‏إظهار الرسائل ذات التسميات محمود عوض. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات محمود عوض. إظهار كافة الرسائل

توابع النزاهـة والأحكام الغيابية


فى طريقى إلى رئيس الوزراء كمال حسن على، كانت تغمرنى تلك المشاعر المتضاربة التى خرجت بها من التجربة الأولى لإقامة مسابقة «جوائز الصحافة المصرية»، وباعتبارها تجربة أولى، فقد كان القلق عليها بقدر الحماس لها.. والتفاصيل بنفس أهمية الخطوط العريضة وتفاعل شيوخ المهنة مع شبابها يوازى رد الاعتبار لأهمية إتقان الأداء المهنى فى الصحافة، الذى هو الوجه الآخر لحق القارئ فى المعرفة ومسئولية الصحفى عن التمييز بين الرأى والخبر.

وبوجهه البشوش الذى لا يوحى أبدا بخلفيته العسكرية (ترك كمال حسن على القوات المسلحة برتبة فريق ) قال لى رئيس الوزراء: الحقيقة أنا طلبتك لسببين.. لأعتذر لك.. ولأشكرك.

فأما الاعتذار.. فلأننى جئت إلى هذا الاحتفال مترددا، أقدم رجلا وأؤخر أخرى، لم تكن لهذا الاحتفال سابقة لأقيس عليها، ولا لتلك الجوائز تاريخ لأعود إليه، وطبعا.. أولاد الحلال كثير.. قالوا لى يا أفندم معقول تروح برجليك لتجلس فى وسط 300 صحفى فيهم كده، وكده.
قلت له: يا سعادة رئيس الوزراء.. من غير كده، وكده.. مالهم الصحفيين؟ وحوش الغابة أو من أكلة اللحوم البشرية مثلا؟

قال رئيس الوزراء ضاحكا: مش بالضبط.. إنما أنت شايف.. كفاية رسوم الكاريكاتير اللى بتسلخنى أنا والحكومة كل يوم، على أى حال.. جئت إلى الاحتفال بهذا التوجس، وأنا هنا أكلمك بصراحة، لكن من أول دقيقة بدأت فكرتى المسبقة تتغير تماما بعد أن وجدت نفسى فى وسط صورة متحضرة وغير مسبوقة لمهنة جعلت تلك الجوائز شيوخها يتفاعلون مع شبابها على ذلك النحو البديع، وخلال ربع ساعة أدركت من هو صاحب المولد كله، ولذلك رجوت حضورك لأعتذر لك مبدئيا عن ترددى فى الحضور الذى سبق الحفل.

فى تلك اللحظة استعدت تلقائيا تلك الغصة فى حلقى المستمرة معى منذ اليوم الذى استقبلنى فيه مدير مكتبه ليطرح أمامى شروطا عبثية رفضتها جميعا.. قبل أن يعيد الاتصال بى فى مساء نفس اليوم، بينما كان يزورنى مصطفى حسين، ويخبرنى بموافقة رئيس الوزراء على قبول الدعوة لحضور الاحتفال.

ثم أضاف كمال حسن على رئيس الوزراء بكل مودة: الآن أكرر لك شكرى عن نفسى وعن الحكومة على أنكم بدأتم هذا التقليد غير المسبوق فى الصحافة أو أى مهنة أخرى، وقد عرفت أنك واجهت صعوبات وبذلت جهدا كبيرا فى جمع الـ18 ألف جنيه للجوائز.

قلت له: هذا طبيعى.. بالنظر إلى أن مسألة أن يتولى الصحفيون أنفسهم تمويل الجوائز هى تقليد جديد لا سابقة له.

وبابتسامة عريضة قال رئيس الوزراء: عموما دعنا نتطلع الآن إلى المستقبل، فلكى تستمر هذه الجوائز وتصبح أكبر وأكبر، ولكى يكون شكرى لك عمليا، فإننى كلفت المستشار القانونى لمجلس الوزراء بأن يضع تصورا تنظيميا يسمح للحكومة بأن تساهم فى تلك الجوائز بمائة ألف جنيه سنويا و..

كانت مفاجأة، وهى مفاجأة من العيار الثقيل أربكتنى بالكامل بما جعلنى للحظات أبحث عن كلمات أرد بها، ويبدو أن تعبيرات وجهى فضحت شعورى بـ«الخضة».. لأن رئيس الوزراء استرسل قائلاً: لا.. لا.. لن تكون مساهمة الحكومة لسنة واحدة فأنا سمعت فى الاحتفال أنكم تسعون لاستمرارها سنويا، لذلك فعن نفسى أتكلم عن التزام لخمس سنوات يمتد إلى من يخلفنى كرئيس للوزراء، وبعدها.. إنت وشطارتك.

قلت له: الحقيقة إن العقدة ليست هنا.. فهذا التقليد الذى شهدته وأثار لديك كل هذه المشاعر الجميلة أساسه هو أنه ليوم واحد فى السنة يجىء كبار الصحفيين من بيوتهم ليحتفلوا معا بصحفيين فائزين بجوائز جرى تمويلها بالكامل من الصحفيين، وإذا كنت أنا قد ساهمت بالفكرة وبالتنظيم إلا أن قيمة الجوائز هى بقيمة من آمنوا بالفكرة وساهموا فى نجاحها.. بالمال أو بالجهد أو بكليهما معا.

للحظة أو لحظات بدا أننا على موجتين منفصلتين.. رئيس الوزراء وأنا، لكن شعورى بالامتنان لاهتمام الرجل كان يجب أن يتساوى مع التعبير بوضوح عن جوهر هذه المسابقة وجوائزها.. فهو يتساءل مستغربا تماما من أن نكون فى حالة استغناء وتعفف عن هذا المستوى الحكومى من التجاوب والتفاعل.
وقلت له من قبيل الدعابة تخفيفا للنقاش: سيادتك أكيد تعرف المثل الشعبى.. يا نحلة لا تقرصينى، ولا أنا أنتظر منك عسلا.
مال رئيس الوزراء بكل جسمه قليلا إلى الخلف وضحكته المجلجلة تملأ المكان مستغربا: للدرجة دى؟!

قلت له : يا سعادة رئيس الوزراء.. لعلك تتذكر أننى فى كلمتى التى ألقيتها فى الاحتفال قلت تحديدا إن هذه المسابقة «سوف تستمر مهنية تماما، ومستقلة حتى عن نقابة الصحفيين ذاتها وعن أى مؤسسة منفردة لأن هذا يضيف إلى مصداقيتها وقوتها». أنا حرصت على توضيح ذلك من البداية أمام كل الصحفيين الحاضرين، وفى وجودك مع رئيس مجلس الشعب والوزراء ورؤساء الصحف القومية والحزبية، وفى كل التغطيات الإعلامية وما نقلته وكالات الأنباء عن الاحتفال فى الأيام الماضية كان أهم ما ركز عليه الجميع هو استقلالية المسابقة فى تمويلها وتنظيمها وتحكيمها.

تدافعت الأفكار فى عقلى وفى كلماتى حتى أوضح أننى من البداية ليس لى أى سلطة على المساهمين من كبار الصحفيين تتجاوز مصداقيتى بينهم، كل واحد من هؤلاء، وبخبرته بالمهنة وبالعاملين فيها لأكثر من ثلاثين وأربعين سنة يستطيع من منزله أن يشم رائحة النزاهة أو عدمها من أبعد مسافة ممكنة، بغير التأكد مسبقا من النزاهة والمصداقية لن يساهم ولن يغادر منزله ليحضر الاحتفال على نحو ما جرى، حتى من طرأ عليه سفر أو ظرف صحى، كمحمود السعدنى وكامل زهيرى ويوسف إدريس مثلا، حرصوا على نقل تهانيهم للفائزين بصورة أو بأخرى، وبكل اهتمام ومحبة ورعاية.

ثم إن دخول الحكومة، أو حتى المؤسسات الصحفية، سيكون عامل ضغط حقيقى على القائمين بالتحكيم والتقييم بما يخصم من استقلالية الجوائز، وأحد المعانى الجميلة التى سجلها المعلقون على الجوائز هو أنهم شهدوا لأول مرة رئيس حكومة يشارك فى تسليم جوائز لمن انتقدوا حكومته.. هذا لن يكون واردا إذا تحولت المسابقة لتعتمد على مساهمة الحكومة و.. و.. و..

فى النهاية قال لى رئيس الوزراء بكل لطف ومودة: على أى حال لو غيرت رأيك اتصل بى، وسأظل عند وعدى طالما بقيت رئيسا للحكومة.. و(بابتسامة عريضة) أنت فى هذه المقابلة وفرت لى مادة لحكاية ربما سأضعها فى مذكراتى.. حكاية حكومة تعرض نصف مليون جنيه وصحفيين يعتذرون عن عدم قبولها، تفتكر.. حد حا يصدق؟
قلت له مع انصرافى: أنا سأصدق، زملائى ومن سأحكى لهم سيصدقون.. على الأقل هذه أول مرة يتذكر فيها رئيس حكومة الصحفيين بالخير.

ربما من باب الاطمئنان إلى صحة موقفى، أو على الأقل الاستئناس بمشورة إضافية، كانت أول مكالمة تليفونية أجريها بعد وصولى إلى البيت هى مع أحمد بهاء الدين، وفى اللحظات الأولى بدا بهاء كما لو كان يسترجع مرة بعد مرة ما حكيته له فى التو واللحظة قائلا لى: أعد ما ذكرته مرة أخرى.. رئيس الحكومة عرض مائة ألف جنيه للجوائز.. ولخمس سنوات.. وأنت اعتذرت عن عدم القبول؟ والله كمال حسن على عداه العيب، وكشف عن سعة أفق واستنارة لا نعهدها غالبا فى رؤساء الحكومات، وأنا أضم صوتى إليك.. فاستقلالية الجوائز تمويلا وتحكيما وتنظيما هى المكسب الكبير الذى خرجنا به.

وبعد برهة أضاف أحمد بهاء الدين: قبل أن أنسى.. مساهمتى المالية بالألف جنيه فى المسابقة الجديدة جاهزة من الآن.

لم أكن قد غادرت، بعد، توابع المسابقة الأولى، فرئيس مجلس إدارة إحدى المؤسسات الصحفية مثلا اتصل بى معاتبا: هل معقول وأنا أرأس مؤسسة تضم 270 صحفيا فلا تعطون فى المسابقة جوائز لأحد منها بينما مؤسسة أخرى تحصل على ست جوائز؟

وقلت له: من أولها فكرتك عن الجوائز خاطئة، فأنت تتصور أننا كلجنة قلبنا فى كل الصحف والمجلات المصرية لنختار منها الفائزين. هذا غير صحيح، نحن فتحنا باب التقديم لمن يرغب من الصحفيين والصحفيات، ولجان التقييم مارست مهمتها للاختيار من بين من تقدموا، المشكلة أن الإدارة فى مؤسستك استلمت إعلان المسابقة لكنها حجبته عن الصحفيين، ومن هنا لم يتقدم أحد من مؤسستك أصلا وتنبهوا فقط بعد انتهاء موعد التقدم للمسابقة.

لكن سوء الفهم لم يكن فقط من داخل المهنة، كان من خارجها أيضا. فزميلة عزيزة وصحفية نشيطة هى فى حينها المحررة الأولى للشئون الدبلوماسية قى صحيفتها اتصلت بى لتداعبنى بكلمات فاجأتنى بما هو أغرب: إن السفارة الأمريكية فى القاهرة تشعر بالاستياء من تعبير بعض الجوائز عن موقف سياسى معاد لأمريكا.

معاد لأمريكا؟ كده.. خبط لزق؟ نعم، هكذا قال لها المستشار الإعلامى للسفارة الأمريكية بالقاهرة، وهى رفضت بشدة ذلك الانطباع من جانبه، وعرضت أن نتقابل نحن الثلاثة على الغداء.

مع الغداء زاد المستشار الأمريكى فى الشرح والتفسير، فأحد الأعمال الفائزة بالجائزة الأولى مقال تحليلى نشره عبد القادر شهيب فى جريدة «الشعب» التى كان يصدرها حزب العمل المعارض، والمقال عن أخطار المساعدات الأجنبية مع التركيز أساسا على المعونة الأمريكية لمصر معتمدا على أرقام ووقائع تؤكد فى النهاية أنها ليست لوجه الله.
وسألت المستشار الأمريكى: ماذا يزعجك فى ذلك المقال؟


أجاب: أولا.. دوافعه أيديولوجية، وثانيا.. أرقام عديدة ذكرها.. إما غير صحيحة أو غير دقيقة.
قلت له: دعنا ننحى مسألة الدوافع جانبا لأنك ناقص تقول لى إن الكاتب شيوعى، دعنا نتحدث بشكل مهنى، فإذا كانت بالمقال أرقام وبيانات غير صحيحة.. فلماذا لم ترسل ردا وتصحيحا إلى الجريدة التى نشرت المقال؟

رد بكل ثقة: الجريدة لم تكن ستنشر أى رد.. فموقفها العام من مجمل السياسات الأمريكية غير ودى.
قلت له : بصرف النظر عن موقف الجريدة السياسى، فإن القانون يلزمها بنشر الرد والتصحيح، وإذا سايرتك جدلا فى افتراضك بأن الجريدة لم تكن لتنشر ردك.. فمن حقك أن ترسل إلينا فى نقابة الصحفيين صورة من الرد المرفوض نشره ونحن سنطبق القانون، هذا أفضل كثيرا من أن تجلس فى مكتبك وتصدر الأحكام الغيابية أو تستسهل التفسيرات الأيديولوجية.

ويومها انتهى الغداء بغير أن يبدو أن الرجل اقتنع.. ولا أنا أيضا قبلت بمنطقه، وفيما بعد أصبح الزميل عبد القادر شهيب رئيسا لتحرير مجلة «المصور» ورئيسا لمجلس إدارة دار الهلال.. بغير أن يعرف بتلك الواقعة لسنوات وسنوات، لكننى بالطبع كنت سأحكيها له لو تقدمت أمريكا بشكوى ضده إلى مجلس الأمن الدولى.

صحفيون بكبرياء وحكومة بأنغام الموسيقى


محمود عوض
لو لم أكن طرفا فى تلك المناقشة «العبثية» مع مدير مكتب رئيس الوزراء لما صدقت أن مشاعر البيروقراطية الحكومية نحو الصحافة والصحفيين مشوهة بهذا القدر، هو لا يشترط لحضور رئيس الوزراء كشفا بثلاثمائة صحفى فقط، وبأسمائهم الثلاثية وعناوينهم، وبأسبوعين على الأقل قبل أن نحدد موعد الاحتفال، يريد أيضا حجز خمس موائد فى الاحتفال (يعنى خمسين مقعدا) تحت عنوان «تأمين» رئيس الوزراء، تأمينه ممن؟ من صحفيين يحتفلون لأول مرة بمسابقة مهنية تحفز الصحافة المصرية نحو الأفضل؟ وعلى حسابهم؟

وقلت لمدير مكتب رئيس الوزراء: موعد الاحتفال قررناه فعلا ليكون فى الرابع من يوليو (1985)، ومن قبيل حسن الاستضافة وليس «التأمين» سنخصص لمرافقى رئيس الوزراء مائدة واحدة بعشرة مقاعد، وحضور رئيس الوزراء سيضيف إليه قبل أن يضيف إلى الصحفيين، وليس عندى كشوف بأى أسماء ثلاثية أو غير ثلاثية، وأمامنا يومان فقط قبل أن نطبع الدعوات، فإذا لم تتصل بى قبلها سأعلن فى الاحتفال أننا دعونا رئيس الوزراء وهو لم يستجب.

فى عودتى إلى البيت شعرت بالحيرة، هل كان خطأ من الأصل التفكير فى دعوة الحكومة؟ وأن نتوسع فى الاحتفال على هذا النحو؟ مالها حفلة شاى بسيطة لتسليم الجوائز وكفى الله المؤمنين شر القتال؟ ومن يريد الحكومة، عليه أن يذهب إليها لأنها لن تذهب إليه، إذن.. بلاها الحكومة.

فى المساء كان يزورنى الصديق الرسام مصطفى حسين ليسلمنى تصميمه لشهادة التقدير التى سيتسلمها الفائزون، حاملة شعار الكاتب المصرى، الرسم بديع والألوان رائقة بما عهدته دائما من مصطفى حسين، وبينما نتبادل الحديث دق جرس التليفون بجوارى لأجد المتحدث من الطرف الآخر مدير مكتب رئيس الوزراء، فى هذه المرة تختلف اللهجة بالكامل عن لهجة الصباح: يا أستاذ محمود.. السيد رئيس الوزراء يخطرك بترحيبه بالدعوة وسيحضر فى الموعد المحدد، فقط أريد أن أعرف منك كم من الوقت سيبقى رئيس الوزراء فى الاحتفال حتى ننسق جدول مواعيده، هل تكفيكم ساعة زمن؟
نعم، تكفينا.

حكيت لمصطفى حسين خلفيات المكالمة فاستغرب هو الآخر قائلا بسخرية: يبدو أن ملف الصحافة والصحفيين عند الحكومة مهبب، ولا تستبعد أن يكون بعض الصحفيين أنفسهم سببا فى هذا الهباب.

هذا ذكرنى بحكاية كان قد رواها لى أحمد بهاء الدين فى سياق آخر، فذات يوم جمعت إحدى المناسبات بين ممدوح سالم رئيس الوزراء فى حينها وأحمد بهاء الدين صاحب الرصيد الكبير فى المهنة وفوق ذلك نقيب سابق للصحفيين ورئيس تحرير سابق لجريدة «الأهرام»، وباعتبار أن ممدوح سالم ضابط شرطة أساسا ووزير سابق للداخلية قبل أن يصبح رئيسا للوزراء، فقد قال له بهاء مداعبا ومتسائلا: لماذا تعتمد وزارة الداخلية فى معلوماتها عن الصحافة والمجتمع الصحفى على صحفيين درجة عاشرة.. وغالبا متخلفين مهنيا؟

يومها رد عليه ممدوح سالم بكلمات تبدو مفحمة: إيدى على إيدك.. هات لى واحد ابن ناس وتخرج بتفوق فى جامعته واشتغل بالصحافة معتمدا على كفاءته.. وقل لى بذمتك.. هل يقبل هذا الموهوب أن يصبح «ناضورجى» لحساب الأمن داخل المهنة الصحفية؟!

بالعودة إلى المهنة كان إعلان نتائج المسابقة مدويا لأنه أكد عمليا للمجتمع الصحفى كله استقلالية المسابقة ونزاهتها ومسئولية أعضاء لجان التقييم عن كل خطوة فيها، لكن الفائزين اشتكوا من نقيصة غير متوقعة، فإذا كان عدد الفائزين 25 صحفيا وصحفية من صحف عديدة قومية وحزبية، إلا أن كل جريدة اكتفت بنشر أسماء وصور الفائزين منها فقط دون الآخرين، ووجدت أن هذا يتنافى مع روح المسابقة ذاتها، لأننى أؤمن بأن هذه مهنة صحفية وليست قبائل صحفية.

واتصلت بعدد من رؤساء التحرير أرجوهم نشر أسماء وصور الفائزين جميعا بمن فيهم المنتمون إلى صحف أخرى، وفعلا استجاب بعضهم وأعاد نشر أسماء وصور جميع الفائزين.. ربما لأن صحفا عربية عديدة نشرت نتائج «جوائز الصحافة المصرية» بالكامل بعد أن نقلتها إليهم وكالات الأنباء.

لكن الأهم من فرحة الفائزين كان رد الفعل فى المجتمع الصحفى ذاته، كثيرون ركزوا على نزاهتها واستقلاليتها لكننى سأكتفى هنا ببعض ما كتبه حافظ محمود نقيب الصحفيين سابقا لعدة مرات فى مقال بجريدة «الجمهورية» بعنوان «قصة الجوائز الصحفية»، زمان.. قبل الثورة.. قدم إدجار جلاد (باشا) صاحب جريدتى «الزمان» و«جورنال ديجيبت» جائزة من عنده أسماها «جائزة مولانا جلالة الملك فاروق الأول» تمنح لصحفى واحد من المتقدمين.

لكن السياق فى ذلك الوقت كان مختلفا بالكامل، وهذا ما شرحه حافظ محمود فى مقاله المطول مستهلا له بقوله: تحتفل نقابة الصحفيين يوم الخميس المقبل بتوزيع الجوائز المالية على الفائزين من شباب الصحافة فى المسابقة التى أخذت فيها لجنة الحريات فى النقابة بزمام المبادرة.. وهى مناسبة تستحق الاحتفال فعلا لأنها مسألة لا تتصل بنهضة أسرتنا الصحفية فقط، بل لسبب اجتماعى أقوى من هذا بكثير جدا وإن لم يلتفت إليه أحد من قبل.

«فأنت إذا قلبت النظر بين كل الفئات المهنية وغير المهنية لا تكاد تجد فئة لم تطرق فكرة الجوائز بابها فى هذا العصر.. إلا فئة الصحفيين الذين يروجون لجوائز كل الفئات الأخرى، لهذا فإننى كأب لجيل الصحفيين الجدد أرى من واجبى أن أقدم التهنئة للجنة الحريات بنقابة الصحفيين التى قامت بتنفيذ هذا المشروع، وأنوه بكل الكبرياء بأن هذه اللجنة لم تعتمد فى تمويل هذا المشروع إلا على الصحفيين أنفسهم».

والسطر الأخير تحديدا من كلمات حافظ محمود كان هو الذى ركزت عليه وكالات الأنباء والصحف العربية التى أبرزت نتائج المسابقة وفكرتها.. مكررة فى كل مرة أن هذه المسابقة الإيجابية غير المسبوقة لا تعنى الصحافة المصرية فقط وإنما أيضا الصحافة العربية بمجموعها.

واتصل بى عديدون يرجون دعوتهم لحضور الاحتفال وفى المقدمة منهم الدكتور رفعت المحجوب رئيس مجلس الشعب فى حينها، مداعبا لى بقوله إنه يستحق تلك الدعوة بصفته كان أحد أساتذتى بالجامعة. أنت تشرفنا يا دكتور رفعت وأرجوك تعتبر من الآن أن الدعوة وصلتك ونحن فى انتظارك.

وشىء آخر: اتصل بى الصديق محمد عبد الحميد رضوان، وزير الثقافة فى حينها، ليداعبنى متسائلا: هل صحيح الجوائز الجديدة يمولها الصحفيون أنفسهم؟ نعم.. صحيح، والله حاجة مشرفة يا ريتنى صحفى علشان أساهم فيها.
قلت له وقد طرأت على بالى فكرة: من غير ما تكون صحفى.. تستطيع المساهمة بشىء آخر.. فبصفتك وزير الثقافة ابعث لنا بفرقة الموسيقى العربية لتعزف بعض الموشحات، ولو لساعة زمن، فتضيف إلى الاحتفال لمسة فنية، تمام، لك منى ذلك.

وشىء ثالث أيضا، فقد اتصل بى وزير الإعلام الأردنى محمد الخطيب وقتها، لكن من غير معرفة سابقة، هو يرجو دعوته لحضور الاحتفال ولو بصفته صحفيا سابقا، لكن أيضا باعتباره وزيرا للإعلام فهو يرجونى تعريفه بفكرة المسابقة وقواعدها لأنه يطمح فى الدعوة لإقامة مسابقة مماثلة فى الصحافة الأردنية، وفى كلمتى فى الاحتفال نوهت بحضوره معنا وتفاعله الكبير مع تلك المسابقة الأولى، وتاليا نشرت له عدة صحف تصريحات قال فيها: «لقد طلبت من مقرر جوائز الصحافة المصرية حضور ذلك الاحتفال لأننى حسدت الصحافة المصرية على هذا العيد، إن مصر رائدة دائما وسوف نسعى لإقامة عيد مماثل للصحافة الأردنية».

لكن الوصول إلى ليلة الاحتفال لم يكن هو الآخر سهلا، وقد ازدادت الصعوبة على ضوء جلستى الأولى مع مدير مكتب رئيس الوزراء قبل أن تتغير لهجته تماما فى مساء نفس اليوم، وهكذا اجتمعت مع زملائى فى «لجنة الحريات»، شرحت لهم توجسات الحكومة، وأنه لذلك فعليهم أنفسهم ضمان حسن تنظيم الاحتفال، هكذا تطوع لتلك المهمة زملاء عديدون فى مقدمتهم (الراحل) مجدى مهنا وعاصم القرش ومحمد حسن البنا ونصر القفاص ونوال مصطفى وخالد جبر وآخرون، أصبح عليهم استقبال الضيوف وإرشادهم إلى مقاعدهم مع أن بعضهم تقدم بأعمال صحفية إلى المسابقة ولم يقدر لهم الفوز، وقلت لهم: إن ما يعنينى بالدرجة الأولى، وقبل الاحتفال بالفائزين، هو الاحتفاء بالمساهمين من كبار الكتاب والصحفيين.. فإذا كانت قد فرقت بينهم السياسة.. فإننى أريد فى تلك الليلة أن تجمع بينهم المهنة.

فى النهاية أصبح برنامج الاحتفال من شقين، هناك ثلاث كلمات من أحمد بهاء الدين رئيس اللجنة العامة وإبراهيم نافع نقيب الصحفيين وأنا كمقرر للمشروع، وفى مداولاتنا اتفقنا على ألا تتجاوز كل كلمة خمس دقائق، بعدها كلمة رئيس الوزراء، ثم إعلان أسماء الفائزين ليسلم كل منهم الشهادة التقديرية وشيكا بقيمة الجائزة موقعا من أحمد بهاء الدين ومنى، حيث الجائزة الأولى فى كل فرع 1500 جنيه ثم ثانية وثالثة ليصل المجموع إلى 18 ألف جنيه.
أما الجزء الثانى من الاحتفال فكان تناول العشاء ثم الاستماع إلى موشحات غنائية أعيد توزيعها وتقوم بعزفها وغنائها فرقة الموسيقى العربية بقيادة المايسترو يسرى قطر.

جاء رئيس الحكومة إذن وفى معيته نصف دستة من الوزراء، وجاء كبار الكتاب جميعا، ورئيس مجلس الشعب ووزير الإعلام الأردنى وسفراء عرب وأجانب ومراسلو صحف عربية وممثلو خمس وكالات أنباء أجنبية. كلهم جاؤوا يشهدون ما أسماه عبد السلام داود فى عاموده بجريدة الأخبار بـ«عيد الصحافة المصرية».. أو بتعبير جريدة «الأنباء» الكويتية بعد يومين: «لأول مرة فى العالم العربى: الصحفيون المصريون يقررون جوائزهم ويستضيفون الحكومة».

فى تلك الليلة كانت الصحافة هى البطل، وكان رئيس الحكومة ودودا للغاية فى كلمته، خصوصا أن بعض الأعمال الفائزة تنتقد أداء حكومته. لكن هذا لم يمنعنى من أن أتوجه إليه فى إحدى النقاط لأقول له إن الساعة بلغت التاسعة والنصف، وبذلك تنتهى عهدتى.
سألنى مستغربا: أى عهدة؟
قلت له: مكتبك اشترط علىّ مسبقا ألا تتجاوز فترة حضورك معنا ساعة زمن.. الآن مضت الساعة.

رد كمال حسن علىّ بابتسامة عريضة: لماذا تريد أن تحرمنى من متابعة هذا الاحتفال المتحضر.. أنا سأنصرف فقط قبيل موعد العشاء.. ولولا ارتباط سابق لكنت بقيت معكم الاحتفال كله.

بعدها بيومين تلقيت اتصالا من مكتب كمال حسن على: رئيس الوزراء يريد استقبالك فى مكتبه ظهر الأربعاء.. هل يناسبك الموعد؟
ماذا جرى؟ اللهجة غير اللهجة ورئيس الحكومة هو الذى يطلب والمتحدث يريد منى تأكيدا بالحضور.. و.. و..
فى مكتب رئيس الوزراء وجدت فى انتظارى ومنه هو شخصيا مفاجأة من العيار الثقيل.

حتى بفلوسنا للحكومة شروط


محمود عوض
لم تكن «جوائز الصحافة المصرية».. باعتبارها أول مسابقة مهنية يقوم بتمويلها وتنظيمها الصحفيون أنفسهم.. صادرة من فراغ. فى الواقع سبقتها سلسلة ندوات مفتوحة اقترحتها، لبحث «حرية الصحافة فى مصر». وتعبير «ندوات مفتوحة» هنا، لم يكن فى حينها سهلا بالمرة. فحينما عرضت الفكرة لأول مرة، وجدت زملاء فى مجلس نقابة الصحفيين يصرون من البداية على أن تكون الندوات مغلقة، يحضرها صحفيون محدودو العدد والأسماء مسبقا.

وحينما رأونى مصرا على الندوات المفتوحة أجابونى بقولهم: نحن نشفق عليك.. فالسائد فى النقابة فى حينها غالبا، هو أنه لا يجتمع عشرة صحفيين، إلا ويظهر على الفور صحفى آخر ممن أسميهم «جرحى المهنة» يقوم بحسن أو سوء نية بإفساد الاجتماع.

وحينما فاتحت مصطفى أمين ليكون ضيف الندوة الأولى، فاجأنى هو أيضا بتردده فى القبول، وإن كان لسبب مختلف تماما. قال لى مصطفى أمين: وهل ترضى لى بأن يصرخ فى وجهى من يسلطه الشيوعيون، ليقوم بالشوشرة على انتقاداتى المعروفة لأوضاع الصحافة السائدة فى مصر الآن؟

وقلت له: إنك ستكون ضيفى أولا قبل نقابة الصحفيين. وأيا كانت الآراء التى ستقولها، أو المناقشات التى ستجرى، فإننى أضمن لك مستواها المهنى وموضوعيتها الكاملة.

وبالطبع لم يكن لدى ذلك النوع من السلطة الذى يتيح مثل ذلك الضمان المفتوح. سلطتى مستمدة فقط من حماس وإيمان الصحفيين أنفسهم، بضرورة الارتفاع بمستوى مهنتهم، ورغبتهم فى المناقشة المفتوحة مع أساتذة لهم فى المهنة، لم يعودوا يلتقون بهم إلا على صفحات الصحف.

فى الندوة الأولى كان المتحدث هو مصطفى أمين. وفى الثانية أحمد بهاء الدين. وفى الثالثة صلاح حافظ، وصلاح منتصر. وفى الرابعة رؤساء تحرير الصحف الحزبية فى حينها. وفى كل الحالات كان ما أسعى إليه، هو طرح قضية حرية الصحافة من وجهة نظر من هم على يمين الأمر الواقع، ومن هم على يساره. وكما نشرت صحف مصرية وعربية عديدة وقتها، فإن متوسط الحضور من الصحفيين تراوح بين ألف و1200 صحفى، وهو تطور غير مسبوق فى تاريخ نقابة الصحفيين المصريين. وفى كل مرة كان يجرى طرح القضايا والآراء والانتقادات والمناقشات بكل حرية وموضوعية.. وفى الهواء الطلق. والأكثر أهمية أن الإقبال فى الحضور والمشاركة، كان من الصحفيين المهنيين الذين اعتادوا سابقا العزوف عن كل ما فيه نقابة.

من تلك التجربة اخترت عددا من الزملاء، أعتمد عليهم فى تحويل مشروع «جوائز الصحافة المصرية» إلى واقع جديد وغير مسبوق فى الخريطة الصحفية المصرية. وقد أشرت سابقا إلى شعور أحمد بهاء الدين بالمفاجأة، وهو يقرأ فى بيتى مساهمات مكتوبة من كبار وشباب الصحفيين، بلغت 18 ألف جنيه.

ولتوضيح أهمية هذا الرقم، أتذكر أن الميزانية السنوية لنقابة الصحفيين كانت تعانى من عجز مزمن، رغم المعونة السنوية التى تساهم بها الحكومة. وفى أول ميزانية قرأتها بعد عضويتى لمجلس النقابة، كان العجز يتجاوز 59 ألف جنيه.

واكتشفت أن هناك شكوى متكررة سنويا من مكرم جاد الكريم الزميل المصور بجريدة «الأخبار»، وهو الذى انفرد (مع رشاد القوصى) بأبرز صور اغتيال أنور السادات فى أكتوبر 1981، وتناقلتها عنه فى حينها وكالات الأنباء الأجنبية. لكن هذا المصور المتميز، كان يهمه أساسا أن يتم تكريمه داخل مهنته الصحفية هنا فى مصر، وقد تلقى وعدا مكتوبا من نقيب الصحفيين وقتها، ومن مجلس النقابة بجائزة مالية قدرها ألف جنيه.

مع ذلك لم يتم تنفيذ ذلك الوعد، لأن النقابة سنة بعد سنة بعد سنة، لم يكن لديها تلك الألف جنيه لتكافئ بها مصورا موهوبا.

والآن ها هى جوائز حقيقية تقام لأول مرة، ويقوم بتمويلها الصحفيون أنفسهم وقيمتها 18 ألف جنيه، اعتبر أحمد بهاء الدين أنها «أكثر الفلوس حلالا فى بر مصر». كانت الفلوس خطوة أولى لكن الخطوات التالية لم تكن أقل صعوبة. هناك أولا تحديد فروع المسابقة: التحقيق الصحفى.. المقال التحليلى.. الصورة.. الكاريكاتير.. التغطية الرياضية... إلخ. وهناك لجنة تحكيم لكل فرع، حرصناعلى أن يرأسها فى كل حالة زميل مخضرم مشهود له بالنزاهة والموضوعية. زملاء بمستوى: سلامة أحمد سلامة، وحلمى التونى، ومصطفى حسين، وعبد السلام داود، وصلاح الدين حافظ، ومصطفى نبيل، ومحمد العزبى، وصلاح هلال، وممدوح طه، ومحمد يوسف، وناصف سليم و.. و..

وأخيرا هناك اللجنة العامة للجوائز، وتضم أحمد بهاء الدين، وصلاح وحافظ، ومصطفى بهجت بدوى، وإبراهيم نافع كنقيب للصحفيين فى سنته الأولى، ومحمود عوض كمقرر للجنة وصاحب فكرة الجوائز. كل هؤلاء ومن زاد عليهم مساهما فيما بعد، قدموا من وقتهم وجهدهم الكثير كمتطوعين لوجه الله والمهنة الصحفية. وبعد أن حددنا قواعد التقدم للجوائز، تقدم للمسابقة الأولى 226 صحفية وصحفيا. والرقم قد يبدو قليلا، لكن أهميته تصبح أكبر حينما نعرف أن مجموع الأعمال التى تقدم بها هؤلاء بلغ 351 عملا، جرى نشرها بالصحافة المصرية بامتداد سنة.

كانت اللجنة العامة تجتمع فى بيتى مرة بعد مرة، لمراجعة ترشيحات اللجان النوعية للأعمال الفائزة. وبالطبع لهذه اللجنة وبالإجماع أن تقر الترشيحات، أو تعدل فيها، أو تعيد هى نفسها قراءة الأعمال المقدمة من جديد. وكان على اللجنة عبء آخر هو التنسيق بين ترشيحات اللجان النوعية. فما جرى، ولم نتنبأ به، هو أن صحفيين عديدين تقدموا بأعمال عديدة لعدة فروع صحفية. وهنا تصبح المسألة هى: أى الفروع الصحفية تصبح أكثر مناسبة للصحفى المرشح للفوز. مسألة أخرى لم نتنبأ بها.

ففى المسابقة الأولى (عن عام 1984) تقدم الدكتور عبد المنعم سعيد، والسيد زهرة من مركز الدراسات الاستراتيجية بمؤسسة «الأهرام» بأعمال منشورة لهما. وجزء من نقاش اللجنة العامة أصبح هو: هل ما ينتجه مركز دراسات الأهرام أقرب إلى العمل الأكاديمى، أو هو فى صلب المهنة الصحفية؟

اجتماعات اللجنة العامة كانت فى بيتى والمناقشات المستفيضة بيننا، تستمر أحيانا حتى الواحدة صباحا. ويزيد الأمر صعوبة حينما نعرف أن أحمد بهاء الدين مثلا كان يعانى من آلام فى عينيه، وقرر له الأطباء عدسات إضافية كالميكروسكوب، يضعها فوق نظارته الطبية وقت القراءة. وحينما يلح عليه بعضنا أو كلنا بأن يخفف من هذا الجهد المؤلم يصر على الاستمرار قائلا: هذه الجوائز ستصبح مسئوليتنا جميعا. وشهادة التقدير التى سيحصل عليها الصحفى الفائز وعليها توقيعاتنا نحن الخمسة، سيحتفظ بها الفائز طول العمر. فالمسئولية كبيرة رغم أن الصحة بسيطة.

وفى تلك النقطة خطر لى أن أطلب من الصديق الرسام مصطفى حسين تصميما لشهادة التقدير يناسب الفكرة. ورحب تماما بالمهمة، مصمما شهادة تحمل رسما للكاتب المصرى المعروف تاريخيا، فأضاف مصطفى حسين جهدا آخر فوق رئاسته للجنة الكاريكاتير ومساهمته المالية فى الجوائز.

وكما كتب أحمد بهاء الدين فيما بعد: «شرفتنى لجنة الحريات فى نقابة الصحفيين باختيارى رئيسا للجنة التحكيم فى أول مسابقة، تقيمها النقابة لإعطاء جوائز صحفية... كانت مهمة شاقة وممتعة.

فقد قرأنا الكثير من الموضوعات الممتازة. وكانت فرصة لنرى إيجابيات كثيرة للصحافة المصرية ولشبابها، فى وسط إحساسنا وكلامنا الدائم عن عيوبها وسلبياتها. وأستطيع أن أقول باسم اللجنة، إننا تجردنا عن كل الاعتبارات، ما عدا اعتبار التفوق المهنى المحض.

ففاز شباب من كل الصحف، ومن كل الأحزاب، ومن كل الاتجاهات... وعدد كبير من الفائزين فوجئوا أكثر من الجميع، ولم يتصوروا أنه يمكن أن يتبرأ الاختيار من اعتبارات حياتنا المعروفة: رأى السلطة، أو المعرفة الشخصية، أو المجاملة، أو الميل الخاص، أو الشهرة والصيت».

لكن قبل أن نصل إلى تلك النقطة، كان السؤال فى اللجنة هو :كيف سنعلن الجوائز ونحتفل بها؟
قال صلاح حافظ: طالما أننا اتفقنا من البداية على أن الـ18 ألف جنيه تذهب كلها إلى الجوائز.. فلا يبقى سوى أن نقيم حفل شاى بسيطا بمبنى النقابة، ندعوا فيه الفائزين لاستلام جوائزهم.

وقلت له مداعبا: يا صلاح كل صحفى فائز يهمه إعلان فوزه أمام أكبر عدد من الناس وليس مجرد مهنته.. ولولا قصور إمكانياتنا لكنت فكرت فى حفل عشاء كبير وتليفزيون يصور.. و..
قاطعنى مصطفى بهجت بدوى: لن يجىء التليفزيون إلا إذا جاءت الحكومة.

تدخل النقيب إبراهيم نافع: إذن نعزم الحكومة ونعمل العشاء، ويكون فى فندق خمس نجوم، لكى يليق بهذه المسابقة الأولى من نوعها فى العالم العربى كله. وسكت قليلا قبل أن يضيف: وبصفتى رئيسا للأهرام، سأرفع عنكم هذا الهم، وستتحمل الأهرام تكاليف الاحتفال..
بعد تلك البشرى من إبراهيم نافع فى سنته الأولى كنقيب للصحفيين بقى السؤال: من يدعو؟ ومن يدعى؟

فى أوراق ذلك الاجتماع تحديدا، وقعنا على بندين: دعوة رئيس الوزراء كمال حسن على وقتها، يقوم بها إبراهيم نافع.. ودعوة كبار الكتاب، يقوم بها محمود عوض.

بعدها بيومين اتصل بى إبراهيم نافع ليخبرنى بكلمات غاضبة، بأنه أنهى لتوه مكالمة تليفونية مع مدير مكتب رئيس الوزراء بعد مناقشة حادة وهذا هو رقم تليفونه.. تفضل أنت وتصرف.

لم أعرف كيف أتصرف، فلم أكن أعرف رئيس الوزراء ولا مدير مكتبه. لكننى بعد أن فكرت فى المشوار الطويل الذى قطعته الجوائز، وكل ذلك الجهد، اتصلت بمدير مكتب رئيس الوزراء.
فى جلستنا بمكتبه وجدته يسترسل فى حكاية ورواية مكالمته الغاضبة مع نقيب الصحفيين. وقلت له: دعنا نبدأ من جلستنا هذه. نحن نريد دعوة رئيس الوزراء لحضور احتفالنا بجوائز، نحن الذين ساهمنا بها بغير حكومة ولا نقابة ولا مؤسسات. ما طلباتك؟
قال بكلمات حادة: كم عدد الصحفيين المدعوين؟
قلت له: المساهمون والفائزون والآخرون.. بالإجمال نحو ثلاثمائة صحفى.
قال مدير مكتب رئيس الوزراء: أولا.. أريد كشفا مكتوبا بأسمائهم جميعا وبالاسم الثلاثى لكل منهم وعنوان إقامته.

انعقد لسانى من الدهشة والاستغراب والمفاجأة: الاسم الثلاثى؟ لماذا؟ أنا لا أعرف حتى الاسم الثلاثى لجارى فى المسكن من عشرين سنة.. ما هى فكرتكم بالضبط عن الصحفيين؟ هل هم من غرائب الطبيعة والمخلوقات؟
رد الرجل بكل اطمئنان: انت بتقول فيها؟
الآن جاء دورى فى الغضب، فقلت له: هذه أول مرة نعزم فيها الحكومة، وعلى حسابنا، وكمان تفاجئنا بمثل هذا الطلب الغريب؟
رد جازما: هذا شرط أولى.. إنما هناك أيضا شروط أخرى.

من حـال الصحافـة والصحفيين

محمود عوض
هى فكرة. فى واقع الصحافة المصرية كان القلق مما يجرى متزايدا. هناك تآكل فى المدارس الصحفية. ولم يعد الصحفى الأجود مهنيا فى المقدمة. وفى أحيان عديدة أصبح انشغال الصحف ببعضها البعض أكثر من انشغالها بقضايا الناس. ومع ضغوط الحياة أصبح صحفيون واعدون يهاجرون مؤقتا إلى الصحافة العربية فى الخليج وغير الخليج. ومن يعد منهم بعد سنوات، يكتشف أنه ربما كسب مالا لكنه خسر عمرا، ومهنة، ومستقبلا. واستجد فى الداخل إغراء الخلط بين الصحافة والإعلان، وهو ما يعتبره الضمير الصحفى فى طليعة المحرمات الكبرى التى يعنى انتهاكها نسف مصداقية الصحافة والصحفيين معا.

هل يمكن فى هذا المناخ السائد أن تسترد الصحافة المصرية معايير مهنية فى الأداء، تصبح نموذجا يحتذيه الآخرون؟ هل يمكن إتاحة شعاع من الضوء يهدى الصحفيين نحو مستقبل أفضل؟ هل يمكن أن نستلهم عناصر القوة القليلة الباقية فى صحافتنا، وهى التى نشهد تراجعها، فى مواجهة ضغوط ومصالح ضارية متصاعدة؟ وهل يتحقق هذا الأمل إلا بالعودة إلى استنهاض أهم تلك العناصر فى المهنة الصحفية، وهم الصحفيون أنفسهم؟ أتحدث هنا عن تجربة ذاتية فى أحد جوانبها.. لكنها موضوعية فى نهاية المطاف.
هى فكرة.

أتحدث عن يوم وجدت نفسى فيه منتخبا من جموع الصحفيين المصريين عضوا فى مجلس نقابتهم، بغير أن أكون قد فكرت سابقا فى مثل هذا التوجه. أتحدث عن سنة 1984، وكنت فى ذروة صراع تصديت فيه لأحد أبرز جوانب الفساد والانحراف فى سلطة الإدارة، فاخترت اللجوء إلى القضاء ثقة فى القانون والعدالة من ناحية.. ولأننى لم أرغب فى الهبوط بمستوى الصدام إلى تمزيق متبادل للثياب يستنزف الجهد والطاقة، بعيدا عن صلب الموضوع، بمثل ما رأيته يحدث سابقا لزملاء موهوبين آخرين، جرى سحق موهبتهم مبكرا.. وبلا رحمة.. ليتحولوا إلى أشلاء.

ربما توسم صحفيون عديدون، معظمهم موهوبون، أن إقناعى بدخول مجلس نقابة الصحفيين، قد يعطيهم أملا فى حماية أكبر لمواهبهم ولمستقبلهم. لم أكن انتخابيا بطبعى.لكنهم بشرونى بأن كل ما يطلبونه منى هو التوقيع على استمارة الترشيح للانتخابات وهم كفيلون بالباقى. لم أصدر أى بيان انتخابى. لم أطلق أى وعود. لم أقم بأى جولة فى أى مؤسسة صحفية. لكنهم شكلوا من أنفسهم لجانا تقوم بكل ذلك نيابة عنى. ومن تلك اللحظة بدأت أخوض التجربة كما لو كنت أشاهد فيلما سينمائيا تفاجئنى مشاهده. وجاء المشهد الأخير بفرز أصوات الناخبين بما جعلنى عضوا فى مجلس نقابة الصحفيين مع أحد عشر زميلا آخر. وفى أول اجتماع للمجلس الجديد، جرى توزيع مسئولية الأعضاء على لجان العمل النقابى.. كلجنة الإسكان ولجنة العلاقات الخارجية ولجنة النشاط.. و.. و.. بقيت لجنة الحريات. عندها قال النقيب وبعض الأعضاء: لنترك رئاسة تلك اللجنة لمحمود عوض.

لم أعرف لحظتها.. هل النقيب يعطينى جائزة.. أو برميل بارود. لا تهم الإجابة هنا. المهم أنه بعد انتهاء الفيلم كله جلست أفكر: ماذا سأفعل مع الذين أعطونى ثقتهم على بياض، ودفعونى إلى عضوية مجلس نقابة الصحفيين من خلال صندوق الانتخاب؟ إن مدة العضوية أربع سنوات. وبالتأكيد هناك سؤال مشروع قد يطرحه على زملاء صحفيون من الآن فصاعدا، خلاصته: ماذا فعلت بأصواتنا؟ ماذا فعلت لنا؟ لم أكن بالطبيعة أصلح للوساطة فى أى شىء من نوع الوساطة للحصول على تليفون أو سيارة أو شقة، وكل تلك الأشياء التى قد يتوقعها البعض خدمات نقابية. لكن السؤال يظل مشروعا، وإجابتى عنه يجب أن تكون جاهزة ومقنعة. وفى النهاية اخترت أن تكون إجابتى هى فى صلب المهنة الصحفية وليس فى قشورها. كان اختيارى هو: إقامة أول مسابقة سنوية تكافئ المتميزين والمتفوقين مهنيا فى الصحافة المصرية.
هى فكرة.

لكن حتى الأفكار تحتاج إلى أجنحة لكى تحلق. وفى حالتنا هذه يصبح المال مطلوبا بشدة. فإذا كنت أفكر فى مسابقة سنوية لاختيار أفضل الأعمال المنشورة من حيث الأداء المهنى، فإن الصحفى الفائز يريد جائزة تتجاوز مجرد أن أقول له: أحسنت. وحديث المال هنا يبدأ من حقيقة مفزعة، عرفتها فى أول اجتماع لمجلس النقابة للتصديق على ميزانية سنة سابقة. فى الميزانية إعانة سنوية تتلقاها النقابة من الحكومة لتسديد المعاشات وتغطية خدمات أخرى، لا تكفى اشتراكات الأعضاء لتغطيتها. لم أكن أريد أيضا اللجوء إلى المؤسسات الصحفية لتمويل الجوائز لأن هذا يجعل الجوائز أسيرة للمصالح السائدة.. وهى فى معظمها مصالح صنعت الواقع الذى جعل الصحفى نفسه أرخص ما فى المهنة، بدل أن يكون أغلاها.

وقلت لزملائى: إننى أفكر فى أن تعبر هذه الفكرة عن مسابقة مهنية حقيقية . مسابقة مستقلة ومنزهة عن الهوى والغرض والسياسة. وأول ما تعنيه استقلالية المسابقة، هو استقلالية تمويلها. سوف أسعى لإقناع كبار الصحفيين بأن يكونوا هم أنفسهم ممولى هذه الجوائز السنوية، وبأن تكون لجان التحكيم وترشيح الأعمال الفائزة من صحفيين مخضرمين لهم رصيد حقيقى داخل المهنة، من حيث موضوعيتهم ومصداقيتهم ونقاء ضميرهم.
وقال لى بعض الزملاء: لكن كبار الصحفيين هؤلاء، عازفون عن النقابة. هم لا تلزمهم النقابة أصلا.
قلت لهم: هم لا تلزمهم النقابة. صحيح. لكن هم لازمون للنقابة. وهذا سيكون هو التغيير.

هى فكرة. لكن الأفكار مهما كانت جاذبيتها ترتبط بواقع. وفى الواقع كانت مفاجأتى كبيرة، حينما جلست مع أحد شيوخ المهنة لإقناعه بالمساهمة، لكنه بادرنى بالتساؤل معترضا: هل الصحافة بأوضاعها الراهنة تستحق أن نقدم لها جوائز؟ فليقوموا أولا بإصلاح الصحافة قبل أن نقوم نحن بعمل جوائز لها. أجبته قائلا: ولماذا لا نبدأ نحن بإعطاء النموذج؟ لماذا لا نعطى أملا للصحفيين الموهوبين، وهم بالطبيعة أقلية فيشدون إليهم الآخرين.. وهم أغلبية ؟ لم أنتظر إجابة. لكننى انتقلت إلى آخر من شيوخ المهنة.. وآخر.. وآخر.
فى حوارى مع أحمد بهاء الدين، وهو الكاتب المخضرم الذى كان له فى حينها عاموده اليومى فى جريدة «الأهرام»، بعد أن كان رئيسا لتحريرها فى مرحلة سابقة، طرحت عليه الفكرة قائلا له: إننى سأبدأ بنفسى مساهما فى هذه الجوائز بألف جنيه.
رد أحمد بهاء الدين على الفور: أنا أيضا سأساهم بألف جنيه.
قلت له: لم أجئ إليك لتساهم ماليا.. جئت لأقنعك برئاسة اللجنة العامة للتحكيم، وهى التى ستتحمل المسئولية عن نتائج المسابقة.
قال بهاء ضاحكا: ولماذا لا تسمح لى بأن أفعل الاثنين معا؟ فلنؤجل مسألة رئاسة لجنة التحكيم هذه.. ولتقبل منى الآن التزاما بألف جنيه.

ثم سكت بهاء قليلا قبل أن يضيف: إننى مسافر إلى الكويت غدا لعشرة أيام. ومن الآن أقول لك: إنك لو نجحت فقط فى جمع خمسة آلاف جنيه، فسيكون هذا بحد ذاته إنجازا غير مسبوق فى مهنتنا الصحفية.. لأن هذه الخمسة آلاف جنيه ستكون أكثر الأموال حلالا فى بر مصر!
وبعد عودته من الكويت بادر أحمد بهاء الدين بالاتصال بى متلهفا: هل نجحت فى جمع خمسة آلاف جنيه أو حتى ما يقترب منها؟
وأجبته: ساقول لك ما فاجأنى أنا نفسى. لقد جمعت 18 ألف جنيه.
مضت لحظات قبل أن يرد بهاء متهللا: بتتكلم جد؟ إذن سأزورك فى بيتك مساء لأعرف التفاصيل.

وفى بيتى بدأ بهاء يقرأ بضع أوراق تمثل استجابة لرسالة منى توجز الفكرة ومبادرتى بالمساهمة بألف جنيه.

من إحسان عبدالقدوس: «الأستاذ محمود عوض. موافق ومرحب بهذا المشروع، وإنى أساهم معك فيه بالتبرع بمبلغ ألف جنيه مصرى تضاف إلى قيمة الجائزة. وأشكرك على اهتمامك بمستقبل الصحافة والصحفيين».

من عبدالسلام داوود: «أهنئكم على هذه الفكرة الرائعة، وأرجو أن تقبلوا منى مبلغ ألف جنيه مساهمة فى إنجاح هذا المشروع العظيم. وفقكم الله إلى ما فيه خير العمل الصحفى الشريف».

من صلاح حافظ: «أخى الأستاذ محمود عوض: الفكرة رائعة وتعيد إلى الصحفيين بعض الاهتمام بالمستوى المهنى لما يكتبونه وبعض الاحترام للمستوى المهنى. وأرجو أن تقبل اشتراكى بألف جنيه فى ميزانية هذه الجائزة. ومن يدرى؟ لعلى ذات يوم أفوز بها! حظا سعيدا لك وللفكرة. أصدق احترامى».

من محمود السعدنى: «عفارم عليك، للفكرة منى ألف جنيه، ولك عندى دعاء الوالدين».
من مصطفى حسين: «يارب يا محمود تكتمل سعادتى بأن ترى هذه الفكرة النور، فتصبح تاجا على رؤوسنا جميعا.. وأتعهد لك بالمساهمة بخمسمائة جنيه وأى جهد آخر تطلبه منى».
من مصطفى شردى: «أنا وجريدة الوفد التى أرأسها معك بقلوبنا. ويسرنى المساهمة بثلاثمائة جنيه، تدعيما لهذه الفكرة الرائدة . وشكرا للزميل الفاضل محمود عوض الذى طرحها واحتضنها حتى بلغت مرحلة التنفيذ».

من محمود المراغى نائب رئيس تحرير «روزاليوسف»: «فى وقت تراجعت فيه المبادأة، وغابت الرعاية الصحفية اللازمة لجيل واسع جديد، تجىء فكرة جوائز الصحافة المصرية لأحسن عمل صحفى لتذكى روح المنافسة وتربط الجيل الجديد بالقديم، وتبرز الأجود والأفضل مما قد لا يحس به القارئ، أو يحس به المجتمع الصحفى بالدرجة الكافية. مع تحياتى والتزامى بالمساهمة بثلاثمائة جنيه».

من محمد حسنين هيكل :«لى الشرف أن أساهم فى هذه الجوائز بمبلغ خمسة آلاف جنيه. مع موفور الشكر».

و.. و.. و18 ألف جنيه وليس فقط خمسة، هى بتعبيرك أكثر الفلوس حلالا فى بر مصر، وساهم بها ثلاثون من كبار وشباب الصحفيين.

تهلل وجه أحمد بهاء الدين بسعادة استثنائية، ثم قال لى: طالما أصبحت لديك كل هذه المستمسكات فهات ورقة. بعدها كتب: «أهنئكم على الفكرة ويشرفنى أن أساهم فى الجوائز المقدمة بمبلغ ألف جنيه. مع أطيب تحياتى». شرحت لأحمد بهاء الدين أننى فى هذه المرحلة، لم أكن أريد تسلم أموال أو شيكات بأموال، لأن هذا سيحدث فقط بعد فتح حساب باسم الجوائز فى أحد البنوك قبل الدخول فى المرحلة التالية. ثم صمت بهاء قليلا قبل أن يتساءل: لكن.. هل هيكل متأكد مسبقا من نجاح هذه الفكرة واستمرارها لخمس سنوات قادمة، حتى يساهم بخمسة آلاف جنيه؟
قلت له: هيكل فاجأنى بما لم أتوقعه.. فاجأنى بقوله إنه يساهم بخمسة آلاف جنيه فى هذه المرة.. وبنفس المبلغ فى كل سنة تالية.

وبكل تلك الثقة من المساهمين بدأت أنا وزملائى طريق الألف خطوة لكى تتحول «جوائز الصحافة المصرية» من فكرة جاذبة، وحلم هائم، إلى واقع يتابعه الصحفيون جميعا.. بغير أن أتصور أنها جوائز سترصدها وتتابعها أيضا سفارات دول كبرى فى القاهرة

فى السياسات العليا.. والسفلى


الكاتب الكبير محمود عوض يكتب: فى السياسات العليا.. والسفلى

مع أن هناك الكثير الكثير مما فعلته إدارة جورج بوش الذاهبة بمنطقتنا وبالعالم طوال ثمانى سنوات وستنكشف أسراره ودوافعه مستقبلا.. إلا أن مؤرخى المستقبل لابد سيتأملون بعمق الأيام الأخيرة لتلك الإدارة فى السلطة.

فعلى الرغم من أن الثقافة السياسية الأمريكية اعتادت إطلاق توصيف «البطة العرجاء» على كل إدارة تدخل شهورها الأخيرة فى السلطة، إلا أن إدارة جورج بوش الذاهبة سجلت استثناء على تلك القاعدة. ففيما بين الانتخابات وحتى تسلم الرئيس الجديد السلطة رسميا فى 20/1/2009 ،يعنى نحو 11 أسبوعا، كانت إدارة جورج بوش عرجاء فى كل شىء، وعلى كل جبهة، ما عدا المتعلق بإسرائيل تحديدا.

وافقت تلك الإدارة إسرائيل فى حربها المتوحشة ضد أهالى قطاع غزة المحاصرين أصلا من قبلها بثمانية عشر شهرا. ودافعت تلك الإدارة عن الحرب وقامت بحماية إسرائيل من الإدانة فى مشاورات مجلس الأمن. ثم وعدت وزيرة الخارجية أعضاء المجلس بموقف ونفذت غيره عند التصويت.

وخرجت وزيرة خارجية إسرائيل تسيبى ليفنى تنسب لنفسها الفضل فى ذلك التغيير من خلال سبع مكالمات تليفونية قالت إنها أجرتها مع الوزيرة الأمريكية، بعضها بصوت غاضب مرتفع. أما رئيسها إيهود أولمرت فقد صرح بأنه هو الذى تحدث مع الرئيس الأمريكى جورج بوش تليفونيا وأقنعه بأن يأمر وزيرته بعدم التصويت لصالح القرار فى الحالتين، وبرغم إنكار ضعيف من وزارة الخارجية الأمريكية مرة، وإنكار أضعف من البيت الأبيض مرة، لحقت الإهانة الإسرائيلية بالوزيرة الأمريكية وانتهى الأمر.

نفس الوزيرة المهانة هى التى تابعناها تستقبل وزيرة خارجية إسرائيل فى واشنطن، وتوقع معها مذكرة تفاهم بالغة الخطورة يوم 16/1/2009.. يعنى قبل مغادرة الإدارة للسلطة بمجرد أربعة أيام. لماذا الاستعجال؟ وقطع الطريق على سياسات إدارة جديدة تالية جاءت حاملة شعار «التغيير»؟ ولماذا، بعد الإهانة العلنية بأيام قليلة توقع تلك الاتفاقية الأمنية التى تتحمل أمريكا بمقتضاها التزامات جديدة نحو إسرائيل، بل والتزامات أخرى تحملها لحلفائها فى حلف شمال الأطلنطى، وفى منطقة تمتد من غرب البحر الأبيض إلى شرقه إلى البحر الأحمر وشرق أفريقيا جنوبا إلى خليج عدن والمحيط الهندى شرقا؟

ابتلعت كوندوليزا رايس الإهانة إذن ووقعت المذكرة المفاجئة مع وزيرة خارجية إسرائيل. وإذا كان رئيسها جورج بوش قد خذلها مرتين.. فإنها تكون قد شربت من نفس الكأس المرة التى فرضتها سابقا على سلفها كولن باول. فخلال عمله كوزير للخارجية فى الولاية الأولى لجورج بوش حدث ذات مرة من توترات الموقف فى فلسطين أن وقف الرئيس جورج بوش أمام الكاميرات فى البيت الأبيض ليعلن أنه كلف كولن باول وزير خارجيته الواقف إلى جواره بالسفر فى مهمة عاجلة إلى إسرائيل والأراضى الفلسطينية وفوضه من السلطات بما يتطلبه الموقف.

فى الأيام التالية، وفى أرض الواقع، تأرجحت وتناقضت تصريحات كولن باول على مدار الساعة وطوال الأيام التالية بما انتهى بالوزير إلى الفشل الكامل. لم نعرف السر إلا من مذكرات باول المنشورة تاليا، وروى فيها كيف كانت تطلبه يوميا كوندوليزا رايس، وهى وقتها مستشارة الرئيس للأمن القومى، لكى تبلغه امتعاض الرئيس من تصريحاته وتحثه على تغييرها حتى لو كان هذا يعنى شعوره بالمهانة لأنه لم يفعل سوى تنفيذ تعليمات الرئيس له من البداية.

العلاقة الحرجة بين الرئيس ووزير خارجيته فى النظام الأمريكى تصبح أكثر حرجا بين وقت وآخر، خصوصا إذا كانت للرئيس رؤاه الخاصة المحددة فى جوانب من علاقات بلاده الخارجية. ولأن إسرائيل هى زاوية اهتمامنا هنا.. فقد حدث مثلا فى يونيو سنة 1990، وخلال جلسة استماع فى الكونجرس الأمريكى، أن لخص جيمس بيكر وزير الخارجية حينذاك الموقف مع إسرائيل على النحو التالى: «لقد بذلت الولايات المتحدة كل ما تستطيعه للتسوية التفاوضية بين العرب وإسرائيل... بدون جدوى. والآن حينما تقرر إسرائيل أن تكون جادة بشأن السلام فعليها أن تطلب هذا الرقم 4561414 (202) إنه رقم تليفون البيت الأبيض».

بعدها بسبع سنوات، وفى ظل رئيس آخر وإدارة أخرى، سئلت مادلين أولبرايت وزيرة الخارجية الأمريكية: لماذا لم تذهبى بعد إلى الشرق الأوسط؟ فكان ردها: لأن الشرق الأوسط جاء إلينا.

وعلى رغم التشابه التقريبى بين المغزى فى كلمات بيكر وكلمات أولبرايت إلا أن الفارق بينهما كان فى جوهر الموضوع. فى حالة بيكر كانت الرسالة الأمريكية موجهة إلى إسرائيل. أما فى حالة أولبرايت فالرسالة موجهة إلى العرب أساسا. وبينما كانت إسرائيل فى الحالة الأولى هى المطالبة بأن تعطى، أصبح العرب فى الحالة الثانية هم المطالبون بأن يعطوا. وفى حالة بيكر كانت الرسالة الضمنية لإسرائيل هى أنه لا بديل أمامها سوى البيت الأبيض، لكن الوضع تغير فى الحالة الثانية ليصبح العرب هم الذين لم يعد أمامهم بديل سوى وزيرة الخارجية الأمريكية. وحتى فى تلك الحالة يتم تحويل المكالمة بين وقت وآخر إلى أحد مساعديها، دينيس روس مثلا.

أما فى حالة جورج بوش الابن ووزيرة خارجيته كوندوليزا رايس فقد سمحت الإدارة لنفسها فى ربع الساعة الأخير من عمرها السياسى أن تبرم مع إسرائيل اتفاقية أمنية خطيرة بغير أى تشاور مع من سمتهم «دول الجوار». نعرف أن وزير الخارجية فى أى نظام سياسى لا يصنع سياسة وإنما ينفذ سياسة يشارك فيها بصفته المستشار الأول لرئيس الدولة فى الشئون الخارجية. وفى النظام الرئاسى المعمول به فى أمريكا يفوض الدستور الرئيس بسلطات أكثر اتساعا من سلطات الإمبراطور فى روما القديمة. وأعضاء الحكومة لا يسمى أى منهم وزيرا وإنما سكرتيرا.

وحتى نائب الرئيس الذى يتم انتخابه مع الرئيس فى تذكرة انتخابية واحدة، لا يحدد له الدستور أى سلطات حقيقية إلا ما يفوضه به الرئيس. ومن زاوية اهتمامنا هنا فإن وزير الخارجية لكى ينجح فى إدارته لعلاقات بلاده مع الدول الأخرى لا بد أن يكون مدعوما من الرئيس بقوة ووضوح.

لكن فى التاريخ الأمريكى قد يحدث بين وقت وآخر أن يكون الرئيس أكثر احتياجا لوزير خارجيته بأكثر من العكس.. أو قد يحدث التضارب بين مصالح ضيقة للرئيس وبين رؤية وزير الخارجية لمصالح البلاد. هذا يعنى أن على الوزير أن يستقيل أو حتى أن يقيله الرئيس. إنما -ومرة أخرى.. من زاوية اهتمامنا هنا- فى التاريخ الأمريكى القريب جرى مثل هذا التضارب بغير أن يلجأ الرئيس إلى إقالة وزير خارجيته.

تلك الحالة تحديدا يمثلها الجنرال جورج مارشال. وهو الذى جرت تسمية البرنامج الأمريكى لإعادة تعمير أوروبا الغربية بعد الحرب العالمية الثانية باسمه. لكن الأهم أمريكيا من ذلك هو أن جورج مارشال كان رمزا لانتصار أمريكا فى الحرب العالمية الثانية باعتباره رئيسا لهيئة أركان القوات المسلحة الأمريكية ومهندسا للأداء العسكرى الأمريكى فى جبهتى الحرب: أوروبا واليابان.

وتناولى لجورج مارشال هنا سيقتصر على موقفه المبكر من القضية الفلسطينية وصدامه القاطع مع هارى ترومان، الرئيس الذى اختاره وزيرا للخارجية فى يناير 1947 فى لحظة حاسمة بالنسبة للقضية وللمنطقة. لكن الحديث عن جورج مارشال وهارى ترومان يبدأ من الرئيس فرانكلين روزفلت. فبسبب شعبية روزفلت داخليا وزعامته العملاقة عالميا جرى انتخابه لرئاسة أمريكا مرة رابعة (بعدها جرى تعديل الدستور بما يحدد فترتين كحد أقصى لولاية الرئيس). روزفلت فى فترته الرابعة اختار هارى ترومان نائبا له وفائز معه انتخابيا.

لكن حالة روزفلت الصحية سرعان ما تدهورت بما أدى إلى وفاته فى 12/4/1945 فى ظرف بالغ الدقة بالنسبة لأمريكا والعالم. هناك حرب عالمية ثانية متسعة وأمريكا تقود معسكرها من الحلفاء وأهمهم بريطانيا والاتحاد السوفيتى فى مواجهة دول «المحور» وهم ألمانيا وإيطاليا واليابان. فى تلك الحرب لأمريكا وحدها قوات مسلحة تضم 16 مليون رجل وامرأة ولها أيضا أكبر حشد بحرى فى التاريخ من عشر بوارج و27 حاملة طائرات و45 سفينة حربية وطائرات ودبابات ومدافع وأموال وتكنولوجيا أكثر مما كان تحت تصرف أى دولة واحدة بمفردها بامتداد التاريخ.

واعتبارا من الساعة السابعة وتسع دقائق مساء 12/4/1945 ورث هارى ترومان المسئولية عن هذا كله كخليفة لروزفلت لاستكمال مدة ولايته رئيسا للدولة وقائدا أعلى لقواتها المسلحة. والمشكلة الكبرى فى هذا كله كانت هى أن ترومان لم يكن يعرف أى شىء عن مجريات الحرب أو خططها أو مراحلها. لم يكن يعرف أى شىء عن علاقات أمريكا بحلفائها ولا مراسلات روزفلت مع قادتها أو زعماء الدول الأخرى.

وكما ذكر ترومان نفسه لابنته مارجريت فيما بعد فإن الرئيس روزفلت «لم يتحدث معى مطلقا بما يجعلنى مؤتمنا على أسرار الحرب أو شئون السياسات الخارجية أو حتى بما يشغل باله أو يفكر فيه بشأن السلام بعد الحرب».

لم يكن ترومان يعرف أى شىء أيضا عن أهم مشروع علمى/عسكرى تمضى فيه أمريكا سرا منذ سنوات لصناعة أول سلاح نووى فى التاريخ. وباختصار، وكما سجل كاتب سيرة حياة هارى ترومان، فإنه خلال 82 يوما شغل فيها منصب نائب الرئيس لم يقابله الرئيس روزفلت على انفراد سوى مرتين. وبينما سافر روزفلت فى رحلة ممتدة وسرية فى مرحلتها الأولى، ذروتها كانت اجتماع يالتا مع الزعيم السوفيتى جوزيف ستالين ورئيس وزراء بريطانيا ونستون تشرشل.. بقى ترومان فى واشنطن يقضى وقته فى مهام إجرائية كرئاسة جلسات مجلس الشيوخ أو يسلى نفسه بلعب البوكر مع أصدقائه.

وحتى بعد عودة الرئيس روزفلت من مؤتمر يالتا لم يجتمع مع ترومان أو يفضى له بحقيقة اتفاقاته السرية مع جوزيف ستالين ورئيس الوزراء البريطانى ونستون تشرشل. ولا أيضا شرح له خلفيات رحلته الخاطفة إلى مصر والبحيرات المرة فى قناة السويس حيث استقبل ملك السعودية عبد العزيز على متن سفينة حربية أمريكية، ولا أهمية اتفاقه مع الملك السعودى على إعطاء الشركات الأمريكية امتياز استكشاف وإنتاج وتسويق البترول لمدة ستين سنة تالية. اتفاق سال له لعاب الحليف تشرشل الذى كان يسعى إلى مثله وأخفاه عنه روزفلت طوال إقامتهما فى يالتا.

برحيل روزفلت المفاجئ أصبح على ترومان أن يرث مسئولياته الضخمة داخليا ودوليا، وبقدرات ذهنية وسياسية بالغة التواضع. وحينما اتجه إليه أحد المساعدين فى البيت الأبيض بعد دقائق من حلفه اليمين كرئيس ليقول له إن الصحفيين يريدون معرفة هل مؤتمر سان فرانسيسكو الخاص بتأسيس منظمة الأمم المتحدة سينعقد فى موعده بعد 12 يوما كما كان الرئيس روزفلت قد قرر.. أجابه ترومان تلقائيا:نعم.. بالتأكيد سيجرى المؤتمر فى موعده. وكان هذا تلقائيا هو أول قرار رئاسى يتخذه ترومان.

من الصباح التالى مباشرة أصبح على ترومان أن يستذكر بسرعة واجباته المنزلية وأصبح على أعضاء الحكومة أيضا إطلاعه على الملفات العاجلة كل فى اختصاصه، وأولها تقارير هيئة الأركان عن مجريات الحرب وكذلك التقرير بالغ السرية عن «مشروع مانهاتن» لصناعة أول سلاح نووى.كذلك أصبح عليه استقبال رؤساء وفود الدول القادمة لحضور اجتماع سان فرانسيسكو واختاروا المرور أولا بواشنطن، وأهمهم الوفد السوفيتى برئاسة وزير الخارجية مولوتوف ومعه السفير السوفيتى بواشنطن أندريه جروميكو.. إلخ.
وفى اليوم الثامن من تولى ترومان منصب الرئاسة الجمعة 20 إبريل 1945 وصل إلى البيت الأبيض الحاخام ستيفن ويلز الرئيس المناوب لـ «مجلس الطوارئ الصهيونى الأمريكى» لمناقشة الرئيس ترومان فى «مسألة إعادة توطين اللاجئين اليهود فى فلسطين». ولأنه كان قد طلب مسبقا رأى وزارة الخارجية فقد تلقى ترومان تحذيرا مكتوبا من الوزارة بأنه «عليك بالحذر البالغ لأن مشكلة فلسطين بالغة التعقيد».

واختار ترومان أن يختصر زمن المقابلة إلى ربع ساعة، معتذرا بعدها للوسيط الذى رتب للمقابلة. وسيط اسمه إدوارد جاكوبسون، يهودى صهيونى كانت أهميته أنه منذ وقت مبكر كان شريكا لترومان فى محل يمتلكانه لبيع الملابس فى كانساس. لكن هذا الشريك أصبح مؤخرا أهم شخص فى قاموس المنظمات الصهيونية داخل وخارج أمريكا لاعتبارات عديدة، فى مقدمتها أنه من الآن فصاعدا أصبح هو مفتاحهم إلى البيت الأبيض وإلى هارى ترومان شخصيا.

كانت المسألة الفلسطينية تزداد سخونة فى السنوات الأخيرة. فبريطانيا التى أصدرت «وعد بلفور» فى 1917 تعد فيه بالمساعدة فى إقامة وطن قومى لليهود فى فلسطين، هى نفسها التى أصبحت سلطة انتداب على فلسطين بقرار من عصبة الأمم بعد الحرب العالمية الأولى. وبتلك الصفة استخدمت بريطانيا وجودها وكل قدراتها للمساعدة فى تهجير يهود أوروبا إلى فلسطين بما هدد الفلسطينيين أنفسهم فى وطنهم فبدأت الصدامات المتكررة المتصاعدة. واستخدم اليهود الوافدون السلاح ضمن تنظيمات علنية وسرية لردع أصحاب الأرض وقمع ثوراتهم المتتالية.

وعندما لاحت فى الأفق نذر حرب عالمية ثانية أصدرت بريطانيا «الكتاب الأبيض» فى سنة 1939 لتقييد الهجرة اليهودية تهدئة للموقف فى فلسطين. لكن الوكالة اليهودية والمنظمة الصهيونية العالمية وباقى التنظيمات استمرت تعترض على تقييد الهجرة، وزادت من نشاطاتها فى أمريكا بعد أن لاح من حقائق الحرب أن نجمها صاعد بسرعة إلى عرش القوة العالمية.

وفى أرض فلسطين توسعت التنظيمات اليهودية المسلحة فى هجماتها لتشمل القوات البريطانية أيضا فى هجمات إرهابية. لم يذكر كاتب سيرة ترومان قيام منظمة الأرجون فى سنة 1945 باغتيال اللورد موين فى القاهرة، وهو وزير الدولة البريطانى المقيم بالمنطقة. لكنه ذكر مثلا أنه فى سنة 1946 نفذت الجماعات الإرهابية -بنص تعبيره- مذابح شتى، فنسفت جماعة «أرجون» فندق الملك داود فى القدس فقتلت 91 شخصا كلهم من المدنيين. أما فى الولايات المتحدة فكانت جماعات اليهود الأمريكيين تنظم حملاتها الدعائية بتركيز خاص على البيت الأبيض. وفى سنة 1947 وحدها أمطروا البيت الأبيض بأكثر من مائة ألف رسالة وبرقية للمطالبة بدعم إقامة دولة يهودية فى جزء من أرض فلسطين.

أما بالنسبة لهارى ترومان نفسه فقد ارتبط مبكرا بالنشاطات الصهيونية المحلية. وفى سنة 1943 مثلا، وقد كان عضوا فى مجلس الشيوخ، شارك فى اجتماع صهيونى بمدينة شيكاغو أعلن فيه أنه مستعد لعمل أى شىء «ممكن إنسانيا» لتوفير ملجأ ومأوى لليهود الناجين من قمع النازية. ومع توليه الرئاسة خلفا لروزفلت كان طبيعيا أن يصبح شريكه السابق فى بيزنس تجارة الملابس بكانساس سيتى، إدوارد جاكوبسون الذى أشرنا إليه سابقا هو همزة الوصل بين التنظيمات الصهيونية وترومان. وقد رأينا كيف رتب مقابلة لرئيس مجلس الطوارئ الصهيونى مع ترومان فى يومه الثامن كرئيس.

وفى مرة تالية ذهب جاكوبسون نفسه لمقابلة ترومان وقد صحب معه الحاخام من نيويورك آرثر ليلى ونائب رئيس شركة لبيع القمصان اسمه تشارلز كابلان. وبعد المقابلة استفسر منه الصحفيون عن موضوع المقابلة مع الرئيس فقال لهم مازحا «مابلان يبيع القمصان وأنا أبيع الملابس والحاخام يبيع الأفكار والعقائد».

وحسب ديفيد ماكليو، كاتب سيرة حياة ترومان، فإن ترومان كان لصيق الصلة بجاكوبسون ويثق فيه تماما. تلك الثقة الكاملة ستعطى جاكوبسون دورا وأهمية غير عادية مع تلاحق الأحداث. بل إن ترومان نفسه كتب قائلا فيما بعد أن جاكوبسون «كانت له أهمية حاسمة فى صناعة الأحداث» وهى أهمية لم تكن معروفة فى حينها. فقط لمس الجميع دوره الغامض حينما أصبح أول سفير لدولة إسرائيل لدى أمريكا بمجرد الإعلان عن قيامها فى سنة 1948.

لكن الوقت ما يزال مبكرا قبل تلك التطورات. فقط أصبح واضحا من البداية أن التنظيمات الصهيونية تستثمر بشدة فى هارى ترومان ومنصبه. وكما يروى كاتب سيرته فقد حدث ذات يوم أن عقدت مجموعة محدودة من اليهود الصهيونيين الأمريكيين اجتماعا فى مبنى حكومى فيدرالى بواشنطن، دعوا إليه أوسكار تشابمان، مساعد وزير الداخلية. ومن البداية نهض إبراهام فينبيرج، رئيس المجموعة، وهو صاحب مصنع ملابس فى نيويورك ومن كبار رجال المال، وكشف له كمية ضخمة من الأوراق المالية حتى أن جزءا منها تساقط على الأرض.

ثم أشار إلى تلك المبالغ وهو يتطلع إلى تشابمان قائلاً: «انظر.. إذا كان (الرئيس ) ترومان سيفعل شيئا فى شأن (إقامة) إسرائيل.. فحينئذ يمكننا أن نعمل معه «بيزنس كبير». ورد عليه تشابمان: «سأستكشف ذلك».

وتوجه تشابمان إلى البيت الأبيض ليخبر الرئيس ترومان بما جرى.وكان رد الرئيس: «قل لابن الحرام هذا إننى لا آخذ الأموال بمثل هذه الطريقة». وعاد مساعد وزير الداخلية لينقل هذا الرد إلى المجموعة الصهيونية. لكنهم بعدها بثلاثة أسابيع فقط عادوا ليعرضوا الأموال على ترومان نفسه مباشرة وبلا وسيط فقال لهم: اذهبوا إلى الجحيم.

لقد استمر ترومان يتلمس كل السبل الممكنة لمساعدة الصهيونيين. لكنهم مع ذلك واصلوا الضغط عليه بطريقة مهينة. ويذكر كاتب سيرته أنه حدث فى أحد الاجتماعات الوزارية أن شكا الرئيس ترومان نفسه لبعض مساعديه من أن رئيس مجلس الطوارئ الأمريكى الصهيونى كلما قابله تحدث معه بطريقة عاصفة وهو يدق بيده على المكتب.. «بينما لم يكن يجرؤ على بعض ذلك سابقا مع (الرئيس الراحل) روزفلت».

محمود عوض .. الممنوع ..!!

سامى كمال الدين

هل محمود عوض ممنوع من الظهور فى تلفزيون مصر ..؟!!
هل محمود عوض ممنوع من الكتابة فى صحافة مصر ..؟!!

أشطب السؤالين السابقين ، وتعالى أحدثك عن محمود عوض ..!!
حاضر الذهن دائما ً.. فى حالة تركيز عالية، منساب بالحكايا، لديه قدرة على الصمت والهدوء رغم أنه يجاور السفارة الاسرائيلية..!!
الكاتب الكبير محمود عوض الذى عاش عصورا ًوجاور عظماء وتخرج فى مدرسة أخبار اليوم ورفض – ومازال – أن يكون للكيان الصهيونى قيد أنملة فى بلادنا، لكى تمر إلى بيته بجوار كوبرى الجيزة لابد أن تقف أمام المعبر أو الكمين الذى يقف عليه مجموعة من الضباط والعساكر لتسأل من أنت و إلى أين ذاهب ؟! ويحتار من هم مثلى لمن يذهبون هناك سوى محمود عوض ..!!
فليس معقولا ًأن تذهب الى السفارة الاسرائيلية مثلا ً، وقد اختار محمود عوض البقاء فى هذا المكان – ليس حبا ًفى علم السفارة المرفرف أعلى البناية المجاورة ولكن إجبارا ًلمن رأوا فى مؤسسة أخبار اليوم أن قلم فى قامته يجب أن يصمت .. فالصمت من شيمة الحكماء ..!!
النظام المصرى أيضا يرى فى محمود عوض ما لا نراه نحن ، يرى أن محمود عوض لا يحب مصر ولا تهمه مصلحتها فى شيئ ، ويرى أن محمود عوض يجب أن يصمت ، فما سيقوله فى التلفزيون المصرى سيضر بالأمن العام ويضر بمصلحة البلد ،..!!
عندهم حق .. هم أحرار فى بلدهم ، ولكن لى عندهم مطلب ، وهو أن يعاملوا محمود عوض مثلما يعاملون جيرانه فى السفارة ، فالنبى وصى على سابع جار ، فلو عاملوا محموض عوض مثلما يعاملون جيرانه ، الرجل سوف يفيدهم كثيرا، ولن يؤذيهم مثلما يفعل جيرانه مع النظام ..!! يحيا محمود عوض الآن فى جريدة عربية بعد ما أصاب سوء النظر العديد من رؤساء تحرير الصحف فى مصر وعدم مقدرتهم على جذب قلم فى قامة محمود عوض، ولا أعرف ما الذى يضايقهم فى قلم بهذا الوزن وهذه القيمة له آلاف القراء الذين يلهثون خلف مقالاته ويسعون إلى تتبع رؤاه وتفكيره خاصة انه كاتب شامل من طراز فريد يكتب فى الأدب وفى السياسة وفى الفن، ويبحر عبر " شخصيات " تمثل أساطين الفكر والأدب العربى ليكشف رؤاها وتفكيرها وحياتها .
محمود عوض الذى يقدم النصيحة للأجيال المختلفة ، ويتبنى العديد من الموهوبين فى بلاط صاحبة الجلالة ، وعلى استعداد لأن يذهب الى الموهبة حتى عقر دارها ويأخذ بيدها الى الطريق الصحيح ، وهو عكس قامة أخرى هى الأستاذ هيكل ، فعلى الرغم من أنهما نفس الجيل ونفس المكانة إلا أن من ينظر الى تجربة كل منهما سوف يتوقف كثيرا وقفات تحتاج الى مقال أخر يفرد لها ..
يميل محمود عوض كثيرا ًإلى البساطة فى أسلوب كتابته والجملة القصيرة والبداية عبر أقصوصة أو حكاية .. إنه القالب الروائى الذى يجعلك مصرا ًعلى الوصول إلى النهاية بأى طريقة، فهو " يجيب رجلك " من أول جملة، فإذا أراد الكتابة عن طه حسين مثلا ًيبدأ كالآتى " لم أكن أنوى الكتابة عن طه حسين .
طلب منى صديق أن أتوسط له عند طه حسين لكى يوافق على أن يسجل للتلفزيون حديثا ًأدبيا ًومناقشة محدودة .
وافق طه حسين .
سألت صديقى : كم من الأجر سيصرفه التليفزيون لطه حسين فيما لو تم تسجيل هذا الحديث ؟
بعد عملية جمع وضرب وقسمة وطرح وخصم، المبلغ هو : 18 جنيها ًو60 مليما ً !
بالصدفة، سألت عما تتقاضاه راقصة مبتدئة عن المدة نفسها . فعلمت أن ماتتقاضاه حضرة الراقصة المبجلة هو 28 جنيها ً.
إننى لم أمتعض، ولم أبتهج . فقد فهمت الدرس بوضوح : إن هز البطن أهم لمجتمعنا كثيرا ً- وكثيرا ًجدا ً- من هز العقل . قلة عقل .
حكاية سمعتها من محمد عبد الوهاب لثالث مرة .." وهنا أنت تلهث مثلى وراء محمود عوض لتعرف الحكاية التى بالتأكيد سوف تكون عن طه حسين، فهو يحكى .. يجذب كما محمد التابعى و إحسان عبد القدوس ومصطفى وعلى أمين وأحمد بهاء الدين .. جيل أنشأ مدارس صحفية لها مكانتها وقاماتها السامقة يلخصه محمود عوض عبر حكايته مع إحسان عبد القدوس والصفحة الأخيرة فى أخبار اليوم .." حدث هذا منذ سنوات .. استدعانى إحسان عبد القدوس، رئيس التحرير الذى أعمل معه فى جريدة "أخبار اليوم"..
وقال لى : ممكن تفكر فى موضوع تكتب عنه فى الصفحة الأخيرة هذا الأسبوع ؟!
سألته مندهشا ً: أى صفحة أخيرة ؟
قال إحسان : الصفحة الأخيرة من " أخبار اليوم " !
قلت محاولا تذكيره : إن كاتبها الثابت هو أنيس منصور .
رد إحسان : أعرف ذلك .. ولكننى أريدك أن تكتبها هذا الأسبوع .. قلت : لماذا ؟
رد إحسان : لأن أنيس اختفى، ولا أدرى أين هو الآن .. ولا متى سيرسل مقاله الأسبوعى ..
قلت له : صحيح أن اليوم هو موعد تسليم مقالات الصفحات الثابتة من الجريدة .. ولكن أنيس دقيق فى مواعيده كساعة سويسرية .. وربما نستطيع انتظار مقال أنيس حتى صباح الجمعة ..
فقد إحسان أعصابه لأول مرة منذ عشر دقائق .. ورد فى عصبية : أنا هنا رئيس عمل، ولست زعيم قبيلة ! أريد مقالا منك للصفحة الأخيرة غدا ً..!
عند كلمة " غدا ً" أحسست أن إحسان وصل إلى النقطة التى يستحيل عندها التفاهم معه ..
بالطبع إحسان رئيس عمل .. ولكنه يتعامل معى بالحب .. وليس بالسلطة !
وبالإضافة إلى ذلك فإن الأفكار لاتأتى للكاتب بقرار من رئيس التحرير .. حتى لو كان هذا الرئيس هو إحسان عبد القدوس ! إن إحسان بالنسبة لنا لم يكن أبدا ً"رئيسا ً" للتحرير . كان إحسان هو الصديق والأخ الأكبر والأب وحامل همومنا والمخفف عن آلامنا . كان واحدا ًينتمى بحكم شهادة الميلاد إلى جيل آخر .. ولكن بحكم المشاعر ينتمى إلى جيلنا .. مضروب مثلنا، متواضع رغم أنفه، غنى بالأمل كأى شاب، فقير فى السلطة كأى كفاءة، مهزوم كأى فنان، الذى يستطيع أن يحرك جبلا .. برقته، وليس بعضلاته !
لقد خرجت من مكتب إحسان مباشرة إلى منزل أم كلثوم !
وفى اليوم التالى عدت لإحسان بمقال عن أم كلثوم، لكى يرسله إلى المطبعة فورا ً، وينشر فى العدد الذى صدر بعد يومين من أخبار اليوم !
فى الأسبوع التالى تكررت نفس القصة...
فى اليوم التالى عدت له بمقال عن طه حسين – وللمرة الثانية – نشره إحسان فى الصفحة الأخيرة .
ثم .. ظهر أنيس منصور، بعد اختفائه فى الإسكندرية لمدة أسبوعين . فى هذه المرة كنت أول من نقل الخبر إلى إحسان .. ثم استدرت خارجا ًمن مكتبه .
نادى إحسان متسائلا : إيه رأيك تكتب فى صفحة عن الشيخ الباقورى ؟
قلت : أى صفحة ؟
رد مبتسما ً: أنت تكتب .. وأنا أنشر !
قلت : ما الذى تريدنى أن أكتبه عن الباقورى ؟
تساءل إحسان فى عصبية : من الذى يكتب، أنا .. أم أنت ؟
كانت عصبية إحسان هى دائما ًمثل جرس المدرسة .. انتهت الحصة نتكلم فى موضوع آخر !
غلب إيه ده يا ربى ؟! هم رؤساء التحرير مالهم ؟ ألم يسمعوا أبدا ً عن اختراع .. اسمه الديمقراطية ؟!
إننى خرجت من مكتب إحسان غير متحمس، لا للكتابة ولا للباقورى . وظل هذا هو حالى إلى حان موعد تقديم المقال .
وبينما أنا فى حالة اختفاء كاملة عن إحسان وعن أخبار اليوم .. عثر على مصور زميل فى الجريدة وصاح متحمسا ًبمجرد أن رآنى: أنت فين ؟ الأستاذ إحسان كلفنى بأن أذهب معك إلى الشيخ الباقورى لكى أصوره بمناسبة المقال الذى ستكتبه هذا الأسبوع !
قلت له : ولكننى لم أكتب شىء ..
رد المصور مذعورا ً: لا تكشفنا مع إحسان وحياة أبوك .. لقد علمت منهم فى الجريدة أنهم حجزوا صفحة خالية تماما ًمن الإعلانات .. لنشر هذا الموضوع .. صفحة غير الأخيرة .
هنا سألته بحماس : تقدر تعمل صورة كبيرة ؟ على خمسة أعمدة أو ستة مثلا ؟
رد : ياريت ..
شرحت للمصور فكرة الصورة، والمعنى الذى أريده منها، قبل أن أفكر حتى فى التحدث تليفونيا ًمع الشيخ أحمد حسن الباقورى .
وذهبنا إلى الباقورى . ونشرت الصفحة بعنوان " اعتذار إلى الله"!
فى هذا اليوم بدأ إحسان اجتماعه الاسبوعى معنا بسؤال من جانبه : مارأيكم فى هذه الصفحة الجديدة ؟ أنا قررت أن تكون بابا ًثابتا ً بعنوان " تحليل شخصيات " .. أو – من باب الاختصار – نسميها " شخصيات " ونظر إلى إحسان ضاحكا ًوهو يقول : الصفحة دى.. عهدتك !
.. وبدأت " عهدتى " ..
وبدأت معها مسئوليتى ..
كان إحسان كبيرا ًفى ثقته، فنانا ًفى أفكاره، رقيقا ًفى لهجته .. إنه لا يطلب، ولكن يقترح . لا يفرض ولكن يثير الحماس . لا يقرر ولكن يوحى . هذا رجل فنان يريد منك أن تسمو وتكتشف !
وبدأت أختار الذين أكتب عنهم ..
كان كل شخص يمثل بالنسبة لى معنى أريد أن أقوله . وبقدر إحساسى بالمعنى .. كان يأتى انفعالى بالشخص . بعضهم كان الانفعال يبدأ معه بالاختلاف .. وبعضهم بالموافقة التى تتحول بعد الفحص إلى اختلاف !
إنها صدمة التوقعات لكل شاب يجد نفسه فجأة وسط غابة نسميها السلطة !
وفى هذه الشخصيات أيضا ًعرفت دروسا ًكثيرة .. وابتسامات أحيانا .
وأنا تعلمت كثيرا من كتب محمود عوض مثل " ممنوع من التداول " ، "وعليكم السلام " ، " بالعربى الجريح " ، " أفكار ضد الرصاص " وشخصيات أم كلثوم التى يعرفها أحد وعبد الوهاب وغيرهم وغيرهم .
أستاذ محمود عوض .. شكرا .

أصل المشكلة: صفقة


الكاتب الكبير محمود عوض يكتب: أصل المشكلة: صفقة

لو كان المجتمع الدولى قد عاقب إسرائيل لارتكابها مذبحة قانا فى سنة 1996 لما جرأت على ارتكاب مذبحة جنين فى أبريل 2002، ولو كان قد عاقبها على مذبحة جنين لما جرأت على القيام بمجزرة رفح فى مايو 2004، ولو كان عاقبها على مجزرة رفح لما جرأت على مجزرة جباليا فى أكتوبر 2004، ولو كانت إسرائيل قد عوقبت بعد جباليا لما جرأت فى سياق حربها الأخيرة فى غزة على قصف مدرسة فى غزة ترفع علم الأمم المتحدة. ولو كانت قد عوقبت على قصف المدرسة لما جرأت بعدها بأيام على قصف المقر الرئيسى لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين التابعة للأمم المتحدة.. وبالضبط فى نفس اليوم الذى كان يقوم فيه السكرتير العام للأمم المتحدة بزيارة إسرائيل للتباحث مع قادتها مناشدا لهم قبول وقف إطلاق النار الصادر به قرار من مجلس الأمن، هذا بحد ذاته دفع رجب طيب أردوغان، رئيس وزراء تركيا، إلى التحدث بغضب قائلا:إن هذا القصف الإسرائيلى لمقر وكالة غوث وتشغيل اللاجئين هو تحد من إسرائيل للعالم، لايجب السكوت عنه. والحالات المحدودة التى اخترتها سابقا لمذابح ارتكبتها إسرائيل اخترتها لأنها جميعا موثقة بالصوت والصورة، ولأن العالم كله تابع ضحاياها من الأطفال والنساء والشيوخ. واخترتها أيضا لأن ما يجمع بينها كذلك هو احتشاد أمريكا فى كل مرة، داخل مجلس الأمن الدولى وخارجه، لمنع أى توجه لإدانة إسرائيل.

إسرائيل بحد ذاتها لاتنطلق فى العربدة والبلطجة والاستئساد لأنها شمشون الجبار، مع أن أمريكا تكفل لها بعض ذلك بكل السبل. هى تقوم بدور البلطجى فى المنطقة لأن أمريكا هى التى تصرح لها بذلك، بل وتشجعها على ذلك، وحينما ذهب وزراء خارجية سبع دول عربية إلى نيويورك فى الخامس من يناير 2008 لاستصدار قرار من مجلس الأمن الدولى بوقف حرب إسرائيل الجديدة ضد كل أهالى قطاع غزة وليس مجرد منظمة حماس، فإن كوندوليزا رايس وزيرة خارجية أمريكا استمرت تناورهم وترفض مشروعهم، بما فى ذلك النص على أن قطاع غزة جزء لا يتجزأ من الدولة الفلسطينية، بعدها تولى وزير خارجية فرنسا مناورة الوزراء العرب بالأصالة عن فرنسا وبالوكالة عن أمريكا، بعدها تطوع وزير خارجية بريطانيا، العضو الآخر فى الثلاثى، بتقديم مشروع متواضع من صياغته، وعند هذا الحد قالت الوزيرة الأمريكية للوزراء العرب إنهم لو قبلوا بالمشروع الذى صاغته بريطانيا فإنها تتعهد لهم بأن تصوت أمريكا لصالحه، فيصدر عن المجلس بالإجماع. وهكذا كان.. إلا مفاجأة صغيرة، فعند التصويت اختارت الوزيرة الأمريكية أن تسجل امتناع بلدها عن التصويت، بينما صوّت لصالح القرار باقى أعضاء المجلس الأربعة عشر، لم يكن العرب هم وحدهم الذين فوجئوا ولكن كل أعضاء مجلس الأمن، حيث هم أيضا قيل لهم إن أمريكا ستصوت لصالح القرار.

كان هذا سلوكا شاذا وغير مألوف بالمرة فى سياق الدبلوماسية الدولية بمجلس الأمن والأمم المتحدة، ولم نعرف السر إلا بعدها بأيام قليلة حينما نقلت صحيفة «ديلى ميل» البريطانية عن إيهود أولمرت رئيس وزراء إسرائيل تصريحات كان قد أدلى بها فى خطاب له قبلها بليلة، وقال فيها: «إنه أنب وزيرة الخارجية الأمريكية كوندوليزا رايس بشدة لأنها كانت ترغب فى التصويت لصالح قرار وقف إطلاق النار الذى صدر عن مجلس الأمن، وأرغمها على التراجع والامتناع عن التصويت»، ونقلت الصحيفة عن أولمرت إن «رايس رغبت فى التصويت مع القرار لأسباب لا نعرفها».. مضيفا القول إنه علم بالأمر قبل عشر دقائق فقط من التصويت على القرار.. فأسرع إلى الاتصال بالرئيس جورج بوش الذى يعتبره أولمرت «صديقاً لإسرائيل لا مثيل له»، وحينما قيل لأولمرت إن الرئيس بوش موجود فى فيلادلفيا لإلقاء خطاب مقرر له هناك قال أولمرت للمسئولين فى البيت الأبيض الذين تحدثوا معه «لا يهمنى ذلك، أريد أن أتحدث معه الآن»، وأضاف أولمرت فى روايته: «لقد أنزلوا بوش من منصة الخطابة وأدخلوه إلى غرفة جانبية وتحدثت إليه وقلت له: لا يمكنك التصويت لمصلحة هذا القرار» فرد عليه بوش «اسمعنى، أنا لا أدرى أى شىء عن هذا الموضوع، لم أر هذا القرار، ولست مطلعا على صيغته».. فرد أولمرت: «أنا مطلع عليه، لا يمكنك التصويت لصالح القرار».

ومضى رئيس وزراء إسرائيل فى روايته قائلا إن جورج بوش: «أمر وزيرة الخارجية فلم تصوّت لمصلحة القرار، الذى طبخته وصاغته ورتبته وناورت من أجله»، وأضاف: «هكذا انتهت رايس مهانة، وامتنعت عن التصويت على القرار الذى أعدته». بعد نشر تلك الرواية فى الصحيفة البريطانية، ونقلتها عنها صحف ووكالات أخرى، لم نسمع عن رد فعل من أمريكا إلا بصوتين، فوكالة رويترز نقلت فى 13/1/2009 عن الناطق باسم البيت الأبيض جوردون جوندرو قوله: «رأيت هذه التقارير الصحفية وهى غير دقيقة»، فلنتأمل الصياغة هنا: «غير دقيقة»، أما الناطق باسم وزارة الخارجية شون ماكروماك، فقد بدا محرجا أمام محاصرة الصحفيين له بأسئلتهم عن رواية رئيس وزراء إسرائيل فقال لهم بحدة: «أقواله تلك مائة بالمائة، تماما، وعلى الإطلاق.. غير صحيحة».

لم يكن رئيس حكومة إسرائيل، وشريان حياتها تستمده من أمريكا، ليجرؤ على اختراع تلك القصة بالكامل عن الرئيس الأمريكى ووزيرة خارجيته، بالطبع هو يوظفها سياسيا لمصلحته داخلياً، لكنه بالتأكيد لم يخترعها، ومن ناحية أخرى فإن تلك القصة لا تعنى بالمرة أن إسرائيل هى التى تحدد لأمريكا خياراتها السياسية فى المنطقة لأن هذا يجعلنا أمام مهزلة، وليس أمام علاقة بين قوة عظمى وطرف إقليمى توظفه هى لحسابها.

وإذا أردت هنا أن أجتهد فسأقول إن جرأة رئيس وزراء إسرائيل قد ترجع إلى أن حرب إسرائيل فى غزة، بقدر ما هى تخطيط إسرائيلى، هى بالأساس مهمة أمريكية، فتحويل قضية فلسطين من قضية أرض محتلة واستقلال وطنى إلى قضية لها طابع دينى، وبالذات إسلامى، هو بالتأكيد تطور يخدم مصلحة أمريكا وإسرائيل معا بعد أن روجت إدارة جورج بوش طوال سبع سنوات لفكرة «صدام الحضارات»، وبعد أن اختفى أيمن الظواهرى وأسامه بن لادن طويلا عادت تسجيلاتهما الصوتية تذاع فجأة من قناة الجزيرة للإيحاء ضمنيا بأن منظمة حماس فى فلسطين هى امتداد لتنظيم «القاعدة» فى أفغانستان، ولا ننسى هنا أن الانتخابات التى جرت فى الأراضى الفلسطينية المحتلة، وضمنها قطاع غزة، فى 2006 كانت أساسا بإلحاح أمريكى تحت غطاء نشر الديمقراطية فى المنطقة، وفى حينها كانت كل الأطراف المعنية تعرف أن منظمة حماس ستفوز تأكيدا فى أى انتخابات.. ليس إيمانا بها بالضرورة، بقدر ماهو كفر بمنظمة فتح وفسادها الذى جعل السلطة الفلسطينية تصبح عمليا مافيا من المنتفعين والمرتزقة، وكل ذلك كان بتشجيع من إسرائيل وغطاء من اتفاق أوسلو.

أصل اتفاق أوسلو هذا فى سبتمبر 1993 كان صفقة سرية فاجأ بها ياسر عرفات وجماعته العالم كله، بما فيه مصر وكل الدول العربية، فى حينها كانت هناك مفاوضات معلنة منذ مؤتمر مدريد فى 1991 بين وفد إسرائيلى وآخر فلسطينى برئاسة حيدر عبد الشافى، وعضوية حنان عشراوى وفيصل الحسينى وآخرين، وكلهم اختارهم عرفات نفسه باعتبارهم من الأراضى المحتلة، وبتلك الصفة كانت لهم جذورهم الشعبية فى الضفة الغربية وقطاع غزة، كما أنهم خبروا أكثر من غيرهم أساليب إسرائيل وحيلها. تلك المفاوضات كانت تجرى جولة بعد جولة، بإصرار من ذلك الوفد الفلسطينى على عدم التنازل قيد أنملة عن الحد الأدنى المتفق عليه من الحقوق الفلسطينية.

فجأة عرف ذلك الوفد الفلسطينى، ومعه العالم كله، أن عرفات كان له وفد آخر يتفاوض سراً مع وفد إسرائيلى غير معلن، والمفاوضات كانت تجرى فى أوسلو عاصمة النرويج وبرعاية من حكومتها وإصرار من الطرفين إسرائيل وعرفات، على التكتم والسرية إلى أن يتم التوصل إلى اتفاق، وجاء الإعلان المفاجئ عن ذلك الاتفاق قنبلة مدوية، أما الصفقة التى جسدها الاتفاق فكانت مائة قنبلة مدوية لأنها أنذرت بدخول قضية فلسطين فى نفق من التنازلات الجوهرية غير القابلة للارتداد، وقبل أن يفيق العالم، وبالذات العالم العربى، لهول الصدمة فى قضية تحمّل جيلان على الأقل من مواطنيه عبأها وتضحياتها.. أعلن الرئيس الأمريكى بيل كلينتون عن احتفال ضخم فى البيت الأبيض يوقع فيه الاتفاق كل من إسحاق رابين رئيس وزراء إسرائيل وشيمون بيريز الوزير بحكومته.. وعن منظمة التحرير الفلسطينية ياسر عرفات ومحمود عباس، لقد احتشدت الآلة الأمريكية للترويج للاتفاق حول العالم باعتباره بشيرا بتسوية صراع ممتد لعقود بعد عقود.

فى الأيام الفاصلة بين الإعلان المفاجئ عن صفقة عرفات وعباس مع إسرائيل وبين يوم الاحتفال بالتوقيع عليها فى البيت الأبيض، جاء إلى القاهرة روبرت بيللترو، وكيل وزارة الخارجية الأمريكية لشئون الشرق الأوسط، فى مهمة استطلاعية بالمنطقة تبدأ بمصر وجوهرها قياس ردود الأفعال بالنسبة لصفقة أوسلو تلك. ووجدت نفسى مدعوا إلى الغداء مع بيللترو برفقة أربعة زملاء آخرين من الكتاب والمحللين. الغداء أساسه أن هذا المبعوث الأمريكى يرجو الاستماع إلى تقييم المدعوين نحن الخمسة فى جلسة لغير النشر.

يومها لم أجد مانعا من تلبية الدعوة لأن روبرت بيللترو كان قبلها سفيرا لبلاده فى مصر، وبتلك الصفة بدا أداؤه رصينا وإحاطته بالقضايا الجارية عميقة من خلال متابعتى لما ينشر عنه، والأهم من هذا كله هو حقيقة انتمائه للعمل الدبلوماسى بالاحتراف، وبالتالى فهو لم يصل إلى ما وصل إليه من مناصب لمجرد تبرعه بالأموال لصالح الحزب الحاكم على ما هى العادة فى أمريكا.

فى الغداء طرح روبرت بيللترو من جديد، وبحياد كامل وموضوعية، بنود اتفاق أوسلو، مقررا أنه اختارنا نحن الخمسة لمعرفته بخبرتنا بالقضية ومتابعتنا لتطوراتها، وهى معرفة استمدها أساسا من متابعاته طوال إقامته السابقة فى القاهرة كسفير لبلاده، وهو يأمل من هذه الجلسة الضيقة أن يكون تبادل الآراء صريحا وموضوعيا، ولغير النشر، كالتزام أدبى حسب العرف المهنى الذى نعرفه.

وكما هو المألوف غالبا فى كل نقاش لموضوع مهم، يتبلور النقاش فى النهاية عن اتجاهين بارزين ومختلفين، مع تأرجح أى أطراف أخرى بين هذا وذاك، وخلال الساعة الثانية وجدت نفسى أمثل أحد الاتجاهين، بينما فى الساعة الأولى أصبح أحد الزملاء وهو كاتب بارز ومهموم هو الآخر بالشأن العام مناصرا على طول الخط لصفقة أوسلو السرية تلك بين ياسر عرفات ومحمود عباس وجماعتهما فى منظمة فتح، وبين إسرائيل.

حرصت على الاستماع بكل تركيز إلى تقييم الزميل الكريم لاتفاق أوسلو وحججه فى تأييده وتوقعه المؤكد لنجاحه فى تسوية الصراع العربى الإسرائيلى نهائياً، ومن البداية يرى الزميل المتحدث أن تبنى أمريكا صفقة أوسلو بتلك السرعة وعلى مستوى البيت الأبيض هو توجه مماثل لتبنيها السريع فى سنة 1977 مبادرة أنور السادات، خصوصا أن مبادرة السادات اعتمدت أيضا على مفاوضات سرية مباشرة بين مندوب عن السادات ومندوب عن حكومة إسرائيل، وهى التى جرت فى المغرب تحت رعاية الملك الحسن ولم يكشف عنها النقاب إلا بعد شهور من إعلان السادات مبادرته.

الزميل الكريم قال أيضا إن عودة القضية الفلسطينية إلى أصحابها يحرر ياسر عرفات من وصاية الدول العربية، ويوفر له حرية الحركة مع إسرائيل برعاية أمريكية، ويساعد الدول العربية الأخرى على الالتفات إلى همومها الداخلية، لكن لكى يتم ذلك يجب على أمريكا أن توفر لاتفاق أوسلو إمكانيات النجاح. فإذا كان تطبيق الاتفاق سيبدأ بقطاع غزة، فعلى أمريكا أن تعلن من البداية أنها تضمن إسرائيل فى أن تجعل قطاع غزة يصبح هو «سنغافورة الشرق الأوسط»، الإشارة هنا إلى سنغافورة باعتبارها صغيرة المساحة (639 كيلومتراً مربعاً) وقليلة السكان (أقل من أربعة ملايين) وعملتها الدولار السنغافورى وحجم اقتصادها تضاعف عدة مرات بعد أن نقلت شركات أمريكية كبرى بعض نشاطاتها الإنتاجية إليها، بما جعل نهضة سنغافورة الاقتصادية تقوم على التصنيع والخدمات. وأضاف الزميل المتحدث أن مهمة أمريكا وإسرائيل فى قطاع غزة ستكون أسهل لأن مساحته لا تتجاوز كثيرا نصف مساحة سنغافورة، وسكانه أقل قليلا من نصف سكان سنغافورة، بذلك تصبح مهمة تحويل قطاع غزة إلى نموذج للطفرة المالية الاقتصادية السريعة ممكنة فى سنوات محدودة، والنجاح فيها سيجعل قطاع غزة نموذجا مغريا ومتجددا أمام باقى الشعب الفلسطينى فى الضفة الغربية المحتلة فيتطلعون لسلوك نفس الطريق تاليا، بل وحتى مغريا بدرجة كافية لدول عربية أخرى للدخول فى علاقات مماثلة مع إسرائيل وأمريكا.

كان المبعوث الأمريكى روبرت بيللترو يتابع الحديث المتدفق من زميلنا الكريم بكل اهتمام، والزملاء الثلاثة الآخرون انتقل إليهم الحماس من تدفق الزميل المتحدث بحججه وتنظيراته المتتابعة، بينما المستشار الإعلامى الأمريكى الذى يجرى الغداء بمنزله يسجل بين وقت وآخر ملاحظات ما فى ورقة صغيرة أمامه. ومن ناحيتى كنت أنا الآخر مستغرقا فى الاستماع بعد أن اختار زملاء ثلاثة التعبير عن رؤيتهم باقتضاب مفسحين المجال للزميل صاحب التنظير المتدفق، وقد بدا كأنه قضى العمر كله فى استذكار اتفاق أوسلو.. حتى من قبل أن يتم الإعلان المفاجئ عن صفقته السرية، وكان يبدو جادا أكثر وأكثر فى قوله الختامى للمبعوث الأمريكى روبرت بيللترو: إن كل ما أدعو إليه هو أن ترفعوا أنتم كأمريكا فكرة تلحون بها إعلاميا، وهى أن هذا الاتفاق سيحول قطاع غزة سريعا إلى أن يصبح نسخة عربية من سنغافورة ماليا واقتصاديا، فتجذب لتقليدها باقى الدول العربية، وقتها ستشهدون إلى أى حد سيحظى الاتفاق بدعم شعبى، ليس فقط فى قطاع غزة وإنما فى العالم العربى كله، الحكاية كلها كذا مائة مليون دولار تكفل لكم أن يخرج الفلسطينيون من حالة الصراع ضد إسرائيل إلى حالة التعاون معها.

حاولت فقط أن أعبر عن اختلافى الكامل والجذرى مع كل الرؤية التى طرحها الزميل الكريم، ولكن باقتضاب متعللا بالوقت. إنما السيد/ بيللترو كان حريصا على رؤية تفصيلية أرى بها آفاق اتفاق أوسلو هذا. حسنا. قلت إن هذا الاتفاق يقلب جذريا كل أسس القضية الفلسطينية. فبدل أن يأخذ بأسس التسوية وجوهرها انسحاب إسرائيل الكامل من الأراضى المحتلة وعودة اللاجئين الفلسطينيين طبقا لقرارات سابقة باسم الشرعية الدولية، يؤجل الاتفاق أى حديث عن التسوية ويستبدله بالانشغال بفتافيت تستهلك الوقت والجهد، وبعد أن يعزل الاتفاق القضية الفلسطينية عن محيطها العربى الذى ساندها وضحى من أجلها، فإنه يعزل قطاع غزة عن الضفة الغربية ليمضى كل من طريق.. علما بأننا نعرف جميعا من البداية أن أطماع إسرائيل هى فى الضفة الغربية أساسا. وهذا الاتفاق يسحب القضية الفلسطينية لتنفصل بعيدا عن الشرعية الدولية وقراراتها السابقة ويستبدلها بمفاوضات مباشرة بين طرفين لا يوجد أى توازن للقوى بينهما.

بعدها يسحب الاتفاق القضية أيضا عن الدعم العربى بحجة أن الفلسطينيين هم أصحاب الشأن فى تقرير مستقبلهم، وواقع الاتفاق ينقل السلطة الفلسطينية البازغة لتصبح تحت وصاية إسرائيل ورقابتها بالكامل وهى التى تمنحها أو تحجب عنها شهادات حسن السير والسلوك فى كل مرة، هذا نذير سيئ يعنى إدخال القضية الفلسطينية فى سجن جديد فوق سجن الاحتلال، فإذا كان يجرى تمرير ذلك الاتفاق تحت عنوان التحرك نحو السلام، فإننى أجزم بأننا بعد هذا الاتفاق /الصفقة سنصبح أبعد عن السلام من أى وقت مضى و.. و.. و..
فى انصراف كل منا إلى سيارته جاءنى الزميل الكريم صاحب رؤية «سنغافورة الشرق الأوسط» وقال لى بعد تردد: تصدق إنك عبرت عن كل ما كنت أحب أن أقوله؟
أخذتنى كلماته بالمفاجأة الكاملة فقلت له مستغربا: يا رجل حرام عليك.. كيف هذا وما قلته أنا عكس رؤيتك على طول الخط..؟
قال لى بشىء من التردد: أصل بينى وبينك.. أنا قلت لنفسى إنه ربما الأفضل أن أقول لهذا المبعوث الأمريكى ما يود هو أن يسمعه، بدل أن أفاجئه بما يغضبه.. لكننى فوجئت به يستمع للحجة وعكسها بروح رياضية!.

هذا إذن هو المغزى من تجربة ذاتية أتذكرها كثيراً، خصوصا أن خسائرنا تضاعفت من كل أولئك الذين يقولون لأمريكا ما تود هى أن تسمعه بدلا عن مصارحتها بالحقيقة المجردة، خصوصا أن قضايانا نحن هى التى توجد على المحك، وحتى لو كانت أمريكا ستغضب.. إذن لتغضب. هذا أفضل من أن نفرط اليوم لكى نعانى من العواقب غدا، لقد تحول اتفاق أوسلو فى أرض الواقع إلى مصائب لا حدود لها، مصائب تجاوزت حتى ما كنت أخشى من حدوثه وعبرت عنه فى مقالاتى المنتظمة بجريدة «الحياة» وفى تعليقات عديدة بإذاعة مونت كارلو وحوارات مع إذاعة «بى. بى. سى».

ومنذ ذلك الاتفاق فى 1993 اصطنعت إسرائيل لافتة مضيئة اسمها السلطة الوطنية الفلسطينية ومن تحتها حولت الواقع الفلسطينى إلى جحيم، والفريق الواحد صاحب القضية تحول إلى قبائل تتصارع فيما بينها على فتافيت، أما إسرائيل التى تحتل الأرض فلم تعد تدهش أحداً بمذابحها المروعة ضد الشعب الفلسطينى تحت الاحتلال، وبعد حماية أمريكا لها ولكل جرائمها لم يلتفت أحد إلى صورة رئيس البرازيل معبراً عن غضبه يوم السبت 17 يناير قائلاً: إن استمرار أمريكا فى احتكار قضية السلام فى الشرق الأوسط أصبح جريمة ضد البشرية.

الكاتب الكبير محمود عوض يكتب: شبح الهزيمة وأوهام النصــــر


الكاتب الكبير محمود عوض يكتب: شبح الهزيمة وأوهام النصــــر

أربعة عشر يوما، احتاجتها أمريكا قبل أن تسمح بتمرير قرار فى مجلس الأمن الدولى يدعو لإيقاف إطلاق النيران فى غزة، وحتى فى لحظة الحسم، اختارت لنفسها الامتناع عن التصويت. أربعة عشر يوما من القصف جوا وبحرا وبرا من جيش إسرائيل ضد مليون ونصف مليون فلسطينى محشورين فى قطاع غزة. أربعة عشر يوما من الحرب غير المتكافئة مارستها إسرائيل ضد مدنيين فرضت عليهم الحصار قبلها طوال 18 شهرا فى عقاب جماعى غير مسبوق. أربعة عشر يوما دمرت فيها إسرائيل مرافق ومنشآت ومدارس ومساكن ومحطات مياه، فقتلت حتى كتابة هذه السطور 850 فلسطينيا، أربعون بالمائة منهم نساء وأطفال، بخلاف 3300 جريح. أربعة عشر يوما دمرت فيها إسرائيل مبانى فوق رؤوس ساكنيها، وأبادت عائلات بكاملها بعضها يضم ثلاثة أجيال. وبعد أن أخذت إسرائيل كل وقتها بتصريح أمريكى معلن، بحجة أن إسرائيل تمارس حربا مشروعة تدافع فيها عن نفسها ضد الإرهاب، أصدر مجلس الأمن الدولى قراره 1860 لكى ترفضه إسرائيل فى التو واللحظة، مستمرة أكثر وأكثر فى حربها المتوحشة سعيا إلى استخراج نصر من قاع الهزيمة.

لم تكن أمريكا تريد هذا القرار أصلا. كانت تهدد باستخدام سلطتها فى النقض /الفيتو، ضد أى مشروع عربى أو غير عربى يستهدف وقف تلك الحرب الإسرائيلية المتوحشة، والتى يتابعها العالم على مدار الساعة بالصوت والصورة. مساومات واجتماعات ومشاورات ومساومات من جديد، أدارتها أمريكا مع وفد عربى مشكل لأول مرة من وزراء خارجية سبع دول عربية زائد الأمين العام للجامعة العربية . كلها دول وثيقة الصلة بأمريكا. أحيانا كانت أمريكا تراوغ بنفسها لكى تتيح لإسرائيل أطول وقت ممكن، وأحيانا كانت تستخدم دولا أخرى. فرنسا مثلا استمرت حتى ليلة التصويت على القرار، تصر على أن الموقف لا يتطلب قرارا من مجلس الأمن، ويكفى مجرد بيان مطاط وعائم وغير ملزم يقرأه رئيس مجلس الأمن، الذى هو مندوب فرنسا نفسها لهذا الشهر.

كان هذا أمرا ملفتا تماما. فالرئيس الفرنسى نيكولا ساركوزى جال ببعض دول المنطقة وأعطى تصريحات مختلفة فى كل مرة، موهما العرب بأنه يريد للحرب الإسرائيلية أن تتوقف، لكنه عمليا كان يعطى لإسرائيل كل ما يلزمها من وقت لاستكمال «المجزرة». لم تتحرك فرنسا ولا أمريكا ولا كل من لف لفهما، حتى حينما قصفت إسرائيل عمدا مدرسة تابعة للأمم المتحدة فى مخيم جباليا بقطاع غزة، كان قد لجأ إليها 300 فلسطينى بأطفالهم، ظنا منهم أنها مأوى يحميهم من الغارات الإسرائيلية. وبالنتيجة سقط 40 فلسطينيا قتلى وأصيب 55 آخرون. وحينما حاولت إسرائيل التعلل بأن المدرسة كان يوجد بها مسلحون فلسطينيون، أثبتت الأمم المتحدة أن هذا غير صحيح بالمرة. هنا خرجت أمريكا لتقول إن إسرائيل ربما قصفت المدرسة من باب الخطأ. كانت تلك صفحة تكرر بها إسرائيل سوابقها وآخرها ضد لبنان فى سنة 1996 حينما قصفت مجمعا فى قانا، يحمل علم الأمم المتحدة، فقتلت أكثر من مائة شخص. يومها كان رئيس الوزراء الذى أصدر قرار القصف هو شيمون بيريز، الذى وفرت أمريكا الغطاء الكامل له ولحربه ولمجزرته فى قانا حماية له من الإدانة الدولية.

والآن تستأسد إسرائيل من جديد وتصول وتجول ضد السكان المدنيين فى قطاع غزة ،مستخدمة قنابل عنقودية وفسفورية حارقة، ممنوع استخدامها دوليا. لكن.. لا حياة لمن تنادى. لم تستهدف إسرائيل ترويع الفلسطينيين فقط. كانت تريد تحقيق «إنجازات واضحة لا تقبل التأويل لكى تجلجل فى أنحاء العالم العربى» بكلمات مائير داجان رئيس المخابرات الخارجية الإسرائيلية (الموساد).

بدأت إسرائيل حربها الجديدة صباح السبت 27/12/2008 قصفا لألف هدف مدنى فى قطاع غزة بدءا بمرافق البنية التحتية. هذا جعل رجب طيب أردوغان رئيس وزراء تركيا يقول علنا بغضب واحتجاج، إنه يشعر بالخديعة، لأنه كان مجتمعا لساعات برئيس وزراء إسرائيل قبلها بأربعة أيام فقط، بغير أن يشير الأخير أو يلمح بأى شىء عن حربه الوشيكة ضد قطاع غزة.

هذا أيضا وضع مصر فى موقف مشابه، لأن وزيرة خارجية إسرائيل تسيبى ليفنى كانت فى القاهرة قبلها بـ 48 ساعة، واستخدمت مؤتمرا صحفيا لإنذار حماس. كان وجود الوزيرة الإسرائيلية فى القاهرة خطأ من الأساس وسوء تقدير. فتوجه إسرائيل إلى ضرب قطاع غزة كان خبرا متاحا على قارعة الطريق من قبلها بأسابيع.

هناك اتفاق للتهدئة جرى بين إسرائيل وحماس بوساطة مصرية، ليسرى ستة أشهر تنتهى فى 19/12/2008 وجوهره منع أى صواريخ من قطاع غزة مقابل التزام إسرائيل بإنهاء حصارها ضد القطاع. هذا الاتفاق أدى فى التطبيق إلى انخفاض صواريخ حماس المنطلقة من قطاع غزة من مئات فى شهر مايو إلى عشرين صاروخا فقط خلال الأشهر الأربعة التالية ،أدت إلى مقتل إسرائيلى واحد، وتلك أرقام إسرائيلية. لكن الحصار الذى فرضته إسرائيل ضد قطاع غزة منذ وصول حماس إلى السلطة استمر قائما. بل إن إسرائيل شنت فى الرابع من نوفمبر هجوما جويا وبريا ضد حماس فقتلت ستة. جيمى كارتر الرئيس الأمريكى الأسبق، يقرر فى مقال منشور له أن هذا يعنى أن إسرائيل هى التى تتحمل مسئولية خرق التهدئة.

فضلا عن ذلك لم تسمح إسرائيل بتدفق المؤن الإنسانية ومياه الشرب والوقود إلى سكان القطاع كما يقضى اتفاق التهدئة. سمحت فقط بعشرين فى المائة من احتياجات السكان.
هذا يعنى عمليا أن يعيش مليون ونصف مليون مواطن فلسطينى فى قطاع غزة على حافة مجاعة مستمرة، علما بأن أرض القطاع (350 كيلومترا مربعا) هى الأكثر كثافة سكانية على مستوى العالم. السبب هو أن معظمهم شردتهم إسرائيل فى حرب 1948 خارج مدنهم، مثل عسقلان وبير سبع وقرى أخرى، فلجأوا إلى قطاع غزة هربا من إرهاب إسرائيل.

وفى حصار إسرائيل لقطاع غزة، كانت تزعم أنها تفعل ذلك فقط عقابا لمنظمة حماس، منذ فازت فى الانتخابات التى جرت فى يناير 2006 بأغلبية مفاجئة من مقاعد المجلس التشريعى. الانتخابات كانت سليمة وديمقراطية بشهادة مراقبين دوليين. وفوز حماس كان بالدرجة الأولى رفضا من الشعب الفلسطينى لفساد واستبداد وتجبر منظمة فتح المسيطرة على السلطة القائمة فى رام الله وغزة. وحماس نفسها نشأت أصلا فى 1987 بتسهيلات من إسرائيل، استهدفت منها إيجاد قوة أخرى تزاحم منظمة فتح. فى النهاية كانت إسرائيل تريد لكل منهما أن تقضى على الأخرى، فتصبح هى الفائز الأخير، وتلك سياسة تقليدية لكل قوة احتلال.

الخدعة الكبرى بعدها هى أن إسرائيل أوهمت الجميع فى 2005 بأنها انسحبت من قطاع غزة. فى الواقع كان إسحاق رابين رئيس وزراء إسرائيل الراحل هو القائل منذ وقت مبكر «أتمنى أن أصحو ذات يوم لأجد قطاع غزة وقد ابتلعه البحر». السبب هو الكثافة السكانية للقطاع مع فقر موارده. ولأن البحر لم يبتلع قطاع غزة، فقد كان رئيس آخر لوزراء إسرائيل هو آرييل شارون ،الذى أعلن خروج قوات إسرائيل ومستوطنيها من القطاع فى 2005 بقرار منفرد. لم يكن هذا انسحابا وإنما إعادة انتشار ميزته الكبرى أن تقلل إسرائيل من عبء مواجهة قواتها للسكان يوميا، فتتفادى الخسائر المستمرة فى كل مواجهة. لكن عمليا تحول من احتلال عن قرب إلى احتلال عن بعد. فقوات إسرائيل تحاصر قطاع غزة برا وبحرا وجوا، وتسيطر على كل مخارج ومداخل القطاع، وتتحكم فيما يخرج منه أو يدخل إليه من سلع وأشخاص. وفى جميع الحالات تستطيع القوات الإسرائيلية اقتحام قطاع غزة كلما ناسبها ذلك.

حينما رفضت حماس (وفصائل أخرى قبلها) تجديد اتفاق التهدئة مع إسرائيل إلا بتعهدات جديدة، تضمن فك الحصار الإسرائيلى المستمر على قطاع غزة استخدمت إسرائيل هذا الرفض حجة تبرر بها حربها التى تبين لاحقا أنها كانت تجهز لها منذ شهور.

من بين أخطاء عديدة ارتكبتها حماس كان خطؤها فى تحويل قضية معبر رفح إلى قضية للتلاسن مع مصر. فى الواقع أن معبر رفح هو الوحيد مع مصر، لكنه ضمن معابر ستة، كانت إسرائيل قد أبرمت فى 15/11/2005 اتفاقا خاصا بها مع السلطة الفلسطينية. ومع أن معبر رفح هو الوحيد المشترك مع الحدود المصرية، إلا أن الاتفاق المنظم له، لم تكن مصر طرفا فيه، وإنما أبرمته سلطة محمود عباس مع إسرائيل والاتحاد الأوروبى برعاية أمريكية.

من وقتها ظاهره فلسطينى، لكن إسرائيل هى التى تتحكم فيه من خلال كاميرات مراقبة ولها سلطة الاعتراض على دخول أو خروج من تشاء، وفى وجود مستمر لمراقبين أوروبيين تختارهم إسرائيل.

من اللافت هنا، أن رجل السلطة الفلسطينية الذى أعد ذلك الاتفاق عن الجانب الفلسطينى، كان محمد دحلان الذراع الأمنى اليمنى وقتها لمحمود عباس. دحلان هذا بالحق أو بغيره أحاطت به شبهات وعلامات استفهام عديدة، كانت بحد ذاتها أحد أسباب انقلاب حماس على جماعة فتح فى السلطة، وانفرادها بقطاع غزة بعدها. من وقتها أحكمت إسرائيل حصارها على قطاع غزة بما فى ذلك الوقود والكهرباء والمياه والأدوية والأغذية والحركة التجارية دخولا وخروجا، بما جعل حياة الناس لا تطاق. ومن الغريب هنا أن التليفزيون الحكومى المصرى النبيه، والذكى، والذى لا تفوته التايهة لم يجد من يستضيفه مؤخرا سوى محمد دحلان، ليتولى هو بالذات القدح فى حماس، بينما نصف أهالى غزة بمن فيهم زملاء له فى منظمة فتح، بينهم وبينه دم وثأر بائت. وسواء بعدم معرفة من المذيع أو بعدم رغبة، فإنه لم يسأل دحلان عن دوره فى اتفاقية المعابر تحديدا. وهو من جانبه لم يجرؤ على فتح تلك الصفحة التى أتاحت لإسرائيل سلطة شاذة فى التحكم بحياة الفلسطينيين تحت الاحتلال، بعد أن تحررت هى من أعباء الاحتلال اعتمادا على وكلائها الجدد.

الهدف الإسرائيلى الصريح هنا كان تحويل حياة سكان قطاع غزة إلى جحيم. هذا يعنى عقابا جماعيا، ودفعا لهم حتى يسقطوا حماس ويتخلوا عنها، فتعود جماعة عباس ودحلان كما كانت سابقا. المشكلة هنا مزدوجة. فإذا كانت تهمة حماس إسرائيليا هى أنها ترفض الاعتراف بإسرائيل، ومن ثم تصبح إرهابية، فإن الفلسطينيين سبق لهم إعطاء الفرصة لياسر عرفات وجماعته، ثم محمود عباس وجماعته، طوال 15 سنة، وهم الذين اعترفوا بإسرائيل، وتحولوا فى قاموسها من إرهابيين إلى معتدلين. مع ذلك استمر الاحتلال وضاعف من الاستيطان فى الضفة الغربية والدولة الفلسطينية الموعودة لم تنشأ. بل إن الرئيس الأمريكى جورج بوش أعلن فى 2002 عن أن أمريكا ستعمل لقيام دولة فلسطينية خلال خمس سنوات. ومع ذلك فها هو يغادر البيت الأبيض فى 2009 وقيام الدولة الفلسطينية أبعد الآن عن أى وقت مضى.

وقد مات ياسر عرفات محاصرا ومقهورا، رغم أنه استجاب لمعظم ما طلبته إسرائيل بما فى ذلك المجىء بمحمود عباس رئيسا للوزراء، وبمحمد دحلان وزيرا للداخلية. وبعد رحيل عرفات خلفه عباس بترحيب حار من إسرائيل وأمريكا، ومع ذلك فمنذ دخل مفرمة المفاوضات مع إسرائيل لم يخرج منها. وإذا كانت إسرائيل تعللت بوجود حماس فى قطاع غزة لكى تحول القطاع إلى سجن كبير مفتوح لسكانه، فإن سلطة رام الله (محمود عباس) تحاصرها إسرائيل أيضا بسجن من نوع آخر. ولم ينجح عباس وسلطته فى إقناع إسرائيل بإزالة حاجز واحد من ستمائة حاجز، تقطع بها إسرائيل أوصال الضفة الغربية، ولا أقنعها بالإفراج عن سجين واحد من 11 ألفا من بينهم مروان البرغوثى أحد قيادات فتح ومعه أعضاء منتخبون فى المجلس التشريعى، جريمتهم الانتماء لحماس. فى الخلاصة.. إسرائيل لا تعنيها حماس ولا فتح. إسرائيل هدفها الأرض. وتحديدا فى الضفة الغربية.

بل إن جون بولتون، أحد نجوم «المحافظين الجدد» فى أمريكا وسفيرها السابق لدى الأمم المتحدة، ومن أبرز المقربين من إسرائيل، كتب مؤخرا مقالا فى جريدة الواشنطن بوست الأمريكية (5/1/2009) يقول فيه: «على الفلسطينيين القبول بالأمر الواقع، والإقرار بما يترتب على فشل السلطة الفلسطينية وفسادها وانتخاب حماس».

والحل عنده: «يقتضى إعادة غزة إلى الوصاية المصرية والضفة الغربية إلى السيادة الأردنية.. وبسط مصر والأردن سلطتهما على غزة والضفة الغربية يوسع رقعة السلام فى هذه المنطقة، ويرسى السلام والاستقرار فى البلدين». مثل تلك الكلمات والأفكار المسمومة هى تقليب فى أوراق ومشروعات قديمة سبق لمصر على الأقل أن رفضتها. وحتى فى حالة الضفة الغربية، فبعد أن ابتلعت إسرائيل أجزاء معتبرة منها ،وزرعت أجزاء أخرى بمستوطنيها، لن يتبقى منها فى ظل الضعف العربى السائد سوى أجزاء متفرقة، تريد مثل تلك المشروعات المشبوهة توريط الأردن فى إدارتها. ربما هذا هو ما جعل الملك عبد الله فى الأردن ينبه مؤخرا إلى أنه بدأ يتوجس من مؤامرة قادمة على الأردن ذاته.

المسألة إذن أكبر من حماس فى غزة، ومن سلطة محمود عباس الكاريكاتيرية فى رام الله. المسألة هى الاحتلال. وهى الأرض. وهى الدور الإمبراطورى الذى أصبحت إسرائيل تمارسه إقليميا فى وضح النهار، بقوات مسلحة كفلت لها أمريكا أن تصبح الأقوى من كل الدول العربية مجتمعة. مصر مرتبطة بمعاهدة سلام مع إسرائيل منذ 1979، والأردن بمعاهدة أخرى منذ 1994، والحدود مع لبنان تراقبها قوات من الأمم المتحدة وجنرالات من حلف شمال الأطلنطى. لماذا إذن تتضخم ميزانية إسرائيل العسكرية بانتظام سنة بعد أخرى؟ ولماذا أعلنت أمريكا فى العام الماضى عن برنامج إضافى لتسليح إسرائيل يتكلف 30 مليار دولار، بما فى ذلك إمدادها بجيل جديد من الطائرات الحربية طويلة المدى؟ ضد من هذا التسلح المتزايد؟ بالتأكيد ليس ضد حماس فى غزة، ولا سلطة محمود عباس فى رام الله.

من جانب آخر، أصبحت يد إسرائيل الطليقة فى هذه المنطقة مستثناة من أى عقاب. لقد تابعنا رئيس وزراء تركيا، يرفض الرد على مكالمات رئيس وزراء إسرائيل ووزيرة خارجيتها. وتابعنا هوجو شافيز رئيس فنزويلا يطرد السفير الإسرائيلى لديه. وتابعنا مظاهرات الغضب ضد إسرائيل فى مدن وعواصم العالم، من برلين إلى جاكارتا، ومن باريس إلى كيب تاون، ومن مدريد إلى لندن. وحتى تابعنا فى يوم الخميس 8/1/2009 هانس دى بروك وزير الدولة الهولندى مثلا، يقرر علنا أن إسرائيل اعتادت منذ أعوام على ضرب القانون الدولى بالحذاء وهى ستستمر فى ذلك طالما استمر الدعم الأمريكى الأوروبى لها ولتصرفاتها، واكتفى الأوروبيون بالكلام دون ربط كلامهم بالفعل . وأضاف بأن إسرائيل أثبتت على مدى العقود الماضية عدم احترامها لأى قانون أو مواثيق لحقوق الإنسان، ولم تثبت رغبتها الحقيقية فى السلام، وتتصرف على أنها الأقوى رافضة الخضوع للإرادة الدولية أو القانون الدولى.

مع ذلك فقد عطلت أمريكا بمفردها مجلس الأمن الدولى طوال 14 يوما قبل أن يصدر قرار بوقف إطلاق النار. وحتى هنا.. لم يحدد القرار موعدا للتنفيذ، ولا عقوبة لعدم التنفيذ. الأسوأ من ذلك أن القرار لم يذكر مطلقا كلمة »احتلال«إشارة إلى إسرائيل. وفرنسا استمرت حتى اللحظة الأخيرة ترفض أساسا صدور قرار. وساركوزى رئيس فرنسا، هو ذاته الذى كان فى الشهر الماضى القوة المحركة لاستصدار قرار من الاتحاد الأوروبى يكفل لإسرائيل كل مزايا العضوية بغير أعبائها، وهو عمل شاذ لا سابقة له. ومنذ قيام الجمهورية الخامسة فى سنة 1958 برئاسة الجنرال شارل ديجول، وهناك حرص فرنسى على الاحتفاظ بمسافة استقلال عن السياسة الأمريكية بالمنطقة، وخصوصا دعمها المطلق لإسرائيل. الآن يقلب ساركوزى تلك السياسة رأسا على عقب، وهو ما أصبح بدوره دافعا إضافيا لإسرائيل فى تصعيد بلطجتها بالمنطقة، بينما تعلن وزيرة خارجيتها بكل تبجح، أن ما تقوم به إسرائيل من حرب فى غزة، إنما هو دفاع منها عن «قيم العالم الحر».

لكن بعيدا عن مثل تلك الشعارات الرنانة، التى تروج لها الوزيرة الإسرائيلية فى الإعلام الغربى، فإنها جربت أولا أن تقول إن هدف الحرب هو إسكات صواريخ حماس. كلمة «صواريخ» هنا بها كثير من المبالغة أصلا، فهى قذائف بالغة التواضع والكفاءة، ومنذ بدأ قصفها لأول مرة من قطاع غزة فى سنة 2001، لم يزد قتلاها عن عشرين إسرائيليا طوال سبع سنوات حسب إحصاءات إسرائيلية. بالطبع لها مردود معنوى وتلك كل الفكرة منها. لذلك عدل الإعلام الإسرائيلى مؤخرا من تبريره للحرب، فكرر أن هدف الحرب هو «استعادة صورة إسرائيل الرادعة». أما الأقرب إلى الدقة، فهو ما كان قد أعلنه موشى يعلون ،رئيس أركان القوات الإسرائلية فى 2002 حينما قال: «لابد من جعل الفلسطينيين يفهمون فى أعمق تلافيف وعيهم، أنهم شعب مهزوم».

كان ذلك فى 2002 حيث الفلسطينيون الموجودون فى السلطة برام الله وقتها لم يكونوا من حماس. كانوا ياسر عرفات ومحمود عباس ومحمد دحلان وباقى قائمة «المعتدلين» ،سواء منهم المقتنع باعتداله أو الملعوب فيه. والآن فى 2009 أصبحنا نتكلم عن وقف إطلاق النار، وعن معبر رفح، وعن حماس وفتح، وعن مهلة للمعونات الإنسانية، وعن الحاجة إلى رفع الحصار و.. و.. طوال سنوات وسنوات أغرقتنا إسرائيل بتفاصيل التفاصيل ،ابتعادا عن أصل الموضوع. وأصل الموضوع هو الاحتلال والأرض والحياة بكرامة وحرية.