب فيستجاب طلبه قبل عشرين يوما؟
* حين ظهر هذا الخطاب المصري الجديد من وقف إطلاق النار الفوري وغير المشروط وحتى الانسحاب، واصل ممثلو السياسة الخارجية استخدام نفس النبرة واللهجة القديمة في حديثهم مع ممثلي حماس في القاهرة، أي واصلوا مطالبتهم بالتعهد بوقف تهريب السلاح وبتهدئة طويلة المدى والعودة إلى اتفاق عام 2005 بشأن معبر رفح. كان ذلك خطابا للاستهلاك المحلي. * يوم 18 التالي لوقف إطلاق النار تنادت بسرعة فائقة دول متفاجئة من استدعائها على عجل. لقد اجتمعت في شرم الشيخ نفس القوى التي بررت وأيدت قتل الأطفال والنساء في فلسطين، والتي تعتبر قتل الأطفال دفاعا عن النفس وقتل الجنود إرهابا.اجتمعت القوى التي تعتبر مصير جندي مثل شاليط جاء لقصف المدنيين من دبابة أكثر أهمية من مصير أهل غزة. دعاهم رئيس عربي يشاركهم تقدير حياة شاليط، ويتعامل مع حياة أبناء شعبه في قطار محترق وعبّارة تغرق وبنايات تنهار باحتقار أشد حتى من احتقاره لأهل غزة.
* وما اجتماع القوى الاستعمارية الكهلة في شرم الشيخ سوى إخراج لوقف إطلاق النار، لكي يبدو كأنه نزول عند رغبة مبارك والدول الأوروبية وعملية السلام، وغير ذلك من الكلام الفارغ. وقد جرى إخراج وقف إطلاق النار بعد أن اتخذ القرار في هذه المسرحية لمصلحة إسرائيل والرئيس المصري. اتخذ القرار من طرف واحد، وتبعه إخراج من هذا النوع.
قمة شرم الشيخ هي عبارة عن مساندة لدور الرئيس المصري الذي تضرر في هذه المرحلة داخليا وخارجيا. فهو إخراج لوقف إطلاق النار في إطار قوى التسوية ليظهر وكأنه "إنجاز لها"، وليس رغما عن هذه القوى.
فنحن لم نر هذه القوى أو نسمع بها طيلة الحرب. لم تحاول تكبيل أيدي إسرائيل أو إدانة قتلها للأطفال، ولم تبد حرصا على حياة المدنيين. وحين يئست إسرائيل من تحقيق أهدافها وتوقفت، تقدمت هي لتقطف وقف إطلاق النار كأنه نتيجة لتحركاتها وليس كنتيجة لصمود المقاومة والمجتمع الفلسطينيين في غزة.
* للبنان حدود مع سوريا وإسرائيل والبحر، وتحد غزة مصر وإسرائيل وبحر مغلق. وهذا هو الفرق كل الفرق. إن كان ذلك بالنسبة للمدنيين، وإن كان ذلك بالنسبة للمقاومة. وقد جرت الحرب على أساس هذا الفرق. الدولة العربية المجاورة لم تكتف بعدم دعم المقاومة بل أرادات تلقينها درسا قاسيا. لقنت إسرائيل الدرس القاسي للمواطنين ولم تحقق أهدافها وتوقف إطلاق النار.
* وبعد وقف إطلاق النار يدرك المجتمع ما جرى له وما حل به وهو يضمد الجراح ويتفقد الأنقاض. سيبدأ الضغط من أجل المساعدات ومعالجة الجرحى وإعادة الإعمار. ويبدو أن إلإغلاق المستمر للمعبر في رفح، وإمكانيات الدخول والخروج عبر مصر سوف تستخدم للاستمرار في ابتزاز المقاومة لقبول الشروط بعد وقف إطلاق النار.
* لذلك فالمهم الآن هو الضغط لفتح المعبر للإغاثة وإعادة البناء، وعدم السماح لإسرائيل أن تتملص بجريمتها، وأن يرفع الحصار. ويجب عدم التسامح مع الأنظمة التي صمتت أو تواطأت، وما زالت، يجب عدم التوقف الآن عن الحملة لفضحها، وذلك لأن هذه السياسة مستمرة ولم تتأثر. فما يقال في الخطابات شيء وما ينفذ على أرض الواقع شيء آخر تماما. ولن يصح أي تعهد تتخذه الدول العربية أو غيرها للمساعدة في إعادة الإعمار، إذا لم يفتح المعبر ولم تصل المساعدات لغزة.
* جمع الأموال لإعادة الإعمار يجب ألا ينسي الدول والمؤسسات التي أعلنت نيتها التقدم بدعاوى مطالبة إسرائيل بدفع التعويضات على ما لحق بالناس. لم نسمع عن محاكمات لإسرائيل عن ما اقترفته أيديها في لبنان عام 2006، ونأمل ألا تؤول التهديدات الحالية إلى المصير ذاته.
* أما سياسيا فإن المرحلة هي مرحلة وقف توسع خطاب التسوية والتطبيع مع إسرائيل ورده على أعقابه وبدء صعود خطاب سياسي جديد. وهذه عملية بدأت في الدوحة ويجب أن تستمر وتندفع وأن يدافع عنها في الكويت بقوة.
* من أهم إنجازات المقاومة في هذه الحرب أن إسرائيل لم تعد خارج القطاع من طرف واحد كنوع من إعادة الانتشار. لقد خرجت في العام 2005 بخيارها كي تجتاحها متى شاءت. وها هي تدرك الحقيقة المرة. لقد تغيرت الأمور خلال عامين. وهي مضطرة أن تحارب كي تعود. فعودتها إلى غزة يعني حربا، وهي حرب غير محمودة العواقب. لم يتحرر قطاع غزة عام 2005، بل تحرر الآن من الاحتلال. لأول مرة منذ عام 1967 لا تجتاح إسرائيل المناطق التي احتلت عام 1967 بسهولة كنوع من إعادة الانتشار، بل تضطر أن تحارب لاجتياحها
* وبقيت قوات إسرائيلية في غزة. ليس لهذا الغرض تصح المقاومة، بل لأن فلسطين كلها محتلة، القدس محتلة والضفة محتلة. وطالما هنالك احتلال هنالك حق بمقاومته. وفلسطين وطن واحد، وقضى الحال والتجربة أنه يمكن مقاومة احتلال غزة من القدس، ومقاومة احتلال القدس من غزة.
* ليست غزة دولة مستقلة، ولا شعبا ولا كيانا. ويجب أن تتوقف النبرة التي تتعامل معها كذلك، (وهي نبرة قائمة حتى عند أوساط قليلة في حركة حماس). وهي تقاوم احتلال فلسطين وليس احتلالها وحدها. ولكن غزة لا تستطيع أن تحمل وحدها قضية فلسطين، فهي في ظل الحصار بالكاد "تحمل حالها". ولذلك لا يجوز أن تبقى بقية جوالي الشعب الفلسطيني في الشتات والضفة خارج إطار التنظيم الوطني الذي يجب أن يقود المقاومة. وهو أوسع من حماس.
لقد آن الأوان أن تفكر حماس والجهاد والجبهة وغيرهم من طاقات وقوى الشعب الفلسطيني بتشكيل إطار تحرر وطني موحد مقاوم في كافة أماكن تواجد الشعب الفلسطيني، يحمل برنامجا وخطابا مؤهلا لقيادة الشعب الفلسطيني. وجود هذا الإطار وهذا الخطاب هو الذي سوف يشكل القوة الضاغطة والرافعة لإعادة بناء منظمة التحرير.
في هذه الحرب أدرك الجميع ما معنى دور الأجهزة الأمنية في الضفة، وما معنى تغييب منظمة التحرير حتى في الشتات وتهميشها من قبل السلطة. ولذلك فإن المهمة أعلاه مهمة تنظيم وتأطير بقية مناطق تواجد الشعب الفلسطيني، هي مهمة لا تحتمل التأجيل. فليست مهمة غزة أن تقاوم عن كل الشعب الفلسطيني، ولا مهمة الآخرين أن يتضامنوا.
* لقد قاومت بقية الجاليات الفلسطينية في الماضي، وواصلت الضفة الانتفاضة في حينه حتى حين حوصرت في غزة. فهي ليست جديدة على الموضوع. وما تغير هو قيام السلطة وتهميش الشتات وقيام جيل من الأجهزة الأمنية يقمع شعبه من يناضل ضد إسرائيل وينكل به. وهذا أمر لا يجوز تجاهله عند استخلاص النتائج وإعادة بناء المؤسسات على ضوء ما جرى في هذه الحرب.
* لا مشروعية لأية تسوية. ليس الجميع قادرا أو مضطرا للمقاومة، ولكن الجميع قادر على رفض التسوية غير العادلة، وعلى استنباط وسائل للحياة دون تسوية مع إسرائيل والصهيونية.

