‏إظهار الرسائل ذات التسميات إعلام. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات إعلام. إظهار كافة الرسائل

قناة الجزيرة و«قطر» فى خطر


يسرى فودة
استقالتى من قناة الجزيرة لا تعنى أننى خاصمتها. ببساطة هى تعنى فقط أننى لا أريد أن أبقى رقماً فى معادلاتها الجديدة. إذا كان جانب منى حزيناً على فراق شاشتها، فإن جانباً آخر منى سعيد بانضمامى إلى مشاهديها. وإذا كان جانب منى يرجو لزملائى بها (هؤلاء فقط الصادقون المهنيون الذين يحترمون أنفسهم فيحترمهم الآخرون) كل التوفيق وكل النجاح ما وسعتهم الظروف، فإن جانباً آخر منى يدعونى إلى أن أتحمل واجبى ومسئوليتى تجاه نفسى وتجاه من أتوجه إليهم بما قدرنى الله عليه من عمل.

تجربة الحرية، بمعنى من المعانى، كتجربة الموت؛ فمثلما لا يستطيع المرء أن يزور الموت ثم يعود منه، لا يستطيع المرء أيضاً أن يزور الحرية ثم يعود منها. وقع عقلى على هذه الصورة الملهمة بينما كان هؤلاء الذين شاركوا فى تأسيس قناة الجزيرة (وأنا واحد منهم) فى نشوة اللحظات الأولى لانطلاقة القناة عام 1996.

كان الأمر مفاجأة لنا جميعا،ً فلم يكن أحد (حتى من هؤلاء الذين تخرجوا فى تليفزيون بى بى سى) ليتوقع ربع النجاح الفورى الذى أحرزته قناة انبثقت فجأة من صغرى الدول العربية. وأقولها صراحةً وإنصافاً إن الغالبية العظمى لهؤلاء الذين شكلوا نواة القناة غادروا لندن حين غادروها فى طريقهم إلى الدوحة مضطرين بعد انهيار مشروع بى بى سى (بقيت أنا لمجرد أننى استطعت البقاء مهنياً)، وأن أحداً منا لم تكن لديه فكرة عن كنه المشروع القطرى.

سريعاً بات من الواضح أن قناة الجزيرة وجدت ضالتها فى شارع عربى يعانى حرماناً على مستويات عديدة: سياسية وإعلامية وثقافية وإنسانية، ومن ثم استحوذت فجأة على خانة لا منافس لها فيها. ولأن المرء يتفوق على أقران الصف لسبب من ثلاثة، إما لأنه اجتهد أو لأن الآخرين أهملوا أو لمزيج من الاثنين، فقد بدا تفوق الجزيرة لأول وهلة فى تقديرى للسبب الثانى أكثر منه للسببين الآخرين دون أن أنكر على زملائى جهودهم.

فمن الناحية المهنية، لم نضف كثيراً إلى عالم الصحافة التليفزيونية عندما وضعنا مذيعاً فى استوديو ومعه ضيف أو اثنان. لكنّ الواقع العربى اكتسب الكثير عندما أضيف إلى الاستوديو عنصر آخر لم يعرفه من قبل، ولم يكن فى حاجة إلى ميزانية ولا إلى عبقرية: خط هاتف مفتوح لمن يريد أن يتكلم على الهواء أمام الملايين داخل بلاده وخارجها. لقد كان هذا ببساطة انقلاباً فى واقع المواطن العربى لا فضل كثيراً فيه للعاملين فى الجزيرة بقدر ما عاد الفضل فيه لما وصف وقتها بـ«سقف الحرية».

ولأن ما مُنح من أعلى يمكن أن يُسترد فى أى لحظة، فقد كانت تلك ظاهرة سياسية أكثر منها ظاهرة إعلامية جعلت رد فعل الآخرين عليها يمر بثلاث مراحل. كانت ملامح المرحلة الأولى منها سياسية بحتة، تمثلت فى أمور من مثل سحب سفراء من الدوحة واتصالات مكثفة وضغوط حثيثة لاحتواء هذه التى أطلق عليها البعض مصطلح »الظاهرة الصوتية«. وكالطفل الصغير الذى جرب المشاغبة فاكتشف أنها تلفت الأنظار، اكتشف المسئولون فى قطر، صغرى الدول العربية (ولا عيب فى ذلك)، أن بين أيديهم الآن ما يمكن أن يتحول إلى كنز وبين أيديهم دائماً حجة ألا شىء يحدث فى قطر يستحق التغطية (وهو ما ليس صحيحاً).

هذا فى الوقت الذى بدأ رد فعل الآخرين ينتقل إلى المرحلة الثانية تقوده طاقة سلبية أكثر منها إيجابية. فبدلاً من تطوير الأداء الإعلامى بدأت حملات لاذعة، بعضها تحت الحزام، صاحبها إغلاق مكاتب وتوقيف مراسلين و«شغل فى الأزرق». وكلما زاد ذلك زادت نشوة «الطفل المشاغب»، يوازيها شغف واهتمام متزايد فى دوائر إسرائيلية وأمريكية كانت تتابع انعكاسات هذه الظاهرة بدقة وعناية. ومن ثم بات واضحاً أننا أمام طوفان يحاصر البيت، وأننا إذا لم نبادر بإحداث بعض الثقوب فى الأبواب والنوافذ بأنفسنا، فلن يكون للطوفان سوى نتيجة واحدة حتمية.

كانت تلك لحظة فارقة تُحسب طبعاً لقناة الجزيرة، لكنها تُحسب أيضاً لهؤلاء الذين قبلوا التحدى وانطلقوا بطاقة إيجابية نحو تحسين الأداء الإعلامى، فبدأنا نرى ألواناً جديدة من التغطية الخبرية وبرامج الأحداث الجارية، حتى بدأنا نرى قنوات بأكملها تنطلق تعبيراً عن هذه المرحلة، ومنها قناة النيل للأخبار فى عام 1998 وقناة أبوظبى فى عام 2000 وقناة العربية فى عام 2003. والمستفيد الأول دون شك هو المواطن العربى أينما كان.

غير أن النجاح غير المشكوك فيه لقناة الجزيرة حتى تلك النقطة لم يكمن تماماً فى إزعاج الحكام العرب، وإنما ظهر واضحاً، كما يرى متابع جيد مثل أمير طاهرى، فى استغلال حالة ما يوصف بالشارع العربى واستدرار تعاطفه، عن طريق افتراض أن الأصولية الإسلامية فى تصاعد فى كل الدول العربية، وأن الغالبية العظمى تؤيدها سراً. ورغم ذلك كان هناك مجال لا يزال حتى تلك النقطة لمن يعتمدون العمل الصحفى الميدانى القائم على المهنية والبحث والتدقيق، للخروج عن هذا الخط، طالما أن ما يوصف بالبرامج الحوارية (التى يسهل السيطرة عليها) لا يزال «مسلّياً»، والأهم من ذلك أنه بطبيعته البحتة لا يستطيع الاستمرار بعيداً عن ذلك الخط.

بدأت مرحلة جديدة فاصلة بعد خمس سنوات صارت الجزيرة فيها أهم من قطر، وهو وضع غير طبيعى فتح باباً واسعاً لكثير من المتناقضات، حتى أن أحد الضيوف من غير العرب سأل الزميل محمد كريشان يومها (وهذه ليست نكتة): «و كيف حال الطقس هذه الأيام فى الجزيرة؟» ظناً منه أن قطر هى القناة والجزيرة هى الدولة. وكانت قناعة المسئولين فى قطر قد اكتملت بأن لديهم الآن جيشاً قوى البنية حان الوقت لاستخدامه فى بعض الغزوات، ومن ثم رفضوا تماماً (على عكس ما كان مفترضاً وفق قانون إنشائها) طرح أسهم الجزيرة فى الأسواق بعد خمس سنوات، وبدأنا نلحظ وتيرة متصاعدة للتدخلات التحريرية. حتى ذلك الوقت فقط كانت الإدارة قد رفضت إذاعة ثلاثة تحقيقات جادة من برنامج «سرى للغاية».

دشنت المرحلة التالية بدورها مرحلة أخرى على صعيد آخر: نظرة الغرب عموماً إلى مدى قدرة الإنسان العربى على ممارسة صحافة جادة قادرة على المنافسة العالمية، والأهم من ذلك نظرة دوائر بعينها فى إسرائيل وفى أمريكا إلى هذه «الورقة» الجديدة. ولأننا نعلم من قوانين الجغرافيا السياسية أن أى دولة فى حجم دولة كدولة قطر (مع صادق احترامنا لأهلها) لابد كى تحيا من أن تعيش تحت ظل دولة كبرى، عادةً تكون إحدى دول الجوار، فقد كان الموقف فى حالة دولة قطر كالتالى: إلى يمينها إيران «المتوثبة»، وإلى يسارها السعودية «كاتمة الأنفاس»، ومن فوقها عراق صدام، وعلى مرمى البصر إسرائيل ومصر. ثم بعد ذلك هناك شيخ الحارة كلها: أمريكا.

ولأننا نعلم أى خيار استراتيجى ذهب إليه المسئولون فى قطر فقد صارت الجزيرة، خاصةً لدى بداية تلك المرحلة، عضلة تبدو عملاقة، وإن كانت فى الواقع عضلة هشة يمكن ببساطة إغلاقها بمكالمة هاتفية مختصرة، مثلما يمكن ببساطة «اختطافها» لخدمة أهداف بعينها بعضها فورى وبعضها الآخر استراتيجى، بعضها يمكن رؤيته بالعين المجردة، وبعضها الآخر يحتاج إلى أكثر من ذلك بكثير. فى لحظات المصير، رغم ذلك، تسقط الأقنعة وتبين الملامح.

بدأت التهيئة الإعلامية لغزو العراق الذى أدى فى النهاية إلى كثير من النتائج، من بينها ذبح صدام حسين، لكن ذبحاً آخر كان قد سبقه لم يلتفت كثيرون إلى معناه: ذبح المدير العام للقناة حتى ذلك الوقت، محمد جاسم العلى. كانت مرحلة «اختطاف» قناة الجزيرة قد بدأت، وكنت أنا قد قدمت استقالتى منها رسمياً لأول مرة، الأمر الذى استدعى تدخلاً مباشراً من أمير قطر. وتلك قصة أخرى.

عروبـة مؤجلـــة للمستقبــل


جاء نجاح المسابقة الأولى لـ«جوائز الصحافة المصرية» بمثابة الشرارة التى أطلقت مشاعر جياشة داخل المجتمع الصحفى وخارجه، كان يبدو أنها تراجعت تحت السطح، مشاعر بأهمية التفوق فى الأداء المهنى الصحفى لمصلحة القارئ أولا، ولحقيقة أن لدى الصحفيين ما يستحق المنافسة من أجله.

ومن بين التعليقات العديدة المنشورة سأضرب مثلا بمقال على مساحة ثلاث صفحات فى مجلة «روزاليوسف» كتبه عدلى فهيم بعنوان «الليلة الكبيرة» حيث انطلقت أصوات الصحفيين الشبان على وجه الخصوص يغنون (سنة حلوة يا صحافة.. سنة حرة يا صحافة).. وقبل أن يغادر الجميع قاعة الحفل تجمعوا حول تورتة كبيرة من الشيكولاتة حملت شمعة واحدة، وترصعت بكلمات أشبه بحبات اللولى الحر: مبروك لجوائز الصحافة المصرية، وقطع التورتة واحد من شيوخ الصحافة ولكنه شيخ الشباب أيضا.. هو صلاح حافظ.

كانت تلك هى طبيعة صلاح حافظ فعلا.. شاب فى شيخوخته.. وفنان فى حماسه، ومرة على الأقل فى كل أسبوع كان يذهب إلى مؤسسة «روزاليوسف» حاملا فى حقيبة يده تحقيقات وموضوعات صحفية أعاد صياغتها أو اختار لها عناوين أكثر جاذبية ليجرى نشرها.

وفى المرة الأولى التى زارنى فيها بعد الاحتفال قال لى: «تصور.. أنا اعتدت منذ سنوات طويلة، وفى كل مرة أذهب فيها إلى روزاليوسف، على سماع المناقشات العديدة بين الصحفيين وفى مقدمتها الشكوى المستمرة من عدم كفاية المرتب أو استمرار الجمود المهنى، ومنذ احتفال الجوائز تذكر الصحفيون أنهم.. صحفيون، لقد تحولت المناقشات إلى التسابق على طرح أفضل الأفكار لتحقيقات صحفية يكفل لهم نشرها التقدم بها إلى المسابقات التالية، الكل بدأ يبحث عن الفكرة الجديدة أو غير المسبوقة، ويتعمق فى تفاصيلها لكى تصبح أشمل وأكثر جاذبية.. وهكذا.. وهكذا».

نفس الانطباع خرج به أحمد بهاء الدين من مناقشات سعى إليها معه صحفيون من «الأهرام» و«الأخبار» و«الجمهورية» بخلاف صحف المعارضة جميعا، وكان من الملاحظات التى نبهنا إليها هذا الحماس الصحفى المستجد، التساؤل المتكرر: لماذا فاتنا أن نضيف إلى المسابقة جوائز للإخراج الصحفى؟ ووجدنا أن هذا معقول فعلا، فالمخرج الفنى ويسمى غالبا: سكرتير التحرير هو بمثابة العقل المفكر المسئول عن جعل صفحات الجريدة أو المجلة أكثر تناسقا وجاذبية من حيث الإخراج والاستثمار المناسب لأحجام العناوين والصور والرسوم الكاريكاتيرية، إن وجدت.. إلخ.

وكان هناك زملاء آخرون اقترحوا فروعا لجوائز إضافية، سواء للصحف الإقليمية.. أو لصحافة وكالة أنباء الشرق الأوسط، وهى الوكالة الوحيدة فى مصر.. و.. و.. إنما المشكلة كانت فى محدودية المساهمات المالية المتاحة، فهى كبيرة فى معناها لكنها فى النهاية لا تزال محدودة فى قيمتها المالية، هذا تغير فقط بعد الاحتفال الأول للجوائز، وكان فألا طيبا أن يتصل بى إحسان عبد القدوس مداعبا لى بقوله: يا محمود.. لو مش عايز تزورنى وتشرب قهوة.. على الأقل تعال لتستلم الشيك (بألف جنيه) للمسابقة الثانية.

ومبدئيا فإن كل من ساهموا فى المسابقة الأولى كرروا مساهمتهم، وبنفس المبالغ، فى المسابقة الثانية، لكن فى هذه المرة زاد عليهم زملاء إضافيون جدد، صلاح منتصر مثلا قدم مساهمته المالية فى اليوم التالى مباشرة لتسلمه نصيبه السنوى من الأرباح فى جريدة «الأهرام».. قبل أن يصبح رئيسا لمجلس إدارة دار المعارف ورئيسا لتحرير مجلة «أكتوبر».محمد سلماوى بدأ يساهم رغم أنه يرى أن فكرة الجوائز قد لا تكون مريحة، وربما مستفزة، للصحفيين غير الموهوبين، خالد محيى الدين رئيس حزب التجمع أراد المساهمة فقلت له إننا لا نقبل المساهمة من غير الصحفيين، فذكرنى ومعه الحق بأنه عضو قديم فى نقابة الصحفيين، فوق ذلك.. فقد حرص عدد من الفائزين بالجوائز فى المسابقة الأولى بأن يساهموا ماليا فى المسابقة الثانية.. كعبدالقادر شهيب وإحسان بكر مثلا، كل هذا، وغيره، سمح لنا أن نرفع قيمة الجوائز فى المسابقة الثانية من 18 ألفا إلى 25 ألف جنيه (بقيمة الجنيه فى سنة 1986).

لكن قبل الوصول إلى تلك النقطة كنت فى طريقى إلى لندن لاستراحة قصيرة، وأيضا لعلاج آلام فى العمود الفقرى، وهناك اكتشفت أن الفكرة التى غادرتها فى القاهرة قد سبقتنى أيضا إلى لندن، فى ذلك الحين كانت لندن مقرا لطباعة وإصدار العديد من الصحف والمجلات العربية المهاجرة، وينشر فيها عدد لا بأس به من الصحفيين المصريين، هؤلاء أيضا وجدتهم يتساءلون: أليست هناك أى طريقة تسمح لنا بالتقدم إلى المسابقة بأعمال لنا منشورة فى لندن؟ للأسف.. لا توجد، فنحن فى لجنة الجوائز متفقون من البداية على أن تقتصر الجوائز فقط على الأعمال المنشورة فى الصحافة المصرية، حتى رؤساء تحرير الصحف العربية الذين كانوا قد اتصلوا بى من الكويت والإمارات وغيرهما كانوا يعرضون مساهمة صحفهم بمبالغ كبيرة تمويلا للمسابقة.. لكننى كنت أرد بأننا متفقون فى هذه المرحلة على تأجيل ذلك للمستقبل بعد أن تكتسب الجوائز ملامحها الدائمة، وكنت أرى أيضا أن الوقت لا يزال مبكرا لتوسيع نطاق الجوائز بالامتداد إلى صحف وصحفيى العالم العربى.

وفى لندن أطلعنى الصديق اللبنانى فؤاد مطر، رئيس تحرير مجلة «التضامن» على عدد من المجلة خصصت فيه مقالها الافتتاحى للترحيب بالجوائز المصرية، والتنويه إلى أنه من بين ما جعل للجوائز المصرية صداها غير المسبوق فى الصحافة العربية -إلى جانب الاستقلالية فى التمويل- هو أن ثلاثة على الأقل من أعضاء لجنة التحكيم لهم مصداقيتهم باتساع العالم العربى بالنظر إلى انتشار مقالاتهم التى تنشرها لهم كبريات الصحف العربية، فى نفس الوقت كانت قد سبقته مجلة «الوطن العربى» التى تصدر من باريس إلى كتابة مقالها الافتتاحى عن المسابقة أيضا واختتمته بقولها: «هكذا تسبق مصر الجميع دائما، إن الروح الديمقراطية العادلة التى تسود مسابقة جوائز الصحافة المصرية هى التى فاجأت الجميع، ونحن نتطلع من الآن إلى أن تفاجئنا المسابقة مستقبلا بأن تشمل أيضا الصحفيين فى المطبوعات والإصدارات العربية»، ترحيبات من هذا النوع تواتر نشرها فى صحف ومجلات عربية أخرى أقدر مشاعرها تماما مؤجلا التفكير فى ذلك إلى المستقبل.

وفى لندن أيضا كانت السيدة همت مصطفى هى المستشار الإعلامى للسفارة من بعد استقالتها من عملها كرئيسة للتليفزيون فى القاهرة، وحينما علمت بوجودنا فى لندن -أحمد بهاء الدين وأنا- تفضلت هى وزوجها بدعوتنا إلى العشاء فى منزلها.. لأفاجأ أيضا بأن مسابقة جوائز الصحافة المصرية قد تسللت إلى مناقشتنا: هل تتابع المسابقات الشبيهة فى الصحافة البريطانية؟ نعم، أتابع، فمؤسسة «الديلى ميرور» الصحفية تعهد سنويا إلى لجنة خاصة مهمة اختيار الأعمال الصحفية المرشحة للفوز، لكن الذين يرشحون هم رؤساء تحرير الصحف الأخرى أنفسهم، هذا قد لا يناسب حالتنا فى مصر لأن الثقة ليست كبيرة بعد فى بعض رؤساء التحرير من حيث تغليب انحيازاتهم السياسية أو الشخصية، والدليل على ذلك أن صحفيين عديدين من صحف قومية تقدموا إلينا بأعمال لهم منشورة فى صحف المعارضة وليس فى صحفهم القومية.

كنت أيضا قد درست جوائز «بوليتزر» السنوية فى الصحافة الأمريكية وتنظمها مدرسة الصحافة فى جامعة كولومبيا لإعطاء جائزة واحدة عن كل واحد من عشرة فروع صحفية حددتها، فى الحالة البريطانية قيمة الجائزة ألف جنيه إسترلينى، وفى الحالة الأمريكية القيمة ألف دولار، ونحن فى مسابقتنا المصرية بدأنا بثمانية فروع ستصبح عشرة فى المسابقة الثانية، والجائزة الأولى فى كل فرع 1500 جنيه بخلاف جائزة ثانية وثالثة، لا بأس من المقارنة إذن مع تميز جوائزنا بأنها ممولة بالكامل من صحفيين، 18 ألف جنيه فى المسابقة الأولى أصبحت 25 ألف جنيه فى السنة الثانية، وربما لو حسبنا فارق العملة فسنجد أن فلوسنا هى «الأكثر حلالا فى بر مصر» بتعبير أحمد بهاء الدين.

ونتيجة للمصداقية التى أكدتها «جوائز الصحافة المصرية» فى سنتها الأولى فقد أخذها الصحفيون بجدية مضاعفة فى سنتها الثانية، لقد تضاعف الإقبال، سواء من حيث عدد الصحفيين المتقدمين أو من حيث أعمالهم المنشورة وتقدموا بها، هذا بدوره ضاعف من جهد رؤساء لجان التقييم وأعضاء اللجنة العامة للتحكيم بمراعاة اعتبارين: إن كل هذا مجهود تطوعى من أوله إلى آخره.. وأن معظمنا لديه التزاماته الصحفية الثابتة، سواء على مستوى الصحافة المصرية أو العربية.

ومع إعلان نتائج المسابقة فى سنتها الثانية أصبح عدد الفائزين 31 صحفيا من بين مئات معظمهم تقدم للمسابقة بأكثر من عمل فى أكثر من فرع، ونستطيع أن نستعيد ضراوة المنافسة من معرفة أنه من الفائزين فيها من هم برصيد وخبرة مرسى عطا الله وحسن المستكاوى وهدايت عبد النبى ومجدى مهنا وطارق الشناوى.. كمجرد أمثلة.

ومع الاحتفال بتوزيع جوائز الصحافة المصرية فى سنتها الثانية، وتحدد له 19/7/1986، كان المدعو للمشاركة هو رئيس الوزراء الجديد الدكتور على لطفى. فى تلك المرة كان الإصرار مستمرا على أن يكون الصحفيون أنفسهم مسئولين عن كل خطوات المسابقة من أولها وحتى تنظيم الاحتفال بها، وبالإجمال.. كان رد الفعل فى المجتمع الصحفى يتلخص فى: إن هذه المسابقة ولدت لتبقى.. وتستمر.

بببوبكل تلك الآمال والانفعالات أصبح الصحفيون يتساءلون من اليوم التالى مباشرة للاحتفال: متى ستفتحون باب التقدم إلى الجوائز فى سنتها الثالثة؟
ولم يكونوا يعرفون بعد أن الثالثة.. تابتة.

توابع النزاهـة والأحكام الغيابية


فى طريقى إلى رئيس الوزراء كمال حسن على، كانت تغمرنى تلك المشاعر المتضاربة التى خرجت بها من التجربة الأولى لإقامة مسابقة «جوائز الصحافة المصرية»، وباعتبارها تجربة أولى، فقد كان القلق عليها بقدر الحماس لها.. والتفاصيل بنفس أهمية الخطوط العريضة وتفاعل شيوخ المهنة مع شبابها يوازى رد الاعتبار لأهمية إتقان الأداء المهنى فى الصحافة، الذى هو الوجه الآخر لحق القارئ فى المعرفة ومسئولية الصحفى عن التمييز بين الرأى والخبر.

وبوجهه البشوش الذى لا يوحى أبدا بخلفيته العسكرية (ترك كمال حسن على القوات المسلحة برتبة فريق ) قال لى رئيس الوزراء: الحقيقة أنا طلبتك لسببين.. لأعتذر لك.. ولأشكرك.

فأما الاعتذار.. فلأننى جئت إلى هذا الاحتفال مترددا، أقدم رجلا وأؤخر أخرى، لم تكن لهذا الاحتفال سابقة لأقيس عليها، ولا لتلك الجوائز تاريخ لأعود إليه، وطبعا.. أولاد الحلال كثير.. قالوا لى يا أفندم معقول تروح برجليك لتجلس فى وسط 300 صحفى فيهم كده، وكده.
قلت له: يا سعادة رئيس الوزراء.. من غير كده، وكده.. مالهم الصحفيين؟ وحوش الغابة أو من أكلة اللحوم البشرية مثلا؟

قال رئيس الوزراء ضاحكا: مش بالضبط.. إنما أنت شايف.. كفاية رسوم الكاريكاتير اللى بتسلخنى أنا والحكومة كل يوم، على أى حال.. جئت إلى الاحتفال بهذا التوجس، وأنا هنا أكلمك بصراحة، لكن من أول دقيقة بدأت فكرتى المسبقة تتغير تماما بعد أن وجدت نفسى فى وسط صورة متحضرة وغير مسبوقة لمهنة جعلت تلك الجوائز شيوخها يتفاعلون مع شبابها على ذلك النحو البديع، وخلال ربع ساعة أدركت من هو صاحب المولد كله، ولذلك رجوت حضورك لأعتذر لك مبدئيا عن ترددى فى الحضور الذى سبق الحفل.

فى تلك اللحظة استعدت تلقائيا تلك الغصة فى حلقى المستمرة معى منذ اليوم الذى استقبلنى فيه مدير مكتبه ليطرح أمامى شروطا عبثية رفضتها جميعا.. قبل أن يعيد الاتصال بى فى مساء نفس اليوم، بينما كان يزورنى مصطفى حسين، ويخبرنى بموافقة رئيس الوزراء على قبول الدعوة لحضور الاحتفال.

ثم أضاف كمال حسن على رئيس الوزراء بكل مودة: الآن أكرر لك شكرى عن نفسى وعن الحكومة على أنكم بدأتم هذا التقليد غير المسبوق فى الصحافة أو أى مهنة أخرى، وقد عرفت أنك واجهت صعوبات وبذلت جهدا كبيرا فى جمع الـ18 ألف جنيه للجوائز.

قلت له: هذا طبيعى.. بالنظر إلى أن مسألة أن يتولى الصحفيون أنفسهم تمويل الجوائز هى تقليد جديد لا سابقة له.

وبابتسامة عريضة قال رئيس الوزراء: عموما دعنا نتطلع الآن إلى المستقبل، فلكى تستمر هذه الجوائز وتصبح أكبر وأكبر، ولكى يكون شكرى لك عمليا، فإننى كلفت المستشار القانونى لمجلس الوزراء بأن يضع تصورا تنظيميا يسمح للحكومة بأن تساهم فى تلك الجوائز بمائة ألف جنيه سنويا و..

كانت مفاجأة، وهى مفاجأة من العيار الثقيل أربكتنى بالكامل بما جعلنى للحظات أبحث عن كلمات أرد بها، ويبدو أن تعبيرات وجهى فضحت شعورى بـ«الخضة».. لأن رئيس الوزراء استرسل قائلاً: لا.. لا.. لن تكون مساهمة الحكومة لسنة واحدة فأنا سمعت فى الاحتفال أنكم تسعون لاستمرارها سنويا، لذلك فعن نفسى أتكلم عن التزام لخمس سنوات يمتد إلى من يخلفنى كرئيس للوزراء، وبعدها.. إنت وشطارتك.

قلت له: الحقيقة إن العقدة ليست هنا.. فهذا التقليد الذى شهدته وأثار لديك كل هذه المشاعر الجميلة أساسه هو أنه ليوم واحد فى السنة يجىء كبار الصحفيين من بيوتهم ليحتفلوا معا بصحفيين فائزين بجوائز جرى تمويلها بالكامل من الصحفيين، وإذا كنت أنا قد ساهمت بالفكرة وبالتنظيم إلا أن قيمة الجوائز هى بقيمة من آمنوا بالفكرة وساهموا فى نجاحها.. بالمال أو بالجهد أو بكليهما معا.

للحظة أو لحظات بدا أننا على موجتين منفصلتين.. رئيس الوزراء وأنا، لكن شعورى بالامتنان لاهتمام الرجل كان يجب أن يتساوى مع التعبير بوضوح عن جوهر هذه المسابقة وجوائزها.. فهو يتساءل مستغربا تماما من أن نكون فى حالة استغناء وتعفف عن هذا المستوى الحكومى من التجاوب والتفاعل.
وقلت له من قبيل الدعابة تخفيفا للنقاش: سيادتك أكيد تعرف المثل الشعبى.. يا نحلة لا تقرصينى، ولا أنا أنتظر منك عسلا.
مال رئيس الوزراء بكل جسمه قليلا إلى الخلف وضحكته المجلجلة تملأ المكان مستغربا: للدرجة دى؟!

قلت له : يا سعادة رئيس الوزراء.. لعلك تتذكر أننى فى كلمتى التى ألقيتها فى الاحتفال قلت تحديدا إن هذه المسابقة «سوف تستمر مهنية تماما، ومستقلة حتى عن نقابة الصحفيين ذاتها وعن أى مؤسسة منفردة لأن هذا يضيف إلى مصداقيتها وقوتها». أنا حرصت على توضيح ذلك من البداية أمام كل الصحفيين الحاضرين، وفى وجودك مع رئيس مجلس الشعب والوزراء ورؤساء الصحف القومية والحزبية، وفى كل التغطيات الإعلامية وما نقلته وكالات الأنباء عن الاحتفال فى الأيام الماضية كان أهم ما ركز عليه الجميع هو استقلالية المسابقة فى تمويلها وتنظيمها وتحكيمها.

تدافعت الأفكار فى عقلى وفى كلماتى حتى أوضح أننى من البداية ليس لى أى سلطة على المساهمين من كبار الصحفيين تتجاوز مصداقيتى بينهم، كل واحد من هؤلاء، وبخبرته بالمهنة وبالعاملين فيها لأكثر من ثلاثين وأربعين سنة يستطيع من منزله أن يشم رائحة النزاهة أو عدمها من أبعد مسافة ممكنة، بغير التأكد مسبقا من النزاهة والمصداقية لن يساهم ولن يغادر منزله ليحضر الاحتفال على نحو ما جرى، حتى من طرأ عليه سفر أو ظرف صحى، كمحمود السعدنى وكامل زهيرى ويوسف إدريس مثلا، حرصوا على نقل تهانيهم للفائزين بصورة أو بأخرى، وبكل اهتمام ومحبة ورعاية.

ثم إن دخول الحكومة، أو حتى المؤسسات الصحفية، سيكون عامل ضغط حقيقى على القائمين بالتحكيم والتقييم بما يخصم من استقلالية الجوائز، وأحد المعانى الجميلة التى سجلها المعلقون على الجوائز هو أنهم شهدوا لأول مرة رئيس حكومة يشارك فى تسليم جوائز لمن انتقدوا حكومته.. هذا لن يكون واردا إذا تحولت المسابقة لتعتمد على مساهمة الحكومة و.. و.. و..

فى النهاية قال لى رئيس الوزراء بكل لطف ومودة: على أى حال لو غيرت رأيك اتصل بى، وسأظل عند وعدى طالما بقيت رئيسا للحكومة.. و(بابتسامة عريضة) أنت فى هذه المقابلة وفرت لى مادة لحكاية ربما سأضعها فى مذكراتى.. حكاية حكومة تعرض نصف مليون جنيه وصحفيين يعتذرون عن عدم قبولها، تفتكر.. حد حا يصدق؟
قلت له مع انصرافى: أنا سأصدق، زملائى ومن سأحكى لهم سيصدقون.. على الأقل هذه أول مرة يتذكر فيها رئيس حكومة الصحفيين بالخير.

ربما من باب الاطمئنان إلى صحة موقفى، أو على الأقل الاستئناس بمشورة إضافية، كانت أول مكالمة تليفونية أجريها بعد وصولى إلى البيت هى مع أحمد بهاء الدين، وفى اللحظات الأولى بدا بهاء كما لو كان يسترجع مرة بعد مرة ما حكيته له فى التو واللحظة قائلا لى: أعد ما ذكرته مرة أخرى.. رئيس الحكومة عرض مائة ألف جنيه للجوائز.. ولخمس سنوات.. وأنت اعتذرت عن عدم القبول؟ والله كمال حسن على عداه العيب، وكشف عن سعة أفق واستنارة لا نعهدها غالبا فى رؤساء الحكومات، وأنا أضم صوتى إليك.. فاستقلالية الجوائز تمويلا وتحكيما وتنظيما هى المكسب الكبير الذى خرجنا به.

وبعد برهة أضاف أحمد بهاء الدين: قبل أن أنسى.. مساهمتى المالية بالألف جنيه فى المسابقة الجديدة جاهزة من الآن.

لم أكن قد غادرت، بعد، توابع المسابقة الأولى، فرئيس مجلس إدارة إحدى المؤسسات الصحفية مثلا اتصل بى معاتبا: هل معقول وأنا أرأس مؤسسة تضم 270 صحفيا فلا تعطون فى المسابقة جوائز لأحد منها بينما مؤسسة أخرى تحصل على ست جوائز؟

وقلت له: من أولها فكرتك عن الجوائز خاطئة، فأنت تتصور أننا كلجنة قلبنا فى كل الصحف والمجلات المصرية لنختار منها الفائزين. هذا غير صحيح، نحن فتحنا باب التقديم لمن يرغب من الصحفيين والصحفيات، ولجان التقييم مارست مهمتها للاختيار من بين من تقدموا، المشكلة أن الإدارة فى مؤسستك استلمت إعلان المسابقة لكنها حجبته عن الصحفيين، ومن هنا لم يتقدم أحد من مؤسستك أصلا وتنبهوا فقط بعد انتهاء موعد التقدم للمسابقة.

لكن سوء الفهم لم يكن فقط من داخل المهنة، كان من خارجها أيضا. فزميلة عزيزة وصحفية نشيطة هى فى حينها المحررة الأولى للشئون الدبلوماسية قى صحيفتها اتصلت بى لتداعبنى بكلمات فاجأتنى بما هو أغرب: إن السفارة الأمريكية فى القاهرة تشعر بالاستياء من تعبير بعض الجوائز عن موقف سياسى معاد لأمريكا.

معاد لأمريكا؟ كده.. خبط لزق؟ نعم، هكذا قال لها المستشار الإعلامى للسفارة الأمريكية بالقاهرة، وهى رفضت بشدة ذلك الانطباع من جانبه، وعرضت أن نتقابل نحن الثلاثة على الغداء.

مع الغداء زاد المستشار الأمريكى فى الشرح والتفسير، فأحد الأعمال الفائزة بالجائزة الأولى مقال تحليلى نشره عبد القادر شهيب فى جريدة «الشعب» التى كان يصدرها حزب العمل المعارض، والمقال عن أخطار المساعدات الأجنبية مع التركيز أساسا على المعونة الأمريكية لمصر معتمدا على أرقام ووقائع تؤكد فى النهاية أنها ليست لوجه الله.
وسألت المستشار الأمريكى: ماذا يزعجك فى ذلك المقال؟


أجاب: أولا.. دوافعه أيديولوجية، وثانيا.. أرقام عديدة ذكرها.. إما غير صحيحة أو غير دقيقة.
قلت له: دعنا ننحى مسألة الدوافع جانبا لأنك ناقص تقول لى إن الكاتب شيوعى، دعنا نتحدث بشكل مهنى، فإذا كانت بالمقال أرقام وبيانات غير صحيحة.. فلماذا لم ترسل ردا وتصحيحا إلى الجريدة التى نشرت المقال؟

رد بكل ثقة: الجريدة لم تكن ستنشر أى رد.. فموقفها العام من مجمل السياسات الأمريكية غير ودى.
قلت له : بصرف النظر عن موقف الجريدة السياسى، فإن القانون يلزمها بنشر الرد والتصحيح، وإذا سايرتك جدلا فى افتراضك بأن الجريدة لم تكن لتنشر ردك.. فمن حقك أن ترسل إلينا فى نقابة الصحفيين صورة من الرد المرفوض نشره ونحن سنطبق القانون، هذا أفضل كثيرا من أن تجلس فى مكتبك وتصدر الأحكام الغيابية أو تستسهل التفسيرات الأيديولوجية.

ويومها انتهى الغداء بغير أن يبدو أن الرجل اقتنع.. ولا أنا أيضا قبلت بمنطقه، وفيما بعد أصبح الزميل عبد القادر شهيب رئيسا لتحرير مجلة «المصور» ورئيسا لمجلس إدارة دار الهلال.. بغير أن يعرف بتلك الواقعة لسنوات وسنوات، لكننى بالطبع كنت سأحكيها له لو تقدمت أمريكا بشكوى ضده إلى مجلس الأمن الدولى.

وداعاً قناة الجزيرة


يسرى فودة
شيئان فى الدنيا لا حيلة لنا فيهما ولا اختيار: آباؤنا والأرض التى ولدنا عليها. نختار دونهما ما شئنا أن نختار، ونعتز باختياراتنا التى تصنع شخصياتنا وتميزنا عن الآخرين ثم نمشى فى مناكب الأرض شرقاً وغرباً. ومهما طال مشينا، رغم ذلك، يبقى أعز ما لدينا هو ذلك الذى لم تكن لنا فيه حيلة ولا كان لنا فيه اختيار. أمام هذا لا بد أن يتوقف الإنسان متأملاً، يلقى نظرةً إلى الوراء، ولو مرة، لعله يدرك أين يقف وإلى أين يريد أن يتوجه من هنا. فاللهم احفظ أمى وارحم أبى وطهّر أرضى، اللهم ألهمنا من بعد ذلك نفاذ البصيرة.

فكرت كثيراً قبل كتابة هذه السطور، فكرت كثيراً، لسنوات. وفى كل مرة كنت أوشك على اتخاذ هذا القرار كان ثمة سبب يدفعنى إلى التراجع، له علاقة برؤيتى أحياناً، وأحياناً أخرى فوق طاقتى.

اليوم، بعد عامين من التأمل بعيداً عن زحام العمل وعن لفحات المغامرة وعن إغراءات الشاشة، أصل إلى نقطة من الصفاء الذهنى والتكامل النفسى والراحة الجسدية تسمح لى باتخاذ القرار الصعب: أن أعلن من هذا المنبر انتهاء علاقتى بقناة الجزيرة متمنياً لأصدقائى وزملائى بها، هؤلاء فقط الصادقون المهنيون الذين يحترمون أنفسهم فيحترمهم الآخرون، كل تقدم وكل إبداع ما وسعتهم الظروف.

لكنّ من أريد أن تطول التفاتتى نحوه فى هذه اللحظة هو الإنسان العربى أينما وُجد وقد كان، ولا يزال، مرجعى أولاً وأخيراً (بعد ضميرى الإنسانى والمهنى) فيما كنت أختار من تحقيقات وفيما كنت أطمح إلى الإسهام به نحو واقع عربى أفضل. من هذا الشيخ الجليل الذى أقبل علىّ فى صحراء الجوف كى يعانقنى وهو الذى لم تتح له فرصة لتعلم القراءة والكتابة، إلى ذلك الأستاذ العربى فى جامعة هارفارد الذى أمدنى باكتشافاته حتى قبل أن تُنشر، وبينهما كل آبائى وأمهاتى وإخوتى وزملائى وأصدقائى وأبناؤنا جميعاً الذين باهتمامهم ألهمونى وبحبهم ساعدونى على الإسهام بما قدّرنى الله على الإسهام به، والذين من أجلهم هان طريق الأذى أمام لذة الاكتشاف وقيمة الحقيقة. إلى هؤلاء أتحدث اليوم.

وفى بداية حديثى لابد أن أطمئن هؤلاء الذين أسعدونى بمتابعة عملى الصحفى، على قناة الجزيرة وعلى غيرها، إن هذا ليس خطاباً للتنحى عن مهنة الصحافة؛ فمن ولد صحفياً يموت صحفياً، ولا هو ردة فعل فى لحظة انفعال؛ فلقد استغرقنى الأمر سنوات. ولحسن الحظ فقد ولدت فى جيل أتيح له من نوافذ الإعلام ما لم يُتح لسابقيه. وإننى لأشعر بسعادة غامرة على المستويين الاجتماعى والمهنى لعودتى إلى بلدى، مصر، ولتمكنى من المساهمة فى بناء جريدة اليوم السابع التى أراها تكبر يوماً بعد يوم وأنا أطل منها على القارئ العربى، ولأن إطلالتى التليفزيونية القادمة على المواطن العربى ستكون أيضاً من مصر.

سيتساءل البعض: لماذا هذا القرار؟ ثم ربما يتساءلون: لماذا هذا القرار «الآن»؟ وحقيقة الأمر أننى عبرت علناً مرات عديدة عن تحفظى على أمور بعينها على الشاشة ووراء الشاشة، لبعضها علاقة بالإدارة ولبعضها علاقة بالمهنة ولبعضها الآخر علاقة بالسياسة، وأننى قدمت استقالتى مكتوبة موقّعة إلى رئيس مجلس الإدارة، الشيخ حمد بن ثامر آل ثانى، مرتين: مرة عام 2003 ومرة ثانية قبل عامين. وأن استقالتى رُفضت فى المرة الأولى بتدخل مباشر من أمير قطر، الشيخ حمد بن خليفة آل ثانى، وتحولت فى المرة الثانية إلى اتفاق بينى وبين رئيس مجلس الإدارة على ما يشبه «استراحة محارب» باقتراح منه مشفوع بالتماس ألا أنضم إلى قناة أخرى يقابله طلب منى بأن يتقبل قرارى أيما كان بصدر رحب لدى نهاية الاستراحة. واتفقنا على ذلك.

ورغم أننى أحاول دائماً فى عملى أن أرى الأمور من منظور المشاهد فقد أتاحت لى هذه الاستراحة أن أتابع قناة الجزيرة لأول مرة بعين المشاهد متخلصاً من صخب العمل وغمامة الاستغراق. كما أتاحت لى فرصة عريضة كنت أتوق لها من زمن بعيد لاتخاذ مقعد خلفى يتيح لى منظوراً أعرض للتأمل فى لحظة ماضية ومعايشة لحظة حاضرة واستشراف أخرى آتية.

ألقى بى التأمل إلى بداية عام 1994. كنت وقتها أدرس الدكتوراه فى جامعة جلاسكو فى اسكتلندا كى أعود بعدها لاستئناف عملى الأكاديمى فى جامعة القاهرة. وفى تلك الأثناء أعلنت هيئة الإذاعة البريطانية عن عزمها إطلاق أول قناة تليفزيونية باللغة العربية متخصصة فى الأخبار وبرامج الأحداث الجارية. وبعد تفكير شاركت مع الصف الأول فى تأسيس القناة وشرفت باختيارى أول مراسل عربى متجول.

كانت تلك لحظة فارقة على طريق صحافة تليفزيونية عربية، حتى أنه بوصولى أول مرة إلى منطقة الحرب فى سراييفو فتح زملاؤنا الإنجليز فى غرفة الأخبار فى لندن زجاجات الشمبانيا احتفالاً بالحدث.

لكن هذا التليفزيون لم ينطلق إلا حين دخلت بى بى سى (بعقليتها الإنجليزية) فى شراكة مع شبكة أوربيت (بعقليتها السعودية) ما زرع بالضرورة ناراً تحت الرماد انتشر دخانها فى غرفة الأخبار أكثر من مرة حتى بات العاملون بها على فوهة بركان؛ فكان هذا خطأً قاتلاً ظلم الشريكين معاً، وإن كان ظلم العاملين تحت إمرة البريطانيين برواتب سعودية ظلماً أفدح. لقد كان هذا، فى الواقع، زواجاً قام باطلاً وانهار باطلاً بعد ذلك بنحو عامين.

غير أنه، وقد انهار، ترك بين يدى المراقب مثالاً فريداً من نوعه؛ فلأول مرة فى التاريخ، على حد علمى، تقوم شركة لا يريد أحد الشريكين لبضاعتها أن تنتشر، ولأول مرة يكون تأثير قناة تليفزيونية فى العاملين بها أعمق بكثير من تأثيرها فى تلك القلة من رواد فنادق النجوم الخمسة التى أتيح لها أن تشاهدها.

لم يصدق هؤلاء الصحفيون، وبعضهم من الطراز الأول، أنهم سقطوا فجأة، ولو ليوم أو بعض يوم، فى سوق البطالة بعد أن تسرب من بين أصابعهم أمام أعينهم حلم عزيز. وسرعان ما تلقفت الدوحة كثيراً منهم وهى تعلم أنهم، بغض النظر عن الاختلافات الشخصية والمهنية والسياسية، تخرجوا فى أكثر المدارس الإعلامية فى العالم ثقلاً واحتراماً.

شكل هؤلاء، مع نخبة أخرى من الصحفيين العرب، نواة «قناة الجزيرة الفضائية» التى انطلقت فى الأول من نوفمبر 1996. هذه المرة من عاصمة عربية. هذه المرة بلا خطوط حمراء، أو هكذا كان يبدو. هذه المرة بلا شراكة. هذه المرة يريد البائع لسلعته أن تنتشر. فجأة يدرك المشاهد العربى أنه كان يفتقد شيئاً ولم يكن يدرى.

بقيت أنا فى لندن أؤسس مكتباً لها فى العاصمة البريطانية بينما انتقل كثير من زملائى إلى الدوحة، لكننا جميعاً وجدنا لأول وهلة فى قناة الجزيرة نظاماً فريداً من نوعه لا يوجد مثيل له واقعياً فى مؤسسة إعلامية أخرى، ولا يوجد مثيل له نظرياً فى كتب الأنظمة الإذاعية والتليفزيونية. يجمع هذا النظام بين مجموعة من القيم والمصادر المتنوعة، المتناقضة أحياناً، تتراوح بين القَبَلى والحضرى، بين العربى والغربى، بين اليمينى واليسارى، بين الديمقراطى والديكتاتورى، وبين الدينى والعلمانى.

وتبين هذه المتناقضات من اللحظة الأولى لتوقيع عقد إنشاء الجزيرة بمنحة أميرية على هيئة «مؤسسة عامة للقنوات الفضائية» تحصل على تمويلها من «مجموعة من المستثمرين» للسنوات الخمس الأولى على أن يتم «طرح أسهمها فى الأسواق» بعد ذلك لمن يريد أن يشترى. ولم يكن لذلك أن يحدث، كما أثبتت الأيام، ففى غضون عام واحد صارت الجزيرة بأيدٍ مهنية غير قطرية أكبر من قطر ومن أمير قطر، وحين يحدث هذا لا بد من لحظة أخرى للتأمل.

يتامى في العراء الإعلامي

يتامى في العراء الإعلامي
مالك التريكي
قبل أيام كتب قارئ إلى جريدة 'الاندبندنت' البريطانية يقول: 'إنها لمسألة محيرة حقا. كل المتحدثين الإسرائيليين الذين يظهرون على قنوات التلفزيون الغربية هم من اليهود ذوي الثقافة الراقية واللسان الإنكليزي المُبِين وممن يعبرون برصانة تامة عن وجهة نظر مدروسة بعناية، هذا مع أن الإسرائيليين هم الذين يقترفون جرائم الهدم والتذبيح! أما المتحدثون الفلسطينيون فعلاوة على أن جميعهم تقريبا من أصحاب اللحى الكثة والمظهر المنفر، فإنهم لا يستطيعون التحدث بالإنكليزية ويخفقون إخفاقا ذريعا في مجرد التعبير عن محنة أهل غزة. فأخبروني، هل هذا شيء متعمد ومُبَيَّتٌ بِليْل؟
سؤال قديم جديد لطالما آلمنا وأخجلنا وأنزلنا منزلة اليتامى. نبدو أمام العالم بأسره مرتجفين في العراء الإعلامي كأنه لا يوجد في بني قومنا امرئ واحد ينطق بلسان حالنا بالجدارة الواجبة والبراعة اللازمة. سؤال قديم جديد لطالما نكأ جرحنا وعمّق شعورنا بالهوان. ذلك أنه لا يتعلق بالمقارنة بين أسلوبين في الدعاية السياسية أحدهما أنجح من الآخر (إذ ليت الأمر كذلك) بل إنه يتعلق بالإقرار بمهنية الدعاية الإسرائيلية وانضباطها وثباتها المنهجي على مجهود الدُّربة والمران، كما يتعلق في الوقت ذاته بالحسرة على انعدام المتحدث الفلسطيني القادر على مجرد استخدام اللغة، ناهيك عن مخاطبة القوم بما يفقهون! إذ منذ أن اختفت السيدة حنان عشراوي من شاشات التلفزيون الغربية (فهي لا تظهر الآن إلا لماما)، لم نعد نرى متحدثا فلسطينيا، سواء من فصائل منظمة التحرير أم من 'السلطة' أم حماس، يستطيع مخاطبة الإعلام الأمريكي والبريطاني بما ينبغي من وضوح البيان وقوة الحجة.
هذا الضعف الفادح الفاضح في الأداء الإعلامي مشكلة عربية شاملة، وحقيقة بديهية 'لا يتناطح فيها عنزان' حتى أن النظام الرسمي العربي نفسه، الذي لا يشق له غبار في مضمار إنكار الحقائق، قد اعترف بهذه الحقيقة وبدا كأنه يقدّر مدى كارثيتها عندما دارت مناقشات في أروقة الجامعة العربية قبل عامين أو ثلاثة حول وجوب وضع استراتيجية في مجال التعامل المهني العصري مع الإعلام الغربي، وشاعت آنذاك أنباء عن احتمال تكليف السيدة عشراوي بهذه المهمة....
لم نعد نرى منذ سنوات، سواء من منظمة التحرير أم من الفريقين المتنازعين على وهم الحكم، متحدثا فلسطينيا بالإنكليزية يجدر أن ينطبق عليه هذا الوصف. الاستثناء الوحيد الذي نحمد الله عليه هو الدكتور مصطفى البرغوثي العضو المستقل في المجلس التشريعي. إذ ان أداءه يتميز دوما، في جميع إطلالاته في الإعلام البريطاني، بمتانة الموقف وسلاسة التعبير وسهولة الإتيان بالدليل. بل إن حنكته أصبحت تسمح له بتفكيك الكليشيهات السياسية وبوضع مواقف الإعلام الغربي المسبقة موضع السؤال وبأخذ زمام المبادرة السجالية بدل الاكتفاء بموقف الدفاع السلبي.
ومن أسف أن السيدة ليلى شهيد مندوبة فلسطين لدى الاتحاد الأوروبي والسيد إلياس صنبر مراقب فلسطين لدى اليونسكو، وهما مثقفان لامعان، لا يظهران بشكل لافت إلا في الإعلام الفرنسي. كما أن السيد عفيف صافية الذي يتقن اللسانين الإنكليزي والفرنسي، والذي يتميز بالمهارة في الاستدلال وبسعة الثقافة التي تتيح له الاستشهاد بما يسمح به المقام من اقتباسات أدبية أو شواهد تاريخية، قد قل ظهوره في الإعلام الغربي منذ أن غادر لندن، ثم واشنطن، ليصبح ممثلا لفلسطين في موسكو. كما أننا لم نعد نرى أو نسمع السيد مايكل طرزي خريج جامعة هارفارد الذي كان مستشارا قانونيا للسلطة الفلسطينية، والذي مثل الموقف الفلسطيني تمثيلا جيدا لمدة عامين أو ثلاثة على قنوات التلفزيون العالمية مثل 'بي بي سي'، و'سي ان ان' و'سكاي'.
أما من نسمعهم ونراهم الآن من المتحدثين الفلسطينيين فإنهم جميعا، إلا استثناء أو اثنين، لا يسجلون أهدافا إعلامية إلا ضد مرماهم. يسيئون إلى القضية وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا لاعتقادهم، على ما يبدو، بأن الأداء الإعلامي ما هو إلا مسألة 'صدق في القول'! (ويا ليت ذلك كان صحيحا، إذن لأصبح الأداء السياسي مجرد مسألة 'إخلاص في العمل'!) يسيئون إلى القضية ويرسخون لدى العالم صورة العربي الذي لا يحسن الخطاب لأنه لا يحسن التفكير. هذا بينما ينصّب الشعب الأمريكي رئيسا مثقفا متميزا بحُسن البيان، وبينما يستعد شعب إسرائيل لاحتمال اختيار رئيس وزراء أمريكي اللكنة معروف بحضور البديهة وذرابة اللسان.

روزاليوسف أكثر الصحف انتهاكاً لقواعد المهنة





كتبت سهام الباشا

"حرب البسوس"، هو عنوان التقرير الصادر عن مشروع "عين على الصحافة"، الذى أعده مركز الأندلس، يوصف فيه التجاوزات التى يمارسها الصحفيون ضد بعضهم البعض، والتى تتركز معظمها على اختلاف التوجهات الفكرية لكل منهم.

يتضح من عملية رصد ما احتوت عليه الصحافة المصرية من انتهاكات لبعض الصحفيين ضد زملائهم، أن مهنة البحث عن الحقيقة تحولت إلى التراشق بالألفاظ والهجوم على أشخاص الكتاب، على اختلاف تياراتهم وأطيافهم الأيديولوجية والسياسية، بدلاً من التحاور ونقد الأفكار للأشخاص. كما أن النقد غير الموضوعى تسرب للغة الصحافة، بالرغم من مسئوليتها فى توجيه المجتمع نحو الرقى والتحاور، عن طريق العقل ومواجهة الفكر بالفكر، ورصد التقرير أن نسبة التحيز والتعصب كانت الأعلى بين أنواع الانتهاكات التى تم رصدها ومارستها الصحف فى مواجهة بعضها البعض.

تصدرت جريدة روزاليوسف المركز الأول، بين الصحف التى رصد بها انتهاكات ضد الصحف الخاصة والمعارضة، وذلك بنسبة 35.6%، تأتى بعدها جريدة الوطنى اليوم بنسبة 13.6%، بينما جاءت أقل الصحف تجاوزاً بحق الصحفيين هى مجلة المصور، وجريدة الكرامة، فى حين لم يتم رصد أى انتهاكات ضد الصحفيين فى صحيفتى الخميس ووطنى ومجلة الشباب، كما أظهر التقرير.

وحصل الشكل الصحفى "مقالات رئيس التحرير" على النسبة الأعلى بين الأشكال الصحفية التى ورد بها انتهاكات، حيث وصلت نسبة الانتهاكات إلى 41.3%، وحصل رئيس تحرير جريدة روزاليوسف "عبد الله كمال" على النسبة الأعلى من التجاوزات التى وصلت إلى 26.1% من بين الكتاب الصحفيين، فى حين احتل رئيس تحرير الأهرام أسامة سرايا أقل ترتيب فى الانتهاكات.

ويرصد التقرير الانتهاكات التى وجهها الصحفيون لبعضهم البعض من خلال تصنيفهم فى فئات محددة، والتى بلغت 12 فئة، وذلك فى الفترة من شهر فبراير 2007 حتى شهر يناير 2008. وجاء محمد حسنين هيكل كفئة خاصة احتل فيها المركز الأول بنسبة 17.5% من إجمالى مساحة التجاوزات التى تعرض لها الصحفيون، بسبب أفكاره وآرائه التى يعبر عنها، وكانت أكثر الصحف تجاوزاً ضده هى جريدة روزاليوسف.

فى حين حصلت الصحف الخاصة على المرتبة الثانية من مساحة التجاوزات الصحفية نتيجة لتعرضها للتشهير من قبل بعض الصحف القومية، التى تتهمها بالتلفيق والكذب نتيجة للتعميم وانتقائية موضوعات معينة، بالإضافة إلى اتهام بعض الصحف القومية بعض الصحف الخاصة وبالترويج للفتنة وإشاعة الفوضى فى المجتمع، بل واتهامها بالعمالة وتحقيق أجندة خارجية.

واعتبر التقرير كلاً من جريدتى الدستور والمصرى اليوم، فئتين مستقلتين عن الصحف الخاصة بسبب حصولهما على انتهاكات كبيرة، حيث جاءت الدستور فى المركز الثالث والمصرى اليوم فى المركز السادس، واحتلت الصحف المعارضة خاصة الحزبية المركز الرابع.

كما احتل إبراهيم عيسى رئيس تحرير جريدة الدستور، المركز الخامس من بين الصحفيين المعرضين لانتهاكات، وذلك على خلفية قضية صحة الرئيس، والتى كانت سبباً فى تعرض الصحف الخاصة لانتهاكات من قبل الصحف القومية.

كما كان لعادل حمودة رئيس تحرير جريدة الفجر، نصيب من التجاوزات، حيث أكد التقرير على احتلاله المركز السابع فى الانتهاكات التى تعرض لها بسبب موقفه وآرائه. فى حين احتلت الصحف القومية نسبة قليلة من الانتهاكات من قبل الصحف الخاصة والمعارضة، مما جعلها فى المركز الثامن.

فهمى هويدى من الكتاب الذين تعرضوا لتجاوزات من بعض الصحفيين الذين انتقدوه بسبب أفكاره، التى يعبر عنها فى مقالاته الصحفية، مما جعله فى المركز التاسع، جاء بعده مجدى الجلاد رئيس تحرير المصرى اليوم، والذى انحصرت الانتهاكات ضده فى جريدتى روزاليوسف والوفد.

أما عبد الله كمال فقد جاء فى المركز الحادى عشر، حيث تعرض لانتهاكات من قبل أربع جرائد على رأسها المصرى اليوم، كما وضع التقرير عدداً من الصحفيين فى المركز الثانى عشر، لأن نسبة التجاوزات ضدهم كانت ضئيلة مقارنة بما سبق.

وأكد التقرير على أن مشكلة الصحافة المصرية تكمن فى ندرة المعلومات، وغياب تداولها، الأمر الذى أدى إلى فتح باب الاجتهادات الشخصية لدى الصحفيين، مما أدى إلى تضارب المعلومات عند القارئ، بالإضافة إلى تحول الصحف إلى ساحة للصراعات بين القوى السياسية.

كما أكد مركز الأندلس لدراسات التسامح مناهضة العنف، على أهمية التزام الصحفيين بميثاق الشرف الصحفى، ومحاسبة النقابة كل من يخالف الميثاق من الصحفيين.

نص المؤتمر الصحفي لكتائب القسام بعد معركة الفرقان


بسم الله الرحمن الرحيم
"قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين"
نص المؤتمر الصحفي لكتائب القسام بعد معركة الفرقان
يا أبناء شعبنا الفلسطيني المجاهد يا أبناء أمتنا العربية والإسلامية يا أحرار العالم:
شاء الله أن يبتلي البشرية بالصهيونية المجرمة الماكرة الخبيثة، فهم يرمون البشرية كل يوم بشر جديد، وما من نار حرب تؤجج على ظهر الأرض تصطلي منها الشعوب إلا ولليهود فيها دسٌ ومكر، إنهم أخدع جند الشيطان وأولياء إبليس ..
بعد هذه الحرب الغادرة والمحرقة الثالثة التي شنها العدو الصهيوني النازي الغاصب ضد أهلنا وأبناء شعبنا الفلسطيني في قطاع غزة، وبعد معركة الفرقان البطولية التي خاضتها كتائب القسام والمقاومة الفلسطينية الباسلة على أرض غزة الطاهرة التي كانت ولا تزال وستبقى شوكة مسمومة في حلق الكيان الغاصب إلى الأبد ..
وبعد هذا الصمود الأسطوري البطولي والمقاومة الباسلة المستميتة التي ربما نجزم أنها لم يشهد لها التاريخ مثيلاً ..
فقد حشد الكيان الصهيوني كل قوته الجوية والبرية والبحرية بعد حصار مطبق طويل، وبالترافق مع حرب نفسية وإعلامية ضخمة ضد الشعب الفلسطيني، وأقدم على ارتكاب المجازر المروعة التي تفوق في بشاعتها كل تصور، ومع كل هذا الإجرام الممنهج والإرهاب المجنون، الذي قاده مجموعة من القتلة من عصابات الصهاينة الذين يمثلون امتداداً طبيعياً لعصابات الهاجاناه والآرغون التي نفذت مجزرة دير ياسين مع بداية إعلان قيام الكيان الغاصب.
لقد أعدّ العدو لهذه الحرب طويلاً، ولعدة شهور سابقة، ومن يبرر للعدو حربه ويسوّق أكاذيبه بأنها جاءت رداً على المقاومة فهو شريك في العدوان ومتواطؤ مع هذه الحرب.
إن ما حشده الصهاينة ضد المقاومة الباسلة في غزة يكفي لاحتلال عشرات الدول، لكننا ما أعطينا الدنية في ديننا وفي وطننا وقضيتنا، وصمدنا وثبتنا وصمد معنا شعبنا المجاهد في معركة الفرقان.
فتحية لشعبنا الأبي المعطاء الذي يرفض الانكسار لذلك يستهدفه الصهاينة الأشرار، تحية لهذا الشعب المرابط المجاهد الذي قدم كل شيء من أجل الدفاع عن الأمة ومن أجل رفع لوائها، تحية لشعب الشهداء ولأهل غزة الأوفياء الذين احتضنوا المقاومة وفدوها بدمائهم الزكية وأشلائهم الطاهرة، وأبوا إلا المقاومة ورفضوا كل دعوات المساومة.. إنها غزة رمز الكرامة وعنوان العزة.
لقد نفذ الصهاينة باعترافهم ألفين وخمسمائة غارة جوية، واستخدموا كل قواتهم الغاشمة ضد هذا القطاع الصغير في المساحة والمحاصر من كل مكان، وأعلنوا أنهم استنفدوا 50% من ذخيرة سلاح الجو، ولكنهم وجدوا من أسيادهم ومعلميهم من الأمريكان قتلة أطفال العراق وأفغانستان وأمدوهم بالسلاح أثناء الحرب، وأعلن أحد مجرمي الحرب بأنها أضخم عملية في تاريخ جيش الاحتلال، وفي المقابل فإننا لم نستخدم في صد هذه الحرب أسلحة العرب المكدسة في مخازنهم، ولم نستخدم طائرات أو دبابات، بل استخدمنا أسلحة صنعناها بأيدينا وجبلناها بدماء شهدائنا عبر مسيرتنا المباركة في الجهاد والمقاومة، ونحن نؤكد أن عُشـر هذه الحرب لو تعرض لها الكيان الصهيوني لهرب كل جمهوره إلى المعابر والحدود والمطارات لمغادرة البلاد إلى الأبد.
ونريد هنا أن نقف على مجريات ونتائج هذه الحرب الغاشمة ضد شعبنا وفي المقابل معركة الفرقان التي خضناها ضد هؤلاء النازيين الجدد وذلك في خمسة محاور:
أولاً: على صعيد شهدائنا الأبرار/
تعلمون أن عدد الشهداء في هذه الحرب قد بلغ أكثر من ألف وثلاثمائة شهيد، غالبيتهم من المدنيين وأكثرهم من الأطفال والنساء والشيوخ.
و لنقف أكثر أمام حجم الجريمة وليدرك كل العالم بأن هذه الحرب لم تكن سوى عمليات قتل جماعي وإرهاب عصابات تحمل عقيدة تلمودية إجرامية حاقدة .. فإننا في كتائب الشهيد عز الدين القسام نزف إلى أبناء شعبنا وأمتنا استشهاد أربعين مجاهداً من أبطال كتائب الشهيد عز الدين القسام في المعارك البطولية الرائعة وغير المتكافئة التي خاضها أبطالنا ضد الجيش الهمجي الهزيل الذي حاول التغطية على فشله وهزيمته بارتكاب مجازر ضد المدنيين الأبرياء والعزل وبقصف من الجو بطائرات لا تستخدم إلا في الحروب بين الدول العظمى.
ثانياً: القتلى في صفوف قوات العدو الصهيوني/
من خلال المعارك التي عاد مجاهدونا منها وأكدوا قتل الجنود الصهاينة، فقد رصدنا وبكل دقة عمليات قتل 49 جندياً صهيونياً بشكل مباشر وجرح المئات، ناهيك عن العمليات التي لم يتم فيها مشاهدة القتلى بشكل مباشر مثل عمليات قصف أماكن تجمع الجنود الصهاينة وعمليات قصفهم بالقذائف، واستهداف الدبابات، وقنص الجنود، وغير ذلك... وبالتالي فإن تقديراتنا بأن عدد قتلى العدو لا يقل عن 80 جندياً في أرض المعركة.
إضافة إلى وقوع عدد من القتلى ومئات الإصابات في المدن المحتلة والمغتصبات الصهيونية التي عاشت حالة من الطوارئ والاختباء والشلل التام.
ونحن نتحدى الجيش الصهيوني أن يعلن عن خسائره الحقيقية في هذه المعركة، وكل العالم سمع وشاهد كيف يشدد العدو الرقابة العسكرية ولا يصدر أي شيء سوى ما يرغب أن يخرجه هو للتضليل وللحفاظ على المعنويات المنهارة لجيشه المهزوم والذي يخوض حرباً لا أخلاقية وبدون هدف أو عقيدة بل هو ألعوبة بأيدي السياسيين الفاسدين لأهداف حزبية وانتخابية وسياسية، نحن سنترك للعدو أن يبلغ أهالي القتلى من جنوده وعملائه لينعى إليهم قتلاه فهو يعرف جيداً كم هي خسائره.
وكان من بين مسرحيات الرقابة العسكرية المعتادة، تسجيل الكثير من الجنود القتلى كحوادث سير، وكل من يراقب الإعلام الصهيوني يستطيع أن يكتشف ذلك بسهولة.
كما تكتم العدو ولا يزال على المواقع الحساسة التي قصفناها كرد على هذه الحرب المجرمة والتي تقصف لأول مرة في تاريخ الكيان الصهيوني.
ثالثاً: الحصاد الجهادي لكتائب القسام/
بالرغم من ضراوة القصف الصهيوني العشوائي والهمجي، واستهداف كل ما يتحرك على الأرض واستخدام القنابل الحارقة والفسفورية، والقصف المدفعي المتواصل للمناطق التي يحاول العدو الدخول إليها، وإلقاء مئات الصواريخ على الأرض قبل دخول الدبابات إليها فإننا نعلن أن كتائب القسام قد نفذت خلال ثلاثة وعشرين يوماً المهام الجهادية التالية:
- تمكنت كتائب القسام من إطلاق تسعمائة وثمانين صاروخاً وقذيفة، خلال الرد على الحرب، منها: 345 صاروخ قسام و 213 صاروخ غراد، و 422 قذيفة هاون.
- تم التصدي للدبابات والآليات الصهيونية التي توغلت بـ 98 قذيفة وصاروخاً مضاداً للآليات، وتم استخدم بعض الصواريخ المضادة للدروع لأول مرة في قطاع غزة.
- كما فجرت كتائب القسام 79 عبوة ناسفة في الجنود الصهاينة والآليات المتوغلة.
- تنفيذ 53 عملية قنص لجنود، وتم توثيق العديد من هذه العمليات وشوهد الجنود الصهاينة وهم يتساقطون أمام كل العالم.
- تنفيذ 12 كمين محكم في مناطق التوغل، تم فيها مهاجمة جنود الاحتلال وقواتهم الخاصة، إضافة إلى 19 اشتباك مسلح مباشر مع قوات العدو وجها لوجه.
- تنفيذ عملية استشهادية تفجيرية ضد قوات العدو حيث قام الاستشهادي القسامي رزق سامي صبح بتفجير نفسه بحزام ناسف في الجنود عند فوهة دبابة صهيونية في منطقة العطاطرة شمال القطاع.
- تؤكد كتائب القسام أنها قد دمرت بشكل كلي أو جزئي 47 دبابة وجرّافة وناقلة جند متوغلة في القطاع.
- تمكنت كتائب القسام من إصابة أربع طائرات مروحية وطائرة استطلاع واحدة.
- تؤكد كتائب القسام تنفيذ عمليتي أسر لجنود صهاينة أثناء هذه المعارك الضارية، العملية الأولى شرق حي التفاح في اليوم الثالث من الحرب البرية، حيث تم أسر عدة جنود صهاينة، وأثناء العملية تدخل الطيران المروحي و كانت نتيجة العملية أن تم قصف الجنود مع المجموعة الآسرة من قبل الطيران، واستشهد القسامي محمود الريفي في العملية وقتل الجنود الصهاينة وأصيب عدد من المجاهدين وتمكنوا من الانسحاب. والعملية الثانية شرق جباليا بتاريخ 5 يناير، حيث قام المجاهدون بأسر جندي صهيوني بواسطة كمين محكم، واحتفظوا به لمدة يومين في أحد المباني على أرض المعركة، وأرسلَ العدو إلى المكان أحد المواطنين الذين اختطفهم كدروع بشرية لمساومة المجاهدين لتسليم الجندي، إلا أنهم رفضوا تسليم أنفسهم أو تسليم الجندي، وهنا تدخل الطيران الحربي الصهيوني و أقدم على قصف المكان وقُتل الجندي واستشهد في العملية ثلاثة من مجاهدي القسام وهم: محمد فريد عبد الله، محمد عبد الله عبيد، وإياد حسن عبيد.
رابعاً: المناطق التي توغل بها الاحتلال:
إن العدو الصهيوني قد استخدم في حربه البرية سياسية الأرض المحروقة، بحيث كان جيش العدو يحرق الأرض وما عليها بالقنابل والصواريخ والقذائف من الأرض والجو والبحر قبل عملية توغله البري، ولا يبالي أن يكون على هذه الأرض آلاف المدنيين والمساكن الآمنة، وهذا ما حدث في منطقة شمال غرب قطاع غزة في العطاطرة والتوام، وفي حي تل الإسلام جنوب مدينة غزة ، حيث حاول العدو الدخول في المناطق المفتوحة وعندما اضطر للاحتكاك بالمناطق السكانية قام بإبادة جماعية للسكان وقصف عشوائي للمنازل ونسف البيوت والمساجد والمباني المدنية.
كما توغل العدو في مناطق مفتوحة ومحروقة مثل: (محررة نيتساريم) والمغراقة والمناطق الشرقية من جباليا والتفاح والزيتون وخزاعة ورفح. وهي ذات المناطق التي كانوا يتوغلون فيها دوماً قبل الحرب ولكن هذه المرة كان العدو قد خطط لارتكاب مجازر من نوع جديد لكي ينجز المهمة التي تنص على ما يبدو على قتل المئات من المدنيين.
وكان واضحاً أن العدو يحاول تجنب نيران المقاومة وبالرغم من ذلك فإننا استطعنا أن ننفذ عشرات عمليات الاستهداف والاشتباك والكمائن والعمل خلف خطوط العدو، ولو كان العدو قادراً على اجتياح القطاع لفعل ذلك دون تردد لكنه يعرف جيداً ما الذي سيحصل له لو فعل ذلك.
خامساً: فشل الأهداف :
يتباهى الصهيوني (الفاسد) أولمرت وفريق حربه المجرم بتحقيق انجازات كبيرة وتوجيه ضربة قاسية لحماس في غزة، ونحن نطمئن هذا الجزار وقادة الكيان بأن أهدافكم قد سقطت في وحل غزة ولم يعودوا سوى برصيد جديد من المجازر والمذابح وجرائم الحرب.
لقد بات واضحاً جداً أن العدو الصهيوني البربري لم يحقق أياً من أهداف هذه الحرب، سوى قتل الأطفال بالمئات وقتل النساء والشيوخ والعجزة، والانتقام من المدنيين الأبرياء، ونسف البيوت فوق رؤوس ساكنيها وقصف المساجد والمدارس والمؤسسات الاغاثية والدولية والمنشآت المدنية والشرطية، إذن فليعلن هؤلاء المجرمون أن هذا هو هدفهم وأن هذه هي انجازاتهم، وهنا نوجه خطابنا إلى المجتمع الصهيوني والجمهور المصفق لهذه الحرب الهمجية، فلتسألوا قيادتكم عن ماهية هذه الأهداف التي حققوها في حربهم الغاشمة، ما هي هذه الأهداف الغامضة التي يتحدثون عنها، وأي حرب تلك التي تكون أهدافها ضبابية ورمادية وغير واضحة ؟؟؟ من الواضح أن أحد أهدافها الأساسية هو المزايدة الانتخابية والمناحرات السياسية.
لقد تفاجئنا بضعف قدرة العدو على التخطيط والرؤية والاستخبارات، فقد أثبت الاحتلال أنه يتقن فقط القتل بالجملة أما عن أهداف هذه الحرب ومضمونها وما حققته من انجازات وهمية فإننا نقف عليها في نقاط هامة:
1) لقد أعلن أحد أركان الحرب الصهاينة أن الهدف الرئيس للحرب كان إسقاط حماس وتقويض حكمها وهذا الهدف قد بدا فشله للعيان وسقط سقوطاً مدوياً دون أدنى شك.
2) إذا سألتم عن الصواريخ فإننا في كتائب القسام نؤكد لكم أن قوتنا الصاروخية لم تتأثر بفضل الله تعالى، ونحن أطلقنا الصواريخ أثناء هذه الحرب بدون توقف، كما أننا لا نزال وبقوة الله قادرين على إطلاق الصواريخ، ونؤكد أن صواريخنا في تطور وازدياد وأن العدو سيلاقي المزيد وستطال صواريخنا أهدافاً أخرى بإذن الله، كما نؤكد بأن صواريخنا انطلقت بوتيرتها المخطط لها أثناء الحرب وبعد إعلان العدو عن وقف إطلاق النار، وإيقاف صواريخنا جاء بقرار مستقل منا وليس ضغطاً من العدو أو نجاحاً لحربه الخاسرة، وقد قلنا للعدو منذ بداية الحرب إنكم بدأتم هذه الحرب لكن لن تستطيعوا وقفها بطريقتكم وكما تشاؤون بل نحن من يحدد ذلك.
3) سمعنا في بداية الحرب أنها ستكون حرباً صادمة ومفاجئة أي أنها ستكون قصيرة جداً، لكن ما لبث قادة الحرب تحت وطأة الفشل – أن أعلنوا عن مرحلة ثانية، وانتهت المرحلة الثانية بتوغلات في مناطق مفتوحة، وسمعنا عن مرحلة ثالثة ورابعة وعن تمديد للعملية وعن أهداف جديدة إلى غير ذلك، فأين أهداف الحرب وأين انجازاتها ؟؟؟ وإذا كان العدو واثقاً من النصر كما ادّعى، فما هو المعنى للمراحل وهل شاهدتم حرباً قبل ذلك على هذه الشاكلة؟؟ إنها باختصار حرب من أجل القتل والتدمير والتخريب ليس إلاّ.
4) يكذب قادة العدو على أنفسهم ويقولون بأنّهم دمروا قوة حماس ووجهوا لها ضربات قاصمة، لكننا اليوم نؤكد لكل العالم وبكل دقة ومصداقية: إن ما خسرناه من إمكاناتنا العسكرية في هذه الحرب هو ضئيل وقليل جداً، وقد قمنا بترميم معظم ما فقدناه أثناء الحرب وقبل انتهائها.
5) أين هي شجاعة هذا الجيش الذي يحارب بالتكنولوجيا من الجو ومن فوق الضباب ومن البحر ومن داخل الدبابات المحصنة ضد شعب لا يملك سوى القليل من السلاح والعتاد ولكن الشعب بإرادته ينتصر وبعقيدته يحقق المعجزات، ولكم أن تتصوروا مدى جبن الجيش الصهيوني، فمن العجب العجاب الذي نكتشفه بعد المعركة دائماً أن جيش العدو ربما الوحيد في العالم الذي يستخدم الحفاظات يعني بكل وضوح (البامبرز) فهم لا يجرؤون على النزول إلى الميدان لمواجهة الرجال.
6) كما نقول للمجتمع الصهيوني الذي وقع تحت وطأة التضليل والكذب من قياداته، فلتهنئوا بهذا الجيش الذي يقتل عناصره بعد أسرهم في المعركة، والذي يقتل الأطفال ويعدم الشيوخ والنساء، والذي يدعي النصر لمجرد انه أباد مئات المدنيين ويقصف آلاف المساكن الآمنة، ونقول لكم إن الحرب لا تقاس بخسائرها والدماء لا تحسم الحرب، بل إن الحرب تقاس بتحقيق أهدافها.
7) إن ما حاول العدو ترويجه عن اعتقال عدد من المقاومين، هو محض كذب ودعاية سخيفة، ونؤكد قطعاً أن أياً من مجاهدينا لم يعتقل من قبل جيش العدو، ومن تم اعتقالهم هم مواطنون عزل ومدنيون أبرياء.
8) لقد أقدم الجيش الصهيوني وبدافع الحقد الديني المزور على تدمير 23 مسجداً بشكل كامل وعشرات المساجد بشكل جزئي مدّعياً استخدامها في تخزين السلاح، وهذا ادّعاء كاذب وهو بضاعة المفلسين، ونحن نؤكد وبشكل قاطع بأننا لم ولا ولن نستخدم المساجد يوماً في تخزين السلاح لكن الذي برر سفك دماء مئات الأطفال يمتلك الدناءة والنذالة الكافية لتبرير قصف المساجد كذلك.
9) بعد سيل الفشل الصهيوني في القطاع فإن أهداف الصهاينة انحسرت في وقف ما سماه تهريب السلاح عبر الحدود، ويحاول حشد تأييد دولي لذلك، ونحن هنا نقول، متى كان السلاح الشريف يدخل إلى غزة عبر الطرق الرسمية؟ ومتى كان يُسمح لنا أصلاً بإدخال رصاصة واحدة إلى القطاع، فلتفعلوا ما تشاؤون فإدخال السلاح الطاهر وصناعة السلاح المقاوم هو مهمتنا نحن ونحن نعرف جيداً كيف نحصل على السلاح.
نعم .. بفضل الله انتصرنا بصمودنا وثباتنا، انتصرنا بالتفاف شعبنا واحتضانه لنا، وانتصرنا لأننا لم نركع ولم نستسلم ولم نرفع الرايات البيضاء.
فكل التحية والتقدير لكل مجاهد مجهول ضاغط على الزناد، تحية لمجاهدينا في كافة الفصائل المقاومة، وتحية لشعب الأحرار ولأهل غزة العظماء، وتحية لشعوب الأمة الحية التي انتفضت وهبت من أجل غزة، وتحية للزعماء الأحرار الذين وقفوا بجانب شعبنا من العالم العربي و الإسلامي ومن كل أحرار العالم.
وأخيراً... وبعد معركة الفرقان التي أفشلت حرب الطغيان نقول اليوم، إن الشعب الفلسطيني عصي على الاستئصال وإن المقاومة الفلسطينية ستبقى الممثل الشرعي لطموحات شعبنا وقضيته العادلة، ولن تستطيع دولة البغي والعدوان أن تقف في وجه رجال الله الذين يسيرون بنور الله ويستشعرون معية الله في قتالهم ضد أنكد ملة وألعن قوم وأخس سلالة من البشر، ونحن اليوم إذ نُفشل مخططات بني صهيون ضد شعبنا لنعاهد الله أن نبقى على درب الجهاد والمقاومة حتى تحقيق النصر المبين و تحرير أرضنا السليبة ومقدساتنا المدنسة.
إنه لجهاد نصر أو استشهاد،،
الله مولانا ولا مولى لهم
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

الشهداء "قتلى".. تدفع سعوديين لمهاجمة "العربية"



اتهموها بالوقوف ضد المقاومة في غزة

الشهداء "قتلى".. تدفع سعوديين لمهاجمة "العربية"
علي بن حاجب
جدة - شنت مجموعات من النشطاء السعوديين على الإنترنت حملة شرسة على قناة "العربية" الإخبارية، متهمين إياها بالعمل لصالح العدو الصهيوني، ومحاولة إحباط المقاومة، وبث اليأس والقنوط في نفوس المشاهدين، داعين إلى مقاطعتها إذا لم تغير سياستها تجاه أحداث غزة، مشيرين إلى أنه يجب تسميتها بـ"العبرية" بدلا من "العربية".

إلا أن مدير قناة العربية عبدالرحمن الراشد رفض هذه الاتهامات اليوم الخميس، معتبرا أن "نجاح القناة وتأثيرها الهائل على المشاهدين في العالم العربي ومصداقيتها دفع البعض لمحاربتها".

وفي بيان حصل "إسلام أون لاين.نت" على نسخة منه، هاجمت الحملة الشبابية لمناصرة غزة قناة العربية بسبب سياستها تجاه العدوان الإسرائيلي المتواصل على القطاع منذ عشرين يوما، والذي خلف حتى مساء الخميس 1100 شهيد وقرابة 5 آلاف جريح.

وقال مصطفى الحباب، الأمين العام للحملة: إن" قناة العربية تقوم بحرب إعلامية ضد المقاومة في غزة من خلال استضافتها لبعض الشخصيات التي تعمل ضد المقاومة، وكذلك بعض التصريحات الإعلامية، واستخدامها لمصطلحات لا تليق أن تُلصق بالمقاومة في ظل الظروف الراهنة".

وتابع: "فالقناة مثلا تطلق على الشهداء مسمى "ضحايا" وكانت في السابق تسميهم "قتلى"، وتسمي المعركة في غزة بـ"ورطة" و"اجتياح غزة"، والحرب "حملة" ومن المفترض أن تسميها "حربا" أو العدوان على غزة.. فسياساتهم باتت واضحة للجميع.. واستحق أن يطلق عليها "العبرية" بدلا من "العربية" كما يطلق عليها البعض".

وانتقد الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله خلال كلمة ألقاها مؤخرا تغطية قناة العربية المنحازة ضد أهل غزة، ووصفها بأنها محطة "العبرية" وليست العربية.

وأوضح الحباب أن القناة تمارس عمليات التثبيط للمقاومة وللمتابعين للأحداث، وتحاول إثبات أن دور المقاومة مهزوز، وأن اختيار حماس وإستراتيجيتها في إلغاء الهدنة أدت إلى إبادة شعب ومأساة شعب، وقد وظفوا هذه الأمور في حواراتهم واستضافاتهم".

واعتبر الحباب أن أحداث غزة كشفت توجهات القناة قائلا: "نحن لا ننادي بإغلاق مكاتب العربية، وإنما ندعو إلى تصحيح مسارها.. فتوجهات وسياسات القناة التي تحملها باتت قريبة من التوجه اليهودي وهذه علامة استفهام".

كما دعا القائمين على هذه القناة وخاصة العاملين فيها من المذيعين والمقدمين أصحاب الضمائر الحية أن يقوموا بإضراب كامل عن العمل إلى حين تغيير سياسات هذه القناة، كما ناشد مراسليها في الأراضي المحتلة أن يغطوا الأحداث بما يمليه عليهم ضميرهم الإنساني لا بما تمليه عليهم سياسات القناة.

تأثير هائل

وفي المقابل، رفض عبدالرحمن الراشد مدير قناة العربية الاتهامات الموجهة، وقال في تصريحات لصحيفة "عكاظ" السعودية اليوم الخميس: إن" العربية هي محطة إخبارية صادقة مع الناس، وذات تأثير هائل في المشاهدين بالعالم العربي؛ لذلك فإن وجودها يزعج البعض ولهذا يحاربونها".

وتابع: "قناة العربية مهنية وإخبارية، أما الغير فقد جعلوا محطتهم تعبوية دعائية، والفارق هائل بين محطة إخبارية وأخرى تعبوية تسخر نفسها لدفع الناس باتجاه هدف محدد بغض النظر عن الحقائق وقواعد المهنة وأصولها".

كما أوضح الراشد أن العربية تحترم عقل المشاهد؛ فنقدم له الصورة الكاملة ولا نملي عليه شيئا، ومن يشاهد الحقائق في غزة، حتى إن كان معدل الفهم عنده منخفضا، سيعرف أن ما يحدث جريمة كبرى ترتكب بحق الفلسطينيين، لكن الدفاع عن فلسطينيي غزة يجب ألا يكون على حساب المصريين أو السعوديين من أجل خدمة إيران أو غيرها، وواجبنا هنا أن نقدم كل الصورة لا بعضها".

العلاقة مع حماس

وحول علاقة مكتب العربية بغزة مع حماس، أكد الراشد أن "الإخوة في حماس هم أكثر حرصا على العربية من غيرهم، وقاموا مشكورين بالتأكد من سلامة زملائنا على الأرض، وفي مرات كثيرة كانوا يخصون العربية بأخبار قبل غيرها".

ويستطرد قائلا: "كنا نخجل من حساسيتهم تجاهنا وهم في وضع عسكري وإنساني أعظم من قضايانا التنافسية الصغيرة إلى درجة أنهم أجلوا بث كلمة خالد مشعل لساعتين مراعاة لإشكال فني من جانبنا، مع أنها كلمة موجهة للعالم وليست خاصة بنا، ومحمد نزال كان يحتمل الانتظار ويبقى على الشاشة لوقت طويل على العربية رغم أننا نبدل الضيوف معه".

وأكد أن قناة العربية محطة أخبار وليست جهازا دعائيا يريد مني الإخوة الغيورون مسخها وقيادة الناس في اتجاهات ترضيهم سياسيا، مشيرا إلى أنها (قناة العربية) نافذة مفيدة لتشكل رأيك كاملا، دون أن تضطر إلى تبني موقفها إن كنت تشعر أن فيها موقفا لا يرضيك.

زمن يحيى عياش والسفير المصري الذي شارك في أربع حروب!


زمن يحيى عياش والسفير المصري الذي شارك في أربع حروب! 
زهرة مرعي
عندما يهرب المشاهد للشاشات في هذه الأيام من صور الفظاعات أو الهولوكست الذي يرتكبه الصهاينة يومياً بحق سكان غزة الأبطال، عليه أن يلتقي مع مسلسل 'عياش' على قناة 'المنار'، ليرى في البطل يحيى عياش مثالاً لما يفكر به الفلسطيني المقاوم. فقد جاء عرض مسلسل 'عياش' في زمنه الصحيح مئة بالمئة لأننا حقيقة في زمن 'عياش' وما أكثر 'العياشين' في فلسطين.
البطل يحيى عياش معروف كمقاوم أقلق وقض مضاجع الإسرائيليين لسنوات إلى أن تمكنوا من إغتياله عبر تفخيخ هاتفه النقال بالتعاون مع أحد عملائهم من الفلسطينيين. فيحيى عياش كان مهندس العبوات المفخخة التي أودت بالكثير من الصهاينة دون أن يتمكنوا من إعتقاله، ودون أن يتمكنوا من تفكيك الغاز تحضير تلك العبوات بمواد بدائية. 
في'عياش' الذي أخرجه باسل الخطيب وكتبته ديانا جبور يكون المشاهد على تماس مع الحياة الفلسطينية اليومية التي يجب أن تسلك وتسير تبعاً لحياة كل الناس من طعام وشراب وتعلُم وزواج وإنجاب، لكن كل ذلك محكوم بالمفاعيل التي يُحتمها الإحتلال على هؤلاء البشر. فالمسلسل يُظهر لنا الحياة اليومية للبشر العاديين، وللشبان المنخرطين بالمقاومة ضد الإحتلال، لكنه في الوقت نفسه يظهر العائلات بأنها على قدر كبير من القناعة بحياة المقاومة التي يؤديها أبناؤهم كواجب وطني. يقدم المشاعر على حقيقتها. فالأم التي تدرك في سرها وجود إبنها في المقاومة لا تتعالى على هواجسها وخوفها بل تظهرها إنما بتماسك وتسليم لمشيئة الخالق. كذلك هنّ الزوجات والحبيبات. فالحبيبة التي تنتظر حبيبها المعتقل تصف حالها بـ 'إشي زي الإيمان... إشي زي الوفاء'.
مسلسل 'عياش' يدخل إلى التفاصيل الإنسانية في حياة الإنسان الفلسطيني. فيحيى عياش عندما يقرر الزواج بإصرار من والديه، يُخضع من وقع إختياره عليها لإمتحان في الوطنية وقدرتها على الصمود والمقاومة. وعروس المستقبل تنجح في الإمتحان بقولها' قد ما كبرت همومك إلك مرا بتنتظرك وبتشيل الهم عن قلبك'.
يحيى عياش يناقش مع رفاقه مسألة المتعاملين مع العدو من الفلسطنيين لكنه يرفض قتلهم إلا مع وجود البرهان والدليل وليس الإستنتاج، لكنه للأسف يُستشهد لاحقاً نتيجة وشاية عميل من أبناء جلدته.
المقاومون في فلسطين يخوضون مقاومتهم إنطلاقاً من حب الحياة حيث يقول يحيى عياش: 'نحنا منحب الحياة ونحنا أصحاب حق'. كما ويردد مقاوم آخر بأن الصهيوني بن غوريون قال بعد إحتلال فلسطين: 'بعد 10 سنوات ما حدا راح يتذكر وين كانت فلسطين'. لكن الحاضر وبعد 60 سنة يقول بأن فلسطين صارت أكثر قرباً مما مضى.
في مسلسل 'عياش' الذي يؤدي دوره الممثل السوري سامر المصري يشعر المتابع للتفاصيل بأنه وجهاً لوجه أمام الواقع. فالممثلون ملتصقون بأدوارهم متماهون معها بعمق وكأنها تحولت إلى جزء من نسيجهم. والنص فيه الكثير من الإنسانية الحقيقية غير المبالغ فيها. وهو جدير جداً بالمشاهدة خاصة في مثل هذه المرحلة من تاريخنا العربي. 

محمود عباس يرفض التقدم بشكوى ضد إسرائيل!

عندما كنا نتابع على قناة 'الجزيرة' في مساءٍ من هذا الأسبوع الجديد الدامي في فلسطين، محامياً عربياً نروجياً يناشد محمود عباس على الهواء التقدم بشكوى ضد إسرائيل إلى محكمة الجنايات الدولية، وجدنا الرجل وكأنه سيسعى بعد قليل لتقبيل رجلي من يسمى برئيس السلطة الفلسطينية ليفعل ذلك من أجل مقاضاة من قتل شعبه بالآلاف. لكن على ما يبدو محمود عباس غائب عن السمع، لأن الرجل قال أننا توجهنا إليه بعشرات الرسائل ولا من يسمع، والآن نناشده عبر قناة الجزيرة ليفعل ذلك لأن جيشاً من المحامين الأوروبيين ينتظرون ذلك ليكونوا في خط الدفاع ضد الجاني ودون بدل.
نحن بدورنا نسأل محمود عباس لماذا لا يفعل؟ مِن مَن هو خائف؟ ونقول له إنه إن لم يفعل سيكون واحداً من المتآمرين على شعبه. فهل من الطبيعي أن ينتظر محامون من النروج من فلسطيني مسؤول أن يشعر بمآسي شعبه ويتقدم بشكوى لمقاضاة الفاعل؟ ألم يشاهد محمود عباس صور الأطفال بالعشرات وهم شهداء؟ هل أصبح المواطنون الأوروبيون أكثر حرصاً على دمائنا نحن العرب من محمود عباس؟ للأسف هذا ما يبدو جلياً حتى الآن. فمحمود عباس إختار أن يكون من ضمن ما يسمّى معسكر الإعتدال، والذي نراه معسكر الإستسلام المجاني. فمبروك عليه إن قُدر له أن يبقى موجوداً في مكانه. وشعب فلسطين المظلوم ليس له سوى المحامين النروجيين يأخذون حقه ويقاضون الجناة والنازيين الجدد على أفعالهم. وهم كما علمنا خرقوا حتى الآن 172 مادة من مواد القانون الدولي الإنساني.

كرسي الموسوي فارغ بحضور البسيوني

كانت غزة هي قضية برنامج 'كلام الناس' من قناة الـ 'أل بي سي' في الأسبوع الماضي. وكان مسؤول العلاقات الخارجية في حزب الله نواف الموسوي هو ضيف الإستوديو بوجود ضيوف آخرين عبر (اللينك) من الخارج. وكان الموسوي لا ينفك يردد الدعوة لفتح معبر رفح للمساعدات الطبية ليس إلا. وعندما حضر على الشاشة السفير المصري الأول في الكيان الصهيوني محمد البسيوني أطلت الكاميرا على كرسي الموسوي فكان خالياً. فهو كما قال لا يجلس في دائرة واحدة مع من كان سفيراً في الكيان الصهيوني. أما البسيوني فراح يتذكر مشاركاته في الحروب التي خاضتها مصر ضد الكيان الصهيوني قائلاً: 'اللي قدامك حارب في أربع حروب الـ 56 الـ 67 الـ 73 وحرب الإستنزاف. أياميها كان اللي إنسحب بيلعب'.
وراح البسيوني في سرد لبطولاته وبطولات حكومته مستنكراً الدعوة لفتح معبر رفح بالقول: 'إش معنى رفح؟ ما في ست معابر أخرى لتتم المطالبة بفتحها؟' فهل سنتظاهر نحن العرب يا سيد بسيوني لنطلب من الجزار والقاتل والسفاح الصهيوني فتح المعابر التي يسيطر عليها؟ أم نطلب ذلك من الشقيق الأقرب والأكبر مصر؟
في كل الأحوال إنتهت وصلة البسيوني بتكذيب من محمد نزال الذي قال له بأن أحداً من مصر لم يتصل بنا لبحث تجديد التهدئة. وعاد الموسوي إلى كرسيه ليسأل عن الذي فعله السفير المصري في إسرائيل من أجل تحديد مصير مئات الجنود والمواطنين المصريين المفقودين في الحروب مع العدو؟ بسيوني كان غائباً ولو كان حاضراً لما تمكن من الدفاع عن نفسه لأنه كان في تل أبيب يرقص في المرابع مكتفياً بسيرته الذاتية ومقاتلته في أربع حروب، أما الحاضر فليس بالحسبان.

'مهنية' اعلامية بانتظار العلم الابيض!


'مهنية' اعلامية بانتظار العلم الابيض!
زهرة مرعي
في اليوم الثاني عشر للعدوان على غزة إستمر الإعلام العربي على حاله تماماً كما كان في اليوم الأول. هو منقسم إلى معسكرين كما هو حال الأنظمة العربية. فمعسكر الإعلام التابع للأنظمة التي تريد تأديب حركة حماس ظلّ متابعاً لبرامجه المقررة سلفاً كالمعتاد. ومعسكر الإعلام الوطني والقومي والحر من قيود تلك الأنظمة المتربعة على عروشها جندّ نفسه على مدى الأيام كاملة لتبيان ما تركته آلة الحرب والعدوان الصهيوني على أهل غزة من مآس. لبنانياً لم يتبدل المشهد عن اليوم الأول، وحدها قناة 'المنار' ظلت في حالة التأهب القصوى لنقل كل ما يجري في القطاع. قناة 'العربية' التي تصنف نفسها إخبارية لم تستطع الإبتعاد عن مهمتها، خففت بعد أيام من تواصل العدوان من إتهاماتها لحركة حماس. ومع تخطي عدد الشهداء الـ 660 بينهم 215 طفلاً و98 إمرأة لم يحظ هؤلاء من قناة 'العربية' بالتشرُف بمرتبة الشهداء. إنهم بنظرها 'قتلى'. هي المهنية التي قررت إعتمادها قناة 'العربية' فساوت بين المغتصب والمعتدي الصهيوني وبين صاحب الأرض والحق الفلسطيني. فمبروك لقناة 'العربية' مهنيتها العالية، ومشاعرها القومية المرهفة!
في اليوم العاشر للعدوان، حيث كانت 'الجزيرة' منذ اليوم الأول شاشة ترضي كل عقل عربي لم تخترقه سوسة السياسة الرسمية المتآمرة جهاراً وبوضوح ودون خجل أو وجل أو حتى أسف على مئات الضحايا الأبرياء. من هذه القناة تابعنا أخبار إبادة عائلة السمولي. أب يندب أبناءه، أبناء أشقائه ، أشقاءه ووالديه. بقي له طفل راح ينظر إليه كمن ينظر إلى كنز مفقود. تمنينا أن تكون عائلة السمولي آخر العائلات المبادة لأن أطفالها بحسب الناطق بإسم 'جيش العدوان الإسرائيلي': كانوا يقفون قرب مطلقي الصواريخ، وليس في منزل سقط على رؤوسهم بطبقاته الأربع. عائلة السمولي لم تكن الأخيرة المبادة، تبعتها عائلات عدة بينهما تلك العائلات بالأطفال والنساء الذين لجأوا إلى مدارس الأونروا بعد أن إنهارت منازلهم. وكانت مجزرة مدرسة الأونروا في عشية اليوم الحادي عشر حوالى الخمسين شهيداً من الأطفال والنساء.
يا للمفارقة! مجزرة اليوم الأول التي رفعت إلى السماء أرواح أكثر من 200 شهيد في خلال ثلاث دقائق لم تحرك الضمير العالمي ولا العربي. بقي الجميع يطالب بالأمن والأمان لسكان المستوطنات في جنوب الكيان الصهيوني. وبقي الجميع يبص على الشاشات خلسة مُعمياً عينيه عن صور الأشلاء المقطعة والأطفال الشهداء المحمولين بين أذرع آبائهم وأقاربهم والجيران إلى مثواهم الأخير. وبقي هؤلاء يتلصصون على الشاشات بإنتظار رؤية العلم الأبيض يرفعه المقاومون في غزة. وبما أنهم حتى اليوم الثاني عشر لم يبصروا ولم يروا سوى الدمار والنار والقذائف الفوسفورية المتلألئة في سماء غزة جاءت في ذلك المساء الدامي كلمة enough enough enough من القاهرة. وكانت رداً أرعب ليفني التي وقفت في القاهرة لتعلن العدوان على غزة. وكانت مبادرة لوقف إطلاق النار سيليها بكل تأكيد تجاذبات لا حدّ لها، يعمل فيها الجانب العربي قبل الغربي على الأخذ من مقاومة غزة بالمفاوضات ما لم تستطعه آلة الحرب الصهيونية.
في اليوم الحادي عشر للعدوان وبعد قصف إحدى مدارس الأونروا رغم ظلال علم الأمم المتحدة فوقها، شاهدنا على شاشة 'الجزيرة' جون كينغ مدير عمليات غوث اللاجئين في غزة والذي عاد إليها من القدس ليكون على تماس مع مسؤولياته. جون كينغ ذلك الإنسان الذي لا شيء يجبره على البقاء في غزة سوى إنسانيته قال بوضوح: 'المئات لجأوا إلى مدارسنا والجيش الإسرائيلي يعرفها بوضوح وعليها علم الأمم المتحدة فلماذا تُقصف؟' لكننا وللأسف لم نعرف ردة فعله بعد مجزرة المدرسة في تلك الليلة الموحشة المظلمة.

الإعلاميون العرب والتماس الكلامي مع الصهاينة

بما أنه مفروض على قناة 'الجزيرة' إستقبال الصهاينة على شاشتها، ومفروض علينا أن نتابعهم ونحن نعيش شعوراً مقيتاً حيالهم وحيال تدجيلهم. يبقى أن نشير إلى أننا نتساوى في هذه المشاعر مع الزملاء الذين نلمس مشاعرهم من خلال أعينهم وأسئلتهم ومحاولاتهم مقاطعة هؤلاء حين يسترسلون في كذبهم بعيداً عن السؤال المطروح.
هذا كان حال الناطق بإسم 'جيش العدوان الإسرائيلي' عندما سئل عن جعل مدارس الأونروا هدفاً وذلك بعد سقوط ثلاثة شهداء في إحداها خلال نهار اليوم الحادي عشر وقبل مجزرة المساء. راح يدور ويلف إلى أن أبرز صورة فيها فتيان يتحلقون حول مقاوم يتعامل مع مدفع ليقول أن وجودهم هذا يقتلهم. الزميل حسن جمول بادره للرد: لا نعرف صحة هذه الصورة ونسألك عن الأطفال في عمر الأشهر والسنوات الأولى وبالكاد يمشون يقتلون هل لأنهم كانوا حول مدفع؟ ومع ذلك بقيت الإجابة بعيدة عن السؤال.
في مثل تلك الحوارات على قناة 'الجزيرة' ليس لنا سوى التمني بأن يتمكن المحاورون من إسكات المفترين الصهاينة في الوقت المناسب، وأن نتمنى لهم الصبر والقوة لمواجهة هؤلاء النازيين.
في المقلب الآخر ومن داخل ما يعرف بالخط الآخر قلوبنا على الدوام مع وليد العمري، الياس كرّام وشيرين أبو عاقلة لهذا الضغط النفسي الذي يتحملونه كمواطنين فلسطينيين. ونحيي الياس كرّام عندما كان يغطي مظاهرة سَخنين العربية وكيف نهره ذلك المعتدي الصهيوني على الهواء مباشرة والذي وصفه باليميني، لكنه يا الياس صهيوني أولاً وأخيراً. كان الياس كرّام كما الأسد الذي يدافع عن أشباله.

ماجدة الرومي... مارسيل خليفة وغزة المستباحة

في ذلك اليوم الأول من السنة الجديدة أطلّ كلام'الناس مع الفنانة ماجدة الرومي فكانت إنسانة معصورة بالأسى والألم. مجبولة بالأمل والرجاء. مؤمنة بحق الشعب الفلسطيني بأرضه، كامل أرضه. قالت ماجدة الرومي: سوف ينتظر الفلسطينيون كثيراً لكن الرجاء موجود. وقالت للزعماء العرب: 'ما تعتبروا غزة بعيدة كثير عنكم. إسرائيل إلتهاب في الجسم العربي والإلتهاب يتمدد'. فهل يسمعون؟
الرجاء والأمل الذي بثته ماجدة الرومي في إستديو 'كلام الناس' دفع مارسيل غانم لسؤالها على ماذا تراهن؟ فكان ردها بسيطاً جداً: 'لو بقيت القوة بيد واحدة لكنا حتى الآن تحت الإحتلال الروماني'. وأضافت: 'إنتصار تموز (يوليو) أختصر المسافة بيننا وبين فلسطين'. وحيت السيد حسن نصرالله على إحساس الإنتصار الذي بثه في جسد الأمة العربية جمعاء.
وقد حلّ الفنان مارسيل خليفة مؤخرا ضيفاً على 'خليك بالبيت' الذي خصص الحلقة كتحية لأهل غزة. وفي هذه التحية تمنى مارسيل'خليفة لو كان قادراً على قتل الموت ورده عن أهل غزة وأطفالها. وقال لهم :'أحبكم'. وباح بأن 'فلسطين ذخيرة في صدري أتفقدها يومياً منذ بدأت الفن'.
في هذا اللقاء تحدث خليفة كثيراً عن محمود درويش الذي كان يصفه بـ 'توأم قلبي'. وبثت الشاشة الكثير من المشاهد عن حفلات مارسيل خليفة في سورية والتي كانت تحت عنوان 'ونحن نحب الحياة.. تحية لمحمود درويش'. وكأن زمن المقاطعة الإعلامية لدمشق إنتهى على شاشة المستقبل.
صحافية من لبنان
zahramerhi@yahoo.com