‏إظهار الرسائل ذات التسميات عايدة العزب موسى. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات عايدة العزب موسى. إظهار كافة الرسائل

«البشير» رأس الذئب الطائر!


الكاتبة الكبيرة عايدة العزب موسى

إذا لم يسلم البشير نفسه فسنقبض عليه ونسلمه للمحكمة الجنائية الدولية، وأنا أنصح الأخ البشير أن يذهب عن طوع نفسه إلي المحكمة» هذه الكلمات هي ما قالها للصحفيين د. خليل إبراهيم زعيم حركة العدل والمساواة، عندما أشيع خبر غير مؤكد أن المحكمة الجنائية الدولية أصدرت قرار اعتقال بحق البشير!

وقد نفت المتحدثة باسم المحكمة صدور قرار بذلك.

جري هذا القول في العاصمة القطرية «الدوحة» أثناء مفاوضات جرت بين حكومة السودان وحركة العدل والمساواة، امتدت ثمانية أيام، ولم تسفر إلا عن اتفاق نوايا يمهد لمحادثات سلام فيما بعد.

التهمة الموجهة للرئيس «البشير» من المحكمة هي ارتكاب جرائم إبادة جماعية وجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في دارفور، ولكن المدعي العام للمحكمة «لويس مورينو أوكامبو» اختار جريمة الإبادة الجماعية لتكون التهمة الرئيسية برغم أن تقرير اللجنة الدولية التابعة للأمم المتحدة لتقصي الحقائق في أحداث دارفور التي شكلت عام 2004 أشار إلي أنه لم تكن هناك سياسة رسمية بارتكاب الإبادة الجماعية سواء بشكل مباشر أو غير مباشر أو من خلال الميليشيات التي تسيطر عليها الحكومة، فكيف استنتج «أوكامبو» نية الإبادة لدي «البشير» وبشكل قاطع من الأدلة المقدمة؟!

كما أن «البشير» أوقف إطلاق النار من جانب واحد وقيد استخدام الجيش للسلاح وشرع في إجراءات نزع أسلحة الميليشيات ووعد بتعويض المتضررين من الحرب. أليست هذه خطوات تحسب له؟! أم أن المطلوب أن يكون «البشير» رأس الذئب الطائر؟ المفروض إذا كان هناك رئيس يستحق المثول أمام المحكمة فهو «جورج بوش» الابن ومن قبله «بوش الأب» لما فعلاه بشعبي العراق والصومال التي ليسا لهما أدني صلة بها من قريب أو بعيد، وكذلك أولمرت وعصابته في غزة.

نعود إلي صلب الموضوع، من هو «خليل إبراهيم» الذي يهدد بالقبض علي البشير ومن أين يستمد هذا الجبروت؟ إنه زعيم أحد فصائل التمرد في دارفور التي وصل تعدادها إلي 30 فصيلاً، وحركته المسماة «جبهة العدل والمساواة» ليس لها وجود قوي سياسياً أو عسكرياً ولا تسيطر علي أرض وبالتالي هي لا تمثل شعب دارفور ولا تمثل كل مكوناته، حتي أها في عام 2006 رغم وجود ممثلين عنها أثناء محادثات السلام التي جرت بين حكومة السودان وحركة تحرير السودان في أبوجا، وكللت باتفاقية السلام DPA استبعدوا من المحادثات باعتبارهم غير فعالين.

إن د. خليل إبراهيم ليس الزعيم الأوحد لحركات المعارضة، فهل مجرد زعامة فصيل يعطيه الحق بالتكلم عن كل شعب السودان؟! أو أن يكون له الحق في إلقاء القبض علي رئيس دولته؟! إن خليل إبراهيم وأمثاله كثر في دول أفريقية وهم في حقيقتهم معارضون بالوكالة أي إنهم يقوون ويتحركون وينفذون أجندة وكلاء دوليين وإقليميين «المخابرات الأمريكية والبريطانية» بالتحديد.

خليل إبراهيم خرج من عباءة الدكتور حسن الترابي ليقود حركة مسلحة ضد النظام السوداني. ففي عام 2003 ظهرت حركة تحرير دارفور وتبناها الزعيم الجنوبي الراحل جون قرنق وطب تغيير اسمها إلي حركة تحرير السودان رفضت حركة العدل والمساواو الامتثال لطلبه. وقد أدرك قرنق حينذاك أن الحركة تختلف كلياً عن نظيرتها حركة تحرير السودان خاصة عندما ظهر انتماؤها الإسلامي ورفضها المناداة بالعلمانية كحل لمشكلة دارفور. ولعل انتماء خليل إبراهيم إلي حسن الترابي يبرر موقفه المتشدد من الرئيس البشير الذي يعاديه الترابي وأصبحا علي طرفي نقيض بعدما كانا متزاملين في البداية. وعلي العموم فكلتاهما الحكومة وحركة العدل والمساواة مرفوضتان من الغرب والولايات المتحدة لتوجههما الإسلامي ومطلوب تصفية كل وجود فاعل للإسلاميين في السودان سواء أكان في الحكم أو في المعارضة!

جذور القضية:

بدأت مشكلة دارفور تظهر علي السطح عندما قامت حركة تحرير السودان وخاضت هجمات عصابات علي حاميات حكومية، وردت عليها الحكومة بميليشيات الجنجويد التي تتشكل من عرب دارفور.

وأصل المشكلة تعود إلي ما قبل عام 1984 حيث حلت مجاعة لم يتم الفكاك منها وزادت مع نمو السكان، وكان اهتمام الحكومة السودانية ضعيفاً وشعورها بالمسئولية كان سلبياً ولم تقدم استثمارات مناسبة، وافتقدت السلطة المركزية والمحلية تمثيلاً مناسب لأهل هذه المنطقة، يضاف إلي ذلك الحتكاكات التقليدية والتنافسات بين أهل العشائر المختلفة التي لا تقوم بين العرب والأفارقة فقط بل تقوم بين العرب وبعضهم البعض وبين الأفارقة وبعضهم البعض.

والكلام السائد هو أن الصراع في دارفور هو صراع عشائري في الأساس نتج عن عداء طويل المدي بين المزارعين الأفريقيين والبدو العرب، وأنه يتركز أساساً علي المنافسة علي الأرض أي علي الرعي والماء، وأن المتمردين يمثلون الأفارقة بينما العرب تؤيدهم حكومة السودان من خلال الجنجويد، وإن الحكومة الصينية التي تحصل علي ثلثي بترول السودان تقف موقفاً سلبياً واختارت عدم استخدام نفوذها للضغط علي الخرطوم لوقف هذه المآسي والاختراقات لحقوق الإنسان.

ومنذ تصاعد القتال عام 2003 اعتادت الصحف الأفريقية أن تتضمن أخباراً وتعليقات عن دارفور تصور العرب علي أنهم غرباء عن الأرض وأنهم آتون من الخارج رغم أنهم يشكلون 80% من الأهالي، وإن الأفارقة هم أصحاب الأرض، وعلي سبيل المثال فإن 1500 مقالة نشرت عن دارفور بين أعوام 2004 - 2007 في الصحف الناطقة بالإنجليزية وحدها عدا الصحف الفرنسية والعربية والصحف الناطقة باللغات الأفريقية. وأغلب الكتابات صوَّرت المسألة العرقية علي أنها العنصر الأساسي في الصراع العنيف، وصورت الحرب بشكل ثابت في صياغات عرقية بتبسيط متناه مما يكشف عن تحامل ضد العرب ويظهر العرب كما لو كانوا أجانب، ومن ثم فإن المسائل السياسية المتعددة والمتشابكة المتعلقة بهذا الصراع تقلصت إلي نظرة ضيقة تتعلق بالخير في مواجهة الشر أي الأفريقي في مواجهة العربي، وهذا ما أنتجته وسائل الإعلام الغربية!

وهذا العرض لا يفسر كيف أن جماعات عاشت تاريخياً مع بعضهما شالبعض وتاجروا وتعاملوا وتزاوجوا مئات السنين يصيرون الآن في قلب حرب قاتلة وغير متوازنة بين حكومة مسلحة جيداً وميليشيات شديدة القسوة من جانب وبين متمردين من جانب آخر ويتسبب كلاهما في قتل الآلاف. وتصبح اللغة السائدة في الكتابات الأفريقية أن التعصب العربي لايزال يقتل الأفارقة السود! ويصفون العرب بالميليشيات العربية ويسمون الأفارقة الضحايا! وتكثر الأقلام التي تلوم الأفريقيين علي أنهم لا يدافعون عن إخوانهم السود في السودان ولا يواجهون العرب الذين يصطادون الأفارقة. ولكنهم لا يفسرون من هم العرب أليسوا هم أفارقة أيضاً وهم سواء كذلك وأنهم اتصلوا ببعضهم واختلطوا من قديم.

إن الاعتماد علي أن العرب ضد الأفارقة السود كأساس لفهم الصراع ينطوي علي إنكار العلاقات التاريخية التي تقوم بينهم في دارفور، وأن من ينظر إلي صور لمن يقال عنهم عرب جنجويد ومن يقال عنهم الأفارقة السود يتأكد كيف تتشابه ملامحهم بحيث يصعب التمييز بينهما، وأن وصف السودان بأنه عناصر متعددة هو وضع القارة الأفريقية كلها التي تتشكل من عناصر متعددة الأعراق واللغات. وأن القول بأن العرب يوجدون في الشمال في السودان والأفارقة في الجنوب هو قول لا يعني شيئاً بالنسبة لدارفور التي تقع في الغرب.

الحالة الدارفورية:

هذه التصورات للحالة الدارفورية تبدو سطحية والحقيقية أكثر تعقيداً من ذلك، ومع تناثر حركات التمرد والقتال عبر الحدود وافتقاد النظام والقانون يكون من الصعب إدانة عرق ضد عرق آخر، يضاف إلي ذلك قطَّاع الطرق الذين يسرقون الشاحنات التي تبعثها الوكالات الإنسانية للغوث «سرقت في العام الماضي 60 شاحنة وفقدت 39 أخري واختف نحو 709 أطنان من الأغذية.

وفي وسط هذه الفوضي تصاعد القتال علي الحدود بين تشاد ودارفور كما أدي إلي تهجير أعداد كبيرة من الأهالي وأصبح 5،2 مليون شخص يعيشون في معسكرات وعدد يتراوح ما بين 200 و300 ألف قتلوا أو ماتوا بسبب المجاعات والأمراض التي نتجت عن الحرب.

ولا شك أن ذلك مهما كانت مدي صحته يشكل كارثة، ولكن الرئيس البشير يشكك في هذه الأرقام ويقول إن القتلي لا يكادون يصلون إلي تسعة آلاف فقط، والقول بقتل العرب للسود هو محض أكاذيب فحكومة السودان هي حكومة الشعب بكل خلفياتهم العرقية «ونحن جميعاً أفارقة نحن جميعاً سود».

إن الصراع في دارفور ليس صراعاً بين العرب «والزرق» أي الأفارقة كما يطلق عليهم فالعرب أكثر تهميشاً، والحكومة السودانية اضطهدت العرب وتجاهلتهم رغم أنهم يمثلون 80% من السكان. وخلاصة الأمر يمكن إيجازها في خمس نقاط:

أولاً: المشكلة بدأت من عام 1984 مع القحط الشديد الذي حصل في ذلك العام ولم تُعَالج آثاره بل زادت بعد ذلك.

ثانياً: إن أهل دارفور قبائل وعشائر متناحرة فيهم عرب ضد عرب وأفارقة ضد أفارقة.

ثالثاً: إن قوات حفظ السلام كانت سبعة آلاف أيام الاتحاد الأفريقي متحركة علي مساحة قدر فرنسا، ولما أتت قوات الأمم المتحدة وقُدّر أن يكونوا 26 ألف لم يأت فعلياً إلا تسعة آلاف، يقارن ذلك بالبوسنة التي مساحتها مثل مساحة بلجيكا ذهب إليها 50 ألف مقاتل مجهزون أفضل تجهيز، فلم تقو هذه القوات علي حفظ السلام شأنها شأن قوات الحكومة.

رابعاً: أن تحقيق السلام لا يتم إلا من خلال حوار دارفوري دارفوري ينهي الصراعات القبلية والعشائرية.

خامساً: الأمريكان وأوروبا لا يهمهم العرب ولا الأفارقة كل الذي يهمهم الضغط بهذه المشكلة علي السودان لأن السودان يعطي الصين ثلثي بتروله!

شهيدات غزة الأحياء


الكاتبة الكبيرة عايدة العزب موسي تكتب: شهيدات غزة الأحياء
بلغ عدد شهيدات القصف الإسرائيلي علي غزة 104 مناضلات، وكل نساء غزة شهيدات مناضلات، المرأة التي فقدت الابن أو الزوج أو الأب أو الأخ مناضلة شهيدة، فمع قسوة ومرارة الموت والفراق أصبح يقع عليها عبء مسئولية مواصلة الرسالة وبقاء الأسرة بعد فقد العائل.

إن المرأة التي كرَّست حياتها لتلد وتربي وتعلم وهي تدرك تماماً أن وليدها أغلي شيء لديها ستقدمه يوماً قرباناً لبلدها ووقوداً لثورة تحرر وطنها هي مناضلة شهيدة، تقدم ضناها للاستشهاد دون انحياز لفصيل أو لسلطة، فبوصلتها هي فلسطين الوطن،
ولولا المرأة الفلسطينية لما استمرت قضية فلسطين حية، فالفلسطينية الولود هي امرأة مناضلة نذرت نفسها مع كل الظروف القاسية التي تعيشها سواء أكانت في المخيَّمات أو في الشتات، أو داخل الأرض المحتلة كلهن يجمعن علي أمر واحد وهو ضرورة إنجاب العدد الأكبر من الأبناء ليواصلوا مسيرة النضال من أجل الأرض المغتصبة.

كان قدر الحزن والمأساة علي وجه الأم الغزاوية علي شاشات الفضائيات تدمع العيون وتفطر القلوب، ولكنها لم تكن تبكي ولا تولول، كان صوتها المبحوح بالألم يقول فقط: لقد ضاع كل شيء الأهل والبيت، في حين ظهر الرجال يبكون وينتحبون لفقدهم الأعزاء، ولم يكن هذا ضعفاً من الرجال ولا تبلداً أو تحجر قلب من النساء وإنما، لأن المرأة الفلسطينية كانت معدة نفسها لهذا اليوم.

أكثر من ثلاثة أسابيع مدة القصف الصهيوني علي غزة كانت صور الفلسطينيات تملأ الشاشات، ووصل صوتهن إلي أسماع العالم غرباً وشرقاً شمالاً وجنوباً وتعاطف معهن البشر من كل أنحاء القارات ما عدا القادة والمسئولين الذين صموا الآذان، ذكرتني قوة المرأة الغزاوية بواقعة تاريخية أفريقية كانت بطلتها امرأة أفريقية عندما وجدت العجز والخنوع من زعماء قبائل بلادها حملت السلاح وأعلنت حرباً ضروساً تذكر الآن بفخر في تاريخ غانا الحديث.

الحادث وقع في غانا والبطلة هي «ياه اشنتيوا» إحدي بنات قبيلة الأشانتي التي صارت بطلة بين شعبها، واليوم تتداول سيرتها في شعر البطولة والأغاني وتسمي باسمها المدارس والسيدات الأفريقيات الأمريكيات، وحازت لقب البطلة رقم واحد من النساء في تاريخ أفريقيا في الاستفتاءالذي جري عن أهم الشخصيات التاريخية في القارة الأفريقية في القرن العشرين.

كانت غانا تسمي قبل الاستعمار مملكة الأشانتي، ولعبت هذه المملكة دوراً رائعاًفي حماية منطقتها من الطلائع الأولي للمستعمرين ببطولة شهدت لها كتابات القرب ونسجوا حولها الأساطير والحكايات، ففي خلال القرن 19 ناضلت مملكة الأشانتي بقوة ضدالمستعمرين البريطانيين وسببت لهم متاعب باستمرار مقاومتهم لسنوات طويلة، عندما رفضت الخضوع فخاضت سلسلة من الحروب القاسية اشتملت علي العديد من الانتصارات والانتكاسات امتدت من عام 1833 حتي عام 1900 حتي خضع الأشانتي بسبب تفوق أدوات الحرب البريطانية.

كان من أهم هذه الحروب وأشهرها عام 1844 عندما قطع الأشانتي رأس الحاكم البريطاني سير «شارلز مكارثي» بعد هزيمة قواته، وقال الأشانتي وقتها إن الرجل الأبيض أتي بمدافعه إلي الأدغال فوجد الأدغال أقوي من المدافع، بعدها ظلت بريطانيا تسيم الأشانتي كل صنوف القهر والإذلال حتي عام 1900 حين انفجر القتال من جديد بين الأشانتي والبريطانيين، وكان هذه المرة بقيادة امرأة هي «ياه اشنتيوا» التي قادت جيشاً من الرجال حاربت به المستعمر، وبهزيمتها انهارت مملكة الأشانتي وأصبحت أراضيهم محمية بريطانية حتي اشتعلت في مارس سنة 1957 وتولي رئاستها الزعيم الأفريقي الوطني «كوامي نكروما» الذي صار اسمه رمزاً للفكاك من التبعية والانسحاق اللذين عانت منهما الشعوب الأفريقية لعدة عقود.

كان سبب حرب 1900 اعتقال البريطانيين ملك الأشانتي «بربمه الأول» ونفيه إلي جزيرة سيشل مع ثلاثين من الزعماء البارزين والكبار وبينهم أمه وأبوه وأخوه، وفشلت جهود الأشانتي لإعادة ملكهم والزعماءالآخرين، وبينما كان الأشانتي مجتمعين لتدارس الأمر وهم في أشد حالات السخط والخوف من تحدي البريطانيين الذين كانوا يطلقون الرصاص علي كل من يعارضهم، كانت «ياه أشنتيوا» تجلس بينهم تتلفت يميناً ويساراً إلي زعماء الأشانتي، وغيرهم من الرجال، وعندما لم تجد أحداً يتحرك أو مستعداً للتحرك ضد البريطانيين قامت من كرسيها وقالت مخاطبة لهم: «كيف يمكن لشعب شجاع ومعتز بنفسه مثل الأشانتي أن يجلس هكذا ويتفرج في حين أن الرجل الأبيض قبض علي ملككم وزعمائكم ونفاهم إذا كنتم رؤساء الأشانتي تتصرفون كجبناء ولا تحاربون، فاخلعوا ثياب الأسود التي تلبسونها.. أيها الرجال انهضوا وقاوموا الرجل الأبيض الذي هدفه الوحيد في بلادنا هو أن يسرق وأن يدمر، ومن الخير لنا أن نموت مدافعين عن بلادنا بدلاً من أن نعيش عبيداً، إذا لم تستطيعوا يا رجال الأشانتي أن تتقدموا إلي الأمام فأنا ياه اشنتيوا مستعدة ومؤهلة نفسي لقيادتكم للحرب، وبهذا الخطاب أعلنت المناضلة الأفريقية الحرب وقادت جيش الأشانتي ضد البريطانيين، وكانت هذه الحرب الأخيرة بين الأشانتي البريطانيين بدأت في مارس 1900 وانتهت في مايو 1901، وعرفت فيما بعد باسم حرب «ياه اشنتيوا».

ورغم عدم معرفة المناضلة الأفريقية بالتدريب العسكري فإن جيشها استطاع أن يحقق عدداً من الانتصارات مثل محاصرة القلعة التي كانت القوات البريطانية قد سيطرت عليها مما تسبب في المجاعة والأمراض للإنجليز، وأثبت هذا التكتيك فاعليته بحيث إن البريطانيين تركوا الحامية بعد أن تكبدوا خسائر كبيرة، ولكن بنادق البريطانيين أبادتهم وكعقاب لـ«ياه اشنتيوا» فقد وضعت في سفينة أبحرت بها إلي جزر سيشل مع 15 زعيماً من الأشانتي لتلقي هناك الملك بربمه الأول وسائر رؤساء الأشانتي، وماتت هناك بعد عشرين سنة في عام 1921 لم تكن «ياه اشنتيوا» المرأة الوحيدة في تاريخ غانا أو في تاريخ أفريقيا في القرن التاسع عشر، وعلي عكس تقدير الغرب للشعب الأفريقي فإن المؤرخين البريطانيين يذكرون نساء الأشانتي بكل احترام ويصفونهن بأنهن كن من أحسن الدبلوماسيين والمفاوضين في القرن 19، ولكن «ياه اشنتيوا» وانتفاضتها تبقي أمراً خارقاً للعادة.

في مارس عام 2000 أعيد إحياء ذكري «ياه اشنتيوا» وصدرت عملة غانا الوطنية تحمل صورتها ونقل رفاتها إلي بلدها وشهد دفنها موكب جليل كجزء من احتفالات يوم تحرير غانا الذي يوافق 26 مارس 1957، وهو اليوم الذي تعتبره غانا يوم إلغاء العبودية في المستعمرات البريطانية، وكان يوافق مرور مائة عام علي انتفاضة «ياه اشنتيوا» ضد البريطانيين، وقد استمرت الاحتفالات ستة أشهر ولا يوجد شرف يستحق أن يعطي أكثر من أن يستمر الاحتفال بها طوال هذه المدة.

إن الشعوب الأفريقية تلملم الآن تاريخ نضالهم القديم ويحاولون أن يحيوا ذكري أبطال مقاومتهم الوطنية، ويكشفون خبايا ماضيهم المجهول إعلامياً، والمستعمرون أنفسهم يخلدون أسماء قادتهم الغزاة في كتب تاريخهم وأدبياتهم المنشورة وأسماءهؤلاء مسجلة ومحفورة علي حوائط كنائسهم، أليس من واجبنا نحن أيضاً أن نمجد رموزنا؟! ألا تستحق المرأة الفلسطينية «الجندي المعروف لا المجهول» أن يزين أحد ميادين غزة بنصب يرمز لصمودها ونضالها وتضحياتها.

«غزة» في قلب أفريقيا



الكاتبة الكبيرة عايدة العزب موسي تكتب:
الملحمة البطولية لأهالي القطاع ضد الاستطيان تشبه ما حدث في «ناميبيا» قبل قرن كامل.. أساليب الاستعمار لم تتغير والدم البارد أيضاً لم يتغير

الثورة في ناميبيا حدثت بعد قتل جنود الألمان لأحد رؤساء القبيلة لأنه تجرأ وطالب باسترداد أرضه لكن ثورة الأهالي قوبلت بوحشية منقطعة النظير

الملحمة الاستشهادة البطولية لشعب غزة ضد الاستيطان العنصري الإسرائيلي من أجل الأرض والوطن خاصة،
مثلها شعب أفريقي منذ قرن مضي عندما وقع علي شعب ناميبيا أكبر عملية إبادة في التاريخ الحديث، قرن كامل من الزمان وأساليب الاستعمار وأدواته لم تتغير، والأطماع البشرية تتزايد وتتوحش، والشعوب تطحن وتباد، والدم البارد يتجمد في العروق، فلا حمية ولا استنفار ضد المجازر ومرتكبيها.

الفرق بين الحالتين أن ملحمة غزة تعرض الآن علي الملأ ويعرفها القاصي والداني وتجد تعاطفاً وتأييداً، أما ما حدث لشعب ناميبيا فقد ظل في طي الكتمان وأسدل الستار علي المقاومة الباسلة التي أبداها الأهالي، ولم تكشف إلا بعد سنوات، وكان الكشف عنها ليس من ضمير أخلاقي ولا للحق التاريخي بل لصراع قام بين المستعمرين، عندما أرادت بريطانيا أن تنتزع من ألمانيا بعد هزيمتها في الحرب العالمية الأولي أقليم ناميبيا وكان يطلق عليه إقليم جنوب غرب أفريقيا، فأماطت اللثام عن جريمة إبادة الألمان لقبائل الهيريرو، ذلك أنه الحرب التي شنها الألمان علي شعب ناميبيا خلال أعوام 1904 ـ 1908 لم يكن الهدف منها إخضاع الأهالي فقط بل إبادتهم إبادة كاملة، أُبيد فيها 65 ألفاً من الهيريرو وكان يبلغ عددهم حينذاك 80 ألفاً أي ما بقي حياً 15 ألفاً يمثلون 17% فقط وقضي علي 83% منهم.


تبدأ المأساة الحزينة عام 1884 عندما عقد مؤتمر برلين الذي تم فيه تقسيم أفريقيا بين الدول الاستعمارية، وقضت الحدود السياسية التي رسمت علي الورق بأن تلتهم كل دولة استعمارية جزءاً من أفريقيا، وكان إقليم جنوب غرب أفريقيا من نصيب الألمان، وهكذا بجرة قلم ألحق الإقليم بألمانيا، وكان معني الإلحاق انتزاع الأرض والماشية من أهالي البلاد، في حين أن تقاليد الهيريرو وطقوسهم كانت تحتم عليهم أن يمتلكوا الماشية بأكبر قدر ممكن، فالماشية تعني بالنسبة لهم القوة في هذا العالم والخلاص في العالم الآخر لذلك كان مفروضاً عليهم أن يحموها، ورويداً رويداً وجد الهيريرو أن الأرض التي كانوا يتجولون في أنحائها« القبائل لم تعرف الملكية الخاصة بالأرض» وعيون الماء التي كانوا يستخدمونها صارت ملكاً للآخرين، وأدت مصادرة السلطات الألمانية لعدد كبير من الماشية التي وصفت بأنها سرقة بالجملة ودون حياء إلي غضب الهيريرو، وتحول الغضب إلي رغبة جامحة للتمرد فقاموا بانتفاضة عام 1904 استمرت أربع سنوات كبدت الألمان خسائر في الأرواح بلغت خمسة آلاف جندي ومستوطن ألماني.

كان من أسباب الانتفاضة احتلال الألمان لأراضي القبائل والوسائل الوحشية التي صورت للسيطرة عليهم وفقدان الصبر وقسوة حكم البيض، إذ كان قرار احتلال جنوب غرب أفريقيا يعني شيئاً واحداً لألمانيا هو أن تقوم القبائل بتسليم الأرض التي كانت ترعي فيها ماشيتهم، وذلك ليتاح للرجل الأبيض امتلاك الأرض والماشية.

بدأت الثورة علي إثر قتل جنود الألمان لأحد رؤساء القبيلة لأنه تجرأ وطالب باسترداد أرضه، وسرعان ما امتدت نيران الغضب كل مكان، كانت النظرة الألمانية لأهالي الإقليم كما أعلنها الحاكم الألماني أن الحظر الرئيسي من الهيريرو يأتي من كثرة عددهم وأن هذا سيبقي التهديد الحقيقي للمستوطنين البيض، لذلك فإن الشفقة بالأهالي هي في ذاتها قسوة تجاه البيض، وأن المستوطن الألماني الذي يساعد في تقليل عدد الهيريرو يقدم خدمة عامة، فأصدر أمراً بإبادة كل هيريرو سواء من كان معه سلاح أو من لم يكن، وسواء كانت لديه ماشية أو لم تكن.

كان أمر القائد الألماني «لا يلقي رجل ولا امرأة ولا طفل ولا رضيع أي رحمة، اختل كل واحد منهم ولا تقبض علي أسير، إنني أريد أن أتأكد من أنه لن يحدث بعد ذلك قط ثورة من الهيريرو، يجب أن نبيدهم حتي لا تضجرنا الثورات في المستقبل، ونتيجة لهذا الأمر أطلق الجنود النار علي الأهالي بصرف النظر عمن هم، وبعضهم كانوا أناساً مسالمين لم يشتركوا في الانتفاضة وآخرون كانوا نساء أو رجالاً طاعنين في السن ولم يكونوا قد خرجوا من بيوتهم قط، كان الألمان يتبعون كل من يقابلونه ويطلقون عليه الرصاص أو يبقرونه، كانت الغالبية من الأهالي غير مسلحة لم يكونوا مقاتلين كانوا فقط يتخذون طريقهم ليذهبوا بعيداً مع ماشيتهم، وذكرت حادثة مرعبة للقسوة التي لاقاها الأهالي وهو أن جندياً من الألمان وجد طفلاً رضيعاً من الهيريرو لا يتجاوز تسعة أشهر فحمله الجندي وأتي به إلي معسكره، وتجمع الجنود حوله وأخذوا يقذفون الرضيع بينهم من جندي إلي آخر كما لو كان كرة، وبعد أن أخذ منهم التعب من هذا اللعب قذف أحدهم الرضيع في الهواء ثم تلقاه بسنك البندقية الذي اخترق جسده.

ماذا كان يستطيع الهيرير وأن يفعلوا ومعهم نساؤهم وأطفالهم وماشيتهم وهم يواجهون جنود الألمان المدججين بأسلحة متطورة، لم يكن أمامهم إلا أن يقتحموا بلا سلاح ولا ذخيرة خطوط الألمان المجهزة بالبنادق سريعة الطلقات التي سرعان ما أجهزت عليهم، مات من مات وفر من بقي إلي المناطق الجبلية النائية في أراض رملية بلا ماء فحكم عليهم بالموت، وتبعثروا بلا حول ولا قوة وقد تحطمت أطرافهم وخارت قواهم وصار بعضهم جثثاً هامدة، وحتي من استسلم منهم وهم في الرمق الأخير كان الجند يضربونهم بالسياط حتي الموت جزاء لهم علي مقاومتهم، ومن استطاع الهرب من يد الجنود الألمان أبادتهم الصحراء وهلكوا من الجوع والعطش.

أعلن الهيريرو الاستسلام بعد أن فقدوا أرضهم وقطعانهم وحريتهم وحياتهم العائلية وتمزقت وحدتهم القبلية، فاستدع الحاكم الألماني الزعماءالمستسلمين وأمر بإطلاق الرصاص عليهم ليكونوا عبرة لغيرهم من القبائل الأخري، ومن عاش بعد ذلك صار عبداً ولم يسمح لأي فرد منهم بالحصول علي أرض أو ماشية، ووزعوا علي مزارع المستوطنين البيض وأجبرت النساء أن يصرن محظيات للأوروبيين، نعم لقد تخلصوا من رعب التدمير المنظم ليدخلوا في رعب العبودية.

استمر القمع الألماني مدة 25 سنة حتي هزمت ألمانيا في الحرب العالمية الأولي 1914 ـ 1918 واستولت عصبة الأمم علي مستعمراتها فمنحت حكومة جنوب أفريقيا «كانت ذلك الوقت تتبع بريطانيا» حق إدارة الإقليم، وبعد الحرب العالمية الثانية رفضت الحكومة العنصرية لجنوب أفريقيا التخلي عنه وتسليمه إلي مجلس الوصاية التابع للأمم المتحدة الذي صار يشرف علي إقليم الانتداب بل تحدت المنظمة الدولية بمحاولة إدماجه في أراضيها.

أصبحت قضية إقليم جنوب غرب أفريقيا من أشهر القضايا التي تمثل عجز الأمم المتحدة عن تنفيذ قراراتها وقدرة حكومة جنوب أفريقيا علي تحديها، وتنقلت القضية بين محكمة العدل الدولية التي قررت عدم شرعية ضم الإقليم إلي جنوب أفريقيا وإلي الجمعية العمومية التي ألغت الانتداب ورفض جنوب أفريقيا الانسحاب منه.

مع تداول القضية في الأروقة الدولية اتضح للوطنيين أنه لا فائدة ترجي من الإجراءات الدولية، فقامت الحركة التحررية بزعامة منظمة سوابو «حزب منظمة شعوب جنوب غرب أفريقيا» الذي أعلن الكفاح المسلح ضد حكومة جنوب أفريقيا التي كانت سياستها العنصرية لا تقل في بطشها عن الحكم الألماني، وظلت الحركة الوطنية تواصل الكفاح المسلح حتي حصل الإقليم علي استقلاله عام 1990 واندحر الاستطيان العنصري وعادت الأرض إلي أحفاد شعب الهيريرو، فالأرض لابد أن تعود إلي أصحابها مهما طال الزمن.