‏إظهار الرسائل ذات التسميات سوريا. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات سوريا. إظهار كافة الرسائل

أمن غزة أمننا وأمن سوريا كذلك


يسرى فودة
ربما لا يعلم البعض أن صاحب فكرة إقامة دولة حملت بعد ذلك اسم »إسرائيل» هو نابليون بونابرت؛ إذ إن هذا الداهية العسكرى الفرنسى هو الذى التفت حوله فأمعن النظر فاستطاع أن يقرأ واقع الجغرافيا السياسية للشرق الأوسط ببراعة لم يسبقه أحد إليها من قبل. «إذا أردت السيطرة على قلب العالم العربى فعليك أن تقصم وسط الساحل الشرقى للبحر الأبيض المتوسط». هذه هى فلسفته قبل أكثر من قرنين من الزمان، وهذه هى مصيبتنا اليوم.

من نوافل القول الآن إن فلسطين، وبخاصة غزة، تدخل مباشرةً فى قلب مفهوم الأمن القومى المصرى. تهتز غزة فتلين بوابة مصر الشرقية، وتصمد غزة فتمتنع مصر كلها. هذه عصارة تاريخ طويل من أيام الفراعنة والرومان والعرب والتتار والصليبيين والاستعمار الحديث والإسرائيليين. اختلفت طبائع الصراعات من عصر إلى عصر لكنها اتفقت جميعاً على ظاهرة واحدة: أن مصر تنتصر حين تدافع عن نفسها خارج حدودها، أو حين يدافع عنها الآخرون.

فليفكر إذن مرةً أخرى أولئك الذين «تكرموا» فى مصر بالتعاطف مع ضحايا مذبحة غزة الأخيرة. فهؤلاء الذين استشهدوا بقنابل اليهود الإسرائيليين استشهدوا فى الواقع دفاعاً عن مصر، سواء أدركوا هذا أو لم يدركوه، سواء أحبوه أو كرهوه. وليفكر إذن مرةً أخرى أولئك الذين يخلطون، عن عمد أو عن سهو أو عن جهل، بين أهداف سياسية مرحلية مؤقتة زائلة وبين ثوابت الأمن القومى وأعمدة الجغرافيا السياسية. وليفكر إذن مرةً أخرى أولئك الذين أرادوا أن يكونوا أنانيين ففشلوا حتى فى استيعاب مفهوم الأنانية.

جوهر الأنانية «الإيجابية» فى هذه الحالة يقبع فى دفاعك «عمليا» عن نفسك عن طريق دعم من يقف أمامك فى الصف، لا عن طريق رفع شعار عاطفى أجوف مثل «مصر أولاً»، ولا عن طريق ركل من يقف أمامك فى مؤخرته. تعيش مستور الصدر إذا عاش وتواجه الطوفان عارى الصدر إذا مات. أنا أرفع شعار «أنا أنانى» ولهذا أنا أبدأ بنصرة من هو مثلى «أنا»، ثم أتحسس مسدسى حين أسمع كلمة «مصر أولاً».

فليفكر إذن مرةً أخرى «أسيادنا» حين يعلمون أن «عبداً» مملوكاً، اسمه الظاهر بيبرس، هو الذى أدرك جوهر الأنانية «الإيجابية» من منظور مصر فخرج لنصرة الشماليين على التتار فعاشت بلاده. وليفكر إذن «أسيادنا» لماذا تثور ثورة من يعتبروننا أعداءهم (و يعاملوننا على هذا الأساس) كل مرة يقترب فيها جنوب الساحل الشرقى للبحر الأبيض المتوسط من شماله (مصر وسوريا بلغة اليوم). حدث هذا أيام صلاح الدين الأيوبى وأيام محمد على، كما حدث أيام جمال عبد الناصر وأيام حرب أكتوبر المجيدة، وسيحدث دائماً كل مرة يقترب فيها القطبان.

هذا هو واقعنا وهذا هو قدرنا، ومن لا يدرك هذا فهو إما جاهل أو مُغرض. أما وأننا لا نعتقد أن صناع القرار، سواءٌ فى مصر أو فى سوريا، يندرجون تحت أى من هذين التصنيفين فإن من الحكمة، ومن المسئولية فى آنٍ معاً، أن نرتفع جميعاً فوق مستوى الحسابات المرحلية والاستمزاجات الشخصية قبل أن يتحول المرحلى إلى متكرر ويتحول المتكرر إلى منهجى ويتحول المنهجى إلى ثابت.

الحكومات تأتى وتروح. لكل منها رؤيتها للواقع بناء على ما ترى فيه مصلحتها ومصلحة شعبها. وحتى إذا تلخصت رؤيتها لمصلحتها فى مجرد البقاء فى السلطة رغم أنف الشعب (مثلما هو الحال مع معظم الحكومات العربية) فإن ذلك لا يمنحنا الحق فى استخوانها ولا يمنحها الحق فى استغفالنا، ولا يمنح أياً منا الحق فى مصادرة الثوابت.

مثلما أن من الواجب أن يسعى المرء بكل الطرق المشروعة إلى استعادة الحق، فإن من الواجب كذلك حين يدرك أن ظروفه لدى لحظة زمنية معينة لا تسمح له باستعادة الحد الأدنى من حقه ألا يحرم الأجيال القادمة من شرف المحاولة لعل الظروف تتغير، وهى متغيرة لا محالة. وبالمقابل، مثلما أن من الواجب أن يكون لدى المرء رؤيته الخلاقة فى قراءة موقف متراوح، فإن من الواجب كذلك أن تكون لديه القدرة على التمييز بين ما هو مرحلى وما هو ثابت. بعبارة أخرى: أن يكون قادراً على تحديد مواقع الخطوط الحمراء، وأن يكون من الحكمة (ومن الواقعية) بحيث ينحنى تواضعاً أمامها وإلا كانت نهايته.

من الحكمة والواقعية كذلك (و أيضاً من شجاعة القلب) أن تنصر الحاكم على المتزلفين والمنافقين والذين لا يعلمون. إنها لمسألة تدعو إلى الأسف أن يعقد البعض منا، ومن بينهم «الزعيم» عادل إمام، دم شهداء غزة بناصية المقاومة (بغض النظر عن رأيك فى منهجها وفى أعضائها)، وإنها لمسألة تدعو إلى الحزن أن تقوم بعض الجماعات بإهدار دمه لأنه عبر عن رأيه فخانه الفارق بين المرحلى والثابت. وإنها لمسألة تدعو إلى التأمل أن تكون لدى البعض منا فى مصر كل هذه القدرة على التعالى والغرور (وأحيانا العنصرية) حين نواجه نقداً من هؤلاء «العرب»، حتى ولو كان بناءً وراقياً وعلى حق.

غير أن المسألة التى تدعو إلى القلق، أشد القلق، هى انتقال هذا اللغط من دائرة النخبة إلى دائرة العامة بصورة تهدد بخلط المرحلى بالثابت ربما إلى أمد بعيد على مرأى ومسمع من جيل نما فى ظروف هشة.

بين أيدينا فى مصر جيل يفصله عن حرب أكتوبر أكثر من خمسة وثلاثين عاماً، جيل لم يدرس مادة «التربية القومية»، جيل لم يعد حكراً على الآلة الإعلامية للدولة، جيل خرج منه من تزوج إسرائيليات وخرج منه من التحق بالقاعدة، جيل لا يعلم إذا تسلل لص إلى منزله بأى رقم هاتفى يتصل. لقد وصل «جيل كامب ديفيد» بين ليلة وضحاها إلى مرحلة الشباب فلم يجد موقعاً له فى البلد أفضل من موقع «فيس بوك».

على هؤلاء ينبغى أن نقلق وعلى أولادهم، لكننا بدلاً من ذلك «نستخدمهم» فى إطار ألعاب سياسية شخصية مرحلية عبثية تنتمى إلى عصور سحيقة، تماماً مثلما استخدم عبد الناصر (بغض النظر عن رأيك فيه) صوت العرب (بغض النظر عن رأيك فيه) كى يؤلب الرأى العام العربى (بغض النظر عن رأيك فيه) على النظام السعودى (بغض النظر عن رأيك فيه). فلا فشل عبد الناصر ولا فشل صوت العرب ولا فشل الرأى العام العربى ولا فشل النظام السعودى. فقط أضعنا وقتنا فى عبثية ضارة لا نزال نشتم رائحتها حتى اليوم فى عقدة «الفوقية/الدونية» لدى بعض النماذج فى الشعبين الشقيقين.

إننا لا نريد لمثل ذلك أن يحدث اليوم بين الشعبين المصرى والسورى. سيغضب كثيراً فى قبره نابليون بونابرت. لا نريد للمرحلى أن يتكرر ولا نريد للمتكرر أن يتمنهج. إن الخطر يكمن فى أن يتجاوز الخلاف مستوى الساسة إلى مستوى الأمنيين إلى مستوى الإعلاميين إلى مستوى المثقفين إلى مستوى الفنانين إلى مستوى عامة الشعب. عندها يتحول الخلاف إلى شك ويتحول الشك إلى كراهية، ويتحول نابليون بونابرت فى قبره إلى البحث عن تحدٍّ آخر أكثر تشويقاً.

انقلاب عربي يصعب تصديقه


انقلاب عربي يصعب تصديقه
عبد الباري عطوان
ما حدث في قمة الكويت الاقتصادية من مصالحات بين اطراف متنافرة، بل ومتصادمة، جاء مفاجئاً للكثيرين، فحروب القمم العربية، التي اشتعل اوارها طيلة الايام القليلة الماضية، وما شهدته المنطقة من مقاطعات واستقطابات واصطفافات رسخ انطباعا بأن الشروخ التي اصابت الجسم الرسمي العربي باتت اصعب من ان يتم التئامها، وأنها بصدد الاتساع.
فمن كان يصدق منظر العاهل السعودي الملك عبد الله بن عبد العزيز وهو يسير متشابك الأيدي مع الرئيس السوري بشار الأسد، ومن كان يتوقع ان يرى امير قطر الشيخ حمد بن خليفة يجلس جنباً الى جنب مع الرئيس المصري حسني مبارك بعد المعارك الاعلامية الطاحنة، يتبادلان الابتسامات والأحاديث الودية وكأن شيئاً لم يحدث؟
مشهد صعب هضمه، ناهيك عن تفسيره، يعكس لوغاريتمات السياسة العربية، والطبيعة الغريبة، واحيانا غير المنطقية، لمواقف اقطاب النظام الرسمي العربي، وطريقة تفكيرهم، ومواصفات خلافاتهم او تحالفاتهم، الامر الذي يدفعنا الى طرح العديد من الاسئلة حول اسباب هذا الانقلاب المفاجئ، ومدى جديته، وما يمكن ان يترتب عليه من خطوات عملية في اتجاهات عديدة، وعلى الصعد كافة.
هل هي دماء أطفال غزة التي حققت هذه المعجزة، ام انها العربدة الاسرائيلية التي فاقت كل التصورات في تغولها ووحشيتها، ام هو الصمت الامريكي والغربي، ام هو الهوان العربي، ام انها جميع العوامل هذه مجتمعة حتمت هذا التحول؟
لا نستطيع ان نغرق كثيراً في التفاؤل، لأن خيباتنا من النظام الرسمي العربي ورموزه لا تعد ولا تحصى، فقد شبعنا من الخطابات الرنانة، والكلمات النارية، وعبارات 'العين بالعين، والسن بالسن' وتكرار الجمل الخالدة مثل 'ما أخذ بالقوة لا يسترد بغيرها'، دون ان نرى غير اعتداءات اسرائيلية مهينة ومتواصلة، وقادة عرب يديرون الخد الأيسر لمن يصفع خدهم الأيمن.
هل ما حدث أمر جدي فعلاً، ومؤشر على بداية مرحلة جديدة من العمل العربي المشترك تضع حداً لمسلسل الاهانات الاسرائيلية، والازدراء الامريكي، والاحتقار العالمي لكل ما هو عربي؟ اما انه حدث طارئ لامتصاص حالة غضب شعبي عبّرت عن نفسها بقوة في شوارع المدن والعواصم العربية والاسلامية؟

خطاب العاهل السعودي كان نقطة التحول الرئيسية خلف كل التداعيات التي اطلت برأسها في قمة الكويت، وانعكست في المصالحات التاريخية، في توقيت عربي وعالمي حساس، حيث يقف العالم بأسره امام مرحلة جديدة ومختلفة تنبئ بالكثير من التغييرات، الامر الذي قد يوحي بان المملكة العربية استعادت زمام المبادرة الذي فقدته طوال سنوات التيه السابقة ومنذ مطلع هذا القرن على وجه التحديد، مما قزّم دورها، وصنّفها في خنادق تتناقض مع تطلعات شعبها.
هناك مجموعة من النقاط يمكن استخلاصها من القراءة السريعة لبعض الوقائع التي تبلورت على المسرح العربي، والقمم العربية الاخيرة، والكويتية منها على وجه الخصوص:
اولا: ادرك النظام الرسمي العربي انه يقف امام تحد اسرائيلي شرس ينسف كل الآمال بجدوى التعامل السياسي السلمي معه، مما يعني ان الاستمرار في استجداء السلام بدأ يعطي نتائج عكسية تماما.
ثانيا: اكدت الاتفاقات الامنية الامريكية ـ الاسرائيلية لمراقبة الحدود المصرية مع قطاع غزة لمنع تهريب الاسلحة، ودون دعوة القيادة المصرية او حتى التشاور معها، ان العلاقة الامريكية مع دول محور الاعتدال العربي، ليست علاقة تحالفية وانما 'خدمية' حيث ترى واشنطن العرب كمجموعة من التابعين باتت وظيفتهم محصورة في خدمة حروبها، وحماية اسرائيل. والشيء نفسه يقال ايضا عن تجاهل اسرائيل للمبادرة المصرية لوقف اطلاق النار، وانهاء الحرب من طرف واحد ودون التشاور مع الوسيط المصري.
ثالثا: نجح الرأي العام العربي المغيّب في فرض نفسه على النظام الرسمي العربي، من خلال مظاهراته الاحتجاجية الصاخبة والمستمرة، الامر الذي اعطى ثماره في اجبار الانظمة على وقف نظرتها الازدرائية غير المبالية للشارع العربي.
رابعا: صمود اهل قطاع غزة الاسطوري لأكثر من ثلاثة اسابيع في وجه العدوان الاسرائيلي، ودون اي دعم رسمي عربي، عسكري او سياسي، وفشل كل الرهانات على رضوخهم للابتزاز الارهابي الاسرائيلي والانقلاب على المقاومة وفصائلها وثقافتها.
خامسا: تعاظم المعارضة لحال الخنوع العربي الراهنة، واقدام دول على خطوات عملية للمرة الاولى لتبرئة نفسها من تهم التواطؤ مع الاحتلال، وتبلور حالة من الفرز في اوساط الانظمة، بين من يريد ان يفعل شيئا عمليا كرد على الاذلال الاسرائيلي ـ الامريكي، ومن يتحلى بفضيلة الصمت، واعطاء اسرائيل فرصة لانهاء المقاومة. ورأينا قطع علاقات مع اسرائيل، ومطالبة قوية بسحب مبادرة السلام العربية، والتلويح بخطوات اخرى قادمة.
سادسا: مساء اليوم تنتهي فترة حكم اكثر الزعماء الامريكيين كراهية للعرب والمسلمين، وصداقة وتأييدا للاسرائيليين ومشاريعهم وحروبهم ضد العرب والفلسطينيين خاصة، وتبدأ فترة ادارة جديدة تعد بالتغيير، وتقليص الاعتماد على العرب ونفطهم، وفرض احترام قيم حقوق الانسان والديمقراطية، الامر الذي يفرض على النظام العربي، او رموزه الاساسية اعادة ترتيب اوضاعها، والتخلي عن بعض جوانب غطرستها وجنوحها، ومحاولة اصلاح الجسور مع انظمة اخرى اختلفت معها، وعادتها لاسباب شخصية محضة، وليست استراتيجية.
سابعا: لعب الاعلام العربي، والشريف منه على وجه الخصوص، دورا فاعلا في تعرية المتواطئين مع العدوان، والمتدثرين بعجز مفتعل عن مواجهته لاسباب غير وجيهة، علاوة على كونها غير مقنعة، سواء من خلال ابراز الوحشية الاسرائيلية في قطاع غزة، ومظاهر الصمود الاعجازية للثكالى والاطفال المقطعة اوصالهم، او الاطباء الذين يعملون ببطولة لانقاذ المصابين، او تحريض الشارع العربي ضد الانظمة، وتعبئته خلف عملية التغيير على مستوى القمة.

لعلها 'صحوة'، او بوادر حراك في اتجاه صحيح، وفق بوصلة جديدة، ترتكز قاعدتها على معجزة مساحتها مئة وخمسون ميلا مربعا اسمها قطاع غزة، تضم شعبا من الجبارين فعلا، قد تكون حلما كاذبا يدفعنا الى التريث والحذر لاننا لدغنا كشعوب في مرات سابقة، وانخدعنا بخطابات نارية مماثلة، وقد تكون 'انتفاضة' حقيقية وجدية تؤشر لمرحلة جديدة.
نفضل التريث قليلا، وانتظار الايام المقبلة، حيث سيهدأ غبار قمة الكويت، ويعود الزعماء العرب الى بطانتهم وقصورهم، بعدها سنرى الحقائق على الارض، واضحة للعيان، ونأمل ان تكون شكوكنا وحذرنا وعلامات استفهامنا في غير محلها.
ختاما نقول ان اي مصالحة عربية ـ عربية، او فلسطينية ـ فلسطينية لا تستند الى ارضية مقاومة المشروع الاسرائيلي هي مصالحة مغشوشة، ستصطدم حتما بالشارع العربي، ولن تنقذ النظام الرسمي العربي.

«لوموند» الفرنسية: عن أي نصر في غزة تتحدث إسرائيل!


«لوموند» الفرنسية: عن أي نصر في غزة تتحدث إسرائيل!
ترجمة: إسراء محمد علي

في الوقت الذي ذهب فيه رئيس الوزاء الاسرائيلي ليعلن أن عملية «الرصاص المصبوب» في غزة حققت أهدافها، وتصدرت كلمة «النصر» للصفحة الأولي من صحيفة «معاريف» الإسرائيلية بعد إيقاف إطلاق النار، وانتشار صور الجنود فوق دباباتهم الميركافا وهم يرفعون بأيديهم علامة النصر، شككت صحيفة «لوموند» الفرنسية في الزهو الإسرائيلي كله، بقولها إن الصواريخ الفلسطينية أطلقت باتجاه إسرائيل بمجرد دخول إطلاق النار الأحادي الجانب حيز التنفيذ، وبعدها أعلنت حماس وقف إطلاق النار من جانبها، وأمهلت الجيش الاسرائيلي أسبوعًا للانسحاب من غزة.



وأشارت الصحيفة إلي قول رئيس الأمن الداخلي الإسرائيلي إلي «إن حماس بإمكانها إعادة بناء أنفاق مرة أخري في غضون شهورقليلة وستعود من جديد لحمل وتهريب السلاح»، وأبرزت وجود أصوات داخل إسرائيل تقول إنه «لا يوجد شيء من الأهداف التي أعلن عنها في بداية العملية التي بدأت في 27 ديسمبر تم تحقيقه» وهذا ما أعلنه الرجل الثاني في حزب الليكود سيلفان شالوم، وهو الحزب الذي أعلن معارضته لقرار من جانب واحد لإنهاء القتال.

وأشارت الصحيفة إلي انتقاد العديد من الإسرئيليين لحكومة تل أبيب لعدم قدرتها علي تحرير الجندي جلعاد شليط الذي أسرته حماس في 25 يونيو 2006 في قطاع غزة، وأشار ناحوم بارنياكاتب عمود في صحيفة «يديعوت أحرونوت» إلي «أن توافق الآراء علي الصعيد الوطني التي سادت في إسرائيل لاثنين وعشرين يومًا توفي مساء يوم وقف إطلاق النار» في إشارة إلي أن الإسرئيليين كانوا يعتقدون أن الحرب ستحقق شيئًا مما وعدت به إسرائيل شعبها فلما تم إيقاف إطلاق النار لم يتحقق شيء من هذه الوعود.

وتساءلت الصحيفة: ما هو «الرصاص المصبوب» إذن؟ في إشارة إلي أن إسرائيل لم تجن الثمار التي منت نفسها بها من هذه العملية في نهاية المطاف، وقالت الصحيفة «إن الثمن التي ستدفعه الدولة اليهودية سيكون أعلي بكثير مما يتصورون، فكل من فنزويلا وبوليفيا وموريتانيا قرروا تعليق العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وأعلنت قطر إغلاق المكتب التجاري الإسرائيلي في الدوحة، وقال بشار الأسد الرئيس السوري إن المبادرة العربية للسلام التي اعتمدتها دول جامعة الدول العربية في مارس 2002 في بيروت أصبحت الآن بالية، وحتي تركيا التي كانت علاقاتها بدأت تتحسن مع تل أبيب، قرر رئيس وزراؤها رجب طيب رجب أردوجان أن أنقرة لن تلعب دورًا في المساعي الحميدة في مفاوضات السلام الإسرائيلية - السورية».

وقالت الصحيفة إن حرب إسرائيل الدموية والمميتة علي غزة أضعفت محمود عباس - رئيس السلطة الفلسطينية - وشريك إسرائيل في التفاوض من أجل إحلال السلام، وأنها لم تخفض القدرات العسكرية للمقاومة الإسلامية كما يزعم المسئولون الإسرائيليون، فهي لم تتمكن من القضاء سوي علي جزء ضئيل لا يتعدي 2% منهم فعدد مقاتلو حماس يتأرجح ما بين 15 ألفًا و20 ألف مقاتل ومن لقوا مصرعهم من هؤلاء المقاتلين يترواح ما بين 500 و600 مقاتل قتلوا في الحرب الإسرائيلية علي غزة بحسب التقارير الإسرائيلية، وباقي الضحايا هم من المدنيين، فيما تؤكد المقاومة أن خسائرها أقل من ذلك بكثير.

وأضافت الصحيفة إذا كانت حماس قد اهتزت خلال هذا الهجوم، لكنها لا تزال علي قيد الحياة، بل وظهرت مرونتها أكثر من أي وقت مضي، وهذا في واقع الأمر ضروري، حتي لو كان الاسرائيليون والعالم الغربي ما زالوا يرفضون إجراء محادثات مع قادتها، وكان ترحيب حماس بوقف إطلاق النار من جانب إسرائيل قبل إعلانها وقف إطلاق النار وإمهالها هدنة لمدة أسبوع لتسهيل وصول المساعدات الإنسانية ومواصلة المفاوضات للتوصل إلي حل لإعادة فتح نقاط العبور، وهذا يعني أن حماس لن تقبل بوقف دائم لإطلاق النار من دون إنهاء الحصار المفروض علي قطاع غزة، فهذه المطالب هي من أولويات حماس لوقف إطلاق نار دائم في القطاع.

وقالت الصحيفة: إنه ومع كل الاحترام لإيهود أولمرت الذي قال إن «قوة حماس في تناقص مستمر، فإن الثلاثة أسابيع من الحرب الإسرائيلية علي غزة زادت من جماهيرية حركة حماس بين السكان الفلسطينيين، واعتقد الكثير من المعلقين أنه ارتكب خطأ جسيمًا بعدم تجديد الهدنة التي كانت قائمة منذ يونيو وحتي 19 ديسمبر الماضي».

الدم الفلسطيني يوم السبت كاشير



الدم الفلسطيني يوم السبت كاشير
هيثم مناع

في الثقافات اليهودية قديمة ومعاصرة، أشكنازية وسفرادية، يوم السبت هو يوم الرب والعبادة، لا يجوز فيه العمل ومحظور فيه البحث عن المنافع الدنيوية الرخيصة. هو يوم الراحة الذي يصبح أكل الحلال فيه أكثر التزاما (في العبرية حلال: كاشير) ويخصص للعبادة والتصدق ويجوز فيه مساعدة محتاج أو نصرة مظلوم. في هذا اليوم، وهو أقدم شعيرة في التاريخ استمرت حتى يومنا لفكرة العطلة الإسبوعية، يراجع اليهودي نفسه فيما فعل ويحاسب نفسه قبل أن يحاسبه الله يوم لا ينفع وساطة أو شفيع. في هذا السبت المقدس 27/12/2008، بين عيد الميلاد ورأس السنة الميلادية، وقبل نهاية العام الستين لتوقيع الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وفي الساعة الحادية عشرة صباحا باشرت خمسون طائرة حربية إسرائيلية قصف نقاط استهداف لخمسين هدف حكومي وأمني في غزة تبعها بعد نصف ساعة هجمات لستين طائرة حربية على ستين هدفا إضافيا. واستمرت الهجمات لكن الساعة الأولى تكفلت وحدها بكسر الأرقام القياسية الإسرائيلية السابقة لكي تبدأ أكبر مجزرة بحق الفلسطينيين انطلقت في ساعة زمنية قياسية منذ حرب 1967.
السبت عبري والدم فلسطيني والقتل حلال (كاشير). وزير الخارجية البريطاني ينسى حرمة السبت ويصبح علمانيا، وكذلك زميله الفرنسي، المؤسسات اليهودية الصهيونية تبحث عن ألف مبرر ومبرر لجعل اختراق حرمة السبت المقدس من صميم الدين عبر شيطنة الفلسطينيين وتصوير غزة بوصفها تورا بورا الإرهاب الدولي. لا تنتظروا من مجلس الأمن إدانةً تسمي جنسية راكب القاذفات المقاتلة، ولا تنتظروا من خليل زاده (وهو بالصدفة أول مسلم يمثل الولايات المتحدة في مجلس الأمن) أن يطالب المعتدي بوقف العدوان، بل لا تنتظروا من العديد من عرب الخدمات في الأوساط الحكومية وأحيانا غير الحكومية، استنكارا لا يذّكر ويقسم الأيمان الغليظة على أنه لم يتوقف عن إدانة قتل المدنيين من أي طرف كان، وأنه إن يطالب بوقف 'إطلاق النار' فقد طالب بالأمس حماس بالتهدئة ولو من طرف واحد.. فحماس هي المجرم وهي القاتل الأول والأخير، ولأن هذا الفلسطيني قد صوّت في انتخابات حرة لحماس، فهو المجرم الثاني.. وأمام المجرمين يصبح 'الحق' في ارتكاب كل الجرائم حلالا في الدين والدنيا!!
ألم تقل لكم ليفني بأنها قد أعلمت كل من يهمه الأمر من المسؤولين العرب والغربيين بما سيفعل جيشها يوم السبت الأسود وبعده؟ وأن المشكلة ليست وقف الصواريخ البدائية بل قلب الأوضاع في غزة؟ أين ذهبت صرخات المطالبة بموقف حضاري ومتمدن التي سمعناها يوم حذاء الزيدي؟ أم أن الحصار حلال والخناق حلال والقتل حلال عندما يتعلق الأمر بالفلسطيني؟ الصمت على الاستيطان والصمت على التسلح الفائق والصمت على هدم ما هو فلسطيني بل حتى الصمت على الترانسفير لعرب 48 كل هذا صار من شروط المدنية والانتماء إلى نادي الاعتدال والمنطق والعقل و'الشرعية الدولية' ؟
قبل انتخاب حماس بخمسة عشر يوما، أصدرت المفوضية الأوروبية تعميما سريا بعد اجتماع في منتصف كانون الأول (ديسمبر) آنذاك يقول بأن نجاح حماس في الانتخابات التشريعية الفلسطينية يعني بشكل اتوماتيكي قطع المساعدات الأوروبية الرسمية عن الشعب الفلسطيني (بالطبع هذا القرار تم اتخاذه سرا من جانب واحد ودون قيد أو شرط). فكيف يمكن أن نصدق مسؤولا أوروبيا يتحدث عن ضرورة دفاع الدولة العبرية عن نفسها من صواريخ القسام وقد حدد معسكره مسبقا.. كل التهدئات كانت تحترم فلسطينيا، أو لنقل بتعبير آخر، كما هو الحال في كل دول العالم، الطرف الأضعف عسكريا يحترم اتفاقيات وقف إطلاق النار أكثر من الطرف الأقوى. كل الحيل على تقديم اعتراف بالمحتل يحمي ماء الوجه للمقاومة الإسلامية تم اللجوء إليها.. كل التنازلات الممكنة من وقف عمليات الاستشهاد الذاتي إلى ضبط المجموعات المسلحة الفلسطينية من الفلسطينيين أنفسهم في غزة والضفة أيضا حدثت.. لكن وكما يقول المثل الشعبي: عنزة ولو طارت.. لا مكان لهذه الحركة السياسية في خارطة المنطقة، لذا مطلوب التخلص منها عاجلا أو آجلا.
يحق للإسرائيلي أن يصوت لنتانياهو وأحزاب الترانسفير والمافيا الجيورجية بل والمومسات الروسيات. وليس من حق الفلسطيني أن يختار في قيادته السياسية إلا من يرضى عنه عدوه. ولأول مرة في التاريخ المعاصر، يعتقل من النواب والوزراء فوق المئة ولا نسمع شكوى أو احتجاج من منظمات مهمتها الدفاع عن منتخبي الشعب وممثليه؟ لأول مرة ترتكب جرائم متتالية بحق الإنسان الفلسطيني ترتقي كلها لجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية والعالم يتحدث عن ضرورة وقف العمليات العسكرية من الطرفين. لأول مرة يقتل زيد عمر فيطالب العالم عمر بوقف العدوان؟ هل يقامر العالم بكل إنجازاته مقابل إرضاء هذه الدولة العدوانية المركبة بقرار من الأمم المتحدة ودعم القوى الكبرى؟
لا يمكن الحديث عن صمود وانتصار أو هزيمة.. فالمعارك العسكرية في الأسلحة الحديثة ليست مبارزة متكافئة.. شعب تحت الحصار منذ انتفاضتين، وتحت الخناق منذ 18 شهرا، 80' منه تحت خط الفقر ومعظم الأدوية الضرورية للجرحى والمرضى غير متوفرة والطاقة الكهربائية تتحطم محطاتها منذ اعتقال الجندي شليط أما المواد الأساسية فتقدم بالقطارة.. فعن أي توازن في القوى يمكن أن نتحدث؟
إن ما يحدث كفيل بزرع كل طاقات الحقد والكراهية الممكنة تجاه قوة تحصل على ما تريد وعندها ما تريد وما لا تريد، مقابل شعب محروم من أبسط عناصر البقاء على قيد الحياة.. زرع هذا الحقد ليس فقط في المنطقة العربية والعالم الإسلامي، بل عند كل ضمير حي في العالم.. ومن المضحك بعد كل عدوان مشابه أن يطرح السؤال: لماذا أنتم ضد التطبيع؟ لماذا أنتم ضد دولة صارت قوة إقليمية وأمرا واقعا؟ إلى متى سيبقى العربي في أوهام فلسطين؟
تعيد أحداث غزة لأوليات كادت تنسى حق الاسترجاع، وتذكر من لا ذاكرة له بأن هذه الدولة المشوهة المسماة إسرائيل لا يمكن أن تتعامل مع الجوار إلا بمنطق القوة، وبالتالي عرض عضلاتها في الهدم والقصف والقتل لكل من لا ترضى عنه. طاحونة العنف هذه تقوم منذ ستين عاما على مبدأ بسيط هو ضرورة قتل الشبيه (أو من جئت مكانه) وفق نظرية رونيه جيرار في 'العنف والمقدس'. فزراعة شعب في أرض لشعب آخر يعني في أية إيديولوجية تفوق أن هناك شعبا زائدا عن الضرورة، وكل وسائل التخلص منه مشروعة. هنا تصبح عملية الإبادة الجماعية باردة بالاستيطان والحواجز والحصار وضرب مقومات الحياة للآخر، وساخنة بالتهجير والقتل والحرمان من أوليات البقاء على قيد الحياة. وفي كل أزمة، يظهر في الوعي واللاوعي الإسرائيلي السائد، هذا المخزون العدواني للفلسطيني ينصب الصهيوني رمزيا فوق فكرة الذنب أو الشعور بأي ذنب تجاه حقيقة أن تحت إسرائيل بلد اسمه فلسطين، وأن ما تبقى من هذه الفلسطين هو الذاكرة التي تمنع تزوير التاريخ والواقع. أليس الصديق العزيز لإسرائيل وأحد أقطاب اللوبي الصهيوني في فرنسا جاك أتالي هو الذي قال: 'بالحرب أو بالسلم، إسرائيل كما هي لا مستقبل لها'.
كاتب سوري مقيم في فرنسا