‏إظهار الرسائل ذات التسميات إيران. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات إيران. إظهار كافة الرسائل

خصائص العدوان على غزة.. والجدال - مرة أخرى - حول النصر أو الهزيمة


خصائص العدوان على غزة.. والجدال - مرة أخرى - حول النصر أو الهزيمة

ضيـاء رشـوان

يوضح النظر المدقق للحرب الغاشمة التى شنتها آلة الحرب الإسرائيلية لأكثر من ثلاثة أسابيع على غزة أنها اتسمت بمجموعة من الخصائص التى انفردت بها عن الحروب السابقة التى هاجمت فيها إسرائيل أطرافاً عربية بينما اشتركت معها فى خصائص أخرى.

وأولى الخصائص الرئيسية التى تفردت بها هذه الحرب هى أنها الأولى منذ عام ١٩٤٨ التى يمكن وصفها بأنها حرب إسرائيلية – فلسطينية صافية.

فالحرب دارت على جزء من أراضى فلسطين التاريخية وطرفها المعتدى عليه كان هو الشعب الفلسطينى وحده والقوى التى قاومت العدوان كلها فلسطينية دون أى مشاركة من جندى أو مقاتل واحد عربى أو مسلم، وهو ما لم يكن عليه الحال فى جميع الحروب والاعتداءات السابقة التى شنتها الدولة العبرية وامتدت إلى أراض عربية خارج فلسطين وشملت بالإضافة للفلسطينيين أطرافاً عربية غير فلسطينية.

فقد كان الفلسطينيون فى غزة وفى مقدمتهم قوى المقاومة الباسلة وعلى رأسها حركة حماس هم وحدهم الذين يواجهون العدوان كما كانوا وحدهم قبل أكثر من ستين عاماً عندما اجتاحت بلدهم العصابات اليهودية – الصهيونية لتقتلهم فيها وتطردهم منها وتقيم عليها دولتها المغتصبة، قبل أن تدخل الجيوش العربية الحرب ضدها بعد إعلانها فى ١٥ مايو ١٩٤٨ وتحيق الهزيمة بها جميعاً.

وكان الانفراد الثانى لهذه الحرب على الساحة الفلسطينية، حيث عرفت للمرة الأولى منذ قيام الدولة العبرية وانطلاق المقاومة المسلحة بجميع فصائلها انقساماً حاداً بينها فى لحظة عدوان عسكرى إسرائيلى هو الأوسع من نوعه على الشعب الفلسطينى منذ ١٩٦٧، ظهر فيه تحالف يضم بعض هذه الفصائل أو أجنحة منها يقوده رئيس السلطة الفلسطينية المنتهية ولايته محمود عباس مسانداً بأحد أجنحة حركة فتح، وكأنه يدعم «العدو» فى مهمته الساعية إلى تصفية وتدمير صفوف وقواعد المقاومة فى غزة التى تمثلها حركة حماس والجهاد الفلسطينى والجبهة الشعبية وغيرها من الفصائل المتحالفة معاً فى مواجهته.

إلا أن تورط قيادات هذا التحالف الفلسطينى الفصائلى المعادى للمقاومة فى كثير من المواقف السياسية والإعلامية التى بدت مبررة للعدوان الإسرائيلى ومساندة له، قابله على النقيض تماماً موقف عام من أبناء غزة المدنيين ساندوا فيه المقاومة دون أى تخاذل أو شكوى من الثمن الباهظ الذى دفعوه من دماء الأبرياء من الشهداء والجرحى، فلم يجد أى من خصوم المقاومة من الفلسطينيين أو العرب أو أى وسيلة إعلام واحداً من هؤلاء المدنيين الصامدين لكى يكرر حججهم الفارغة حول مسؤولية حماس وفصائل المقاومة عما أحدثه الإسرائيليون بهم أو أن يدين المقاومة على دفاعها المستميت عن شعبها وأرضها.

وهنا تظهر الخاصية الثالثة لهذه الحرب العدوانية على غزة وهى قد ظهرت للمرة الأولى بنفس الطريقة تقريباً فى العدوان الإسرائيلى على لبنان عام ٢٠٠٦، فقد تكرر على المستوى العربى الرسمى وبعض فئات النخب العربية ما ظهر على ساحة الفصائل الفلسطينية من وجود تحالفات ومواقف مساندة للعدوان الإسرائيلى كانت تتمنى فى لبنان أن يسحق مقاومة حزب الله وفى غزة أن ينهى وللأبد مقاومة حماس وشقيقاتها من فصائل المقاومة المسلحة.

نعم تشير بعض الوثائق السرية التى نشرت مؤخراً لمجريات بعض الحروب الإسرائيلية – العربية السابقة إلى أن أنظمة عربية معروفة قد ساندت سراً الدولة العبرية فى عدوانها من أجل التخلص من أنظمة أخرى تعاديها فى الفكر والتوجه، إلا أن ذلك كان يتم سراً ودون مجاهرة به كما حدث للمرة الأولى فى حرب لبنان ٢٠٠٦ وتكرر بفجاجة وفجور فى حرب غزة الأخيرة. وتبدو الخاصية الرابعة متكررة أيضاً وفقط فى الحربين الإسرائيليتين الأخيرتين على لبنان وغزة دون غيرهما من الحروب السابقة،

حيث ظهر فيها دور إقليمى غير عربى مثلته إيران التى بدت من ناحية الداعم العسكرى والسياسى الأكبر لقوى المقاومة سواء فى لبنان أو فلسطين، وبدت من ناحية أخرى وللمفارقة «العدو الأخطر» الذى انصرفت جهود النظم العربية المسماة بالمعتدلة لمواجهته – ومعه المقاومة – فى تحالف معلن أو مستتر مع إسرائيل التى اشتبكت مع بعض بلدان تلك النظم فى حروب عديدة خلال الأعوام الستين الماضية بينما لم تكن إيران طرفاً فى حرب مع بعضها خلال تاريخها كله وخاضت حروباً مع بعضها الآخر يعود أقربها إلى أكثر من ١٤٠٠ عام.

أما الخاصية الخامسة الرئيسية للحرب الإسرائيلية على غزة فهى قد تكررت فى جميع الحروب الإسرائيلية العربية تقريباً ما عدا نكبة ١٩٤٨ وعدوان ١٩٦٧، وهى التنازع ما بين الطرفين العربى والإسرائيلى وبداخل الساحة العربية حول نتيجة الحرب بعد أن تضع أوزارها، وهل كانت نصراً أم هزيمة لأى من الجانبين.

فقد كانت نتيجة حربى ١٩٤٨ و١٩٦٧ واضحة بما لا يدع مجالاً للاختلاف حولها، فقد منى العرب بهزيمة ثقيلة ضاعت فى الأولى منها معظم أجزاء فلسطين التاريخية وفى الثانية ما تبقى منها بالإضافة لأراض مصرية وسورية. أما الحروب الأخرى، بما فيها حرب أكتوبر ١٩٧٣ المجيدة والتى حقق فيها الجيش المصرى نصراً استراتيجياً لاشك فيه فى بدايتها، فقد دب النزاع حول نتائجها النهائية وبخاصة على الجانب العربى وما إذا كانت انتهت بالنصر أو الهزيمة له.

والحقيقة أن أحداً لا يمكنه أن يحسم نهائياً مثل هذه النوعية من الجدال حول نتائج حروب متعددة الأهداف والجوانب مثل تلك التى جرت مؤخراً فى غزة وقبلها فى لبنان، إلا أنه يبقى مع ذلك بعض المعايير التى يمكن الاحتكام إليها للانحياز إلى نتيجة أقرب إلى النصر أو الهزيمة.

وقد نكون هنا بحاجة إلى استعادة بعض ما نشرناه فى هذه المساحة حول نفس الجدال أثناء العدوان الإسرائيلى على لبنان من أجل قراءة أدق لنتيجة ما جرى فى غزة. وأول ذلك هو أن الحرب لم تكن أبداً مجرد استخدام أعمى لوسائل العنف والقوة من أجل التدمير والقتل، بل هى بالأساس تشن هجوماً أو دفاعاً من أجل الوصول لتحقيق أهداف سياسية عبر إخضاع إرادة الخصم أو العدو بحيث يقبل بعد هزيمته فيها ما كان يرفضه قبلها.

هذا التعريف البديهى للحرب الذى استقرت عليه الدراسات السياسية هو الذى يجب أن يكون المدخل الحقيقى للتعرف على ما انتهت إليه الحرب الإسرائيلية الغاشمة على غزة.

كذلك فإنه من البديهى الحديث عن الآثار المدمرة للحرب، أى حرب، على المدنيين والبلد الذى يخوضها وبخاصة إذا ما كان هو الأضعف فى ميزان القوى العسكرية من عدوه، وبخاصة أيضاً إذا كان هذا العدو غير ملتزم بأى قواعد قانونية دولية أو أخلاقية إنسانية فى ممارساته العسكرية.

إذاً فعلى الرغم من الأهمية الفائقة للنتائج المادية الكارثية للحرب سواء على المدنيين أو على البنية التحتية والهياكل الاقتصادية للبلد الذى يخوضها، فهى ليست المعيار الوحيد الذى يقاس به النصر أو الهزيمة فيها.

وبذلك يبدو واضحاً لنا أن عويل كثير من الكتابات والتصريحات وافتعالها الفزع من جراء التدمير الشامل الذى أوقعته آلة الحرب الإسرائيلية الإجرامية بغزة وأهلها من المدنيين الأبرياء لا يمكن أن يؤخذ بجدية فى هذا القياس.

فإسرائيل شنت تلك الحرب من أجل تحقيق أهداف ثلاثة أعلنها قادتها بوضوح: أولها هو تدمير البنية العسكرية والتحتية للمقاومة فى غزة وعلى رأسها حماس، وثانيها هو إنهاء قدرتها على إطلاق الصواريخ على جنوب إسرائيل، وثالثها هو إنهاء السيطرة السياسية لحماس على القطاع وتأليب سكانه عليها باعتبارها سبب ما أصابهم من دمار.

ولعل نتيجة أول الأهداف توضحها المصادر الإسرائيلية أكثر من غيرها والتى تحدثت عن مقتل نحو ٥٠٠ مقاتل من حماس بما يعادل ما بين ٣ و٥% فقط من عدد قواتها وهو نفس التقدير الذى تشير إليه مصادر قيادية بداخل الحركة.

كما بدا واضحاً أن العدوان الإسرائيلى على اتساعه وجنونه لم ينجح فى القضاء على مصادر دخول السلاح للمقاومة مما دفع الحكومة الإسرائيلية إلى توقيع اتفاقها الأمنى مع أمريكا للسعى إلى ذلك وهو ما تحاول الآن إشراك أوروبا الموحدة فيه، مما يدل وبوضوح على الفشل الذريع فى تحقيق الهدف الأول للعدوان.

أما إطلاق الصورايخ، والتى لو كانت غير مؤثرة كما يزعم بعض المتنطعين العرب والمصريين لما وضعت إسرائيل إيقافها فى مقدمة أهداف عدوانها، فقد تواصل حتى لحظة إعلان إيهود أولمرت وقف إطلاق النار الأحادى، وظل لدى المقاومة مخزونها الكبير منه كما تؤكد جميع المصادر الإسرائيلية المطلعة.

أما عن إنهاء السيطرة السياسية لحماس على قطاع غزة فقد كان هو الفشل الأكبر للعدوان الإسرائيلى والتواطؤ الفلسطينى الفصائلى والعربى الرسمى،

فكما أشرنا من قبل بدا جلياً التماسك الداخلى المبهر لجميع طوائف وفئات المجتمع الفلسطينى فى غزة حول حماس والمقاومة مما مكنهم من الصمود العسكرى فى مواجهة الآلة العسكرية الأكبر فى المنطقة والتى فشلت فى إخضاع غزة الصغيرة لها بعد أن احتلتها لنحو أربعين عاماً وظلت تراقبها بكل الوسائل الإلكترونية والبشرية بما يمكنها من معرفة كل شبر فيها.

خرجت حماس من العدوان أكثر قوة وسيطرة على غزة ومساندة من أهلها الصامدين، مما دفع إسرائيل وحلفائها إلى تغيير الإستراتيجية لتحقيق هدف إنهاء هذا الوضع عن طريق الحصار السياسى والمعونات الدولية لإعادة إعمارها، وهو ما يتطلب ربما رؤية أخرى لما يمكن أن تسير إليه الأمور خلال الفترة القريبة القادمة.

رجال غزة لا يريدون فتاتكم


رجال غزة لا يريدون فتاتكم 
عبد الباري عطوان
لا نعرف كم من الاطفال والنساء تحتاج اسرائيل الى قتلهم وتمزيق اجسادهم بقذائف دباباتها وصواريخ طائراتها حتى تروي ظمأها، وتوقف عدوانها الوحشي الحالي على قطاع غزة. فيبدو ان تجاوز رقم الضحايا حاجز الألف شهيد، وخمسة آلاف جريح ليس كافيا، فهناك تعطش للمزيد.
ولا نعرف ايضا كم سيحتاج الزعماء العرب من الوقت حتى يتحركوا من اجل انقاذ كرامتهم، او ما تبقى منها، هذا اذا تبقى شيء، قبل الاستجابة لنداءات الثكالى، وأنين الجرحى، وصراخ الاطفال المرعوبين من القصف الاسرائيلي المتواصل.. ثلاثون يوما، اربعون يوما، ام عدة اشهر؟
عشرون يوما، والحكومة المصرية تتفاوض مع نظيرتها الاسرائيلية على مبادرة مهينة، تحقق للمعتدي كل ما يتطلع اليه من اهداف، ومع ذلك يتدلل، ويطلب المزيد من التنازلات والدماء.
كنا نتطلع الى قمة عربية حاسمة، تعكس تحركا عربيا رسميا يوظّف إمكانات هذه الامة، وهي كثيرة ومؤثرة، لوقف هذا العدوان، فانتهينا بثلاث قمم، هبطت علينا دفعة واحدة، اولها خليجية انعقدت فعلا في الرياض امس، والثانية طارئة بايعاز من معسكر دول الممانعة، جرى اجهاضها بشكل مؤسف، وكان من المقرر ان تبدأ اعمالها اليوم، وثالثة قادمة ستكون الكويت مسرحها يوم الاثنين المقبل.
دول ليست لها علاقة بالعروبة، ولا تنتمي الى العقيدة الاسلامية انتصرت لاستغاثات الضحايا في قطاع غزة، وبادرت الى قطع علاقاتها فورا مع الدولة العبرية (فنزويلا وبوليفيا)، بينما ما زالت الاعلام الاسرائيلية ترفرف، في استفزاز غير مسبوق، في اكثر من عاصمة عربية.
من يريد ان يتحرك لا يحتاج الى انعقاد قمم عربية، عادية او طارئة، فقط يبادر باتخاذ خطوات عملية، كل قدر امكانياته، حتى يترجم اقواله الى افعال، ويبرئ نفسه، امام الله ومواطنيه، من تهمة التواطؤ مع هذه المجازر التي نتابع تفاصيلها الدقيقة، ساعة بساعة، عبر شاشات التلفزة.
اعتقدنا ان ضخامة الفجيعة في غزة ستكون عامل توحيد للعرب والمسلمين، وكم كنا متفائلين سذج، فقد استخدمها البعض بطريقة بشعة لتعزيز هذا المحور في مواجهة ذاك، او العكس تماما، الامر الذي شجع اسرائيل وآلتها الدموية الجبارة على مواصلة عمليات التصفية والتطهير العرقي دون رادع.

السيدة تسيبي ليفني وزيرة خارجية اسرائيل قالت انها تخوض هذه الحرب نيابة عن معسكر المعتدلين العرب، ولخدمة اهدافهم في التخلص من 'ارهاب' حركة 'حماس' والفصائل الاخرى، ويبدو انها اصابت في اقوالها هذه، لان هذا المعسكر هو الذي يعرقل اي تحرك عربي فاعل، ويقوم بعضه بدور الوسيط المنحاز ضد بني قومه.
اهالي قطاع غزة الصامدون لا يريدون اكفانا يرسلها اليهم اشقاؤهم في عواصمهم المترفة، ولا خبزا، او حفنة ادوية، وانما الاسلحة، والمواقف العملية الرجولية، فماذا سيفعل هؤلاء بالخبز وهم يواجهون الموت في اي لحظة، ويهيم اطفالهم وسط انقاض البيوت المدمرة يبحثون عن امهاتهم بين ركامها ؟ .
الحكام العرب يفضلون شد الرحال الى قمة الكويت الاقتصادية، للاتفاق حول كيفية استثمار اموالهم وفوائضهم بشكل اكثر ربحية، وتنسيق المواقف لضمان اسعار افضل لنفوطهم، اما دماء اطفال غزة فتحتل مرتبة متدنية على جدول اولوياتهم، هذه هي الحقيقة المخجلة التي يبتعد الكثيرون عن ذكرها.
العالم الغربي الذي يدعم اسرائيل، ويوفر الغطاء الشرعي لعدوانها المتواصل، لا يفهم الا لغة المصالح. ومصالحه تنحصر في امرين اساسيين هما أمنه وجيبه، ومن المؤسف انه لا يوجد اي تحرك عربي او اسلامي، يهدد أيا منهما، لا من دول الممانعة ولا من دول الاعتدال، فقد تساوى الجميع في حالة العجز المزرية التي نراها حاليا بأم اعيننا.

السيد احمدي نجاد رئيس الجمهورية الاسلامية الايرانية ينتقد عجز الزعماء العرب المعتدلين، مثلنا تماما ككتاب ومعلقين، ولكننا لا نملك غواصات وصواريخ وحرسا ثوريا مثله، ولا نستطيع اغلاق مضيق هرمز في وجه الملاحة الدولية، فلماذا لا يفعل السيد نجاد وحلفاؤه شيئاً عملياً لتخفيف العدوان على أهل غزة؟ نستجديهم ان يقدموا على أي خطوات عملية، تثبت لنا انهم مختلفون عن الحكام العرب الآخرين المتواطئين مع العدوان الاسرائيلي.
ندرك جيداً انهم مستهدفون، وان العدوان على غزة هو مقدمة لعدوان قادم عليهم، ولا نريدهم ان يقعوا في مصيدة الاستفزاز الاسرائيلي، ولكن لا بد ان هناك اوراقاً في ايديهم يمكن استخدامها بفاعلية لاظهار تميزهم، وتأكيد مشاعرهم الوطنية الطيبة في دعم المقاومة وفصائلها المتعددة في هذه الحرب المصيرية.
من حقنا ان نسأل العاهل السعودي الملك عبد الله بن عبد العزيز ما اذا كان يشاهد اشلاء اجساد الأطفال في قطاع غزة مثلنا عبر شاشات التلفزة، واذا كان يشاهدها فماذا ينتظر، وهو خادم الحرمين الشريفين، والحليف الأوثق للولايات المتحدة والغرب، وصاحب مبادرة السلام العربية، وحوار الأديان؟
نوجه السؤال نفسه الى الرئيس المصري حسني مبارك الذي نعتقد انه على قناعة تامة بأن دور الوسيط الذي يمارسه حالياً هو افضل ما في جعبته، ونسي وهو قائد سلاح الطيران اثناء حرب اكتوبر المجيدة، ان دور مصر هو اشرف وأكبر من ذلك بكثير، ولكن يبدو انه لا يريد احدا ان يذكره بأبسط واجباته كعربي ومسلم، بل وكإنسان، فقد سدّ اذنيه واغمض عينيه عن كل هذه المناظر والصور التي تزعج حياته، وتنغّص عليه استمتاعه بها فيما تبقى له من سنوات العمر.

اما السلطة الوطنية في رام الله فقد باتت تتصرف وكأنها احد كانتونات النظام العنصري السابق في جنوب افريقيا، تراقب الامور من بعيد، وتكتفي بارسال المعونات الغذائية والطبية الى القطاع، ومساندة المبادرة المصرية لوقف الحرب. سلطة لم تمارس اي نوع من الضغط على اصدقائها في اسرائيل، بل على العكس من ذلك سهلت مهمة عدوانهم بقمعها للمظاهرات الاحتجاجية في مدن الضفة الغربية.
يتحدثون في رام الله عن معارضتهم لفصل الضفة عن القطاع، ويؤكدون انهم لن يعودوا الى غزة على ظهور الدبابات الاسرائيلية، فليثبتوا هذا عملياً، وليقدموا على خطوات فعلية تؤكد نواياهم، وليكونوا القدوة الصالحة للعرب الآخرين، من حيث حل هذه السلطة واعلان موت العملية السلمية التي يراهنون عليها، والعودة الى خيار المقاومة.
قطاع غزة وقع تحت الاحتلال الاسرائيلي مرتين، وهذه هي المحاولة الثالثة، وقدم الآلاف من الضحايا والشهداء، وخرج في كل مرة قوياً، منتصراً وعنيداً في تمسكه بالمقاومة وثوابته الوطنية، ومن المفارقة ان 'حماس' لم تكن موجودة في المرتين الأوليين، وانما الادارة المصرية التي آمنت بوحدة المصير، ورفضت الرضوخ للمشروع الاستعماري الاسرائيلي الغربي، واختارت الانحياز للشهامة والكرامة والقيم العربية والاسلامية العريقة.
الاجيال الفلسطينية المقبلة التي ستنهض من ركام هذا الدمار قطعاً ستكون مختلفة، وقد لا تقبل بما يقبل به الجيل الحالي، وتسعى للانتقام من كل الذين خذلوا آباءها، وتواطأوا مع العدوان، وتتعامل مع هؤلاء تماماً مثلما ستتعامل مع المعتدين، ان لم يكن اكثر. وعلينا ان نتذكر حلم وأمنية اسحق رابين بان يصحو يوما من النوم ليجد غزة وقدغرقت في البحر واختفت كلياً.