‏إظهار الرسائل ذات التسميات كتاب. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات كتاب. إظهار كافة الرسائل

مُذلون مُهانون.. مسروقون!


عزت القمحاوى
لا أقوى على مغادرة مغتربى المصرى إلى مغترب جديد، من دون صحبة جيدة أو سند من العظماء الكبار: ماركيز، بورخيس، فلوبير، أو دستويفسكى.
حتى الغربة لا نستطيع أن نغيرها بغربة جديدة إلا مع رفقة تعيننا على قطع المسافات. وقد كان الدور على دستويفسكى هذه المرة، وكنت غارقاً مع بطله الإشكالى «اليوشا» فى رواية «مذلون مهانون» عندما فتحت الكمبيوتر لإطلالة ضرورية على أرض غربتى الأصلية، ورأيت اسم نبيل البوشى المتهم فى قضية توظيف الأموال الجديدة. لم أدقق جيداً على البنط الصغير للخبر، البوشى أم اليوشى؟! الاسم الذى أقرؤه للمرة الأولى يبدو غير مصرى، تصورت والله أنه قفز من صفحات الرواية إلى شاشة الكمبيوتر، اليوشى ليس بعيداً عن أليوشا الاسم الذى يفضله دستويفسكى ولا تخلو منه رواية من رواياته. وحتى بعد تدقيق الاسم لم أتأكد بعد من مصريته، وهذا ليس مهماً على أية حال، فالمهم هو أن شيئاً ما وقع (لن نجازف بتسميته جريمة وإن سميناه علينا أن نحدد المتهم بدقة). هى مجرد قضية جديدة، وعلينا كمصريين أن نتذكر واحدة من أهم فضائلنا، وهى القدرة على الضحك والتنكيت حتى مع جرائم القتل والنصب، كى لا نلحق بالضحايا كمداً. ولابد أن القراء يذكرون، من بين النكات التى انتشرت بعد إعلان اتهام هشام طلعت مصطفى فى قضية سوزان تميم، نكتة تقول إن المطربة المقتولة عندما صعدت وجدت الأميرة ديانا والمطربة ذكرى فى انتظارها، وبادرتاها باللوم: «مش قلنا بلاش رجال أعمال مصريين»؟! غداً إذا ما عاد نبيل البوشى المتهم فى قضية التوظيف الجديدة وقابل المتهمين بقتل سوزان فى الحبس هل يعاتبانه: مش قلنا بلاش دبى؟! دبى مقبرة رجال الأعمال اللى مش ولابد (أعنى الأعمال لا الرجال) فهل هى مصادفة، أم أن هذا التكرار يرسم خريطة المال اللعوب بين القاهرة والإمارة الخليجية؟ قد لا يكون هذا هو السؤال المهم الآن، لكن الربط بين جرائم القتل وجرائم النصب فى البورصة والتوظيف ليس فيه أى اعتساف؛ فالخسارات المفاجئة تقود إلى القتل فى حالات كثيرة. ونحن لم ننس بعد صدمة المهندس المضحوك عليه فى البورصة، الذى قتل أسرته لينقذها من فقر فرضه عليه النصابون. الذى يهمنا الآن، هو السؤال عن سر التكرار البليد لقضايا النصب، التى تنتهى عادة باتهام الضحايا بالطمع! الطمع، هو التهمة التى أطلقها محامى رجل الأعمال الهارب من رواية عن روسيا القيصرية إلى مصر الجمهورية، وهى ذات التهمة التى أطلقت فى أزمة توظيف مدينة نصر، وقد لاقت التهمة استحسان الإعلام: حقاً، لا نصاب بدون طماع! لم نعرف كيف انتهت أزمة نصاب مدينة نصر، ولم تدع لنا الكوارث المتلاحقة فرصة لنتذكرها، حتى جاءنا البوشى. لكننا على الأقل نتذكر أن الأول كان مدعوماً بابن وزير، والثانى مدعوم بوزير، أو أن الوزير دعمه قبل أن نستوزره. وإذا كانت الحكومة لم تستح وتصدر توضيحاً لتبرئة ابن الوزير أو إدانته ومعاقبة أبيه، فمن غير المنتظر أن تهتم بتحديد صلة وزير الزراعة بالبوشى. ومن غير المتوقع أن تستحى من استمرار شركات التوظيف فى ممارسة أنشطتها وكوارثها بكل هذا الاطمئنان. ولن تعترف أنها المسؤولة عن استمرار الظاهرة، بسبب طردها الأموال الصغيرة من السوق، وهو ما تناولته فى مقال سابق هنا، حيث لا يوجد مجال آمن لاستثمار أموال التكنوقراط، سواء جمعوها من الداخل أو الخارج، وأموال الشباب قليلى الخبرة العائدين من غربة قاسية. ما لا تستبيحه الحكومة من أموال هؤلاء بالبلطجة (بزعم المصلحة العامة) أو بالتعويق والإرغام على الخسارة، لا يهرب من رمضائها إلا إلى نار التوظيف. والمجد للقياصرة على حجر السلطة أو فى السجون المكيفة، والموت للمذلين المخدوعين والطماعين فى عش للمجرمين يدعى وطن أحياناً.

الكاتب والرئيس


في ذكري وفاة الكاتب الكبير «رجاء النقاش» ننشر واحدة من أهم كتاباته:
ظهرت شخصية السادات بوضوح أمام الرأي العام بعد أن تخلص من خصومه وألقي بهم في السجون إذ بدا رجلاً شديد العصبية كثير الشكوك تملأ الهواجس نفسه تجاه الآخرين

اليوم تمر الذكري السنوية الأولي علي وفاة الأستاذ الكبير رجاء النقاش بلا ضجيج بعد أن عاش حياته في بلاط الصحافة والأدب والنقد بلا أدني صخب، كان الرجل برغم انجازه الرائد أكثر النقاد تواضعاً وأريحية ربما لأنها عادة شيمة الكبار الذين يقدمون الكثير دون انتظار كلمة إشادة واحدة وحتي في قراءاته النقدية العميقة
كان النقاش هادئ النبرة غير متعال ليعطي درساً لمهندسي اللغة والمتعاملين مع النقد باعتباره عملية تشريح معقدة أن القراءة المتعاطفة مع النصوص هي أكثر الطرق لاكتشاف طاقاتها الجمالية الكامنة، فضلاً عن اكتشاف النقاش أحد أبرع الروائيين العرب السوداني الطيب صالح ومحمود درويش شاعر المقاومة الأول في الأرض المحتلة وكان الأستاذ رجاء أول من قدم هذه الأصوات إلي الثقافة العربية، بالإضافة إلي أصوات أخري كثيرة كلها تدين بالولاء لصاحب هذا الصرح الشامخ من الحب والتعاطف والرغبة في تأكيد أصالة الثقافة العربية في مواجهة دعاوي هدم دعائم الماضي وخلق قطيعة معرفية مع التراث العربي لمحو هوية الثقافة العربية.

«الدستور» قررت أن تحيي ذكري الأستاذ الكبير علي طريقتها بنشر واحدة من أهم كتابات الراحل العظيم.

> > >

في 4 فبراير سنة 1973، أصدر الرئيس الراحل أنور السادات «1918-1981» قراراً انفعالياً غاضباً بطرد ما يقرب من مائة كاتب وأديب وصحفي من أعمالهم الأصلية، وإلحاقهم بأعمال أخري لا تمت بأي صلة إلي الصحافة والثقافة، وكان لهذا القرار من جانب السادات صداه الواسع في مصر وخارجها، لأن هذا القرار الغاضب كان يشمل عدداً من الأسماء المهمة والمعروفة علي المستوي العربي، وبعضها معروف علي المستوي العالمي.

ومن هذه الأسماء نجيب محفوظ، وأحمد بهاء الدين، ويوسف إدريس، وغيرهم، وقد كان وراء هذا القرار قصة لعب فيها الأديب الكبير توفيق الحكيم «1898-1987» دوراً أساسياً. وقبل أن نتعرض لهذه القصة بالتفصيل لابد من التوقف قليلاً أمام شخصية السادات، وأمام بعض الظروف التي كانت قائمة في مصر في تلك الفترة المضطربة، والتي بدأت من 15 مايو سنة 1971، حينما تمكن السادات من القيام بانقلاب ناجح علي أنصار عبدالناصر الذين كانوا يمسكون بالمراكز الرئيسية في الحكم والسلطة، واستطاع السادات أن يقبض عليهم جميعاً ويضعهم في السجون، ثم ينفرد بعد ذلك بالكلمة العليا في حكم البلاد.

وبعد انفراد السادات بالسلطة ازداد الاضطراب الشعبي، خاصة في صفوف الشباب، لأن سيناء كانت تحت الاحتلال الإسرائيلي، ولم يستطع السادات أن يحسم الأمور ويبدأ المعركة ضد العدو إلا في 6 أكتوبر سنة 1973، أي بعد أكثر من سنتين من انفراده بالسلطة.

ظهرت شخصية السادات بوضوح أمام الرأي العام بعد أن تخلص من خصومه وألقي بهم في السجون، وقد بدا السادات أمام الجميع رجلاً من رجال السياسة الذين يعانون العصبية وكثرة الشكوك والهواجس التي تملأ نفسه تجاه الآخرين، فقد كان سريع الغضب سريع الانفعال، كثير الخيالات والأوهام. وقد سمعت من أحد الذين عملوا معه عن قرب أنه في تلك السنوات بعد انفراده بالسلطة كانت تنتابه لحظات غريبة يبدو فيها شخصاً غير متوازن، فقد كان يمشي في حديقة الاستراحة الرئاسية المعروفة في منطقة «القناطر الخيرية» وينفصل عن مرافقيه من الحراس والمساعدين، فيمشون وراءه بمسافة غير قصيرة، بحيث تتاح لهم رؤيته بوضوح، وإذا بالسادات يهز عصاه في الهواء ويتحدث إلي نفسه بصوت مسموع، ويفقد إحساسه تماماً بكل من حوله، ويواصل الحديث مع نفسه، ويضحك أحياناً، ويتجهم أحياناً أخري!

وقال الراوي الذي كان يحدثني: إن السادات بعد أن انفرد بالسلطة، كان لا يطيق المناقشات الطويلة مع أحد، حتي لو كان من المقربين إليه والذين يثق بهم ويشعر معهم بالاطمئنان، وقد اشتكي عدد كبير من المقربين إليه والمساعدين له هذا الأمر، فلم يعد السادات يستشير أحداً، ولم يعد يطيق أن يستمع من أحد إلي رأي يخالف رأيه، وكان يتهم زوجته السيدة «جيهان السادات» أحياناً، خاصة حين تناقشه أو تختلف معه، بأنها لا تفهم في السياسة، وأن عليها ألا تتحدث في مثل هذه الأمور. هذا ما صرحت به السيدة «جيهان» نفسها في بعض أحاديثها الصحفية والتليفزيونية.

وبالطبع فنحن نصدق هذه الصورة للسادات لأسباب عديدة، أهمها أن التصرفات العامة العلنية له كانت لا تخلو مما يؤكد صحة هذه الصورة في خطاباته التي كان يلقيها أمام الجماهير، أو عن طريق التليفزيون، وفي أحاديثه الصحفية، وفي قراراته الحادة المفاجئة، ثم في عدوله المفاجئ أيضاً في بعض الأحيان عن هذه القرارات. كل ذلك يكفي لتأكيد صحة ما كان يقوله بعض المقربين إلي السادات من أنه كان يعاني التوتر العنيف، والغياب أحياناً عن الإحساس بالواقع من حوله، وهناك أمثلة عديدة علي ذلك، فقد عقد السادات مؤتمراً صحفياً في سبتمبر سنة 1981، بعد أن كان اتخذ قراراً غير حكيم باعتقال نحو ألف وخمسمائة من الصحفيين والمفكرين، وأهل الرأي والسياسة والأدب والصحافة في مصر. وفي هذا المؤتمر الصحفي سأله مراسل أجنبي سؤالاً قال فيه: «هل قمت سيادتك باستئذان أمريكا قبل اتخاذك قرار اعتقال السياسيين المصريين؟!»، وبدلاً من أن يرد السادات بهدوء علي مثل هذا الاستفزاز المألوف في المؤتمرات الصحفية الحرة، بتذكير هذا المراسل الاستفزازي بأن مصر بلد مستقل، وأن حكومتها ذات سيادة علي أرضها، وأن هذا المراسل قد دخل مصر بتأشيرة من السفارة المصرية في بلاده، وليس بتأشيرة من السفارة الأمريكية.. بدلاً من هذا، فإن السادات اندفع في غضب لا يليق برئيس دولة ليقول وهو ينتفض من شدة الانفعال للمراسل الأجنبي ما معناه:

- لولا أنك أجنبي لأخرجت مسدسي وأطلقت عليك الرصاص!

ومعني هذا الكلام الذي قاله السادات أن المراسل الأجنبي ضيف.. ولا يجوز قتل الضيوف.. ولولا هذا لفعلها السادات، وقتل هذا الضيف الذي أثار غضبه!

ومثل هذه العبارات الانفجارية الاندفاعية غير المسئولة كثيراً ما تصدر عن السادات، كقوله المشهور سنة 1971 عن المعارضين السياسيين له إنه سوف «يفرمهم» وكلمة «الفرم» كلمة دموية قبيحة لا يصح مطلقاً أن يصدر علناً، وفي حديث عام إلي الناس من أحد السياسيين، حتي لو كان هذا السياسي من كبار الطغاة في التاريخ فهؤلاء الطغاة يحاولون عندما يتحدثون علناً إلي الناس، أن يكونوا أكثر تهذيباً ولطفاً في انتقاء الكلمات. فالطغاة المتمكنون من طغيانهم لا يكشرون عن أنيابهم أو يستخدمون الألفاظ الحادة في أحاديثهم، بل علي العكس فإنهم يدخرون هذا كله للافعال وليس للأقوال العلنية، أما الطغاة المتوسطون أو من هم دون المتوسطين، فهم وحدهم الذين يحرصون علي إظهار قوتهم - بمناسبة ودون مناسبة - في أقوالهم وتصرفاتهم الظاهرة للناس!

ولعل السادات تكون لديه أسباب من تجاربه وتاريخه الشخصي لهذا التوتر والاضطراب العصبي وسرعة الانفعال، فقد قامت حياة السادات من بدايتها إلي نهايتها علي «المغامرة»، والمغامرة ببساطة هي عمل يندفع إليه الإنسان دون أن يكون علي معرفة بنتائجه وقد تنتهي المغامرة بكسر رقبة صاحبها، أو تنتهي بالنجاح! والعامل الحاسم في المغامرة هو «الحظ»، وقد كان الحظ حليفاً للسادات في كل مغامراته العجيبة، لكنه خان السادات مرة واحدة فأرداه قتيلاً، وكان ذلك في 6 أكتوبر سنة 1981 حيث فقد حياته في حادث المنصة الشهير.

وهناك ما يلفت النظر في حياة السادات، حيث إن حياته انتهت باغتياله وأنه كان قد بدأ حياته في ساحة السياسة المصرية قبل ثورة 1952 بالمشاركة في اغتيال السياسي المصري أمين عثمان، وكان هذا الاغتيال لحساب الملك فاروق الذي كان يكره أمين عثمان ويظن أنه يعمل ضده، وإن كان اغتيال هذا السياسي سنة 1946 في الظاهر بهدف الانتقام منه بسبب صداقته للإنجليز، كذلك اشترك السادات في محاولة لم تنجح لاغتيال الزعيم الوطني الكبير مصطفي النحاس، وكانت المحاولة لحساب الملك فاروق أيضاً.. وكان فاروق يكره النحاس، لأن النحاس كان زعيماً للأغلبية الشعبية ما جعل منه عقبة كبري في سبيل انفراد فاروق بالسلطة الرسمية والسلطة الشعبية أيضاً.

ويقال إن السادات كان يقول لبعض المقربين إليه إن لديه هاجساً وإحساساً قوياً بأنه سوف يموت مقتولاً في حادث اغتيال، وذلك عقاباً له علي أنه شارك في بعض الاغتيالات في مرحلة سابقة من حياته. ويمكننا أن نصدق هذه القصة المنسوبة إلي السادات وإلي أقواله عن نفسه، لأن السادات كان في المرحلة الأخيرة من حياته يعيش في حالة تدين كبيرة، لا يحق لأحد أن يتشكك فيها، كان يحس بأن الله معه، فقد أصبح رئيساً للجمهورية، وهو ما لم يكن يخطر علي باله أو علي بال أحد، فلم يكن هو أقوي رفاق عبدالناصر أو أهمهم، بل لعله كان بين الجميع أضعفهم شأناً وأهمية، ثم إنه بعد أن تولي الرئاسة، استطاع أن يعصف برجال عبدالناصر الأقوياء ويضعهم جميعاً في السجن، وكانت التقديرات السائدة قبل هذه الضربة المعروفة بضربة «15 مايو» هي أن السادات سوف يخسر معركته مع الناصريين، لأنه لم يكن يملك في يديه أي شيء من مفاتيح السلطة، لكن السادات انتصر، وخسر أمامه خصومه الأشداء. وكان السادات يسمي نفسه ويسميه أنصاره، «الرئيس المؤمن» تعبيراً عن نزعة التدين القوية عنده.

هذه الحياة الصعبة المضطربة المليئة بالمغامرات والمفاجآت والتي لعب فيها «القدر» و«الحظ» أدواراً رئيسة ساعدت علي أن تتعرض شخصية السادات لما ظهر فيها وعليها من عصبية وإحساس عنيف مستمر بالتوتر.

وفي المقابل كانت السنوات الممتدة من 1971 إلي 1973 من أعنف سنوات التوتر والعصبية في مصر نفسها، فقد كان الرأي العام فقد ثقته بالوعود المتتالية للسادات بمواجهة إسرائيل، فيما كان يسميه «سنة الحسم»، والتي كان يؤجلها من وقت إلي آخر بحجج متعددة، بعضها كان مثيراً للسخرية، مثل الحجة المشهورة التي أطلقها السادات يوماً من أن «الضباب» قد عطل المعركة مع إسرائيل وقد ظهرت في مصر وقتها عشرات النكت المصرية عن حكاية الضباب هذه، ما كشف عن عدم اقتناع الناس بالأسباب التي أعلنها السادات لتأجيل المعركة مع إسرائيل من أجل تحرير سيناء.

يضاف إلي انعدام «لغة سياسية مشتركة» بين السادات وشعب مصر في تلك الفترة أسباب قوية أخري ساعدت علي اضطراب الأوضاع في مصر بصورة عنيفة، وكان علي رأس هذه الأسباب ازدياد الأزمة الاقتصادية في البلاد، فقد كان الناس يعانون أشد المعاناة الغلاء وضعف الأجور وسوء الخدمات العامة مثل المواصلات والهواتف وغير ذلك، وكان أفراد الشعب يتحملون ذلك كله باعتباره تضحية يقدمونها في سبيل تحرير أرضهم، وكان يضاف إلي ذلك سبب دقيق آخر ينشر السخط والمرارة بين صفوف المصريين، فقد كان الجيش المصري اتجه إلي تجنيد الشبان المتخرجين في الجامعات، وذلك بعد أن تبين في حرب 1967 أن المجندين غير المتعلمين لا يحسنون استخدام الأسلحة الحديثة ولا يجيدون التعامل معها، فهذه الأسلحة تحتاج إلي درجة عالية من التعليم والمهارة العقلية. وبذلك أصبح عشرات الآلاف من خريجي الجامعات جنوداً في الجيش لا يعرفون متي ينتهي تجنيدهم لكي يعودوا إلي حياتهم الطبيعية وإلي الأعمال التي تتناسب مع مؤهلاتهم العلمية.. والحقيقة أن الشاب الجامعي في مصر ليس مجرد إنسان يحلم بمستقبله الخاص، لكنه في أغلب الأحوال يكون بعد تخرجه مصدراً من مصادر الرزق الأساسية في عائلته، إذ أن تسعة وتسعين في المائة من عائلات مصر تعلم أبناءها وتنفق عليهم من أجل أن يصبحوا بعد تخرجهم عوناً لهذا العائلات التي ليس لها مصدر رزق سوي عمل أفرادها المختلفين، ومعني دخول عشرات الآلاف من شباب مصر إلي الجيش عن طريق التجنيد العام غير المحدد المدة أن ينتج عن ذلك قلق واضطراب شديدان في حياة العائلات التي ينتسب إليها هؤلاء الشبان المجندون. أما بالنسبة إلي الشبان الذين كانوا لا يزالون في مرحلة التعليم الجامعي فإنهم كانوا يشعرون بالقلق والضياع والخوف من المستقبل. وكانت الدراسة الجامعية نفسها بحاجة إلي نوع من الاستقرار لا يشعرون به ولا يملكونه.. ثم ماذا يكون من أمر هؤلاء الطلاب بعد أن يتخرجوا في جامعاتهم؟ إن مصيرهم غامض في بلد محتل تمزقه الأزمة الاقتصادية وتصيبه تلك الحالة التي تحمل اسم «اللا حرب واللاسلم» بما يقترب من الشلل الكامل.

هذه الأمور كلها فجرت مظاهرات طلاب الجامعات في مصر في سنة 1972 وأوائل سنة 1973، وكان الطلاب يذهبون في جماعات إلي الصحف، ويحاولون أن يلتقوا كبار الكتاب والصحفيين، وأن يسمعوا منهم ويتحدثوا إليهم ويبحثوا معهم عن الحلول الممكنة لهذه الأزمة الخانقة التي يعيشها المجتمع ويعانيها الشباب أشد المعاناة.

كان علي رأس أهل الأدب والثقافة والصحافة في مصر ذلك الوقت توفيق الحكيم، وقد فتح هذا الكاتب الكبير مكتبه في جريدة الأهرام لاستقبال مجموعات بعد مجموعات من شباب الجامعات.

وكان توفيق الحكيم في تلك الفترة سنة 1973، في الخامسة والسبعين، ولأول مرة في حياته يجد نفسه وجهاً لوجه مع المجتمع ومشكلاته الصاخبة المختلفة العنيفة، وذلك عن طريق مجموعات الشباب التي سمح لها بلقائه. وقد كان توفيق الحكيم في حياته الطويلة قبل ذلك حريصاً علي أن يكون بعيداً كل البعد عن الحياة الاجتماعية، وأن يكون معتزلاً تماماً في برجه الخاص به الذي كان يسميه «البرج العاجي»، وكان هذا المعتزل الكبير في برجه العاجي ينظر إلي الناس من بعيد، ويكتفي بأن تكون مشاركاته للآخرين بالرؤي أحياناً، وبالعمل الفني المسرحي أو القصصي، أو غير المباشر أحياناً أخري، وبالصمت وعدم التعليق علي شيء في كثير من الأحيان. وبهذه الطريقة المتحفظة الحذرة قضي توفيق الحكيم حياته الطويلة قبل سنة 1973، ولكنه وجد نفسه في هذا العام يعيش مع أبناء وطنه في قلب عاصفة كبري، فماذا يفعل؟

هل ينسحب ويعتزل كما تعود أن يفعل؟

هل يمد يده لهؤلاء الشبان الذين يذهبون إليه بهمومهم وهموم الوطن ويطلبون منه الرأي والمشاركة؟

لقد اختار توفيق الحكيم الحل الثاني، وهو الانتماء والمشاركة، بل اختار في حدود قدراته أن يكون في المقدمة.. والحق أنه لم يكن أمام توفيق الحكيم إلا أن ينفعل، فهو صاحب رواية «عودة الروح» التي أصدرها سنة 1933، وهي رواية جميلة تفيض بالروح الوطنية الصادقة القوية، ويقال إن جمال عبدالناصر قد قرأ هذه الرواية في شبابه وإنها كانت من أكثر المؤثرات الفكرية في تكوين شخصيته وتحديد اتجاهاته في مستقبل أيامه، ولم يكن توفيق الحكيم، وهو المفكر الكبير والفنان صاحب الموهبة العالية، بقادر علي أن ينفصل عن وطنه، بينما كان هذا الوطن يحترق. إن أي اختيار آخر لتوفيق الحكيم في تلك اللحظة الصعبة كان يمكن أن يفقده احترامه لنفسه، بل وكان يمكن أن يغير نظرة الناس إليه وتقديرهم الكبير له، وكان ذلك سوف يجعل قلمه سيفاً من الخشب، لا جدوي منه ولا قيمة له. لقد كان الحكيم معتزلاً عندما كان يري أن آخرين كثيرين غيره يؤدون الرسالة ويحملون العبء علي أكتافهم، أما الآن، سنة 1973، فتوفيق الحكيم هو شيخ الأدباء والمفكرين، وهو الجالس علي قمة الحركة الثقافية في مصر والعالم العربي، فكيف يقبل ضميره أن يكون في أيام المحنة العامة من المعتزلين؟

لم يقبل توفيق الحكيم ذلك، وقرر أن يساهم في معالجة الأمور بقدر ما يستطيع، وكان توفيق الحكيم يعرف أنه لا يملك غير قلمه، ولكنه كان وبلا شك يعرف قيمة هذا القلم وقدرته علي التأثير، ولذلك اتجه إلي كتابة رسالة إلي السادات يعبر فيها عن رأيه ويكشف عن القلق الذي يعانيه شباب الأمة، ويطالب بموقف جديد حاسم يخرج بالأمة من حالة «اللاحرب واللاسلم» التي ملأت حياة الناس بالجمود والركود واليأس والإحباط. ولكي يكون لهذه الرسالة إلي السادات قوة معنوية، فقد رأي الحكيم أن تحمل الرسالة توقيع عدد كبير من الأدباء والمثقفين الوطنيين، من أهل اليمين واليسار علي حد سواء، وبالفعل حملت الرسالة توقيعات كثيرة مع توفيق الحكيم، وكانت هذه التوقيعات تشمل شتي الاتجاهات الفكرية والسياسية، لأن اللحظة كانت لحظة اتفاق وليست لحظة افتراق، وكانت لحظة إجماع وطني لا يستطيع أحد أن يتخلف عنه بضمير مستريح، وكان من الأسماء التي شاركت في التوقيع علي الرسالة: نجيب محفوظ ويوسف إدريس وعلي الراعي وثروت أباظة، وتم إرسال هذه الرسالة إلي السادات علي أنها رسالة إليه من كتاب مصر الذين يمثلهم توفيق الحكيم والذين معه من الموقعين علي الرسالة.

وهذا هو نص الرسالة التي كتبها توفيق الحكيم بقلمه وفيها يقول: «نحن الكتاب والأدباء الموقعين علي هذا البيان قد رأينا من واجبنا أن نعاون الدولة فيما تقوم به الآن هيئاتها الرسمية من تقصي الحقائق في حالة الاضطراب التي بدت بوادرها الآن في بعض الأحداث الجارية، يدفعنا إلي ذلك إيماننا بوطنية رئيس الدولة، واعتقاداً منا أنه في استطاعته الإمساك بالزمام للسير في طريق محفوف بالمخاطر تهب عليه الزوابع اليوم من كل جانب، ويحتاج إلي الحكمة وسداد الرأي لتجنيب الوطن ويلات الشطط وتوجيهه إلي حيث يجد نفسه ويؤكد شخصيته ويسترد قوته، ولما كان من خصائص الكتاب والأدباء بحكم رسالتهم في الأمة أن يكتشفوا باطنها ويستشفوا ضميرها، في حين أن مهمة الصحافة هي تقصي حقائقها من واقع حوادث معينة، قد تكون مجرد بثور خارجية لمرض دفين، ودخان ظاهري لنيران تتأجج تحت رماد، لذلك كان علينا نحن الكتاب والأدباء أن نكمل الصورة ونقدم المعونة بإبراز ما استتر واستخفي مما يعتمل الآن ويضطرم في باطن الأمة وضميرها، وليس ذلك فقط لمجرد استكمال عمل تقوم به الهيئات الأخري، ولكنه أيضاً للخشية من أن يهمل أمر هذا الغليان الذي يفور في نفوس الناس فيجد طريقه في أي لحظة إلي الانفجار وتقع الكوارث، ذلك أنه مما لا شك فيه لدينا أن البلد يغلي في الباطن علي نحو لم يعد يخفي علي أحد، وقد لا يعرف كل الناس تعليلاً لما يشعرون به من قلق واضطراب وغليان داخلي، وقد يبدي البسطاء من الناس والأبرياء من الشباب تعليلات مختلفة، يسوقونها بغير تفكير أو تمحيص، ويرددونها في أحاديثهم ويضعونها في منشوراتهم، وهذه التعليلات أو المطالب أو الاحتجاجات قد تبدو في أغلبها سطحية أو غير ناضجة أو مدروسة، ولكن تبقي الحقيقة التي لا شك فيها وراء كل هذا، وهي شعورهم جميعاً بأنهم قلقون لشيء ما، وأنهم ما عادوا يحتملون ما هم فيه من إحساس بالضياع.

والآن ما هو منشأ الإحساس العام بالقلق والاضطراب والضياع في نفوس الناس؟ لعل السبب الأهم في ذلك هو عدم وضوح الطريق أمامهم، فالصيحة المرتفعة أمامهم في كل حين بكلمة المعركة، وأن الطريق هو المعركة كان من الممكن أن يكون هو الجواب عن أسئلتهم والطريق الواضح أمام أعينهم. وهذا لا شك ما أرادت الدولة أن تقدمه كجواب أو مصباح لوضوح الرؤية في طريق المستقبل المعتم، ولكن مع الأسف تمضي الأيام وتصبح كلمة المعركة مجرد كلمة غامضة لا حدود لها ولا أبعاد لمعناها ولا تحليل لعناصرها، مجرد كلمة تلوكها الأفواه، مستهلكة لكثرة مضغها، ويصبح الناس ويمسون وهذه الكلمة تردد علي جميع النغمات في الأناشيد والأغاني والخطب والشعارات، حتي فقدت قوتها وفعاليتها، بل وصدقها، وصارت اللقمة الممضوغة في الفم غصة، لا هم يستطيعون ابتلاعها، ولا هم يجرؤون علي لفظها، وأصبحوا في حيرة من شأنهم، وأصبح طريق المستقبل أمامهم مرة أخري مسدوداً وهم في ضياع.. ولما كان الشباب هو الجزء الحساس في الأمة، وهو الذي يعنيه المستقبل أكثر من غيره، فهو لا يري أمامه إلا الغد الكئيب. فهو يجتهد في دراسته ليحصل علي شهادته النهائية، فإذا هي شهادة القذف به في رمال الجبهة لينسي ما تعلمه ولا يجد عدواً يقاتله، وهذا أيضاً بالنسبة إليه هو الضياع.

أما بقية المواطنين فهم يعيشون في حياة صعبة سيئة الخدمات العامة، وكل نقص أو إهمال أو توقف أو عبث يختفي خلف صوت المعركة وفي انتظار المعركة وتمحكاً بالمعركة.. وإذا بالأمر في نظرهم ينقلب إلي مهزلة وإلي سخط وإلي قرف عام.

هذا بعض ما استقر في الضمائر هذه الأيام، ولابد من حل سريع لهذا الوضع، ولا يمكن أن يكون هناك حل إلا في الصدق، والصدق وحده، لأن الصدق هو الذي ينهي الحيرة ويقنع الناس ويهدئ النفوس.. لأن الغليان في باطن الإناء يهدأ إذا كشف الغطاء.. الشعب يريد أن يقتنع بشيء لأنه غير مقتنع، ولابد لراحة باله واقتناعه من عرض حقائق الموقف أمامه واضحة من كل جوانبها، وعليه هو أن يقرر وأن يعرف ويختار طريقه. وهذا يقتضي النظر في تغيير بعض الإجراءات التي تسير عليها الدولة اليوم، وفيها حرية الرأي والفكر، وحرية المناقشة، والعرض، لإبقاء الضوء علي كل شيء في هذا الضباب حتي تتضح الرؤية، وليكن ذلك داخل المؤسسات. إذا كانت السرية لظروفنا الحاضرة تقضي بذلك. علي ألا يكون للدولة رأي مسبق تضغط به علي أهل الرأي وتجعلهم مجرد أبواق لترديده وترويجه. بل أن تكون الدولة آخر من يبدي الرأي بعد أن تستمع، وهي جادة صادقة، إلي رأي مصر الحر أولاً، لا أن تصوغ هي الرأي وتضع الشعار وتلقي به إلي الناس وتفرضه عليهم فرضاً.. آن للدولة في هذه الظروف العصيبة أن تخفف هي من كل العبء والمسئولية وتضعها علي كاهل الأمة.. إن في ذلك مصلحتها وصيانة لها أمام التاريخ».

ذلك هو نص البيان الذي جاء توقيعه علي هذه الصورة: «الكتاب والأدباء المصريون. عنهم: توفيق الحكيم».

وكان مع توقيع توفيق الحكيم، كما سبقت الإشارة، عشرات التوقيعات من الكتاب والأدباء، وقد وصل هذا البيان إلي السادات بعد أن نشرته الصحف الأجنبية وتناقلته وكالات الأنباء العربية والعالمية، إذ إن البيان تسرب من أيدي أصحابه، وهم يجمعون التوقيعات، وقد يكون الذين قاموا بستريبه عامدين، هم بعض الصحفيين الذين وقعوه، وكانوا يعرفون أن السادات يشعر بالقلق والإنزعاج من أي شيء يحدث في مصر ويكون له صداه في العالم الخارجي، بما في ذلك الدول العربية، فالشيء الذي يبقي محصوراً في مصر وحدها يكون أقل إثارة لغضب السادات مما يتسرب إلي الخارج ويكون له صدي في العواصم العالمية والعربية.

غضب السادات غضباً عاصفاً من رسالة توفيق الحكيم، واعتبرها عملاً شديد العداء له، وكعادته تصرف بانفعال وعصبية، وأصدر قراراً بطرد كل الموقعين علي البيان من وظائفهم وأعمالهم المختلفة والغريب أن السادات لم يكتف بمعاقبة الموقعين، بل أضاف إليهم كل الكتاب والأدباء والصحفيين الذين يشك فيهم حتي لو لم يكونوا قد وقعوا علي البيان. وكان عدد المفصولين والمطرودين في هذه الحملة الهمجية التي شنها السادات علي مثقفي مصر كثر من عدد المفصولين والمطرودين ممن وقعوا علي البيان، وعلي الرغم من أنني شخصياً لم أوقع علي البيان فقد كان اسمي بين المفصولين والمطرودين.

كان تاريخ هذه الحملة الساداتية علي المثقفين والصحفيين المصريين هو 4 فبراير سنة 1973، وكان من بين المطرودين في قرار السادات، كما سبقت الإشارة، أسماء كبيرة مثل نجيب محفوظ، وأحمد بهاء الدين، ويوسف إدريس وغيرهم، أما توفيق الحكيم كاتب هذا البيان الصريح الجريء الشجاع فلم يتعرض للفصل أو الطرد، وإنما صدر قرار ضده بمنعه من الكتابة وقد علق توفيق الحكيم علي هذا البيان عندما نشره في كتابه «شجرة الحكم في مصر - 1919 - 1979» بقوله: «كانت نتيجة هذه الرسالة أو هذا البيان طرد وتشريد أكثر المشتركين في التوقيع عليه، وكان أن شتمني السادات في اجتماع عام حيث قال: ما هذا «الهباب» الذي كتبه توفيق الحكيم»!

وهكذا اتخذ توفيق الحكيم موقفاً حاسماً في عهد أنور السادات، وشارك في التعبير عن رفض الرأي العام لحالة الجمود والركود التي كانت قائمة علي الجبهة العسكرية، كما عبر الحكيم في صراحة ووضوح عن حالة الإحباط والضياع التي كانت منتشرة في الجبهة الداخلية، ولست أزعم أن عندي من المعلومات ما يؤكد أن هذه الرسالة أو هذا البيان الذي كتبه توفيق الحكيم كان له تأثيره في قرار السادات ببدء المعركة العسكرية في 6 أكتوبر، أي بعد أقل من عشرة أشهر من صدور هذا البيان. ليس هناك أي معلومات تؤكد مثل هذا الاستنتاج، لكننا لو استخدمنا العقل والتحليل الدقيق للأحداث، لرأينا بوضوح أن هذا البيان قد أزعج السادات ونبهه إلي أن تجاهل الرأي العام لمدة طويلة أمر يهدد النظام والسلطة أخطر التهديد، ولذلك سارع السادات بتعبئة كل الإمكانات واتخذ قرار الحرب، وهو أعظم قرار اتخذه في حياته وهو قرار تاريخي له شأنه، ولعله القرار الوحيد الذي اتخذه السادات وأجمع أنصاره وخصومه علي احترامه وتقديره، أما بقية قرارات السادات فقد كانت في معظمها موضع خلاف شديد.

لقد أحس السادات بأن بياناً واضحاً وصريحاً ومؤلماً بهذه الصورة، يكتبه أديب كبير مثل توفيق الحكيم، مشهود له بالاعتدال والحرص علي الابتعاد عن أي عمل سياسي مباشر، إنما يعني أن الأمور قد وصلت إلي مأزق خطير، لا نجاة منه إلا بالعمل الجدي علي مواجهة العدو، فما لم نحارب هذا العدو فسوف ينتهي أمرنا بأن يحارب بعضنا بعضاً، ويبقي الاحتلال علي ما هو عليه.

في 28 سبتمبر سنة 1973، أي في يوم الذكري الثالثة لرحيل عبدالناصر، أصدر السادات قراراً مفاجئاً بإعادة جميع المفصولين والمطرودين من الكتاب الأدباء بسبب بيان توفيق الحكيم إلي أعمالهم، وبعدها بتسعة أيام كان الجيش المصري يعبر إلي الضفة الشرقية من قناة السويس ويرفع علم مصر علي أرض سيناء، ويطارد الإسرائيليين ويلحق بهم لأول مرة في تاريخهم هزيمة موجعة.

ولا شك أن بيان توفيق الحكيم أو رسالته إلي السادات، كان لها دورها وتأثيرها في التعجيل بالمعركة، وكانت هذه الرسالة ضمن عوامل أخري كثيرة وحسابات عديدة متنوعة، دافعاً من الدوافع التي جعلت إحساس السادات يزداد بأن تأخير المعركة سوف ينتج عنه تأثيرات سلبية لم يكن بإمكان السادات أن يتحملها أو يقف في وجهها.

ما بعد إسرائيل


أحمد المسلمانى

هذه سطور من مقدمة الطبعة الثانية لكتابى «ما بعد إسرائيل» والتى تصدر عن «دار ميريت» قريباً.

■ كأن الطبعة الأولى لهذا الكتاب قد صدرت قبل قرن من الزمان.. لقد أصبحت الأوضاع فى الشرق الأوسط تمضى أسرع من البصر وأبعد من البصيرة، فلا النظرة كافية للفهم ولا النظرية كافية للعلم.

فى وقت محدود تحول التساؤل عما بعد إسرائيل إلى ما بعد فلسطين.. قبل عشر سنوات كانت إسرائيل تراجع نفسها فى مناسبة مرور نصف قرن على إعلانها، وكان كثيرون فيها يلقون ظلال شك حول الماضى وظلال يأس حول المستقبل. لكن احتفالات إسرائيل بعيدها الستين جاءت وسط مشهد آخر وعالم آخر. كان الظن أن العام الستين هو عام التقاعد لإسرائيل.. هو بداية خريف مفتوح أو غروب قريب.. غير أن ما جاء كان خارج المنطق وخارج التاريخ.

لم يعد الهدف العربى هو حدود الرابع من يونيو، بل صغر الهدف إلى إزالة الجدار الفاصل، ثم ضمر الهدف إلى فتح معبر وإدخال طعام ودواء.

تحولت القضية من الصراع على الأرض إلى الصراع على الضوء.. وكانت أضواء الكاميرات باهرة وشاسعة.. تغطى كل فصيل وكل فسيلة وضعها فصيل! وأصبح لدينا رجال طرب لا رجال سياسة.. وحل الصوت والضوء محل الوطن.

■ فى أثناء الهبوط رحل شاعر فلسطين الكبير محمود درويش.. ليغيب حلم اللغة بمثل ما غاب حلم السياسة.. ليموت القلب بعد أن مات العقل، لتنكسر الروح بعد انكسار الجسد!

وأذكر أننى قابلت الشاعر الكبير قبل الرحيل بعامين.. وكان الرجل بشوشاً مشرقاً يضحك من الأعماق.. وكان يواصل النكتة بالنكتة ولا يستريح من ذكر اللطائف والطرائف.. وقد كنت أعجب لتلك القهقهة الكبرى والابتسامة الفسيحة.

فقد كانت معطيات الساحة الفلسطينية لا تدعو إلى ابتسامة واحدة.. ثم أدرك الرجل ما أدركت.. فقال لى: إننى مثل تلميذ بليد أدى الامتحان ورسب، وقد سكب من البكاء ما يكفى ألف فشل.. ثم فقد البكاء دلالته.. لم تعد الدموع قادرة على غسل الآلام.. فكان الخيار الآخر.. كانت الحركة القاتلة نحو النقيض.. إننى أضحك لأواصل الحياة والبكاء.. ولكننى إذ أضحك وأبكى، أوقن تماماً أن كل شىء قد انتهى.. الأشعار والرجال.. القصيدة والوطن.

■ تقع سطور هذا الكتاب فى نطاق ما وراء البكاء.. هى سطور تؤمن بأن الجهل خيانة واليأس خيانة.. وأنه فى لحظات المصير القاسى.. فإن الأمل يعادل الوطن.

"سارة".. عبقرية الشك




د.أيمن محمد الجندى

مصقولة ندية، كالثمرة الناضجة في شعاع الفجر، وكالشيطان! فتنة ماثلة أمام عينيه، جميلة جمالا لا يختلط بملامح النساء، لونها الشهد المصفى يأخذ من محاسن الألوان مسحة واحدة، عيناها نجلاوان، تخفيان الأسرار ولا تكتمان الرغبات، فيها خطفة الصقر ودعة الحمامة، ولها فم الطفل الرضيع، وذقن كطرف الكمثرى الصغيرة، وبضاضة جسم هو الفتنة مجسدة.. حزمة من أعصاب تسمى امرأة، استغرقتها الأنوثة فلعلها أنثى ونصف! ولو تفرقت بين أجسام شتى لطغت الأنوثة على جميع الأجسام، شغلتها جواذب الجسد، وعاشت تنظر إلى الخطايا نظرة المرأة الوثنية قبل الأنبياء، عن نزعة طبيعية فيها، كالطفل يأكل الحلوى خلسة إن لم يأكلها جهرة، ولا لوم عليه في الحالتين، وإنما اللوم على من منعوه.

سارة التي أحبها العقاد، امرأة ليست كسائر النساء، لها آلاف الوجوه والملامح؛ طفلة لاهية وامرأة ماكرة أفنت عمرها في كيد النساء، وعقل أوتي عقول الفلاسفة، وأم تفيض بحنان الأمهات!.. شريدة بوهيمية، خاشعة في محراب الصلاة.. مرحة، كسيرة، فطرية أو عصرية، وفي كل أحوالها الأنثى السرمدية، لا يهمها من رجلها غير الحماية والأمان.

سارة!! كم لك من وجوه يا سارة!!.

مكالمة.. فمجاملة.. فلقاء

كان لقاؤهما الأول في بيت خائطة فرنسية في صباح هادئ من ضحوات الخريف، كانت الشمس تبتهج في هدوء، والهواء يرقص في حنين، ويرق الجو في ارتقاب، وتطرح النفس أعباءها كما تطرح القافلة أحمالها عند الواحات، التقاها العقاد ولم يكن يعرف أنه الحب الكبير..

تم التعارف بالأسماء، ثم مضت وكأنه لم يترك أثرا في نفسها، لذلك فوجئ حينما حادثته هاتفيا: من مجاملة إلى ملاطفة إلى تحية إلى اللقاء الأول.

شعر أنه مخلوق جديد، وإلا فلماذا تمر الساعات خاطفة، وكأن الشمس في سباق؟ وسيارات الأجرة التي يستقلانها لا ريب أنها سيارات سباق! خف كل شيء في الدنيا حتى قانون الجاذبية، وطفقا يتحدثان عن الموت بنفس الخفة التي يتحدثان بها عن الحياة، أحب أن يعرف مدى العلاقة التي ستجمعه بتلك المرأة الجالسة أمامه، فاستدرجها للحديث فحكت كل شيء، من قصة طفولتها إلى زواجها الفاشل، شعر وقتها أنها طفلة بائسة فقدت رحمة الأمومة، ثم أخطأت حظها من الزواج، لم تعذر الدنيا ولم يعذرها أحد.

في لقائه الثاني أدرك أنها فتاته بلا مراء، وأوجس –في نفس الوقت– خيفة مما يلي الغرام حتما من نكبات، بهرته بأشياء غير مفتعلة لم يعهدها من قبل في النساء؛ تحري الدقة في مواعيدها، المرح بغير تكلف، الزينة التي لا تظهر ولا تختفي، ربة بيت هي أول خادمة فيه، وامرأة تستطيع أن تكون إنسانا فلا تستغرق الأنوثة كل وظائفها.

لكن المرأة التي منحته السعادة كلها، سقته الشقاء مقطرا، لم يعصمه عقله الكبير ولا طبعه الجاد من الوقوع في حبالها، وبرغم مقاومته الصادقة فإنها نفذت من مسامه كالهواء، كالمعدن اللطيف. أفلحت في الاستيلاء عليه بغير مدافع أسطول ولا فرق مشاة، وكأنها الطيارة المحلقة، نزواتها القوة الدافعة في الفضاء، وثنية في مقاييس الأخلاق، شديدة الإيمان بضعف الإنسان مع أضعف المغريات، ما نفرت من مذمة عن مبدأ وعقيدة، بل كما ينفر المرء من طعام يعافه، مسألة ذوق ورغبات لا شرف واعتقاد.

كل هذا كان يعرفه عنها، لم يخدع نفسه قط، ولا استطاعت هي أن تخدعه، المشكلة أنه أحبها كما لم يحب في حياته من قبل، هي الحلم والواقع، والجمال والخيال، السعادة التي لم يذق مثلها، نسمة منعشة في الظهيرة، ونجدة الأمان بعد خوف طويل. يلتقيان فينقسم العالم إلى قسمين؛ قسم فيه كل شيء، وقسم ليس فيه شيء، قسم ذاخر وهاج، وآخر مهجور كخرائط الأطفال.

أيام!! ثم جاءت من بعدها أيام.

نار الشك

كانت سارة كتابا مفتوحا قرأه مرارا، ولم تحاول أن تكتم عنه شيئا، اعترفت له بعلاقتين سابقتين، الأولى طويلة متينة، والثانية سريعة هوجاء.. أخبرته بحيلها البارعة وردودها الصالحة لكل موقف، واسترسلت في التفصيلات كأنها تفرغ قلبها بين يدي كاهن، حمد لها وقتها صراحتها ولكنه لم يسلم من الاحتراس منها والتوجس عليها منذ تلك الساعة، ولم يزل على علم أنه لا يأوي إلى حصن حصين.

كان أدرى الناس بها؛ الوعظ لا يستحق عندها إلا الضحك والاستهزاء، ويكبر الناس عندها بقدر ما يخالفون ما يرفعونه من شعارات! تتذوق الكلام وتعطيه درجته العادلة من التأثر، ولا يبعد أن تبكي إذا كان فيه ما يحرك الشجن، لكنها لا تزيد عن ذلك، ولا تخلط بين التقدير والنتائج العملية!..

لم يكن مستعدا لخداع نفسه، ولكنه كان حزينا وآسفا، ولطالما تمنى أن يراها بعين الفخر والإعجاب، هو الرجل الوحيد الذي يرى لها كرامة غير كرامة جسدها، ويحب أن يعرف لها قيمة أكبر من هذه القيمة.

فلما ساورته شبهات الشك فيها توالت أمامه الدلائل من فلتات اللسان، وشوارد الخواطر، وعلامات الزينة والملابس، قرائن هي أصدق عنده من كل شهود، عذاب جهنمي مزق لحمه وأعصابه، كان يحبها حقا، ولم يكن يتصور أن يستغرق في حبها ويسمح لها أن تصل غيره من الرجال. شكوك لا تغسل مرارتها كل أنهار الأرض.. أن تشك ثم لا تصل إلى الحقيقة، ولا تكف عن الشك، ولا تستقر عليه، سجن ينطبق، وأحيانا ينفرج كالهرة اللئيمة، ثم يعاود الانطباق.

هل تخلص له؟ هل تخونه؟ كالمشدود بين حبلين متساويين في القوة والمقدار. يتساوى جانب الاتهام وجانب البراءة؛ فلا تنهض الحجة هنا حتى تنهض هناك، ضاعف من هذه الحالة ذكاؤها وطبيعة ذهنه الذي يخلق الاحتمالات الكثيرة.

ألم لا نظير له بين آلام النفوس، أقرب ما يكون لحيرة الأب المستريب في وليده المنسوب إليه؛ هل هو ابنه أم ابن غيره؟ رمز الحب والوفاء، أم رمز الخيانة والاستغفال؟.. مخدوع في عطفه عليه، أم مخدوع في النفور منه؟

وتمنى وقتها لو كان حبه لها أقل، وماضيه معها أقصر، وشرطه عليها أقرب، إذن لاكتفى منها بما تعطيه؛ لكنه كان يعرف الحقيقة.. الرجل الذي يهب المرأة ساعة من يومه يكتفي منها بساعة، أما حين يهبها أيامه ولياليه، وينسج حولها حاضره وماضيه، ويحجب بيده المستقبل كأنه يطمع في غرام بلا فراق، يستحيل أن يقبل بغير الإخلاص التام، والغيرة حية سامة، والابن إما أن يكون ابنا أو غير ابن، والتحفة النفيسة صحيحة أو زائفة، لا توسط في هذه الأمور.

وهذه المرأة -التي لا امرأة غيرها– إما تحفة نفيسة لا تعادلها كنوز الأرض، أو زائفة لو باعها بدرهم ما كان بخاسر! كل شيء أو لا شيء، لن يبيعها إلا بدرهم، فإذا كانت الأخرى فلا شراء ولا بيع!.. المهم أن يعرف هذا الفارق المهول بين ما يباع بدرهم، وما لا يباع بكنوز الأرض!.

لا يوجد أمامه سوى أن يراقبها !!!.

أمين على الصداقة

أذكر أن الكاتب الكبير أحمد بهجت استهول أن يلجأ رجل في مكانة العقاد إلى مثل هذا الأسلوب، كتب ذلك في جريدة الأهرام منذ سنوات، وصححه له القراء وطالبوه بالعودة إلى الرواية، فاعترف بعدها بأيام بحدوث ذلك، وبدا محرجا مع مقام المفكر الكبير، وعزاه إلى ضعفه البشري الذي لا يخلو منه إنسان.

هل أخطأ العقاد حين طلب من صديقه "أمين" مراقبتها؟ سؤال لا أعرف إجابته، لكن المهم أنه فعل، "أمين" صديقه الذي يؤمن بالواجبات الشعرية أشد من إيمانه بجميع الواجبات الإنسانية، ويعتبر أن خيانة الصديق في العشق كخيانته في أقدس الحرمات، ذو أريحية ومروءة وصدق لسان، يتبعها في الغدوات والروحات، أمينا متربصا مثابرا في عمله.

دامت المراقبة شهورا حافلة بالنوادر والمفارقات، لكنها كانت تقيمه وتقعده، تساءل العقاد فيما بعد: ترى لو شهدنا حوادث الحياة دفعة واحدة هل تهون أم تصعب؟.. تشغلنا الحادثة شهورا فلا نفكر في غيرها، ثم تمضي الأيام فتصبح -عندنا لا عند غيرنا– تسلية نرويها وطرفة نحكيها. ترى هل يكون اجتماع الحوادث فاجعة تضاف إلى الفاجعة، أم بمثابة الشيء يلغي ما بعده؟ كما يذهب الحر بالبرد، والصيف بالشتاء!!.

وسواء هذا أو ذاك، يخطئ من يظن أن عبرة الأيام تعلمنا الاستخفاف بالحاضر كما نستخف بالماضي، وخير ما يتاح لأبناء الفناء أن يقلقوا ثم يضحكوا من هذا القلق.

مبكيات ومضحكات...!!

كان شعورا معقدا يصعب وصفه، يتمنى أن تكون مخلصة، ويتمنى أيضا أن يكتشف خيانتها فيستريح. لم يكن يخفى عليه أن فراقها يرادف عنده توديع الحياة، وإن خبت هذه العاطفة فهي جذوة الغرام الأخير.. من أين له بفتاة تخلفها في ذكائها ونضارتها؟ وإذا وجد الفتاة فمن أين له القلب الذي يخفق وقد استنفده في الغرام؟

متغلغلة في أنحاء النفس والجسد، كألفة المدمن للعقار المخدر، لو سماها حبا فهو صادق، ولو سماها بغضا فهو صادق، يتعاطى العقار وهو راغب فيه، ويتعاطاه وهو ساخط عليه، صعبة جدا مجابهة الحقيقة، وعر حقا طريق المكاشفة. تكلفك تغيير العادات، فيما النفس مولعة بالمراسم والشعائر، والطقوس والعادات.

راحة اليأس

وبعد مفارقات كثيرة، محزنة ومضحكة، انتهت المهمة وبطلت الرقابة واستراح الرقيب، كان أمين موفقا كل التوفيق في مهمته حين زوده بالحجة القاطعة التي يواجه بها غوايته ويجمح بها نكسات ضعفه، عاونته المصادفة حين تتبعها إلى مخدع مريب في بيت عرف اسم صاحبه، وعرف أيضا أنها تغشاه حينا بعد حين.

وكانت راحة اليأس.. لم يزد العقاد أن أغمض عينيه، وكأنه يتحاشى النظر إلى سبة شائنة، أو يتهيأ للنوم بعد سهر طويل، صافح صديقه، وهز يده هزة الشكر والرضا، الرضا بانقطاع الشكوك وتقليم مخالب العذاب، والقدرة على التفريط فيها بغير حسرة ولا ندم، حينما صارت امرأة من سائر النساء سقط عنها سحر الانفراد.

"هونت خطبك جدا، وخلته لن يهونا..
حمدا لكيدك حمدا، حمدا يفيض العيونا
بدلت بالنار بردا، وبالعذاب سكونا.
إني أمنت الفتونا، وأنت، ماذا أمنت؟
قد هنت، والله هنت........"

أشعار سوف يتركها لنا العقاد فيما بعد في تراثه الشعري، وتبقى قصص الحب العظيمة، لشخصيات إنسانية مميزة، رابطة للأخوة الإنسانية، وعلامة على الضعف البشري، يستوي فيه الكبار والصغار، والعظماء والبسطاء، والسادة والخدم، كلهم مجبولون على العشق، مفطورون على الانجذاب للجنس الآخر، بالقلب والروح والجسد، بالضحك والابتسام، واللوعة والفراق، قدرا مقدورا على أبناء الفناء.

المستشار طارق البشري يكتب هذه إمارة شرم الشيخ.. فأين دولة مصر؟
لكي نفهم ما يجري في بلدنا وما تنتهجه السياسة الرسمية لدينا، علينا أن نستحضر نص خطاب ذكره السيد رئيس
الجمهورية فيما ذكر، أمام الهيئة البرلمانية للحزب الوطني الديمقراطي، وهو الحزب الحاكم لأكثر من ثلاثين سنة مضت، وذلك بمناسبة بدء الدورة البرلمانية لمجلسي الشعب والشوري في سنة 2003 - 2004.

جاء هذا الخطاب في 11 نوفمبر سنة 2003 وأذاعه السيد صفوت الشريف الامين العام للحزب بصحيفة الأهرام في 12 نوفمبر في الصفحتين الأولي والثالثة.

تحدث رئيس الجمهورية عن زيادة السكان في مصر ونبه إلي مخاطرها بقوله: «إننا لا نريد يوماً أن نصل إلي تلك الدول التي لا تهتم سوي بنسبة 10% من سكانها، وتترك الآخرين في العشوائيات دون رعاية أو تعليم، نريد أن نحافظ علي مقومات هذا البلد وزيادة مواردنا.. وكان من عناوين الصفحة الثالثة، «.. ولا نريد
الوصول إلي مستوي دول لا تهتم سوي بنسبة 10% من سكانها وتترك الآخرين في العشوائيات».


وهكذا، وضعت الحكومة ضمن بدائلها السياسية التي تطرحها أمام نفسها بوصفها القوامة علي شئون المجتمع ألا تهتم بأكثر من 10% من «سكان مصر» وتترك الباقي بغير رعاية، لأن «السكان» أنجبوا كثيرا، وكان مما يتلاءم مع هذا الأمر أن يشار إلي المصريين باعتبارهم «سكاناً»، لأن وصف المواطنة لن يعني في هذه السياسة إلا نسبة 10% فقط.

ونحن في الحقيقة لم يصل إلي معارفنا أن أي حكومة أعلنت لشعبها هكذا جهارا أنها لن تهتم إلا بنسبة 10% وأن تترك باقيهم «بغير رعاية»، ولكن هذا ما حدث وقد أعلن السكان المصريون بهذا الأمر علي صفحات الجرائد واسعة الانتشار وفي عناوين صدر الصفحات.

وبعد ذلك بقي «السكان» يتساءلون في دهشة عجيبة: لماذا تصنع الحكومة كذا ولا تصنع الحكومة كذا ولا تصنع كذا، ولماذا تتخذ هذه السياسة ولا تتخذ سياسة أخري متاحة وممكنة؟ وذلك دون أن يتفكروا في سؤال آخر، وهو هل هذا الصنيع أو هذه السياسة مما ينتج عن اختيار بديل الـ 10%، ومن ثم يتحول أمر 10% من بديل محتمل إلي اختيار تم وينفذ فعلاً، وإلي واقع يجري عملاً.

وعلينا أن نتأمل هذا التصور في التطبيق وفي واقع الحال الذي يدور حولنا، وذلك عندما
ننظر في التعليم مثلاً وكيف ترك التعليم العام الذي تديره الحكومة يتهدم ويستشري فيه فساد الدروس الخصوصية، وهو التعليم المعد للشعب المصري بطبقاته الوسطي، ثم ظهرت مدارس خاصة أجنبية لأبناء صفوة الصفوة في المجتمع بمصروفات بالغة الارتفاع لا يقدر عليها أبناء طبقة المهنيين الذين تتكون منهم أجهزة إدارة الدولة ولا فئات ذوي الدخل المحدود من أصحاب الرواتب والأجور والمهايا، وكذلك عندما ننظر في أمر التعليم الجامعي وتهدم أركان الجامعات المصرية ذات التاريخ والشموخ العلمي والرصانة الفكرية، ونشوء أكثر من ست عشرة جامعة أجنبية بمصروفاتها الباهظة، وكذلك الشأن في الصحة ونفقات العلاج، وكذلك عندما تنظر في أسلوب تعامل الحكومة مع حادث مثل غرق العبارة، فإن كل خسائر العبارة من أرواح إنما ينتمي لا إلي نسبة 10%، ولكن إلي غيرهم من السكان، فلم يكن ثمة اهتمام بالأمر يتناسب مع ما ظننا أنه يستأهله وكذلك الشأن بالنسبة لحادث صخرة الدويقة التي ردمت تحتها من أجساد البشر أفراداً وأسراً بكاملها مالم يعتن أحد حتي بإحصائهم، ثم مسألة الخبز نوعا وجودة وشحا ووجودا، وهل هو مما يناسب غذاء البشر أم يقف عند حدود علف البهائم، وهذا كله وغيره من تطبيقات «ترك الآخرين في العشوائيات دون رعاية»، لأن الحكومة يمكن أن تكتفي بنسبة 10% من السكان كما أعلنت.

لسنا في مجال متابعة التطور التاريخي للدولة المصرية وتصوراتها علي مدي الثمانينيات والتسعينيات من القرن العشرين والعشر الأوائل من القرن الحالي، ولكن يمكن القول بإيجاز شديد إن وضع الدولة المصرية الآن وبعد تردد شديد وأخذ وجذب متتالتين علي مدي الثمانينيات والتسعينيات، حُسمت الأوضاع بداخلها لصالح هذا البديل، بديل الاكتفاء باهتمام الدولة بنسبة 10% من «السكان»، وذلك من نهايات سنة 1999 بالتعديل الوزاري الذي جري في أكتوبر 1999 وتعيين الدكتور عاطف عبيد رئيساً للوزراء، وهو كان مسيطراً علي قطاع الأعمال العام منذ 1991 عندما صدر القانون رقم 203 لسنة 1991، وسيطر علي أكثر من ثلاثمائة شركة إنتاج صناعي وزراعي وتجاري وسياحي وغيره، وأدت سياسته المنفذة غير المعلنة إلي ما أصاب هذا القطاع من توقف الأعمال وف
قد العمالة الماهرة والخروج من الأسواق وتراكم المديونيات وغير ذلك وكان تولي الوزارة منبئاً عن سيادة هذا الاتجاه السياسي في إدارة شئون البلاد توطئة للبيع وإكمال تفكيك الأبنية الإدارية للهيئات والمؤسسات والشركات وغيرها.

وجاء خطاب الهيئة البرلمانية سالف الذكر في 11 نوفمبر 2003 في ظل هذا الوضع الذي ساد وسيطر وحده في قمة الدولة، ثم تلاه بعد ثمانية أشهر تعديل وزاري رأس فيه الوزارة الدكتور أحمد نظيف في 10 يوليو سنة 2004 ومعه الطاقم الذي نشهده حالياً، والذي قام ويقوم بتنفيذ هذه السياسة التي تبلورت علي مدي السنوات الأربع السابقة منذ 2000 وأعلنت في 2003.

وقد طرحت للتنفيذ الفعلي والسريع هذا المشروع، ومارست وتمارس ما أظنه مفاصلة تامة مع ما لا يقل عن نسبة 90% من «السكان»، أو بعبارة أدق أنها تمارس سياسة لا تفهم إلا علي أساس أنها تتبع هذه المفا
صلة، وطرحت ما سمته ببيع أصول مصر، من شركات ومصانع سبق توقيفها ومرافق سبق تعطيلها وأراض ومستشفيات وفنادق كان لحقها البوار، وذلك لتدخل الملكية العامة الثابتة بنسبة 90% من «السكان» في نطاق المال المملوك للجماعة السياسية الجديدة، جماعة نسبة 10% أو أقل حسبما قرر هذا الوضع الجديد.

وهكذا يجري الأمر، فرز وتجنيب ثم مفاصلة، ونحن لا نعرف حقيقة النسب، وهل هي 10% أو أقل؟ ومن يقدر علي إجراء الفرز يستطيع أن يحدد ما يريد وما يحتمل من نسب قد تكون أقل، ومن لم يخش من 90% لن يخشي أيضا من 95% من «السكان».

ولكننا هنا نقيد أنفسنا بما قيل عيانا جهارا بياناً نهاراً لندرك كيف يفكر المسئولون وبأي تصور سياسي يديرون الأمور؟

لقد كان من أهم العقبات التي تواجه تنفيذ هذا التصور هو التركيب العضوي لجهاز إدارة الدولة، المدني وال
خدمي والاقتصادي والعسكري والأمني، لأن جهاز إدارة الدولة في مصر إنما يتكون من عينة مصرية لا تميز أهل إقليم علي آخر ولا أهل طائفة علي أخري ولا أهل مذهب ولا أهل قبيلة أو أسرة، لما تتمتع به مصر من امتزاج شعبي نادر الحدوث في مجتمعات أخري كثيرة، وما يدعو للتساؤل هو كيف يجري الإعداد العضوي والثقافي والطبقي لجماعة محدودة تدير شأن هذه النسبة المتصورة للجماعة السياسية المصغرة المختارة نسبة الـ 10%، ولكي تنمحي النظرة الشاملة التي اعتادها العاملون بجهاز إدارة الدولة وتحل محلها نظرة محصورة لجماعة محصورة في هذا النطاق الضيق.

لقد جري ذلك عبر التسعينيات من القرن العشرين، وكنت أشرت إليه في كتابات سابقة، وذلك بتفكيك المجتمع وجهاز إدارة الدولة، فلم يعد أي مكون من مكونات المجتمع أو جهاز الدولة قادرا علي معارضة سلطات رئيس الدولة بوصفه فردا يتربع في أعلي السلطة، ولا قادرا علي الممانعة لأي سياسة تتخذ حتي إن كانت ضد هيئات الدولة ومؤسساتها ذاتها.


ذلك إنه أعيدت هيكلة نظم التوظيف في الدولة في بدايات التسعينيات بحيث صارت وكأن جميع القيادات في الدولة وظائف مؤقتة تمد سنة بسنة أو سنتين أو ثلاث بمثل مدتها، وسواء في ذلك الوظائف القيادية في أجهزة الدولة المعنية المتعلقة بالسيادة وبالخدمات، وأجهزتها في قطاع الأعمال الاقتصادي أو في الجيش أو في الشرطة، وأدي ذلك إلي أن تحول أي من هذه القيادات من ذوي مركز قانوني يكفل لهم قدرا من الضمانات في البقاء في عملهم وقدرا من الاستغلال في اتخاذ القرار وإبداء الرأي الفني والمهني، تحولوا من ذلك إلي مجرد تابعين لمن يعلونهم سواء وزيراً أو رئيس جمهورية، إن لم يأتمروا بالأوامر فسيسقطون كأوراق الشجر الذابلة بغير حاجة إلي فصل.

يضاف إلي ذلك أن أجر أي وظيفة كان يكفي صاحبها، كفالة لضرورياته هو وأسرته وفق المستوي الاجتماعي للشريحة الاجتماعية التي تحيط به، وكان لوظيفته ولأجره منها من الضمانات القانونية والقضائية ما يكفل تأمين العامل، ثم حدث أن زادت الأسعار علي مدي العقدين الماضيين بما يفوق زيادة الرواتب أضعافا مضاعفة، فلم يعد أي راتب يكفي صاحبه وأسرته ضرورات عيشهم، وألجأ هذا الوضع العاملين إلي البحث عن مورد آخر مكمل، فانحرفت قلة ووجدت في الفساد وأساليبه مغنما، والأغلبية بحث أفرادها عن عمل آخر إضافي مكمل، فتوزع انتماؤهم بين عملهم الأصلي وعملهم
الإضافي، ولأن العمل المكمل يكون لقاء أجر غير ثابت بغير ضمانات قانونية، فقد صار هو ما يخشي عليه العامل ويوليه اهتمامه الأكبر، وذلك علي حساب عمله الأصلي، وشيوع هذا الأمر بين العاملين من شأنه انهيار المؤسسة الأصلية التي يعملون بها لانصراف العاملين فيها عن مدِّها بالقدر الأهم من أنشطتهم واهتماماتهم.

يضاف إلي ذلك أن أي مؤسسة إنما تنشأ بوصفها تشكيلاً نظامياً يضم من الخبرات والمهارات ما يتفق مع نوع نشاطها، وهي في عملها تكتسب خبرات متزايدة بما يضاف إلي رجالها من تجارب وما يؤدونه من أعمال، فإذا توقفت فقد فقدت هذا النبع من الخبرات ولحقها من الصدأ ما يلحق الآلات التي لا تعمل، والحاصل أن كثيرا من الأجهزة والمؤسسات في الدولة وقطاع الأعمال قد توقف عن أداء عمله المنوط به في هذين العقدين الأخيرين، لأنه لم يعد ثمة خطة اقتصادية تتبع ولا مشروعاً وطنياً ينفذ ولا خدمة اجتماعية تؤدي بجدية ولا مالاً ينفق بما يكفي أيا من ذلك.


وانصرف العاملون ذوو الخبرة عن أعمالهم، وكذلك الشأن إذا ارتبط بأي مؤسسة ما يجاوز أصل تخصصها وما أعدت من أجله.

هذا من ناحية تفكك أجهزة إدارة الدولة ومؤسساتها، أما من ناحية هيئات المجتمع الأهلي مثل النقابات والاتحادات وغيرها، أو الهيئات الرسمية ذات الاستقلال الذاتي كالجامعات، فقد جرت في كل ذلك تعديلات في القوانين بما يفقد أيا منها درجة استقلاله الذاتي مثلما حدث بالنسبة للجامعات، وكذلك صدرت قوانين واتبعث إجراءات كان من شأنها تفكيك الهيئات ذات التماسك كالنقابات المهنية أو السيطرة الكاملة الأمنية علي الهيئات الأخري كالنقابات العمالية واتحادات الطلبة، ولا أريد أن استطرد في ذكر التفاصيل حرصاً علي الوقت والمساحة، وحرصاً علي سرعة بلوغ المسألة التي أريد إيضاحها.

والحال أن القوة الاجتماعية والسياسية ترد من العمل الجماعي لا من الجهود الفردية، وهي ترد من العمل الجمعي المشمول بتشكيل تنظيمي، ولا فعل إلا بقوة ولا رد فعل إلا بقوة، ولا تأثير إلا بقوة ولا ممانعة إلا بقوة، والحال أيضا أن الحركة الاجتماعية والسياسية لا تنفذ بآثارها إلا بهذه القوة الجماعية المنظمة، وأن أي حراك شعبي أو جمعي من أي نوع وفي أي مجال يرد بغير قوة منظمة وإنما يكون حراكا عشوائيا ما يلبث أن يتفرق شعاعاً وأن يتشتت بددًا لا يبقي له أثر يذكر، لذلك فإن التنظيم هو ما يكون عليه المعول في حساب القوي وإدراك الآثار المتفاعلة في المجتمع للجماعات والفرق المختلفة.

ومن هنا ندرك مغزي ما سبق ذكره عن التفكك الحادث، وندرك أي خسارة فادحة لحقتنا من جراء هذه السياسة التي اتبعت منذ التسعينيات بشكل منظم وآتت بنتائجها المدمرة من نهاية التسعينيات حتي اليوم، إذا ننظر إلي أنفسنا اليوم فنجد أنفسنا ساخطين دون همة، وغاضبين دون عزم، وأن السخط والغضب يأتي منهما الوعي بالسوء والقبح والفساد، أما الهمة والحزم فيأتي بهما التشكيل التنظيمي للساخطين والغاضبين، وأنا لا أقصد هنا فقط انفكاك التنظيمات الشعبية والأهلية، ولكن أقصد أيضاً انفكاك تنظيمات الدولة فيما عدا ما يقوم علي الأمن السياسي للنظام الحاكم، ومن هنا نلحظ هذا الوهن العجيب، فننظر إلي الجماعة الحاكمة فنراها لا تعرف كيف تحكم ونراها واهنة العزم خائرة القوة إلا فيما يتعلق بمنع المظاهرات، ثم ننظر إلي المعارضة فنراها تقف عند حدود التعبير الكلامي عن المواقف وعند حدود الإدراك الصحيح الصائب لما يتعين أن يقوم، ولكنها لا تستطيع أن تحول هذه الرؤية إلي قدرة تغيير فعلي.


لقد حدث في مصر علي مدي الثلاثين سنة الماضية ما حدث في العراق علي مدي السنوات الخمس الماضية، نحن دائماً في مصر نجري التغييرات بالأسلوب «السلمي المشروع البطيء» والتعديلات الهيكلية الجزئية البطيئة التي تتراكم، وهم دائماً في العراق تجري التغييرات بالأسلوب العنيف السريع، سواء كان التغيير للأحسن أو للأسوأ.

في مصر خضعت الإرادة الوطنية للدولة لإملاء الهيمنة الأمريكية عليها، خضعت بالتدريج وكمل ذلك علي مدي عشر سنوات أو أكثر، وفي العراق أجري ذلك بعملية احتلال عسكري أمريكي سريع وتعيين حكومة موالية «للأمريكيين».

في مصر تحطم النظام الاقتصادي الوطني المستقل علي مدي ربع القرن وصار إلي التبعية للهيمنة الدولية، وفي العراق جري هذا التحول في أشهر قليلة بعد الاحتلال العسكري الأمريكي، وفي مصر تعطلت المصانع ــ مصانع القطاع
العام ــ بالترك العمد والإهمال المقصود علي مدي نحو خمس عشرة سنة وفي العراق جري ذلك في شهور أيضاً، وبالنسبة لجهاز إدارة الدولة في مصر فقد جري تفكيكه وجرت العملية من أوائل التسعينيات، وتمت ذات العملية بالتدمير السريع في العراق فور دخول القوات الأمريكية، أما من حيث الخسائر البشرية فهي في العراق تحدث بالرصاص والتفجيرات، وفي مصر تحدث بغرق العبارات وتصادم القطارات والحافلات وسقوط الصخر علي البشر أي بالطريق السلمي المشروع، والنتيجة أن المجتمع مفكك والدولة مفككة وأن القوة النظامية الوحيدة وهي شرطة الأمن السياسي، لم تعد حافظة لحكومة القلة فقط، ولكنها حافظة أيضاً لوضع التفكك الذي يضمن بقاء هذه القلة. وقد شكلت أجهزة الإدارة التي تناسب المجتمع الجديد المصغر، فتفتق الحزب الوطني عن لجنة السياسات، وجرت السيطرة علي بنوك القطاع العام بطاقته التمويلية عن طريق كوادر جديدة، ومع تغير الوزارة، نشأت حول كل مجموعة شباب، اختير بغير خبرة سابقة في أجهزة الدولة وبرواتب ضخمة جدا، وكل ذلك بعقود مؤقتة حلت محل الوظائف الثابتة حتي لا يكون لأحد قدرة علي الاعتراض.

هذا هو الوضع السياسي والاجتماعي والتنظيمي الذي يتناسب مع تحقيق مجتمع الــ 10% المعلن عنه، وقد يعمل العاملون علي تخفيفه بنسبة أقل من ذلك كثيرا، فنحن لا نعرف النوايا، ولكن المهم هو الإشارة إلي ما هي خصائص هذا المجتمع التي يمكن أن نستقرئها من الواقع الحالي ومن متابعة الأحداث الجارية. فنحن نلحظ مثلاً أن القاهرة لم تعد هي المدينة التي تمارس فيها فعلاً حكومة البلاد ولم تعد مقرًا لحاكم مصر الفرد القائم علي أزمة أمور البلد والمقرر لسياستها فيما كبر أو صغر من الشئون، صار مقره الدائم أو الذي يقيم فيه عادة هو مدينة شرم الشيخ علي شاطئ خليج العقبة جنوب شبه جزيرة سيناء وصارت هي المقر الذي يقابل فيه رجال الدولة ويعقد فيه اجتماعاته مع رؤساء وممثلي الدول الأجنبية وهو مكان عقد فيه ما يسمي بلقاءات القمة وبلغ من اطراد هذا الأمر والاعتياد عليه أن المؤتمر الدولي للاتحاد الأفريقي الذي ينعقد بحضور رؤساء الدول الأفريقية كان انعقاده الأخير السنة الماضية في شرم الشيخ رغم أن شرم الشيخ في آسيا وليست في أفريقيا بما يعني أن مؤتمر قمة الاتحاد الأفريقي لم تجد له حكومة مصر في أرضها الأفريقية الفسيحة مكانا لانعقاده فانعقد في آسيا.

وأن شرم الشيخ التي تمارس فيها وظائف العاصمة هي في الجزء الشرقي من سيناء وهو الجزء منزوع السلاح المصري بنص الاتفاقية المصرية - الإسرائيلية وهي ليست تحت سيطرة القوات المسلحة المصرية فمحظور علي مصر بموجب هذه الاتفاقية أن تتواجد فيها قوة من قوات مصر المسلحة، وهذا يعني أن أقرب القوات المسلحة لشرم الشيخ بحكم التواجد وبحكم إمكان التواجد الدولي المتاح هي القوات المسلحة الإسرائيلية براً وجواً وبحراً وهذا يذكرنا تاريخياً بوضع السلطان «محمد وحيد الدين» سلطان الدولة العثمانية الأخير بعد الحرب العالمية الأولي إذ كانت إقامته في اسطنبول وكانت تحيط به القوات الأجنبية المنتصرة علي تركيا في تلك الحرب وهذا ما من أجله نقل «كمال أتاتورك» العاصمة إلي أنقرة في قلب بلده وفي وسط الأناضول.

إن كان هذا هو شأن المدينة التي تمارس فيها الدولة مهام العاصمة في هذا الوضع الجديد وهي بعيدة عن وادي النيل الذي يسكنه ما جري التعبير عنه بأنه 90% من السكان فما هو شأن التمويل إننا نعلم أن ميزانية الدولة تمول بمصادر إيراد يرد من شئون المصريين كلهم، مما ينتج عن الزراعة في وادي النيل وعن المصانع التي تنتشر علي طول مدن الوادي وأرضه ومن عمل العاملين المصريين عمالاً وموظفين ومهنيين وحرفيين ومن ضرائب استهلاك هؤلاء جميعاً فكيف يمكن الاستغناء «بقدر الإمكان» عن هؤلاء بوصفهم مصادر إنتاج واستهلاك وعمل وغيره، إن تمويل هذه الإدارة الجديدة للدولة في وضعها المصغر يمكن أن يأتي من دخل البترول والغاز وهو مبلغ يدور حول 9 مليارات ودخل قناة السويس وهو يدور 4 مليارات وعوائد المصريين المقيمين بالخارج وهو يدور حول 6 مليارات ثم السياحة وهي تدور حول 8 مليارات وكل هذه الدخول لا تحتاج إلي وادي النيل في مصر وهو موطن أكثر من 90% من السكان ولا تنتج في الأساس عن أنشطة إنتاجية خاصة بسكان هذا الوادي وهم يزيدون علي 90% من السكان وحتي النشاط السياحي صار جزءاً غالباً فيه يرد من سياحة شواطئ البحر الأحمر وليس من أرض الوادي ولا من آثار هذا الوادي.

ونحن هنا أمام مداخيل اقتصادية تتشابه إلي حد ما مع مداخيل إمارات الخليج العربي وأن الاعتماد الأساسي عليها في تشكيل دولة الــ 10% يحيل الدولة إلي إمارة شبه خليجية والفارق أن إمارة شرم الشيخ تقع علي الشاطئ الغربي للجزيرة العربية بينما تقع قريناتها علي الشاطئ الشرقي لشبه الجزيرة وإماراتنا قد تحتاج إلي بعض عمالة تأتيها من وادي النيل، خاصة في شأن الخدمات وفي شأن حفظ الأمن وهذا من الصفات الشبيهة بصفات تجدها في إمارات الخليج التي تعتمد علي عمالة تأتيها من خارجها ولأنها إمارة تعتمد علي الدخل الريعي وليس الدخل الإنتاجي فهي لا تحتاج إلي فلاحين ولا إلي عمال، يكفيها خبراء في الإدارة وموظفين صغار وخدمة كما يكفيها من القوات الحامية لها قوة الشرطة علي أن تكون هذه القوة شديدة البأس صعبة المراس ذات بطش وقسوة.

وأن نظرية الأمن القومي لهذه الإمارة لابد أن تكون مختلفة تماماً عن مثيلاتها الخاصة بمصر التي نعرفها أو بعبارة أخري عن باقي مصر الذي نعرفه وهذا الباقي من مصر الذي يشكل 90% أو أكثر هو أرض وادي النيل والذي لم يعد وطناً مشمولاً بالرعاية وما عليه من بشر هم سكان وليسوا شعباً بالمعني الذي يعرفه القانون الدولي العام، إن ثمة إمارة انسلخت من الدولة الأم وأخذت اسمها ووصفها القانوني ومركزها الدولي وأن أي دولة منسلخة تختلف نظرتها إلي أمنها القومي عن النظرية السائدة لدي الدولة الأم بل هي تكون ضد هذه النظرية لذلك فإن الجزء المنسلخ يعتبر الدولة الأم عدوه الأول والأكبر ومصدر الخطر الدائم عليه ومتي تعين العدو الأول، فقد تعين أيضاً الحليف الأول وهو عدو العدو، والإمارة المنسلخة في هذا التصور لا تجد حليفاً لها إلا من كان يخشاه الوطن الأم ويعتبره خصماً له وخطرا عليه، من هنا نفهم الموقف الأخير الذي كشفت عنه أحداث غزة الأخيرة في ديسمبر 2008، كما نفهم هذه السياسة التي قامت وهي سياسة تمارس وتطبق ضمنا وعلانية وسراً وجهراً وهي أن ثمة تحالفاً استراتيجياً يقوم بين الحكومة الحاضرة والولايات المتحدة الأمريكية وليس من الممكن فهم هذه السياسة إذا نظرنا إلي الأمر بوصفه علاقة بين مصر والولايات المتحدة، لأن الولايات المتحدة ومعها إسرائيل شنت علي هذه المنطقة من الحروب ولا تزال تفعل ما يجعلنا نراها عدوانا مستمراً من الجانب الأمريكي الصهيوني علينا.

إنما يُفهم الأمر إذا نظرنا إليه باعتباره وصفاً للعلاقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وبين الإمارة المنسلخة من مصر، إمارة الــ 10% أو أقل من السكان، من جهة أخري.

أمامنا مهمة كبيرة، أن نعيد مصر إلي الوجود بإذن الله تعالي فنجمع ما تفرق ونركب ما تفكك وأن نرمم أبنيتها الإدارية المتصدعة وأن نجبر ما تكسر من عظامها هذا بالنسبة لأجهزة إدارة الدولة، أما بالنسبة للتنظيمات الشعبية والأهلية فأمامنا مهمة الإعداد الجديد لتنظيمات جديدة علي كل مستويات العمل الشعبي والأهلي النقابي وغير النقابي والجمعيات والاتحادات وغيرها.

بيان وقف إطلاق النار..

بيان وقف إطلاق النار../ د.عزمي بشارة
* وقف إطلاق النار (لم يستخدم أولمرت في خطابه عبارة "هفسقات إيش" (وقف إطلاق النار) " بل استخدم مصطلح "نتسيرت إيش" أي بمعنى ما لجمها وكبحها، والمقصود هو "وقف مؤقت" لإطلاق النار، وقف مرحلي) الذي أعلن ليلة السابع عشر من كانون الثاني\ يناير 2008 هو تعبير عن عدم قدرة إسرائيل على الاستمرار بالحرب، وذلك في حملة برية لاحتلال غزة بأسرها. لقد فحص جيش الاحتلال ذلك عمليا باقتحامات شتى ووجهت بمقاومة شرسة. وقلّب قادته الأمر، فوجدوه مكلفا غير مضمون العواقب. ولكن اقتصار الحرب على القصف الجوي والمدفعي لا يحسم المعركة. صحيح أنه يدمر ويقتل ويحرق دون تمييز، وصحيح أنه يكلف المجتمع الفلسطيني ثمنا باهظا، ولكنه لا يحسم المعركة. ومن ناحية أخرى لم يتمكن مبعوثو المخابرات والرئاسة المصرية من فرض الشروط السياسية الإسرائيلية على حركات المقاومة. وهي تتلخص بالتعهد بوقف المقاومة ونزع سلاحها. لقد كان المطلوب هو توقيع المقاومة على "منع تهريب السلاح" وعلى "تهدئة" دائمة أو طويلة المدى. فما كان من إسرائيل ان أوقفت النار من طرف واحد مدعية انها أنجزت الأهداف من الحملة. ولكنها لم تنجزها.

* كانت رايس جاهزة لمنح ليفني أية ورقة تمكِّنها من العودة إلى المجتمع الإسرائيلي بإنجاز ما، ودون انتظار تحقق الإملاءات المصرية على حماس ناهيك بتفاهمات معها.

لا نعرف تفاصيل الاتفاق، وأقصد عدا الأمور العامة المتعلقة بتجند الولايات المتحدة لمنع وصول السلاح إلى حماس. وطبعا سوف يتعلق الأمر بمدى استعداد إدارة أوباما لمتابعة التنفيذ ومدى تعاون مصر معهم في ذلك. وبالمجمل، هذه اتفاقيات غير ممكنة التنفيذ دون تعاون عربي.

* ما هي الأهداف التي حققتها إسرائيل من حربها على غزة؟ هل هي مدارس وكالة الغوث "الأونروا"؟ هل هو حرق البشر بالفوسفور؟ هل انتصرت الإف 15 على من هم في سن الـ15 عاما مستعيدة هيبة الردع، أو الرعد أو الرعب؟

ردعت إسرائيل الأطفال في غزة وفي كافة منازل الوطن العربي. مرحى مرحى مرحى، هورا هورا هورا. لتستمر مقاهي تل أبيب (المدينة دون توقف كما يحبون تسميتها هناك) باحتضان الطيارين الشباب والفنانين والصحفيين الذين يروون النكات عن غزة، وعن أطفال ونساء غزة. فهذا لا يثير انطباعا عند من انطبعت الصور في أذهانهم. كل شيء هنا توقف غير تلك الصور في الأذهان، وكل شيء هنا يتوقف على إنجاز مهمة واحدة، أن يعود التاريخ إلى نفسه في المنطقة العربية وهو لا يشمل إسرائيل. إنه لا يشمل تل أبيب ولا بطرها من حروب قليلة الضحايا عند من يملك الطائرات، ولا فائض سخريتها ممن لا يملكها.

* إن ما يحتاج إلى دراسة هو تحول قتل المدنيين، والتباهي باستهدافهم إلى مركب في الثقافة الإسرائيلية.

هنالك ميل سادي كولونيالي واضح لدى الشباب الإسرائيلي على مر الحروب لتحويل عذاب الفلسطينيين إلى تسلية. أما رسم الابتسامات وعلامات النصر من قبل الجنود العائدين من المجزرة إلى الحضارة، ومن قتل العائلات إلى عائلاتهم ومن التنكيل بالمدنيين إلى الحياة المدنية. فهو ليس فرح الجبناء فحسب بل طقوس العبور لتشكل الرجولة في مجتمع المستوطنين المستعمرين العابرين.

* إذا كان المقصود بتحقيق الأهداف هو الأهداف المعلنة في بداية الحرب، فليس صحيحا ما أعلنه رئيس الحكومة الإسرائيلي من تحقيق الأهداف. فلم تحقق الحرب الأهداف العلنية المتعلقة بتغيير الوضع الأمني في "جنوب إسرائيل". أما إذا كان الهدف الذي تحقق هو اغتيال قيادات في المقاومة، فقد بات هذا من مسلمات المقاومة. ليس ذلك إنجازا، لأن قيادات المقاومة بحكم تعريفها تتوقع الاغتيال في أي وقت.

* توحدت الأمة العربية مع المقاومة، وتوحدت الشعوب معها، إلا في لبنان حيث ينقسم الشعب، ولكن ليس إلى مواقف، بل إلى طوائف.

* وانقسم النظام الرسمي العربي إلى اثنين لكل منهما هوامش ما زالت تتقاطع. ويمكن تمييزها باختصار شديد بما يلي: يعتبر الموقف الأول الاحتلال هو المشكلة وهو سبب الحرب، في حين يعتبر الموقف الثاني مقاومة الاحتلال هي المشكلة ويحملها مسؤولية الحرب.

* ومن هذه الزاوية فإن القمة العربية في الدوحة هي استجابة بالحد الأدنى ليس للانقسام الرسمي، بل للرأي العام العربي. والأمر الأهم الذي أنجزته هو كونها أول مراجعة رسمية لخط التسوية. لأول مرة تحصل انعطافة في الخطاب الرسمي العربي منذ أن سيطر عليه خطاب التسويات المنفردة مع إسرائيل.

* إعلان رئيس الحكومة الإسرائيلي المتأخر أن وقف إطلاق النار هو استجابة لطلب الرئيس المصري هو محاولة لإنقاذ المعتدلين العرب. فمن مصلحة إسرائيل أن يبدو المعتدلون شركاء يحظون ببعض المصداقية. لقد كان ضحية القصف الأولى هم المدنيون الفلسطينيون، أما الضحية الثانية فهو التسوية وجماعة عملية السلام.

* كان غضب مبارك وأبو الغيط (الذي سعد لدقائق أن تتطلب الوظيفة مرة واحدة تقمص شخصية تشي جيفارا) غضبا تكتيكيا. حماس لم تقبل بشروط المخابرات المسماة أفكارا مصرية، وإسرائيل لم تنتظر. وقد أوقفت إطلاق النار مستغنية عن الجهد المصري. كما كانت هنالك قمة الدوحة التي أثارت غضبا غير تكتيكي إذ طرحت أفكارا أخرى غير المبادرة المصرية، وشاركت فيها أنظمة رسمية متجاوبة بالحد الأدنى مع رأيها العام. كان لا بد من إنقاذ مبارك بتصريح مفاده أن وقف إطلاق النار هو استجابة لطلب مبارك. ولكن هذا التصريح الإسرائيلي تحول إلى إهانة وإساءة لمصر. فإذا كان بوسع مبارك وقف إطلاق النار وإذا كانت إسرائيل تصغي له، فلماذا لم يطلب فيستجاب طلبه قبل عشرين يوما؟

* حين ظهر هذا الخطاب المصري الجديد من وقف إطلاق النار الفوري وغير المشروط وحتى الانسحاب، واصل ممثلو السياسة الخارجية استخدام نفس النبرة واللهجة القديمة في حديثهم مع ممثلي حماس في القاهرة، أي واصلوا مطالبتهم بالتعهد بوقف تهريب السلاح وبتهدئة طويلة المدى والعودة إلى اتفاق عام 2005 بشأن معبر رفح. كان ذلك خطابا للاستهلاك المحلي. * يوم 18 التالي لوقف إطلاق النار تنادت بسرعة فائقة دول متفاجئة من استدعائها على عجل. لقد اجتمعت في شرم الشيخ نفس القوى التي بررت وأيدت قتل الأطفال والنساء في فلسطين، والتي تعتبر قتل الأطفال دفاعا عن النفس وقتل الجنود إرهابا.

اجتمعت القوى التي تعتبر مصير جندي مثل شاليط جاء لقصف المدنيين من دبابة أكثر أهمية من مصير أهل غزة. دعاهم رئيس عربي يشاركهم تقدير حياة شاليط، ويتعامل مع حياة أبناء شعبه في قطار محترق وعبّارة تغرق وبنايات تنهار باحتقار أشد حتى من احتقاره لأهل غزة.

* وما اجتماع القوى الاستعمارية الكهلة في شرم الشيخ سوى إخراج لوقف إطلاق النار، لكي يبدو كأنه نزول عند رغبة مبارك والدول الأوروبية وعملية السلام، وغير ذلك من الكلام الفارغ. وقد جرى إخراج وقف إطلاق النار بعد أن اتخذ القرار في هذه المسرحية لمصلحة إسرائيل والرئيس المصري. اتخذ القرار من طرف واحد، وتبعه إخراج من هذا النوع.

قمة شرم الشيخ هي عبارة عن مساندة لدور الرئيس المصري الذي تضرر في هذه المرحلة داخليا وخارجيا. فهو إخراج لوقف إطلاق النار في إطار قوى التسوية ليظهر وكأنه "إنجاز لها"، وليس رغما عن هذه القوى.

فنحن لم نر هذه القوى أو نسمع بها طيلة الحرب. لم تحاول تكبيل أيدي إسرائيل أو إدانة قتلها للأطفال، ولم تبد حرصا على حياة المدنيين. وحين يئست إسرائيل من تحقيق أهدافها وتوقفت، تقدمت هي لتقطف وقف إطلاق النار كأنه نتيجة لتحركاتها وليس كنتيجة لصمود المقاومة والمجتمع الفلسطينيين في غزة.

* للبنان حدود مع سوريا وإسرائيل والبحر، وتحد غزة مصر وإسرائيل وبحر مغلق. وهذا هو الفرق كل الفرق. إن كان ذلك بالنسبة للمدنيين، وإن كان ذلك بالنسبة للمقاومة. وقد جرت الحرب على أساس هذا الفرق. الدولة العربية المجاورة لم تكتف بعدم دعم المقاومة بل أرادات تلقينها درسا قاسيا. لقنت إسرائيل الدرس القاسي للمواطنين ولم تحقق أهدافها وتوقف إطلاق النار.

* وبعد وقف إطلاق النار يدرك المجتمع ما جرى له وما حل به وهو يضمد الجراح ويتفقد الأنقاض. سيبدأ الضغط من أجل المساعدات ومعالجة الجرحى وإعادة الإعمار. ويبدو أن إلإغلاق المستمر للمعبر في رفح، وإمكانيات الدخول والخروج عبر مصر سوف تستخدم للاستمرار في ابتزاز المقاومة لقبول الشروط بعد وقف إطلاق النار.

* لذلك فالمهم الآن هو الضغط لفتح المعبر للإغاثة وإعادة البناء، وعدم السماح لإسرائيل أن تتملص بجريمتها، وأن يرفع الحصار. ويجب عدم التسامح مع الأنظمة التي صمتت أو تواطأت، وما زالت، يجب عدم التوقف الآن عن الحملة لفضحها، وذلك لأن هذه السياسة مستمرة ولم تتأثر. فما يقال في الخطابات شيء وما ينفذ على أرض الواقع شيء آخر تماما. ولن يصح أي تعهد تتخذه الدول العربية أو غيرها للمساعدة في إعادة الإعمار، إذا لم يفتح المعبر ولم تصل المساعدات لغزة.

* جمع الأموال لإعادة الإعمار يجب ألا ينسي الدول والمؤسسات التي أعلنت نيتها التقدم بدعاوى مطالبة إسرائيل بدفع التعويضات على ما لحق بالناس. لم نسمع عن محاكمات لإسرائيل عن ما اقترفته أيديها في لبنان عام 2006، ونأمل ألا تؤول التهديدات الحالية إلى المصير ذاته.

* أما سياسيا فإن المرحلة هي مرحلة وقف توسع خطاب التسوية والتطبيع مع إسرائيل ورده على أعقابه وبدء صعود خطاب سياسي جديد. وهذه عملية بدأت في الدوحة ويجب أن تستمر وتندفع وأن يدافع عنها في الكويت بقوة.

* من أهم إنجازات المقاومة في هذه الحرب أن إسرائيل لم تعد خارج القطاع من طرف واحد كنوع من إعادة الانتشار. لقد خرجت في العام 2005 بخيارها كي تجتاحها متى شاءت. وها هي تدرك الحقيقة المرة. لقد تغيرت الأمور خلال عامين. وهي مضطرة أن تحارب كي تعود. فعودتها إلى غزة يعني حربا، وهي حرب غير محمودة العواقب. لم يتحرر قطاع غزة عام 2005، بل تحرر الآن من الاحتلال. لأول مرة منذ عام 1967 لا تجتاح إسرائيل المناطق التي احتلت عام 1967 بسهولة كنوع من إعادة الانتشار، بل تضطر أن تحارب لاجتياحها

* وبقيت قوات إسرائيلية في غزة. ليس لهذا الغرض تصح المقاومة، بل لأن فلسطين كلها محتلة، القدس محتلة والضفة محتلة. وطالما هنالك احتلال هنالك حق بمقاومته. وفلسطين وطن واحد، وقضى الحال والتجربة أنه يمكن مقاومة احتلال غزة من القدس، ومقاومة احتلال القدس من غزة.

* ليست غزة دولة مستقلة، ولا شعبا ولا كيانا. ويجب أن تتوقف النبرة التي تتعامل معها كذلك، (وهي نبرة قائمة حتى عند أوساط قليلة في حركة حماس). وهي تقاوم احتلال فلسطين وليس احتلالها وحدها. ولكن غزة لا تستطيع أن تحمل وحدها قضية فلسطين، فهي في ظل الحصار بالكاد "تحمل حالها". ولذلك لا يجوز أن تبقى بقية جوالي الشعب الفلسطيني في الشتات والضفة خارج إطار التنظيم الوطني الذي يجب أن يقود المقاومة. وهو أوسع من حماس.

لقد آن الأوان أن تفكر حماس والجهاد والجبهة وغيرهم من طاقات وقوى الشعب الفلسطيني بتشكيل إطار تحرر وطني موحد مقاوم في كافة أماكن تواجد الشعب الفلسطيني، يحمل برنامجا وخطابا مؤهلا لقيادة الشعب الفلسطيني. وجود هذا الإطار وهذا الخطاب هو الذي سوف يشكل القوة الضاغطة والرافعة لإعادة بناء منظمة التحرير.

في هذه الحرب أدرك الجميع ما معنى دور الأجهزة الأمنية في الضفة، وما معنى تغييب منظمة التحرير حتى في الشتات وتهميشها من قبل السلطة. ولذلك فإن المهمة أعلاه مهمة تنظيم وتأطير بقية مناطق تواجد الشعب الفلسطيني، هي مهمة لا تحتمل التأجيل. فليست مهمة غزة أن تقاوم عن كل الشعب الفلسطيني، ولا مهمة الآخرين أن يتضامنوا.

* لقد قاومت بقية الجاليات الفلسطينية في الماضي، وواصلت الضفة الانتفاضة في حينه حتى حين حوصرت في غزة. فهي ليست جديدة على الموضوع. وما تغير هو قيام السلطة وتهميش الشتات وقيام جيل من الأجهزة الأمنية يقمع شعبه من يناضل ضد إسرائيل وينكل به. وهذا أمر لا يجوز تجاهله عند استخلاص النتائج وإعادة بناء المؤسسات على ضوء ما جرى في هذه الحرب.

* لا مشروعية لأية تسوية. ليس الجميع قادرا أو مضطرا للمقاومة، ولكن الجميع قادر على رفض التسوية غير العادلة، وعلى استنباط وسائل للحياة دون تسوية مع إسرائيل والصهيونية.



علمه عند أولمرت


علمه عند أولمرت
عزت القمحاوى



الإجرام فاق كل التوقعات. بعد أن تأكدت إسرائيل أنها اللاعب الوحيد في مجتمع دولي صامت، ونظام عربي متداع، بلبه ولبابه. واللب لم يكن يوماً معطوباً بهذا القدر، وجاءت هذه المحنة لتقشر وتكشف عن لونه ورائحته.
منذ ولدت القضية الفلسطينية صار التغيير في مصر مرتبطاً بنتائج المواجهة مع العصابة الصهيونية.
لكنها المرة الثانية بعد النكبة التي تتشابك فيها خطوط الإحباط على الجبهة الفلسطينية مع الإحباط الداخلي، في مجتمع يشبه مجتمع عشية النكبة (مجتمع النصف في المئة).
بدا الربط واضحاً لدى كثير من المعلقين كتابة وشفاهة، من خلال مقارنتين أساسيتين، أولاهما مقارنة عدد شهداء 'الحرب' على غزة بعدد شهداء العباّرة 'السلام' التي راح ضحيتها 1030 مصرياً. أما الثانية فتتعلق بمقارنة مساحة غزة بمساحة الأرض التي أهدتها الدولة لأقل من عشرة أفراد أبرزهم هشام طلعت مصطفى، المحبوس بتهمة قتل سوزان تميم.
والمقارنتان الموجعتان تردان في سياقات مختلفة، في إطار الجدل حول مسؤولية حماس، أو الجدل حول الفساد الذي صار أقسى من الاحتلال، لتنتهي المناقشة في صالح المقاومة، حيث بالإمكان تحمل مثل هذه الخسائر في حرب وطنية، مادام العدد نفسه يروح عبثاً من دون حرب.
المقارنتان تؤكدان على وعي الغاضبين بحقيقة تشابك الفساد الداخلي مع الهزيمة الخارجية وتقلص خيارات الدولة المصرية على الجبهة القومية.
وعلى الرغم من أن مسيرة تقليص العدالة في المجتمع المصري قد بدأت في منتصف السبعينيات، إلا أن الحجم المحدود للمشروعات التي ولدت على أيدي الانفتاحيين الأوائل ومستويات الفساد في ذلك الوقت، وكفاءة الأداء في جهاز الدولة وحجم الخدمات التي تقدمها للأغلبية، كل هذا لم يصل بالمجتمع المصري إلى الانقسام الحاد الذي تجسد في الثماني سنوات الأخيرة، من بداية الألفية الثالثة.
كانت أشهر محاكمات ما بعد عصر السادات، هي محاكمة شقيقه عصمت بتهمة الإتجار في الحشيش. وهي تهمة تثير الشفقة اليوم، لأن تجارة الحشيش عمل شاق، ويتضمن الكثير من الهدر، بما يصل بالربح إلى ما فوق ربح البقالة بقليل، بينما استقرت في السنوات الأخيرة عادة منح آلاف الأفدنة لشخص واحد، تترجم إلى مليارات في يديه فوراً. وعندما يتهم في جريمة قتل، يقال إنها محاولة لتدمير 'إمبراطورية اقتصادية'.. متى بنيت هذه الامبراطورية وكيف، لا أحد يعلم!
هذا التوزيع المجاني للثروة جرى من قبل في بدايات القرن الثامن عشر على يدي محمد علي، لكن ضمن فلسفة بناء دولة، فأقطع شيوخ قبائل البدو لتوطينهم وعائلات الريف مساحات من الأرض الزراعية المستصلحة لضمان ولائهم.
أي كانت هناك استراتيجية لبناء تماسك الدولة، وزيادة الإنتاج الزراعي، وقد شكلت هذه العائلات فيما بعد القوة الاقتصادية لبرجوازية مصرية، رفعت مشروع طلعت حرب الاقتصادي في مواجهة استغلال البنوك الأجنبية والأرستقراطية التركية، بينما تركزت منح هذا العصر على أراضي البناء.
وقد حولت هذه المنح المجانية بضعة شباب أو رجال عاديين، بلا مواهب خارقة أو ماض اقتصادي إلى مليارديريين في لمح البصر. ولم تؤد فقط إلى حالة الاحتقان والإحباط لدى ملايين العاطلين، بل إن هذه الثروة التي هبطت دون فطنة أو خيال خاص، بقيت كما هي عديمة الخيال، محصورة في الاستثمار العقاري الفاخر، لا تزرع أو تحصد أو تساهم في صناعة، ولو فانوس رمضان الذي تستورده مصر من الصين!
ثروات فجة، لم تساهم في توفير فرص عمل متنوعة، ولم تعمق فقط الانفصال بين بناتها وبقية الشعب فقط، بل عمقت الانفصال الاجتماعي، بين أغلبية تسكن المدن الرثة، وقلة تسكن معازل مسورة في تجمعات ترابض على حدود العاصمة والمدن الكبرى، مثل ثكنات جيش يستعد للاقتحام!
تزامن التسارع في بناء ثكنات الغزاة مع تدهور آلة الدولة، التي اختار رموزها سكن المنتجعات بدلاً من الحفاظ على كفاءة النقل والمرور وسائر الخدمات بالعاصمة.
نادت المنتجعات سكانها من المسؤولين وكبار الصحافيين الذين تلقوا بيوتهم في شكل هبات أحياناً، بالإضافة إلى عدد من المستخدمين لدى النصف بالمئة المتحكم، مع بعض التكنوقراط ممن أفنوا أعمارهم في بلاد عربية، ويسمعون عن توحش الفقر والعنف والتلوث بالمدن، ويبحثون عن مختتم هادئ لحياتهم يستحقونه، أو عن إقامة مريحة للأسرة في غيابهم.
هذا الانفصال العمراني، جعل عزلة مجتمع 'النصف في المائة' مضاعفة إذا ما قيست بعزلة الطبقة نفسها إبان النكبة، حيث كانت أحياء الأغنياء (الزمالك وجاردن سيتي والمعادي) امتداداً طبيعياً لفضاء المدينة، تستطيع الطبقات الأخرى التنزه فيها بحرية.
كما كانت ثروة الطبقة الأرستقراطية قبل الثروة معتقة، بنيت على مدى أكثر من جيل من الأسرة الواحدة ونسيت مصادرها الفاسدة، مما يقلل الإحساس بالظلم، بعكس ثروات اليوم الواحد، حيث يتخرج شابان في ذات الكلية، وينامان ذات ليلة ليستيقظ أحدهما مليارديراً والآخر أجيراً لا يجد قوت يومه!
واليوم يتغذى سخط الانفـــصال التام في مصر من الموت الزؤام في غزة، فما أسوأ اليوم عن البارحة، لأن الحرب لم تكن متلفزة كما هي اليوم، وهذه الجموع التي تبكي على غزة بعين وعلى مصر بالأخرى، إلى متى ستلتزم بأدب البكاء؟ الجواب بيد أولمرت.

تفسير نفس سياسى


تفسير نفس سياسى
د. سعيد إسماعيل على
عرفت العلوم النفسية منذ سنوات غير قليلة ما يسمي بعلم النفس السياسي، مثلما عرفت علم النفس الصناعي، وعلم النفس التربوي، وعلم النفس الاجتماعي.. وهكذا، حيث تتجه الدراسة في علم النفس السياسي إلي دراسة «السلوك» السياسي، وبدلا من الاتجاه إلي «الظاهرة» السياسية من خارج كما تتجلي في ممارسات السلطة، يتجه هذا المجال إلي «الداخل» النفسي، لا بمعني «الباطن»، بقدر ما يكون بمعني البحث عن الدوافع والآثار النفسية، التي يشير إليها السلوك، مما يمكن أن يخضع للبحث العلمي، ولعل أبرز وأشهر ما يعرفه جمهور الناس من جوانب هذا العلم النفسي السياسي هو ما اصطلح علي تسميته بالحرب النفسية.

لفت نظري إلي هذا الجانب ما سبق للكاتب المتميز فهمي هويدي أن كتبه علي صفحات الدستور من سعي ملحوظ لدي النظام المصري «لخلق» و«فبركة» وقائع مزعومة، والترويج لها عبر كتابه الحكوميين، وكتابه الأمنيين، ذلك أن هناك فئة من الكتاب يتشيعون لما تراه الحكومة، قلما يكون عن اقتناع، بل نفاق واسترضاء، حيث هم كتاب بدرجة «موظف» لدي النظام، وهناك فئة أخري صدق هويدي عندما أكد أنهم قد استُغرقوا في الجهاز الأمني وأصبحوا يساعدونه - أو يساعدهم، أو يملي عليهم - للترويج لبعض الوقائع المختلقة أو النفخ في مستصغر الشرر.


وقد ذكرني ما يحدث الآن، بما كان قد أشيع، بعدما اقتحم فلسطينيو غزة الحدود المصرية منذ فترة هربا من الحصار الخانق، بحثا عن لقمة عيش ونقطة بنزين وشربة ماء، فقد نشر في مصر أن شيخا فلسطينيا قد أفتي بجواز قتل العسكر المصريين، وبناء علي نشر هذا الخبر راح كتاب وصحفيون ينددون، ويلعنون، ويتوعدون.. كل ذلك، والشيخ لا يدري شيئا، حتي أوصل له أحد الناس ما قيل عنه، فضرب كفا بكف وأقسم أنه لم يصدر عنه مثل هذا، وراح يطالب بالدليل، سواء كان مكتوبا أو مسموعا، أو مشاهدا، ولم يظفر الرجل بإجابة، لأن الخبر مختلق من الأساس، لكنه كان قد فعل فعله في التشويه والترويج، فضلا عن أن «التكذيب» لم ينتشر بمثل ما انتشر به الخبر الكاذب!

يضاف إلي ما يتم اختلاقه من أنباء في صورة من صور الحرب النفسية، هذه الحملة المثيرة للدهشة في الأوساط الحكومية علي حركة حماس، واتهامها بأبشع التهم، في الوقت الذي تتساقط فيه كل دقيقة عشرات القنابل ويموت عشرات، وتسوي المباني بالأرض، وتسيل الدماء أنهاراً، ولا غذاء ولا ماء ولا أدوية، ولا ينال الإسرائيليون البغاة القتلة عُشر ما تناله حماس من هجوم ونقد، وقارن هذا بموقف رجل محترم مثل هيكل، الذي أعلن أن له تحفظات كثيرة علي حماس، لكنه لا يريد في مثل هذا الظرف الراهن المفزع المشين أن يوجه إليها أي نقد!

وإذا كانت الصحف والإذاعات والقنوات التليفزيونية التي تسيطر عليها الدولة «مضطرة» لأن تقول ما يثير التقزز والغثيان في هذه المصيبة القائمة، فإن ما أثار دهشتي حقا في البداية ثم كان ما كتبه هويدي قد فسره لمثلي ممن هم بعيدون عن «المطبخ الصحفي»، هو بعض صحف غير حكومية كانت قد أخذت موقعها من التقدير والاحترام، فإذا بعموم ما ينشر فيها يتناغم إلي حد كبير مع ما تروج له الأبواق الحكومية.

وبالأمس - الأحد - مساء (11 يناير)، تصادف أن توقفت بمؤشر القنوات التليفزيونية عند إحدي قنوات الدولة، لأسمع ما يقوله أحد كتاب السلطة، مع أنني أضن دائما ولو بدقيقة من وقتي أسمع فيها هذا الصنف، لكن، هكذا كان حظي التعس هذه الليلة، في غفوة عقلية مني، فإذا بالقائل لا فض فوه يسوق دليلا مهما علي سوء حركة حماس، وهو أنها تسمي نفسها الإسلامية لا الفلسطينية!

ساعتها تساءلت: فليطبق صاحبنا قاعدته السياسية الفكرية العظيمة، ويفتش في اسم حزب الحكومة المصرية، إذ لن يجد فيه كلمة «المصري»، ولا في حزب الوفد، ولا التجمع، ولا، ولا إلخ، فهل يمكن أن يُخَوِّن كل هؤلاء؟ واذكر في الصحيفة أيضا كل أحزاب العالم الكبري مثل حزبي المحافظين والعمال في بريطانيا، والديمقراطي والجمهوري في أمريكا، وهكذا!

وودت لو أسال صاحبنا هذا: أليست الحركة تسمي نفسها «مقاومة»؟ فمن تقاوم؟ تقاوم احتلالا إسرائيليا لأرض فلسطين! بل إنها هي الوحيدة التي نبتت من الأرض الفلسطينية منذ عام 1987، من بين المقيمين، من يتعذبون ويكتوون بنار الاحتلال، «خدمة أربع وعشرين ساعة»، ولم يعرف زعماؤها السفر عبر بلدان أوربا وأمريكا وآسيا، والإقامة في أفخم فنادق العالم 00ومن أجل فلسطين اختاروا المقاومة، وكان يمكن أن يلقوا السلاح وينعموا بمثل ما ينعم به من يتولون السلطة، التي تسمي بالشرعية، وتفيض عليهم الملايين من الدولارات؟

وإذا كنا نقدر مقدار الحزن الذي شعر به أمثال هؤلاء علي دم الضابط المصري، ونشاركهم في هذا، لكننا نتميز عن هؤلاء بأن مشاعرنا ما زالت تفيض حزنا وكمدا علي ألف وأربعة وثلاثين مصريا غرقوا في البحر منذ عامين، ولم تستطع العدالة أن تقتص من المسبب لأن له حماية يعرفها القاصي والداني!

وقلوبنا ما زالت تمتلئ بالحزن علي الصياد المصري المسكين الذي أطلقت عليه بارجة أمريكية النار في قناة السويس، ولم نر ولو استدعاء لسفير ولا احتجاجا، ولم لا؟ وهل رأينا مثل هذا عندما أسقط الأمريكيون طائرة مصرية بركابها المصريين منذ عدة سنوات وراحت دماؤهم هدرا؟

ومن عجب حقا، أنهم ينهالون أيضا بالنقد والتجريح لقناة الجزيرة، علي عكس ما يجب أن يكون، من حيث إزجاء التحية لها وتقديم وافر آيات التقدير، ذلك لأنها بلغت أقصي درجات الحرفية المهنية وحرية التعبير، وإن عايروها بأنها لا توجه نقدا لحكومة قطر، فإننا نسأل : وأين هو الجهاز الإعلامي في أي دولة عربية الذي يوجه نقدا لحكومته؟ وما دام الجميع هكذا، فلم تختص الجزيرة باللوم والتقريع؟ لأنها الأكثر نجاحا، ولأنها الأكثر حرية ولأنها تفضح الممارسات التي لا نعلمها في بلداننا، وهي إذ تضعنا دائما «في الصورة» من حيث المتابعة المستمرة، دقيقة بدقيقة لمشاهدة الجرائم الإسرائيلية علي أهلنا في غزة، إنما تساعد بذلك في فضح الممارسات القائمة، وتساعد في تعبئة المشاعر العربية، لعلها يمكن أن تحرك شعرة في رأس حاكم عربي!!

ويأتي السؤال: لم يفعل النظام المصري وأمثاله من النظم العربية كل هذا، من حيث التشويه المستمر لقوي المقاومة والتنديد بها وتحميلها السبب في الحرب، مع أنها لم تكن البادئة أبدا؟

أحد أوجه الإجابة، هو أنه هكذا تريد أمريكا وإسرائيل!

لكن هذا يثير تساؤلا آخر: ولم هذا الحرص علي إرضاء أمريكا وإسرائيل، حتي علي حساب وطننا الغالي الكبير؟

هنا نجد ما أصبح مشهورا من معرفة الحكام العرب أن الطريق إلي إرضاء أمريكا هو إرضاء إسرائيل!

ومع ذلك يستمر السؤال : ولم «الاستموات» في إرضاء أمريكا؟

لأنها هي التي تحمي العروش وكراسي الرئاسات، وبالتالي تضمن تطويعهم لما تريد، ولو ظللت تسأل عما يبرهن علي هذا، قلنا لك لأن أحدا من الحكام العرب لم يجئ بإرادة الناس، فبعضهم جاء وارثا، وآخرون تزويرا، والبعض صدفة، والبعض علي ظهر دبابة!!

أما الوجه الثاني للإجابة عن السؤال الأول:

لأن استمرار هذه المقاومة يفضح الخنوع القائم لدي هذه النظم، ويعريها ويكشفها أمام الجماهير، ومن هنا تتمني أن تفشل وتذهب إلي الجحيم!

وأضف إلي ذلك أن حكومة المقاومة هي الوحيدة التي وصلت إلي السلطة عن طريق انتخابات موضوعية حرة ونزيهة، وهذا سبب آخر يتمنون زواله من علي الخريطة، لأن هذا يذكر الناس، بأن خيار المقاومة هو الذي اختاره الناس وانتخبوه.

وأصارح القارئ بتردد كبير وأنا أُقدم علي مثال أشرح به ما سبق، لكن، ماذا أفعل إزاء هذا الفُحش السياسي الذي يصفع أعيننا في كل لحظة، في الوقت الذي تدمع فيه علي آلاف القتلي والجرحي الفلسطينيين، حيث نقبع في أماكننا لا نفعل شيئا إيجابيا، فحولنا عشرات السيارات المصفحة المدججة بمئات الجند المسلحين لضرب كل من تسول له نفسه، ولو تعبيرا عن مناصرة أو احتجاج، ومثلي قد وهن العظم منه واشتعل الرأس شيبا؟!

أما المثال، فهو: تخيل لو أن أربع إناث ذهبن لأمر من أمور الحياة اليومية، فإذا بعصابة من منحرفين تعترضهم، ثم تتحرش بهم جنسيا وتراودهن عن أنفسهن، فترضخ ثلاث منهن، وتصر الرابعة علي الرفض، ثم عاد الجميع إلي موطن إقامتهن، وشاع الخبر، فمن من الأربعة سوف توجه لها الاتهامات إساءة السمعة؟ إنها الرابعة التي امتنعت وقاومت، ذلك أن الثلاث المستجيبات، سوف لا يرضون أن ينكشف رضوخهن، وتظل الرابعة في مأمن وتبدو هي «الشريفة» الوحيدة!!