‏إظهار الرسائل ذات التسميات فلسطين. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات فلسطين. إظهار كافة الرسائل

هل تغيرت إسرائيل أم تغير شيخ الأزهر أم تغير القرآن؟

إبراهيم عيسي يكتب:
عام 1966 كتب الشيخ طنطاوي: مفاهيم اليهود الباطلة وأنانيتهم الطاغية وأخلاقهم الفاسدة وعصبيتهم الذميمة وقلوبهم القاسية كل ذلك جعلهم محل نقمة العالم هذه السطور ليست معنية بشيخ الأزهر علي الإطلاق، وليس من أهدافي أن أناقش الشيخ محمد سيد طنطاوي ولا أن يقرأ أصلاً ولا أن ي
عرف أبداً بهذه السطور، فلا أظن أن هناك فائدة من أي نوع وعلي أي قدر وبأي درجة من مناقشة الشيخ طنطاوي ولا البحث عن أي حوار في أي موضوع معه، والشيء الفالح الوحيد الذي يمكن أن نفعله جميعاً مع الشيخ طنطاوي ألا نفعل معه شيئاً ولا نوجه له حديثاً، ومن شاء ألا يسمع له حديثاً فهو حر، شيخ الأزهر محل رضا السيد الرئيس تمام الرضا وهو ما يهم الشيخ فما دخلنا نحن فيما لا يعنينا، ومن ثم فإن أي معارضة للشيخ أو مناقشة أو نقد أو مؤاخذة أو تساؤل أو تحاور معه حول مشاركته للرئيس والوفد الإسرائيلي في مؤتمر قضاة الأديان الذي انعقد في أذربيجان الدولة المسلمة التي تطبع مع إسرائيل وتفتح قواعد عسكرية للقوات الأمريكية وهي كذلك واحدة من ديكتاتوريات الجمهوريات السوفيتية السابقة لا فائدة منه،
دعوا الشيخ طنطاوي يفعل ما يريد فهو لا يفعل إلا بعد أن يفكر ويتدبر ويسأل أجهزة الدولة وقصر الرئاسة فلما تأتيه الموافقة فلا حائل بينه وبين أن يفعل حتي لو وقف مليون مسلم أمامه يمنعونه عن الفعل ولو هتف فيه الملايين ألا يفعل فرجل واحد فقط يمكنه أن يؤثر في الشيخ وهو الرئيس، ومادام الأمر كذلك فلماذا لا نحفظ للأزهر وقاره (لا أقول كهنوته) ونسكت عن الشيخ وتصرفاته؟!

هذه السطور لا تشغل نفسها بالشيخ طنطاوي.

أنا هنا فقط لأقول لكم ترفقوا بالشيخ طنطاوي؛ فالرجل الذي يصافح الرئيس الإسرائيلي ويجالسه ويضع مؤس
سة الأزهر (وهي ليست محل قداسة بالقطع وحاشا لله لكنها محل للتوقير والتقدير) في واجهة الدعاية الصهيونية الإسرائيلية عن سلام تل أبيب ورغبة حكامها في السلام والتعايش مع المسلمين والعرب وهذا كله تضليل وتزييف وغسيل للدماغ وجزء من الآلة الدعائية للصهيونية يجد الأزهر فيها نفسه في مقدمة الاستخدام والاستغلال عبر مشاركات الشيخ التي تبدو أنها لا تخضع لأي لائمة من الدولة فكأنها هي الدولة ولسان حالها: وفيها إيه يعني، وهيه الدنيا خربت، وماله ياخويا لما سلّم خلاص يعني فلسطين راحت عشان سلّم، وهو قعد معاه علي منصة ويقعد مع أي حد فيها إيه ما الرئيس مبارك بيقعد معاه! ومثل هذه الحجج البليدة الخائبة التي أرجوك لا تضيع في مناقشتها وقتك فهذا ليس مهما، المهم هو أن الشيخ محمد سيد طنطاوي نفسه عام 1966 حصل علي الدكتوراه من جامعة الأزهر في الحديث والتفسير بتقدير ممتاز وكان عنوان رسالته: (بنو إسرائيل في القرآن والسنة)، وقال الرجل نفسه الذي صافح بيريز وشاركه منصة المؤتمر الأخير في رسالته: (والقرآن الكريم في حديثه عن بني إسرائيل، يربط ربطاً محكماً بين طباع وأخلاق المعاصرين منهم للنبي صلي الله عليه وآله وسلم وطباع وأخلاق آبائهم الأولين الذين عاصروا موسي وعيسي وغيرهما من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وذلك ليبين أن ما عليه الأبناء من فسوق وعصيان ومحاربة لدعوة الإسلام، إنما هو ميراث من الخلق السيئ توارثه الخلف عن السلف وأخذه الأبناء عن الآباء. ومن الأدلة علي صدق القرآن الكريم أن ما وصفهم به من صفات نراها في كل زمان ومكان منطبقة عليهم، ولم تزدهم الأيام إلا رسوخاً فيها).

الشيخ عام 1966حيث كان يحكمنا جمال عبدالناصر العروبي المعادي لإسرائيل كتب يقول في رسالته التي أراد بها الحصول علي درجة الدكتوراه فحصل: (ونحن المسلمين قد نالنا من اليهود أذي كثير.. فهم الذين حاربوا الدعوة الإسلامية بكل سلاح.. وهم الذين اغتصبوا بمعاونة دول الكفر قطعة من أرضنا المقدسة وهي فلسطين وأقاموا عليها دولة لهم في عام 1948م).

لكن لماذا اختار الشيخ طنطاوي وقتها وعمره ثمانية وثلاثون عاما اليهود موضوعاً للدراسة وللرسالة، هو يرد في مقدمة رسالته: (ولقد كان مقصدي الأول عندما اخترت موضوع رسالتي «بنو إسرائيل في القرآن والسنة» أن أكشف للشباب المسلم بصفة خاصة، وللعقلاء والمنصفين بصفة عامة عن أحوال بني إسرائيل، وتاريخهم، وأخلاقهم، وأكاذيبهم، وقبائحهم.. معتمداً في بيان ذلك كله علي ما جاء عنهم في القرآن الكريم، وفي السنة النبوية المطهرة، وفي التاريخ الصحيح).

كان رأي الشيخ طنطاوي وقتها أن بني إسرائيل كذابون ويمتلئون بالقبح، ماشي وإيه كمان، يقول الرجل في رسالته التي تجاوزت السبعمائة صفحة في طبعتها الصادرة عن دار الشروق: (والشيء الذي نؤكده بعد سرد طرف من العقوبات التي نزلت باليهود في مختلف العصور والأمم، هو أن اليهود هم المسئولون عن كل اضطهاد وقع بهم، وأنهم مستحقون لهذه العقوبات لأسباب من أهمها:

أنانيتهم وأطماعهم التي لا حدود لها، فقد سوغت لهم أنانيتهم أن العالم ملك لهم بكل من فيه وما فيه، وأن عليهم متي حلوا في أي دولة أن ينهبوا خيراتها بكل وسيلة، وأن يجمعوا أموالها بأي طريقة، فإن المال هو معبود اليهود من قديم. ويقول «كارل ماركس» اليهودي والشيوعي الأول: «المال هو إله إسرائيل المطماع، وأمامه لا ينبغي لأي إله أن يعيش، لأن المال يخفض جميع آلهة البشر ويحولها إلي سلعة، المال هو القيمة العامة والمكونة في ذاتها لجميع الأشياء، لقد أصبح إله اليهود إلهاً دنيوياً، هذا هو الإله الحقيقي لليهود»).

تأمل شيخنا الفاضل في منتصف الستينيات يكتب عن اليهود: (لم يقل الصهاينة بل كان واضحاً جداً في «اتهامه اليهود من القرآن الكريم والسنة») بأنهم علي هذا القدر من الدناءة والأنانية والطمع بل يستشهد ويستعين مع القرآن والسنة لمزيد من التأكيد والتوثيق، بآراء كارل ماركس شخصياً الذي يصفه باليهودي والشيوعي الأول، إلي هذه الدرجة من الحماسة بلغ الشيخ طنطاوي منذ ثلاثة وأربعين عاماً في الهجوم علي اليهود، بل طبقاً لما كتبه الرجل فيمكن أن يتهمه اليهود بمعاداة السامية بل سيكون منطقياً جداً لو سمعنا من يصف ويوصف هذا الكلام المنشور في رسالة الدكتور طنطاوي بالعنصرية، بل لا أكاد أعقل هذه الاتهامات التي تنزع عن جنس بشري ودين إلهي أي قيمة طيبة بل تصفه بكل ما هو منحط، مما يجعل الواحد فينا المعادي لإسرائيل يطالب بأن يخفف الشيخ طنطاوي من غلواء الاتهامات التي تبدو فعلاً وهي تتلامس أو تتلاصق بقوة مع دعاوي العنصرية وكأننا قد أصبنا بعدوي أعدائنا، ومع ذلك فإن الشيخ طنطاوي يمضي في رسالته كأنما حماسه صنو إيمانه فيكتب نصاً: (وأنانية اليهود وجشعهم وأكلهم أموال الناس بالباطل، جعلهم محل نقمة العالم وغضبه، ولقد فطن بعض الزعماء العقلاء إلي خطر تغلغل اليهود في بلاده، فأخذ يطردهم منها، ويحذر أبناء أمته من شرورهم، ومن هؤلاء الزعماء العقلاء «بنيامين فرانكلين» ـ أحد رؤساء الولايات المتحدة ـ فإنه ألقي خطاباً قال فيه: هناك خطر عظيم يهدد الولايات المتحدة الأمريكية، وذلك الخطر هو «اليهود» أيها السادة، إني أحذركم أيها السادة إذا لم تستثنوا اليهود من الهجرة إلي الأبد فسوف يلعنكم أبناؤكم وأحفادكم في قبوركم.. إن عقليتهم تختلف عنا حتي لو عاشوا بيننا عشرة أجيال، والنمر لا يستطيع تغيير لونه.. اليهود خطر علي هذه البلاد، وإذا دخولها فسوف يخربونها ويفسدونها).

ويضيف الشيخ طنطاوي: (للتعليق علي هذا الخطاب نقول: ما أصدق ما توقعه «فرانكلين» لولا أنه قد أخطأ التقدير في المدة اللازمة لتحويل أمريكا إلي بقرة حلوب لليهود، فقد قدر «فرانكلين» هذه المدة بمائتي سنة، بينما استطاع اليهود أن يسخروا سياسة أمريكا وأسلحتها، وأموالها، وعلمها ونفوذها وخيراتها، لخدمتهم الخاصة في مدة تقل عما توقعه بأكثر من خمسين سنة).

الشيخ طنطاوي الذي يصافح رئيس إسرائيل ويحاوره في مؤتمر الأديان ويجلس في منصته معه في مؤتمر لقضاة الأديان قال عن اليهود (لا الصهاينة) في رسالته للدكتوراه إن من أسباب كراهية العالم لليهود (غرورهم وتعاليهم؛ فاليهود يعتبرون أنفسهم أبناء الله وأحباءه، وشعبه المختار، ومن قديم الزمن وهم يقسمون العالم إلي قسمين متقابلين: قسم إسرائيل وهم: صفوة الخلق، وأصحاب الحظوة عند الله، وقسم آخر يسمونه: الأمم أو «الجوييم» أي: غير اليهود، ومعني «جوييم» عندهم: وثنيون وكفرة وبهائم وأنجاس. وقد أدي هذا الغرور والتعالي باليهود إلي إهدار كل حق لغيرهم عليهم).

واسمعوا الشيخ طنطاوي وصدقوه أو لا تصدقوه فلكم كل الحق في التردد والحيرة، فالشيخ الذي يصافح ويجلس مع اليهود الآن قال عنهم إنهم اشتهروا بـ (عزلتهم وعصبيتهم وخيانتهم للبلاد التي آوتهم، فهم متعصبون متحزبون، لا يجمعهم حب بعضهم لبعض، لكن تجمعهم كراهية من ليس علي ملتهم، كما يجمعهم الحقد علي العالم بأسره، وقد أصبحت العزلة والعصبية والعنصرية طابع اليهود الذي لا محيد لهم عنه. لأن اليهودي يهودي قبل كل شيء، مهما تكن جنسيته، ومهما يعتنق من عقائد، ومبادئ في الظاهر، وإذا تعارضت جنسيته مع يهوديته ناصر يهوديته، وحاول أن يشيع الخراب والدمار في الأمة التي هو فرد من أفرادها، خصوصاً إذا أمن العقاب، والصهيونية العالمية تأمر اليهود في كل مكان بأن يجعلوا ولاءهم لإسرائيل، وليس للدول التي يعيشون فيها).

الشيخ طنطاوي بعد كل هذا الذي كتبه من هجوم ساحق وإدانة دينية وحملة إسلامية ضد اليهود لا أقول كيف جلس مع الرئيس الإسرائيلي بل كيف وافق الرئيس الإسرائيلي علي أن يجلس معه رغم أن عشرة في المائة مما قاله وكتبه أكبر عمامة في المذهب السني في العالم الإسلامي وهو شيخ الأزهر كفيل بأن يطلب اليهود محاكمته دولياً والتحريض ضده باعتبار ما كتبه عنصرية خالصة، بل إن الشيخ طنطاوي كتب مدافعاً عن هتلر النازي العنصري السفاح في مواجهة اليهود بل وعرض متعاطفاً لتبريراته لما فعله مع اليهود من حرق وتقتيل وإفناء فقال الشيخ في رسالته: (وقد عدد «هتلر» خيانات اليهود لألمانيا، فذكر منها استنزاف أموال الشعب بالربا الفادح، وإفساد التعليم، والسيطرة لصالحهم علي المصارف والبورصة والشركات التجارية، والسيطرة علي دور النشر، والتدخل في سياسة الدولة لغير مصلحة ألمانيا، وفي القمة من خياناتهم: التجسس ضد ألمانيا الذي احترفه عدد كبير منهم. ويختتم هتلر حديثه الطويل عن اليهود بقوله: «وإذا قيض لليهودي أن يتغلب علي شعوب هذا العالم، فسيكون تاجه إكليل جنازة البشرية، لهذا أعتقد أني تصرفت معهم حسبما شاء الخالق لأني بدفاعي عن نفسي ضد اليهودي إنما أناضل في سبيل الدفاع عن عمل الخالق)، والحقيقة أن ما قاله الشيخ طنطاوي ـ مسنوداً ومستنداً إلي فهمه للقرآن والسنة ـ لا يختلف كثيراً عما ردده وقاله هتلر شخصياً.

ويمضي الشيخ طنطاوي: (والحق: أن مفاهيم اليهود الباطلة، وأنانيتهم الطاغية، وطباعهم اللئيمة وأخلاقهم الفاسدة، وعصبيتهم الذميمة، وقلوبهم القاسية، واستباحتهم لقتل غيرهم، وإهدار كرامته، كل ذلك جعلهم محل نقمة العالم وغضبه، وبسبب هذه الخلاق المرذولة سلط الله عليهم من يسومهم سوء العذاب إلي يوم القيامة، ومن يمزقهم شر ممزق).

لكن الأهم والأخطر من هذا كله هو ما يطرحه الدكتور سيد طنطاوي في إجابة عن سؤال يوجهه هو لنفسه ولمشرف رسالته وهو: كيف نعيد فلسطين إسلامية عربية؟ تعالوا بقي نتأمل ما الذي نصح به أمته الشيخ طنطاوي وهو العالم المتدبر المتفكر يقول:

(1- يجب علينا أن نعلم أن حرباً فاصلة ستقع بين المسلمين واليهود، وأن النصر فيها سيكون للمسلمين، ماداموا معتصمين بدينهم، ومنفذين لتعاليم قرآنهم، وعاملين بسنة نبيهم، فقد أخرج البخاري ومسلم، عن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله «صلي الله عليه وآله وسلم» قال: «تقاتلون اليهود حتي يختبئ أحدهم وراء الحجر فيقول: يا عبدالله هذا يهودي ورائي فاقتله».

وفي حديث آخر للشيخين، عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله «صلي الله عليه وآله وسلم» قال: «لا تقوم الساعة حتي يقاتل المسلمون اليهود فيقتلهم المسلمون حتي يختبئ اليهودي وراء الحجر أو الشجر، فيقول الحجر أو الشجر: يا مسلم، يا عبدالله هذا يهودي خلفي تعال فاقتله، إلا الغرقد فإنه من شجر اليهود».

فهذان الحديثان الصحيحان فيهما إخبار للمسلمين بأن قتالاً عظيماً سيقع بين المسلمين واليهود قبل قيام الساعة، وأن النصر سيكون للمسلمين، متي استجابوا للأوامر، التي أمرهم الله بها، وأن الله تعالي سيكرمهم بأن يخبر الحجر أو الشجر المسلم بأن يهودياً وراءهما فعليه أن يقتله.

السؤال الآن: هل أخبر الشيخ طنطاوي رأيه هذا للرئيس شيمون بيريز وهما يتحاوران في الأديان؟ أو في الدينين الاسلامي واليهودي دعك من هذا وتعال نكمل ما قاله طنطاوي من نصائح لاسترداد فلسطين المحتلة مع الاعتبار بأنه لم يعمل بها:

2- يجب علينا أن نوقن بأن الأيام دول، وأن ما أصابنا بفلسطين من الممكن تداركه، متي تحلينا بالإيمان الصادق، والعزم القوي، والتصميم علي استعادة أرضنا المقدسة، وباتخاذ الوسائل الكفيلة بذلك.

3- يجب علي الأمتين: الإسلامية والعربية أن توحدا قيادة المعركة وأن تسلماها لأيد أمينة مخلصة، وأن تحوطاها بالتأييد إذا أحسنت واستقامت، وبالتوجيه والإصلاح والتقويم إذا أخطأت وضلت، وأن تنأي بها عن الخلافات والمنازعات التي قد تحدث بين الزعماء والملوك والرؤساء.. أريد أن أقول: (حتي لا تنسي فالشيخ طنطاوي هو الذي يقول): إن إنقاذ فلسطين من السرطان الصهيوني، يحتاج إلي جيش موحد القيادة، محدد الهدف، معد إعداداً كاملاً قوياً من جميع النواحي، مؤمناً بقدسية المعركة التي يخوضها، بعيداً عن التأثر بخلافات السياسيين، الذين بيدهم مقاليد الحكم في البلاد العربية.

4- يجب أن تبذل الأمتان: العربية والإسلامية قصاري جهدهما في التذكير بقضية فلسطين، وأن تقوم وسائل الإعلام المختلفة في كل دولة بالدعاية الواسعة لها، وأن يدرس تاريخها في المدارس والمعاهد والجامعات، وأن توزع خريطتها وصور أماكنها المقدسة في كل مكان، وبذلك تبقي نكبة فلسطين حية في القلوب والمشاعر.

إن هذا الجيل الذي عاصر مأساة فلسطين سوف ينقرض، وستأتي بعده أجيال أخري إذا لم نذكرها بهذه المأساة، ونربطها بقلوبهم دينياً وسياسياً وثقافياً واقتصادياً، فإنها ستصبح نسياً منسياً، ولن يمر وقت طويل حتي تختفي مأساة فلسطين من قلوبهم، كما اختفت مأساة الأندلس بمرور الأيام، وتعاقب السنين.

5- يجب أن تقف الأمتان: العربية والإسلامية من الدول التي ناصرت الصهيونية موقفاً قوياً حاسماً، وأن تستعملا أسلحتهما المتنوعة في صرف هذه الدول عن مناصرتها الباطلة لليهود، ومن أقوي الأسلحة سلاح البترول الذي يوجد في بلادنا بكميات هائلة، الذي لو أحسنَّا استغلاله واستعماله، لكفت دول الكفر عن تأييدها الصهيونية الباغية، ولن يأتي هذا السلاح وغيره بالثمار المرجوة منه، إلا إذا وحد العرب كلمتهم، ووقفوا صفاً واحداً أمام مؤامرات الاستعمار واليهودية العالمية.

6- يجب أن تعمل الدول العربية والإسلامية علي تقوية الفدائيين الفلسطينيين من كل النواحي، وأن تختارهم من العناصر المأمونة والمؤمنة بربها وبدينها وبوطنها.. وأن تعطيهم من الإمكانات ما يجعلهم يستطيعون أن يزلزلوا به كيان الصهيونيين، عن طريق حرب العصابات، لأن هذه الحرب من شأنها أن تهدد أمن إسرائيل واستقرارها واقتصادها، وجميع مرافقها. وتكون هذه الحرب كمقدمة للمعركة الفاصلة التي يجب علي الأمة الإسلامية أن تخوضها ضد إسرائيل حتي تطهر الأرض المقدسة من اليهود. ولقد اتبعت عدة دول طريقة حرب العصابات ضد المستعمرين فانتصرت عليهم في النهاية، واستطاعت أن تنال حريتها رغم أنوفهم، (الله يا شيخ طنطاوي هكذا تورد الإبل يا مولانا، لكن هذا كلامك أيام جمال عبدالناصر وقد راحت أيامه، فهل نذكرك بكلامك عن حرب العصابات في 2006 وعن حماس والفدائيين الفلسطينيين الآن؟).

7- يجب أن نخوض معركة فلسطين المقبلة علي أساس من الجهاد الديني، وليس علي أساس النعرة الوطنية وحدها، وذلك لأن فلسطين بلد إسلامي مقدس كما قلنا سابقاً، وهي ملك لجميع المسلمين، وواجب الذود عنها فرض علي كل مسلم علي وجه الأرض.

واليهود قد استغلوا الناحية الدينية علي أوسع نطاق، لتثبيت باطلهم في فلسطين بحيث أفهموا دول الغرب وخصوصاً إنجلترا أن فلسطين هي أرض معادهم، وأن أرضها لهم وحدهم بنص التوراة.. بينما العرب المسلمون أسقطوا هذا الجانب الديني المهم من حسابهم.. فخاضوا معركة فلسطين باسم النعرات الوطنية والقومية، وسخر بعض كتابهم بالنواحي الدينية.. فكان مصيرهم الفشل).

هذه نصائح الشيخ طنطاوي لتحرير فلسطين من اليهود الذين كال لهم كل هذه الاتهامات المفزعة المقزعة استناداً إلي فهمه للقرآن الكريم والسنة المطهرة وهو يدعونا للمقاومة المسلحة بل حرب العصابات ضد اليهود، لكن بعد مجيء الرئيس السادات وقد جنح للسلم فجنح معه كل رجال الدين وشيوخه الذين قالوا كلام جمال عبدالناصر نفسه عن العدو الإسرائيلي بل ألبسوه رداء الدين وعمامة الفقه ، ثم يأتي حكم الرئيس حسني مبارك الذي تبدو فيه إسرائيل صديقاً وحليفاً فنري الشيخ طنطاوي صاحب رسالة دكتوراه عصر عبدالناصر هو شيخ أزهر عصر مبارك فيصافح اليهود ويجلس معهم ويحاورهم كذلك ويتشارك مع رئيس اليهود ذات نفسه!

السؤال الآن بعد كل هذا التبدل والتغير والاختلاف والتنقل والتنصل من الأفكار المستمدة من القرآن عن اليهود: هل تغيرت إسرائيل أم تغير شيخ الأزهر أم تغير القرآن؟

شعب الله المختار.. وشعب الله المحتار!


د. هبة رؤوف عزت

ذكرت في مقال سابق أن فضح الصهيونية وإعادة ربطها بالعنصرية، بل الوحشية في جميع المنتديات العالمية مسألة غاية في الأهمية في جهادنا المدني في الأوساط الاجتماعية والنقابية والأدبية والثقافية في العالم، ولا أقصد بالعالم أوروبا وأمريكا كما نفعل دوماً بل أمريكا اللاتينية وأفريقيا جنوب الصحراء وآسيا بكل أنحائها، وأستراليا ونيوزيلندا وكل الجزر من الكناري..للكاريبي.


الفكرة ببساطة هي جمع التواريخ حتي لا تنسي الشعوب ما حدث في الشعب الفلسطيني، والتأكيد علي فكرة أن الحقوق لا تسقط بالتقادم، فاليوم كل الشعوب والقبائل التي تم استعمارها تطالب بحقها في الأرض وفي اللغة وفي المشاركة السياسية من السكان الأصليين في القارتين أمريكا الشمالية والجنوبية إلي شعب الصحراء في جمهوريته العربية جنوب المغرب وغجر أوروبا الشرقية وأصحاب الأقليات اللغوية في إسبانيا، والتاميل وكشمير وغيرها من أنحاء العالم التي تظهر بها حركات تقرير المصير، أو نضالات الاستقلال الذاتي. الذاكرة مسألة غاية في الأهمية، لذا نثمًّن كثيراً الجهد الذي يقوم به الدكتور سلمان أبو ستة المفكر الفلسطيني في التوثيق لحق الفلسطينيين في الأرض وجمع حُجج الأوقاف وعقود البيوت والأراضي التي تثبت حق أهل فلسطين في العودة لوطن قررت الدول الغربية أن تمنحه مجاناً للعصابات الصهيونية لتدمر تحت سمع وبصر العالم الغربي النسيج الاجتماعي والإنساني لشعب فلسطين وتقتل وتهجًّر ملايين البشر لتقيم دولتها كـ"شعب الله المختار»!.

ومسألة شعب الله المختار هذه تحتاج لبيان وكشف، فقد انشغلنا بما ألقته إلينا نظريات الاستشراق واتهامات حملات تشويه الإسلام من شبهات وأخذنا دور المدافع عن الإسلام، ولم نلتفت لنضال مهم هو النضال ضد فكرة شعب الله المختار التي تبناها اليهود واستبطنتها الصهيونية والتي تجعل باقي البشر «أغياراً» لا يتمتعون بنفس الحرمة ولا الذمة ولا الكرامة.

لم يدهشني أن يكون رد فعل القيادات الإسرائيلية علي تحقيق قاض إسباني في انتهاكات حقوق الإنسان الإسرائيلية، أم تهدد تلك الأصوات وتتوعد إسبانيا أن لديها ملفات لانتهاكات قامت بها في البلقان، وبالتالي تصبح القاعدة: اسكت عن جرائمي وأنا أسكت عن جرائمك، وهكذا نعيش في عالم صامت يحكمه مجموعة من المجرمين المتواطئين علي جرائمهم جميعاً!!!

لم تكلف إسرائيل نفسها بنفي الجرائم، ولا دفعت بعدم اختصاص القاضي، بل تسير إسرائيل دوماً من مذبحة لأخري مرفوعة الرأس ويدها ملطخة بالدماء، لأنها تعلم أنها تستطيع ابتزاز الجميع بملفات جاهزة لجرائمهم الجماعية أو الفردية «الابتزاز الفردي بعد التوريط في جرائم شرف أو جرائم عرض حيلة مخابراتية معروفة».

تسير إسرائيل وهي تنظر للباقين من سكان الدنيا باحتقار، وتنظر للفلسطينيين باعتبارهم أكواماً بشرية تستحق الإبادة ولا تجد في فعلها الوحشي أي غضاضة!

يعود الجندي الأمريكي من فيتنام في العقود الخالية وقد أصابه اكتئاب من جرائمه فينتحر، أو يبقي في مصحة نفسية فترات طويلة، في حين يعود الجندي الإسرائيلي من مذبحة غزة وقد أطلق الرصاص مباشرة علي أطفال رُضَّع وبهائم رُتَّع وقد استوي عنده القتل في الحالتين، فالأغيار كالدواب خلقهم الله لخدمة اليهودي، فإن ضايقوه أو أقلقوه حُقَّ عليهم التدمير..ولا مشكلة..ولا ذنب..ولا عقاب!

يحرفون الكلم عن مواضعه، ويسمون الأشياء بغير أسمائها ولا يرقبون في مؤمن - مسيحياً كان أو مسلماً- عهداً ولا ذمة.

لذا من الأهمية بمكان تحرير المفاهيم وتحرير العقول وتحرير الألسنة في التعامل مع جرائم الإبادة التي ترتكبها إسرائيل.

اللعبة كلها في اللغة، من يقول ماذا وماذا نسمي ماذا، وللغرب ولإسرائيل سجل حافل في تسمية الاستعمار: تنويراً وتبشيراً، وتسمية المذبحة أزمة، وتسمية المجرم رجلاً سياسياً محنكاً لدولة صديقة، وتسمية العدوان: حماية للحدود، وتسمية تجويع الشعوب بالحصار: ضرر لا يمكن تجنبه، وبالطبع تسمية حرب التحرير إرهاباً، والهوية الثقافية تخلفاً، والاجتياح الاستهلاكي:عولمة، والهيمنة:تحويل العالم لقرية صغيرة.

لكن هناك واجب موازٍ هو متابعة كل الجرائم التي يرتكبها أنصار إسرائيل أيضا، فالجيش الأمريكي له سجل من الجرائم، من رفض مثول جنوده أمام المحكمة الجنائية الدولية لانتهاك أبسط قواعد الحرب بضرب المدنيين في العراق وأفغانستان لجرائم شخصية مارسها جنود الاحتلال الأمريكي من قتل وسطو وانتهاك أعراض آخرها علامات الاستفهام حول نتائج تحقيق في جرائم اغتصاب تحت تأثير مخدرات مارسها رئيس مكتب المخابرات الأمريكية في الجزائر والذي قضي بعض الوقت من خدمته أيضاً في القاهرة (!). أما جرائم القوات الدولية في البلقان فلن ننساها.

في عالم واسع ينبغي أن نفضح شعب الله المختار ، وندعم شعب الله المحتار، هذا الشعب العربي الذي «غُلُب حماره» مع قياداته من الأسود عليه وفي الحروب نعامة كما يقول الشاعر، والذي احتار في المثقفين الذين اختاروا الدولة علي الشعب واحتار في المعممين الذين اختاروا الدولة علي الدين.

لن يهزم شعب الله المحتار من يزعمون أنهم شعب الله المختار- فيسعون في الأرض فساداً - وهو حائر في تدبير لقمة عيشه.. لا لضيق في الموارد، بل لنهب البلاد من جانب النخب، وهو المحتار في توفير احتياجاته التعليمية والصحية والسكن.. لا لضعف في الكوادر، بل لفساد في الذمم وترد في أداء الخدمات العامة، أو وهو محتار في كيفية التغيير وسبيل النهضة بعد أن سُدَّت كل منافذ التعبير والعمل المدني الحقيقي الذي يكفل بناء مجتمع حر قوي، وتم إغلاق منافذ المشاركة السياسية بقرارات سيادية أو قوانين همايونية أو تعديلات دستورية أشبه بالقنابل الفسفورية تحرق كل معاني العدل والحرية والمواطنة.

وإلي أن نكف عن هذه الحيرة ونتوافق علي جبهة ديمقراطية تقودها قوي جديدة شابة بأفكار طازجة معاصرة حية ضد نظام تسوده -كما تسود قوي المعارضة- شيخوخة العمر والفكر والمقولات، فسنظل علي حيرتنا وتظل إسرائيل علي غطرستها، تهدد أمننا القومي وتستعرض قوتها في حين صارت التصريحات الرسمية النارية هي الوسيلة الوحيدة للرد بدلاً من الردع.

والفارق بين الرد والردع..عين.. عين!

"صفعة عثمانية" من أردوغان لشيمون بيريز في دافوس


انسحب رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان غاضبا من إحدى جلسات منتدى دافوس الاقتصادي العالمي في سويسرا احتجاجا على عدم إعطائه الفرصة للرد على كلمة مطولة للرئيس الإسرائيلي شيمون بيريز برر فيها المجزرة الإسرائيلية في قطاع غزة.

ففي جلسة حول غزة بالمنتدى دافوس مساء الخميس، تحدث في البداية أردوغان لمدة 12 دقيقة موجها كلامه للرئيس الإسرائيلي قائلا "ما دمت تقوم بإلقاء القنابل وتتعلل بالصواريخ و(حركة المقاومة الإسلامية) حماس، ماذا فعلت خلال مدة ستة أشهر من التهدئة غير قتل 28 فلسطينيا وقطع الكهرباء والطعام".

وأضاف "نحن كبشر يجب علينا التفكير في هذه المواقف، وأؤكد على عدم وجود أي توجه غير إنساني لموقفي في دعم الناس في غزة، فأنا لست ضد السامية ولا ضد أي دين كان، وذكركم بأنكم تؤخرون المساعدات الإنسانية للهلال الأحمر التركي على المعابر".

وحول اعتقال البرلمانين والوزراء الفلسطينيين، قال أردوغان "طلبت من أولمرت إطلاق سراح البرلمانيين والوزراء, فرد قائلا آنذاك "عباس يغضب لو فعلنا هذا", فقلت له إذن أطلق الأسرى العاديين فقال: إذا تركتهم تعرض محمود عباس لأزمة ثم وجدت بعد هذا اللقاء قتل الناس بدون هوادة في غزة".

كما أعرب عن دهشته من المقارنة بين قوة إسرائيل والفلسطينيين, قائلا "هل هناك أسلحة لدى الفلسطينيين مماثلة لما هو موجود لدى إسرائيل بما فيها أسلحة الدمار الشامل؟ بالطبع الجواب لا، حتى أنهم يضربون مراكز الأمم المتحدة والمدارس والمساجد بالصواريخ والقنابل".

بدوره، تحدث الرئيس الإسرائيلي شيمون بيريز لمدة 25 دقيقة شرع خلالها في عرض مبررات وذرائع للعدوان الإسرائيلي على غزة قائلا: إن حماس هي من دفعت إسرائيل لهذه الحرب، بعد أن أطلقت صواريخها على البلدات الإسرائيلية، وكان بيريز يتكلم بحدة وينظر إلى أردوغان مباشرة بين الحين والآخر.

وحين صفق بعض الحضور بقوة لبيريز على كلمته، بدت علامات الغضب الشديد على وجه أردوغان، فقاطع بيريز وقال بحدة : موجها كلامه للحضور: "عار عليكم أن تصفقوا على عملية أسفرت عن سقوط آلاف الأطفال والنساء على يد الجيش الإسرائيلي في غزة".

"أنتم أدرى الناس بالقتل"

وأضاف رئيس الوزراء التركي موجها كلامه هذه المرة لبيريز: "السيد بيريز، أنت أكبر مني سنا وقد استخدم لغة قوية، وهذا يعنى وجود أزمة نفسية لديك"، وتابع موجها حديثه إلى بيريز بحزم: "أتذكر الأطفال الذين قتلوا على الشاطئ ولم يكن هناك صواريخ تطلق منها.. عندما يتعلق الأمر بالقتل فأنتم أدرى الناس بالقتل".

بينما رد عليه بيريز مشيرا إليه بأصبعهً: "كانوا سيقومون بمثل ما نقوم به لو كانت الصواريخ تسقط على إستانبول"، في إشارة إلى الصواريخ التي تطلقها المقاومة الفلسطينية على البلدات الإسرائيلية دون أن تحدث خسائر تذكر.

واستدرك أردوغان قائلا "أذكرك أن التوراة تمنع القتل وكثير من يهود العالم شجبوا كل هذا القتل واستخدام القوة المفرط".

تدخل أمريكي!

وهنا تدخل منسق الجلسة، ديفد إيغناتيوس، كاتب العمود الشهير بصحيفة واشنطن بوست الأميركية، والمعروف بتوجهاته الداعمة لإسرائيل، ليقاطع أردوغان قائلا إن الوقت انتهى، ثم قاطعه بيديه مرة ثانية فحاول أردوغان الرد عليه بطلب عدم مقاطعته لمنحه فرصه للرد، خصوصا وأن الوقت الذي استغرقته مداخلته (12 دقيقة) لم يكن متوازنا مع الوقت الممنوح لبيريز (25 دقيقة).

وبعد أن وجد أردوغان نفسه في موقف الممنوع من الحديث، انتفض غضبا وجمع أوراقه قائلا: "شكرا أنتم لا تتركون لي فرصة كي أتحدث.. لقد تحدثت نصف مدة بيريز فحسب.. لن أحضر إلى دافوس مرة أخرى".

وبينما قام أردوغان ليغادر القاعة بدا على الرئيس الإسرائيلي الارتباك ملتفتا حوله دون أن ينطق بأي تعليق.

ووقف الأمين العام لجامعة الدول العربية عمرو موسى وصفق بحرارة لأردوغان قبل أن يصافحه فيما غادر أردوغان القاعة وسط تصفيق من بعض الحضور.

وعقب مغادرة أردوغان وقف موسى يتلفت يمينا ويسارا، فأشار له الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون بالجلوس، فأخذ مكانه في الندوة مرة أخرى.

وقال أردوغان خلال موتمر صحفي عقب الندوة مبررا موقفه: "بيريز تحدث لمدة 25 دقيقة، وكان يتكلم بشكل يغلب عليه الحدة وينظر إلي مباشرة بطريقة لا تتلاءم مع الحرية العامة".

وعلق مراقبون أتراك على الواقعة قائلين أن أردوغان وجه "صفعة عثمانية" إلى بيريز، مستندين إلى ما هو معروف في التراث العثماني، فحين يفحم شخص آخر مستندا إلى المنطق والعقل، فيقال أنه وجه إليه "صفعة عثمانية". وتم تكريم أردوغان في ندوة سبقت الجلسة التي شهدت الواقعة بالمنتدى الاقتصادي أمس الخميس، باعتباره أفضل دبلوماسي.


"زاد الطين بلة"

وفي تعليقه على الحادثة أشاد ليث شبيلات، رئيس جمعية مناهضة الصهيونية بالعاصمة الأدرنية عمان، بموقف رئيس الوزراء التركي، قائلا إن: "موقف أردوغان ينبئ بتقدم نحو المواقف المستقلة عن الإرث التركي العلماني".

كما انتقد شبيلات بشدة حضور الأمين العام لجامعة الدول العربية الندوة مع الرئيس الإسرائيلي.

وقال: "كيف يسمح العرب بأن يجلس عمرو موسى هذه الجلسة مع قادة إسرائيل"، مضيفا أن جلوس عمرو موسى بعد خروج أردوغان "زاد الطين بلة"، وقال متحدثا عن الساسة والحكام العرب: "هؤلاء لا يدرون ماذا يفعلون".

وكان أردوغان قد هاجم في وقت سابق أمس الأربعاء العدوان الإسرائيلي على غزة، واعترض على تصنيف حركة المقاومة الإسلامية "حماس" ضمن قائمة "المنظمات الإرهابية"، داعيا في الوقت نفسه الرئيس الأمريكي باراك أوباما إلى إعادة النظر في تعريف المنظمات الموجودة في الشرق الأوسط تحديدا.

شعب الجبارين


فهمي هويدي
أشهد أن أهل غزة يستحقون منا الحفاوة والإكبار، بأكثر مما يستحقون من الرثاء أو الإعذار.


(1)

أدري أننا مسكونون هذه الأيام بمشاعر اللوعة والحزن، جراء ما شاهدناه علي شاشات التليفزيون من صور سجلت بشاعة البربرية الإسرائيلية التي فتكت بالبشر، وحولت القطاع إلي خرائب وأنقاض. كأن ما جري لم يكن اجتياحاً عسكرياً، وإنما كان حملة انتقام وترويع استهدفت تدمير القطاع، وذبح أهله والتمثيل بهم، حتي يكونوا أمثولة وعبرة لغيرهم ممن يتحدون العجرفة والاستعلاء الإسرائيليين.
أدري أيضًا أن الجرح أكبر من أن يلتئم لأجيال مقبلة. وأن شعورنا بالخزي والعار لا يمكن إنكاره، سواء لأننا لم نستطع إغاثة الفلسطينيين وهم يذبحون، في حين وقفت أنظمتنا متفرجة عليهم، أو لأن بعضنا كان عليهم وليس معهم أو لهم.

ذلك كله صحيح لا ريب. لكن من الصحيح أيضاً أن دماء فلسطينيي غزة التي نزفت وأشلاءهم التي تناثرت وصرخات أطفالهم التي ألهبت ضمائرنا ومازالت أصداؤها تجلجل في أعماقنا، هذه كلها إذا كانت قد سجلت أسطر المأساة، إلا أن وقفة الشعب، وصموده الرائع ومقاومته الباسلة، هذه أيضاً سجلت صفحات مضيئة في تاريخ أمتنا لا ينبغي أن نبخسها حقها. يكفي أن شعب الجبارين هذا رغم كل ما تعرض له من حمم أمطرته بها آلة الحرب الإسرائيلية بكل جبروت وقسوة، ظل رافضاً للركوع والتسليم، وها هو سيل الشهادات التي سمعناها بعد وقف المذبحة علي ألسنة الأطفال والنساء والشيوخ، كلها تجمع علي أن طائر الفينيق التي تحدثت عنه الأسطورة، ذلك الذي يخرج حياً من تحت الرماد، ثبتت رؤيته في غزة.

لأنهم لم يركعوا ولم يرفعوا رايات التسليم فإنهم نجحوا وأفشلوا خطة عدوهم. صحيح أن هذا كلام لا يروق لبعض الساسة والمثقفين من بني جلدتنا ممن يرون أن شرف الأمة لا يستحق أن يموت المرء من أجل الدفاع عنه، إلا أن المعلومة تظل صحيحة، أعجبت أصحابنا هؤلاء أم لا تعجبهم. تشهد بذلك كتابات أغلب المعلقين الإسرائيليين، التي سجلها تقرير نشرته صحيفة «الشرق الأوسط» في 19/1، تضمن خلاصة لتلك الكتابات. منها مثلاً أن رون بن بشاي - المعلق العسكري لصحيفة «يديعوت أحرونوت» - ذكر في النسخة العبرية للصحيفة في (18/1)، أن إسرائيل فشلت بشكل واضح في تحقيق الهدف الرئيسي المعلن للحرب، المتمثل في تغيير البيئة الأمنية في جنوب إسرائيل، وهو ما لم يتحقق حين تبين أن حركة حماس مستمرة في إطلاق صواريخها. وهو المعني نفسه الذي أكده المعلق السياسي الوف بن، وكرره جاكي كوخي - معلق الشئون العربية في صحيفة «معاريف» - الذي قال إن إسرائيل فشلت في توفير صورة النصر في معركة غزة، وأن ما تبقي من هذه الحرب هو صور الأطفال والنساء والقتلي، التي أوصلت إلي عشرات الملايين في العالم رسالة أكدت تدني الحس لدي الجيش الإسرائيلي. منها أيضاً ما قاله يوسي ساريد - الرئيس السابق لحركة ميرتس في مقال نشرته صحيفة «هاآرتس» - أن عملية القتل البشعة التي أنهت بها إسرائيل مهمتها في غزة تدل علي أنها هزمت في هذه المعركة ولم تنتصر. أما المعلق عوفر شيلح فقد ذكر أن القيادة الإسرائيلية حين قررت تدمير غزة فانها تاثرت في ذلك بالنهج الذي اتبعه رئيس الوزراء الروسي فلاديمير بوتين مع شيشينا وجورجيا، ثم أضاف: «إذا كنا نريد أن نظهر كمنتصرين باستخدام هذا النهج، فويل لنا».

(2)

صحيح أن المقاومة لم تستطع أن تفعل شيئاً يذكر أمام الغارات التي أطلقت فيها إسرائيل أقوي طائراتها النفاثة لأسباب مفهومة، إلا أن معركتها الحقيقة كانت علي الأرض، حيث فاجأت المقاومة خلالها إسرائيل بما لم تتوقعه.

لم تهزم المقاومة القوات الإسرائيلية، لكن كل الشواهد دلت علي أنها صمدت أمام تلك القوات، ووجهت إليها ضربات موجعة، أسهمت في إفشال مهمتها. ولا تنس أن يوفال ديكسين - رئيس المخابرات الداخلية الإسرائيلية - كان قد توقع أن يسقط القطاع خلال 36 ساعة، ولكن بسالة المقاومة أطالت من أجل الحرب، حتي اضطرت إسرائيل إلي وقف إطلاق النار من جانبها في اليوم الثاني والعشرين.

ليلة الاثنين 12/1، والاجتياح في أسبوعه الثاني، فوجئ الجنرال يو آف بيليد - قائد لواء الصفوة (جولاني) - والعشرات من جنوده بأن النيران فتحت عليهم عندما كانوا يقومون بتمشيط المنطقة الريفية التي تقع شرق مخيم «جباليا» للاجئين شمال قطاع غزة. فما كان منه إلا أن اندفع مع جنوده للاحتماء ببيت أحد الفلسطينيين في المنطقة، كان قد تم إخلاؤه من سكانه. لكن ما إن تجمع الجنود والضباط في قلب المنزل، حتي دوي انفجار كبير انهار علي أثره المنزل؛ فقتل ثلاثة جنود وجرح 24 منهم بيليد نفسه، وعرف أن ستة من الجرحي في حالة ميئوس منها. وكانت تلك إحدي صور الاستدراج التي لجأت إليها المقاومة؛ ذلك أن إطلاق النار أريد به دفع الجنود للاحتماء بالمنزل الذي تم تفخيخه بالمتفجرات في وقت سابق.

موقع صحيفة «يديعوت أحرونوت» علي الانترنت تحدث باقتضاب عن قصة ضابط آخر هو الرائد ميكي شربيط، الذي يرقد في أحد المستشفيات للعلاج من إصابته في اشتباك مع رجال المقاومة الفلسطينية في شمال القطاع. هذا الضابط الذي خدم كقائد سرية بسلاح المدرعات في حرب لبنان الثانية، استهجن تجاهل الإعلام الإسرائيلي الإشارة إلي شراسة المقاومة التي واجهتها القوات الإسرائيلية. وفي الحديث الذي أدلي به إلي النسخة العبرية لموقع الصحيفة وصف الحرب الدائرة وقتذاك بأنها «حرب أشباح لا نري فيها مقاتلين بالعين المجردة، لكنهم سرعان ما يندفعون صوبنا من باطن الأرض. لقد كنا نتحرك في الشوارع ونحن ندرك أن أسفل منا مدينة خفية تعج بالشياطين».

فوجئ الإسرائيليون بكل ذلك. واعترف روني دانئيل - المعلق العسكري لقناة التلفزة الإسرائيلية الثانية - بأن قوات الجيش الزاحفة واجهت مقاتلين أشداء، وقال علي الهواء إن الإبداع العسكري الذي يواجه به نشطاء حماس الجيش الإسرائيلي فاجأ قادته بشكل صاعق، ونوّه إلي أنه محظور عليه التحدث عن المفاجآت التي تعرض لها الجنود الإسرائيليون في غزة، التي تفسر عدم قدرة هؤلاء الجنود علي التقدم في كل القطاعات رغم مضي 19 يوماً علي الحملة، ورغم إلقاء الطائرات الإسرائيلية مئات الأطنان من القنابل الفتاكة لتقليص قدرة المقاتلين الفلسطينيين علي المقاومة.

في هذا السياق نقل أليكس فيشمان - المعلق العسكري لصحيفة «يديعوت أحرونوت» - عن عدد من الجنود في ساحة المعركة أن الهاجس الذي سيطر عليهم طول الوقت هو الخوف من الوقوع في الأسر. وأشار هؤلاء إلي أن مقاتلي حماس أعدوا شبكة من الأنفاق للمساعدة في محاولات أسر الجنود.

(3)

هؤلاء المقاومون البواسل لم يهبطوا علي غزة من السماء، ولكنهم أحفاد وأبناء شعب الجبارين، الذي لايزال منذ مائة عام متشبثاً بأرضه التي رواها بدمه. لقد راقبت أبناء غزة الذين ظهروا علي شاشات التليفزيون طوال المذبحة وبعدها، فلم أسمع واحداً منهم أعلن تمرده أو سخطه علي الأوضاع في القطاع. كانوا جميعاً ودون استثناء أكثر نضجاً ونزاهة من كل الأصوات التي حاولت تمييع الموقف وإلقاء تبعة ما جري علي وقف التهدئة تارة أو علي حكومة القطاع تارة أخري. لم يروا إلا عدواً واحداً ومجرماً واحداً هو إسرائيل. وانعقد إجماعهم علي أن حماس ليست الهدف، وإنما رأس المقاومة هو المطلوب وتركيع الفلسطينيين هو الهدف.

رغم الجحيم الذي عاشوا في ظله والمآسي التي لحقت بهم، فإنهم لم يفقدوا صبرهم الأسطوري. وكشفت محنتهم عن معدنهم الحقيقي، بالتحامهم وتكافلهم وإصرارهم علي الاستمرار والثبات علي الأرض. القصص التي تروي عن المدي الذي بلغه الالتحام والتكافل لا تكاد تصدق، وكلها تثير الدهشة والإعجاب، يتحدث القادمون عن الموسرين الذين كانوا يشترون شاحنات الخضار وأكياس الدقيق ويوزعونها علي المعوزين. يتحدثون أيضاً عن البيوت التي فتحت لمن دمرت مساكنهم، وعن الثياب والبطانيات التي جمعت لتوزع علي الذين لاذوا بالخيام احتماء من البرد، وعن السيدات اللاتي أصبحن يخبزن يومياً مئات الأرغفة لجيرانهم، وأخريات كن يتناوبن طبخ العدس والبقول ويبعثن بالوجبات الساخنة إلي أماكن تجمعات الفارين من الجحيم. يتحدثون أيضاً عن الكيروسين الذي كانوا يتقاسمونه فيما بينهم يوماً بيوم، لإشعال المصابيح والمواقد البدائية التي أصبحت تهرب من مصر، بعدما اختفت هناك منذ عقود... إلخ.

الذي لا يقل إدهاشا عن ذلك هو حالة الانضباط الشديد التي مر بها القطاع، فقد كانت أجهزة السلطة تتولي طول الوقت الإشراف علي توزيع الخبز والبطانيات والكيروسين. ورغم أن الدوائر كانت معطلة، فإن رواتب الموظفين كانت تصل إليهم في بيوتهم. ورغم أن القصف المكثف كان يمكن أن يدفع ألوف البشر إلي الاتجاه صوب الحدود المصرية ومحاولة عبورها هرباً من الموت، فإن ذلك لم يحدث، ووقفت شرطة القطاع تحرس الحدود وتؤمنها. وفور إعلان وقف إطلاق النار، سجلت الفضائيات كيف تحركت الأجهزة لضبط المرور وإزالة ركام الأبنية المدمرة، والتخلص من النفايات. وقبل هذا وبعده، رفع الأنقاض بحثاً عن الأحياء وانتشال بقايا الجثث. لقد دبت الحياة في طائر الفينيق.

(4)

لقد كان المقاومون يعرفون جيداً أنهم سيواجهون العدو في واحدة من معارك كسر العظم، لذلك أطلقت كتائب عز الدين القسام علي المعركة اسم «الفرقان»، باعتبارها اشتباكاً مصيرياً يفرق بين الحق والباطل. وحسب مصادر الحركة، فإن المقاومة لم تخسر أكثر من 10% من مقاتليها، في حين أن قدرتها التسليحية مازالت جيدة، وبوسعها أن تواصل إطلاق صواريخها التي تكدر حياة العدو لشهر آخر علي الأقل. بل إنها لم تستخدم الطاقة القصوي لمدي الصواريخ، لأنها أرادت أن تحتفظ به للتوقيت الذي تختاره. وأغلب الظن أن إسرائيل أدركت ذلك جيداً، وذلك هو التفسير الوحيد للوثة التي أصابتها وهي تستنفر أمريكا وأوروبا وبعض العرب لكي يهبوا جميعاً لأجل وقف تهريب السلاح إلي غزة.

غزة لم تهزم، وما حدث في القطاع ليس مأساة ولكنه ملحمة. لكن الهزيمة الحقيقية والمأساة التي يَنْدَي لها جبين الشرفاء، هي من نصيب الواقفين علي الضفة الأخري من المنسوبين إلي الأمة العربية، الذين تقاعسوا وولوا الأدبار حين جد الجد. وهم الذين وصفهم القرآن بأنهم: «يحلفون بالله إنهم لمنكم، وما هم منكم، ولكنهم قوم يَفْرَقوُن».

ما بعد إسرائيل


أحمد المسلمانى

هذه سطور من مقدمة الطبعة الثانية لكتابى «ما بعد إسرائيل» والتى تصدر عن «دار ميريت» قريباً.

■ كأن الطبعة الأولى لهذا الكتاب قد صدرت قبل قرن من الزمان.. لقد أصبحت الأوضاع فى الشرق الأوسط تمضى أسرع من البصر وأبعد من البصيرة، فلا النظرة كافية للفهم ولا النظرية كافية للعلم.

فى وقت محدود تحول التساؤل عما بعد إسرائيل إلى ما بعد فلسطين.. قبل عشر سنوات كانت إسرائيل تراجع نفسها فى مناسبة مرور نصف قرن على إعلانها، وكان كثيرون فيها يلقون ظلال شك حول الماضى وظلال يأس حول المستقبل. لكن احتفالات إسرائيل بعيدها الستين جاءت وسط مشهد آخر وعالم آخر. كان الظن أن العام الستين هو عام التقاعد لإسرائيل.. هو بداية خريف مفتوح أو غروب قريب.. غير أن ما جاء كان خارج المنطق وخارج التاريخ.

لم يعد الهدف العربى هو حدود الرابع من يونيو، بل صغر الهدف إلى إزالة الجدار الفاصل، ثم ضمر الهدف إلى فتح معبر وإدخال طعام ودواء.

تحولت القضية من الصراع على الأرض إلى الصراع على الضوء.. وكانت أضواء الكاميرات باهرة وشاسعة.. تغطى كل فصيل وكل فسيلة وضعها فصيل! وأصبح لدينا رجال طرب لا رجال سياسة.. وحل الصوت والضوء محل الوطن.

■ فى أثناء الهبوط رحل شاعر فلسطين الكبير محمود درويش.. ليغيب حلم اللغة بمثل ما غاب حلم السياسة.. ليموت القلب بعد أن مات العقل، لتنكسر الروح بعد انكسار الجسد!

وأذكر أننى قابلت الشاعر الكبير قبل الرحيل بعامين.. وكان الرجل بشوشاً مشرقاً يضحك من الأعماق.. وكان يواصل النكتة بالنكتة ولا يستريح من ذكر اللطائف والطرائف.. وقد كنت أعجب لتلك القهقهة الكبرى والابتسامة الفسيحة.

فقد كانت معطيات الساحة الفلسطينية لا تدعو إلى ابتسامة واحدة.. ثم أدرك الرجل ما أدركت.. فقال لى: إننى مثل تلميذ بليد أدى الامتحان ورسب، وقد سكب من البكاء ما يكفى ألف فشل.. ثم فقد البكاء دلالته.. لم تعد الدموع قادرة على غسل الآلام.. فكان الخيار الآخر.. كانت الحركة القاتلة نحو النقيض.. إننى أضحك لأواصل الحياة والبكاء.. ولكننى إذ أضحك وأبكى، أوقن تماماً أن كل شىء قد انتهى.. الأشعار والرجال.. القصيدة والوطن.

■ تقع سطور هذا الكتاب فى نطاق ما وراء البكاء.. هى سطور تؤمن بأن الجهل خيانة واليأس خيانة.. وأنه فى لحظات المصير القاسى.. فإن الأمل يعادل الوطن.

كيف نرسم خرائط المستقبل؟


ستلملم غزة جراحها وتنتظر جولة الإبادة القادمة، والتي سـتأتي - لا ريب - إذا لم يتوحد الصف العربي - «وأقصد الناس وليس الأنظمة» - ليفرض شروطه علي الواقع السياسي لصالح مستقبل مختلف للنظام العربي الذي شاهدناه عبر العقود الماضية ولفظ ألفاظه كنظام، بل صارت عروبته محل نظر بعد مشاركة إيران في قمة قطر «ولو كمراقب»، المستقبل المختلف الذي نحتاج أن نفكر فيه اليوم ليس مستقبلاً لغزة، بل لشعوب المنطقة التي تعاني ما أثمر عجزاً عن الفعل أدي لمشاهدتنا ما تعانيه غزة دون قدرة علي إنقاذها، والفرجة علي مجموع الرؤساء في انقساماتهم و«شبه» مصالحاتهم وهم يأكلون وجباتهم: لحم شعوبهم.


هاتَفَني أخ كريم حثني علي الكتابة في قضايا أساسية هي كما حددها بحماسة وصدق، أولاً: إعادة التأكيد علي ربط الصهيونية بالعنصرية والسير علي المسار القانوني العالمي لإعادة هذه الصلة في الوثائق الدولية بعد أن تم محوها بضغط الولايات المتحدة واللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة وفي أوروبا عبر عمل منظم لعقود. ثانياً: الاستمرار في الجهد الإعلامي والتربوي والسياسي المنظم لفضح الطبيعة العنصرية غير الديمقراطية لقوانين الهجرة في إسرائيل التي تتيح لكل يهودي في العالم أن يستقر بإسرائيل ويستوطنها «مقابل أن يرحل فلسطيني أو يقتل أو تغتصب أرضه»، ولا تتيح حق العودة للفلسطيني في الشتات لوطنه وأرضه، وتعامل الـ20% من عرب 1948 باعتبارهم غرباء مقيمين علي أرضها، يمكن التخلص منهم في أي وقت بأي حيلة مادامت أمريكا قد تعهدت بضمان «يهودية الدولة».. أي صهيونية الكيان الاستيطاني الإمبريالي الذي يمارس نظام فصل عنصري ويمارس جرائم حرب واضحة لا يحاسبه عليها أحد، بل يذهب رؤساء الدول الأوروبية من شرم الشيخ لإسرائيل ليؤكدوا ضمان أمر إسرائيل ولا يتحدثون عن جرائم الإبادة في غزة، وكأن رحلتهم لشرم الشيخ كانت رحلة استجمام، وهي الرحلة التي وصفتها الجرائد المصرية بأنها جاءت نتيجة العلاقات الشخصية الحميمة التي تربط الرئيس حسني مبارك برؤساء الدول الأوروبية!!!

ثالثاً: التفكير في كيفية بناء الدولة الفلسطينية، فالمقاومة لا تعني الانصراف عن التفكير في بناء الدولة، أي ما وراء المقاومة؛ لأن غياب هذا التفكير والاستغراق في لحظة المقاومة حرم الفصائل المقاومة من تقديم تصور واضح لكيفية إدارة تلك الدولة وتحقيق التحالف بين فصائل العمل النضالي حول مشروع لعقد سياسي، وهو ما أودي بالوحدة الفلسطينية للفصائل عندما غيرت الانتخابات الديمقراطية توازنات الحكم والسلطة..ولعل الخبرة الأيرلندية تستحق النظر والدراسة في هذا الصدد، ولعلني أضع علي التوازي مع ذلك دراسة تجارب الخبرات الاستيطانية وكيف انتهت وكيف تحولت النظم وتم إعادة بناء الدولة علي منطق جديد، فبناء الدولة وسقوط الكيان الاستيطاني وجهان لعملة واحدة.

رابعاً: التأكيد علي ملاحقة جرائم الحرب الإسرائيلية، والمبالغ التي وعد بها حكام النفط لإعادة إعمار غزة والتي لا أطمئن لكيفية تحويلها لواقع إذا كان كل الأطراف لا يريدون أن تقع في يد حماس، وهي الفصيل الأقوي في غزة رغم أنوف البعض. أقول لو أن معشار هذه الأموال تم إنفاقه علي ملاحقة مجرمي الحرب الصهاينة لكان خيراً لمستقبل القضية.

خامساً: أهمية استغلال الزخم العاطفي والحركة المدنية التي أبعثت في الواقع العربي كي تستمر تلك الجهود بشكل منظم وندرك أهمية «الجهاد المدني» في دعم الجهاد المشروع ضد قوي الاحتلال.

وقد وعدت هذا الأخ بأن أكتب تلك النقاط وأثير القضايا؛ لأننا بحاجة لرسم خريطة للعمل بدلاً من الدوران في حلقة من ردود الأفعال.

لي ملاحظتان إضافيتان مع اتفاقي مع هذه النقاط تماماً وحركتي بالفعل في تلك الملفات من الناحية الفكرية ومن الناحية المدنية، بل دعماً لتحالف عالمي يتشكل اليوم لملاحقة مجرمي الحرب الصهاينة.

الملاحظة الأولي أنه في خضم هذا الكلام عن المعبر وفتحه وإغلاقه ومصر وحساباتها نسي الغالبية من المحللين المصريين الذين أدمنوا الكلام علي الفضائيات وتدبيج المقالات أن نصيب مصر من حرب إبادة الـ22 يوماً لم يكن شئون وشجون معبر رفح، بل رفح كلها، بل الحدود المصرية التي ضربت، بل سقطت قذائف بالقرب من تجمعات سكنية في رفح المصرية لم تنفجر وتم التعامل معها كما ذكرت «الأهرام». متي نتحدث عن الحدود المصرية وسيناء وما هو مسكوت عنه وما نحن ممنوعون من أن نفتح فمنا بشأنه؟!

الملاحظة الثانية هي أن تلك البيانات والفتاوي التي صدرت عن مئات من العلماء بشأن الجهاد ودور الأنظمة لم نشهد لها مثيلاً في جمعها بين أسماء علماء إخوان وسلفيين وأزهريين ووهابيين، جمعهم الشيخ البعيد الذي «سره باتع» كما يقول المثل الشعبي، لكن لم يجمعهم الهم القريب وهو الفساد السياسي والظلم الاجتماعي الطبقي وجمعتهم «النفرة» من أجل غزة..

تري هل هناك أي صلة بين سقوط فلسطين وتراجع العقل المسلم في تعامله مع قضايا الحريات المدنية والسياسية والعدالة الاجتماعية بالمعني الواسع من قضايا المرأة والأسرة إلي الوحدة الوطنية إلي التجانس الثقافي.

ختاماً.. هل لاحظتم أن الجميع صاروا اليوم يتحدثون عن غزة والضفة وكأن هذه هي «القضية»، فماذا عن القدس.. وفلسطين؟!

ف ل س ط ي ن.

حروب غزة التي بدأت ::

د. أحمد عبد الله
سكتت المدافع.. وتوقف قصف الطائرات.. وعاد الجنود إلى ثكناتهم.. وانفض المولد.
شكرا.. عودوا إلى بيوتكم.. مأجورين, تحفكم الملائكة.

لا.. أين تذهبون؟.. ليس بعد.. الحرب لم تنته بعد.. بل هذه الجولة لم تنته بعد.
غزة.. ما تزال محتلة.
غزة.. ما تزال محاصرة.
غزه.. ما زالت طائرات العدو تحلق في سمائها.
غزة.. ما زالت سفن العدو تحاصر بحرها.
غزة.. ما زالت دبابات العدو تربض في أطرافها.
غزة.. لم تلملم جراحها بعد.

نعم.. صمد أهل غزة، وصمدت المقاومة الباسلة بشكل أسطوري مذهل.. وسكت هدير المدافع وقصف الطائرات مؤقتا.. ولكن القصف السياسي ما زال على أشده.. والحرب النفسية زادت، والمؤامرات السياسية صارت أكثر عمقا وقسوة!!

مازال العدو وحلفاؤه وأتباعه يحاولون أن يحصلوا بالسياسة على ما لم يستطيعوا أن يحصلوا عليه بالحرب: الأراجيف والأبواق والأفكار المسمومة، والغثاء والتفاهة، والأكاذيب، وحرب التغطية على المذابح لتمر دون عقاب، والدعاية والإعلام والتلاعب بالعقول.. إنها معارك غزة التي لم تتوقف، بل زادت، وانفتحت فيها جبهات جديدة، لمن يرى ويسمع ويعي!!
إنها معارك غزة التي بدأت وستشتعل، ونحن عنها غافلون لأننا لا ندرك طبيعة المعركة، ولا فلسفة وأنواع القوة، ولا تعدد جبهات الصراع، ولا مرحلية التخطيط والكيد الصهيوني، رغم وضوحه !!.. كم نحن طيبون؟؟ أو سذج!!

عندما كانت قناة "الجزيره" تبث صور قصف غزة بالفوسفور الأبيض, خرج ملايين الناس في أنحاء العالم احتجاجا على العدوان وتضامنا مع أهل غزة، وتعددت أشكال الحراك الشعبي لدعم غزة، وللضغط على صناع القرار للتحرك ضد العدوان. وقد فاجأ حجم ذلك الحراك الشعبي أكثر الناس تفاؤلا، وفاجأ حتى بعض صناع القرار وجعلهم -ولو ظاهريا- يتحركون باتجاه بحث عن حل.

ومن جراء هذا الزخم انعقدت قمم وانطرحت مبادرات وصدرت تصريحات ووعود بمساعدات سخية للإعمار، لا نعرف -وربما نعرف- في أية جيوب ستستقر!!.. لكن.. توقف القصف الآن.. وتوقفت "الجزيرة" عن بث الصور. وبدأت الناس تعود إلى بيوتها راضية بما فعلت بعد أن فرغت بعض شحناتها النفسية.

هنا تكمن الخطورة؛ فعندما تخف الضغوط والجهود الشعبية, عندما ترتخي السواعد والجهود المبذولة لمحاصرة الصهاينة وفضحهم والسعي لعقابهم، وإدانتهم ومقاطعتهم من كل الأطراف التي رأت بشاعة ما حصل، فإن هذا يترك المجال للعدو وحلفائه وأتباعه في حرية الحركة وإحكام الطوق والحصار والبيئة الضاغطة على المقاومة لفرض الشروط المذلة عليها وانتزاع المكاسب السياسية التي لم يستطع تحصيلها في الحرب.
ويبدو أن العدو يراهن على ذلك.

وللأسف الشديد, يمكننا أيضا أن نقول أن الحراك الشعبي العربي الذي حدث, كان أضعف مما ينبغي، وأضعف مما هو مفترض أو متوقع، لكن لا بأس من المراجعة والتطوير.

وعند طرح هذه الإشكاليه, يكثر السؤال عن "ماذا نفعل؟", وغالبا ما يأتي هذا السؤال بشكل استنكاري على أساس أن لم يكن بالإمكان أفضل مما كان, وأن الأنظمة الحاكمة معها القرار وأدوات الفعل, وأنه لا طاقة لنا بجالوت وجنوده.

صحيح أن الأنظمة بيدها القرار وتمتلك أدوات, ولكن هذا جزء من الصورة، وهناك جوانب أخرى, نعم.. هناك مسارات للفعل الجاد المؤثر الفعال.. إنها فلسفة ونظرة مختلفة عما تربينا عليه وتعودنا على انتظار حدوثه من أعلى، رغم أنه لا يحصل أبدا!!

تعودنا على شكل معين للقوة وممارستها، وعلى أفعال محدودة ومحددة، وعلى تفكير بدائي فقير، تاركين الإبداع والابتكار والضغوط والتفكير الخلاق للوبي الصهيوني، ونحن لنا الحسرة والكمد!!
وأنا أطرح من سنوات طويلة أفكارا جديدة وطريقة تفكير مختلفة وطرقا للفعل ومسارا تراكميا يقوم من خلاله الأفراد والتجمعات الصغيرة والهيئات والمؤسسات والمنظمات والأحزاب بفعل يطور من الحالة القائمة، يعمل على تغيير موازيين القوى الآن، وغدا، ودائما خطوة خطوة.

في هذا المسار؛ يقوم الناس بمبادرات كثيرة تساهم في فتح الآفاق والأبواب المغلقة، وحشد الطاقات، وممارسة الضغوط بدأب.. المشكل أننا لم نتعلم هذا المسار، ولا نفهمه ولا نمارسه غالبا، رغم حسرتنا المتواصلة من أن اللوبي الصهيوني يضغط ويحاصر ويؤثر في كل بلد ومساحة!!
وهذه الجهود التي تتنوع وتتراكم لتنتج ليست طلسما ولا لغزا، ولا من يمارسونها أشباح أو متخصصون في السحر والتعاويذ، إنما هي فنون ومهارات ومعارف يمكن لأي إنسان إدراكها وتعلمها واستخدامها.

ودورنا كأفراد ومؤسسات شعبية هو القيام بمبادرات نوعية كثيرة في كل الأماكن المتاحه لتساهم في الدعم المادي والمعنوي لأهل غزة لتساهم في الضغط على العدو ومنعه من تحقيق أهدافه.
أدعوكم لعدم إلقاء السلاح، أو بالأحرى خوض معارك غزة في الأدمغة تصحيحا للمفاهيم، وتصديا للشائعات، وفي الإعلام فهما وانتقاءا ورفضا لما هو سلبي أو كاذب، وفي الفن والثقافة، كما في القانون الدولي الإنساني، ومساعدة الجرحى، ومواساة أهل غزة الصامدين، ودعمهم نفسيا.

إنها معارك الوعي والفعل والذاكرة، معارك الحوار مع أهلنا ذوي الوعي الزائف، والإيمان المخدر في النفوس، والدروشة.. قاتلها الله !!
إنها معارك المقاطعة لإسرائيل وأعوانها اقتصاديا وأكاديميا، ومعارك مواجهة البهتان الصهيوني واللوبي الصهيوني السافر في الخارج، والمستتر في الداخل!!
إنها معارك تدور في صدري وصدرك حين يكون التحدي المتجدد: أيةُ نعيش؟؟
وأية قضايا تشغلنا في أيامنا وليالينا!!
ما أفكارنا؟؟ همومنا؟؟ ترفيهنا؟؟ الكلمات التي نقولها لأولادنا والحكايات التي تحكيها الأمهات، إن كانت الأمهات ما زلن يحكين حكايات للأطفال أصلا!!
إنها أسئلة: ماذا نلبس؟؟ ماذا نأكل؟؟ ماذا نركب؟؟ هل نتعلم ونذاكر؟؟ كيف نستهلك؟؟ من نوالي ومن نعادي؟؟ من وما نحب، وماذا ومن نكره؟؟
معركة التواصل مع أنصار الحرية والإنسان في كل مكان على أرض الله، ونحن عن كتل بشرية وثقافية وحضارية ومتعاطفة معنا جد غافلين!!
(
أتذكرون شافيز؟؟ كم منا يعلم أين تقع فنزويلا؟؟ فضلا عن بوليفيا؟؟)
هذه هي معارك غزة يا سادة، معارك بحجم الحياة وكل مساحاتها، لمن أراد النصرة، أو شاء الخذلان!!

يكفي هذا اليوم، وأرجو لمن شاء المزيد من الفهم لطبيعة المرحلة الآن أن يتابع مدونة بأحاول أفهم، وقد أنهيت للتو قراءة مقال د.عزمي بشارة منه والمعنون: بيان وقف إطلاق النار .

يا الله.. كم نحتاج من الصبر والسلوان والعزم لنواصل الشعور والإحساس وبقية معالم وأعراض وملامح كوننا بشر!!
هل سننسى؟؟

أصل المشكلة: صفقة


الكاتب الكبير محمود عوض يكتب: أصل المشكلة: صفقة

لو كان المجتمع الدولى قد عاقب إسرائيل لارتكابها مذبحة قانا فى سنة 1996 لما جرأت على ارتكاب مذبحة جنين فى أبريل 2002، ولو كان قد عاقبها على مذبحة جنين لما جرأت على القيام بمجزرة رفح فى مايو 2004، ولو كان عاقبها على مجزرة رفح لما جرأت على مجزرة جباليا فى أكتوبر 2004، ولو كانت إسرائيل قد عوقبت بعد جباليا لما جرأت فى سياق حربها الأخيرة فى غزة على قصف مدرسة فى غزة ترفع علم الأمم المتحدة. ولو كانت قد عوقبت على قصف المدرسة لما جرأت بعدها بأيام على قصف المقر الرئيسى لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين التابعة للأمم المتحدة.. وبالضبط فى نفس اليوم الذى كان يقوم فيه السكرتير العام للأمم المتحدة بزيارة إسرائيل للتباحث مع قادتها مناشدا لهم قبول وقف إطلاق النار الصادر به قرار من مجلس الأمن، هذا بحد ذاته دفع رجب طيب أردوغان، رئيس وزراء تركيا، إلى التحدث بغضب قائلا:إن هذا القصف الإسرائيلى لمقر وكالة غوث وتشغيل اللاجئين هو تحد من إسرائيل للعالم، لايجب السكوت عنه. والحالات المحدودة التى اخترتها سابقا لمذابح ارتكبتها إسرائيل اخترتها لأنها جميعا موثقة بالصوت والصورة، ولأن العالم كله تابع ضحاياها من الأطفال والنساء والشيوخ. واخترتها أيضا لأن ما يجمع بينها كذلك هو احتشاد أمريكا فى كل مرة، داخل مجلس الأمن الدولى وخارجه، لمنع أى توجه لإدانة إسرائيل.

إسرائيل بحد ذاتها لاتنطلق فى العربدة والبلطجة والاستئساد لأنها شمشون الجبار، مع أن أمريكا تكفل لها بعض ذلك بكل السبل. هى تقوم بدور البلطجى فى المنطقة لأن أمريكا هى التى تصرح لها بذلك، بل وتشجعها على ذلك، وحينما ذهب وزراء خارجية سبع دول عربية إلى نيويورك فى الخامس من يناير 2008 لاستصدار قرار من مجلس الأمن الدولى بوقف حرب إسرائيل الجديدة ضد كل أهالى قطاع غزة وليس مجرد منظمة حماس، فإن كوندوليزا رايس وزيرة خارجية أمريكا استمرت تناورهم وترفض مشروعهم، بما فى ذلك النص على أن قطاع غزة جزء لا يتجزأ من الدولة الفلسطينية، بعدها تولى وزير خارجية فرنسا مناورة الوزراء العرب بالأصالة عن فرنسا وبالوكالة عن أمريكا، بعدها تطوع وزير خارجية بريطانيا، العضو الآخر فى الثلاثى، بتقديم مشروع متواضع من صياغته، وعند هذا الحد قالت الوزيرة الأمريكية للوزراء العرب إنهم لو قبلوا بالمشروع الذى صاغته بريطانيا فإنها تتعهد لهم بأن تصوت أمريكا لصالحه، فيصدر عن المجلس بالإجماع. وهكذا كان.. إلا مفاجأة صغيرة، فعند التصويت اختارت الوزيرة الأمريكية أن تسجل امتناع بلدها عن التصويت، بينما صوّت لصالح القرار باقى أعضاء المجلس الأربعة عشر، لم يكن العرب هم وحدهم الذين فوجئوا ولكن كل أعضاء مجلس الأمن، حيث هم أيضا قيل لهم إن أمريكا ستصوت لصالح القرار.

كان هذا سلوكا شاذا وغير مألوف بالمرة فى سياق الدبلوماسية الدولية بمجلس الأمن والأمم المتحدة، ولم نعرف السر إلا بعدها بأيام قليلة حينما نقلت صحيفة «ديلى ميل» البريطانية عن إيهود أولمرت رئيس وزراء إسرائيل تصريحات كان قد أدلى بها فى خطاب له قبلها بليلة، وقال فيها: «إنه أنب وزيرة الخارجية الأمريكية كوندوليزا رايس بشدة لأنها كانت ترغب فى التصويت لصالح قرار وقف إطلاق النار الذى صدر عن مجلس الأمن، وأرغمها على التراجع والامتناع عن التصويت»، ونقلت الصحيفة عن أولمرت إن «رايس رغبت فى التصويت مع القرار لأسباب لا نعرفها».. مضيفا القول إنه علم بالأمر قبل عشر دقائق فقط من التصويت على القرار.. فأسرع إلى الاتصال بالرئيس جورج بوش الذى يعتبره أولمرت «صديقاً لإسرائيل لا مثيل له»، وحينما قيل لأولمرت إن الرئيس بوش موجود فى فيلادلفيا لإلقاء خطاب مقرر له هناك قال أولمرت للمسئولين فى البيت الأبيض الذين تحدثوا معه «لا يهمنى ذلك، أريد أن أتحدث معه الآن»، وأضاف أولمرت فى روايته: «لقد أنزلوا بوش من منصة الخطابة وأدخلوه إلى غرفة جانبية وتحدثت إليه وقلت له: لا يمكنك التصويت لمصلحة هذا القرار» فرد عليه بوش «اسمعنى، أنا لا أدرى أى شىء عن هذا الموضوع، لم أر هذا القرار، ولست مطلعا على صيغته».. فرد أولمرت: «أنا مطلع عليه، لا يمكنك التصويت لصالح القرار».

ومضى رئيس وزراء إسرائيل فى روايته قائلا إن جورج بوش: «أمر وزيرة الخارجية فلم تصوّت لمصلحة القرار، الذى طبخته وصاغته ورتبته وناورت من أجله»، وأضاف: «هكذا انتهت رايس مهانة، وامتنعت عن التصويت على القرار الذى أعدته». بعد نشر تلك الرواية فى الصحيفة البريطانية، ونقلتها عنها صحف ووكالات أخرى، لم نسمع عن رد فعل من أمريكا إلا بصوتين، فوكالة رويترز نقلت فى 13/1/2009 عن الناطق باسم البيت الأبيض جوردون جوندرو قوله: «رأيت هذه التقارير الصحفية وهى غير دقيقة»، فلنتأمل الصياغة هنا: «غير دقيقة»، أما الناطق باسم وزارة الخارجية شون ماكروماك، فقد بدا محرجا أمام محاصرة الصحفيين له بأسئلتهم عن رواية رئيس وزراء إسرائيل فقال لهم بحدة: «أقواله تلك مائة بالمائة، تماما، وعلى الإطلاق.. غير صحيحة».

لم يكن رئيس حكومة إسرائيل، وشريان حياتها تستمده من أمريكا، ليجرؤ على اختراع تلك القصة بالكامل عن الرئيس الأمريكى ووزيرة خارجيته، بالطبع هو يوظفها سياسيا لمصلحته داخلياً، لكنه بالتأكيد لم يخترعها، ومن ناحية أخرى فإن تلك القصة لا تعنى بالمرة أن إسرائيل هى التى تحدد لأمريكا خياراتها السياسية فى المنطقة لأن هذا يجعلنا أمام مهزلة، وليس أمام علاقة بين قوة عظمى وطرف إقليمى توظفه هى لحسابها.

وإذا أردت هنا أن أجتهد فسأقول إن جرأة رئيس وزراء إسرائيل قد ترجع إلى أن حرب إسرائيل فى غزة، بقدر ما هى تخطيط إسرائيلى، هى بالأساس مهمة أمريكية، فتحويل قضية فلسطين من قضية أرض محتلة واستقلال وطنى إلى قضية لها طابع دينى، وبالذات إسلامى، هو بالتأكيد تطور يخدم مصلحة أمريكا وإسرائيل معا بعد أن روجت إدارة جورج بوش طوال سبع سنوات لفكرة «صدام الحضارات»، وبعد أن اختفى أيمن الظواهرى وأسامه بن لادن طويلا عادت تسجيلاتهما الصوتية تذاع فجأة من قناة الجزيرة للإيحاء ضمنيا بأن منظمة حماس فى فلسطين هى امتداد لتنظيم «القاعدة» فى أفغانستان، ولا ننسى هنا أن الانتخابات التى جرت فى الأراضى الفلسطينية المحتلة، وضمنها قطاع غزة، فى 2006 كانت أساسا بإلحاح أمريكى تحت غطاء نشر الديمقراطية فى المنطقة، وفى حينها كانت كل الأطراف المعنية تعرف أن منظمة حماس ستفوز تأكيدا فى أى انتخابات.. ليس إيمانا بها بالضرورة، بقدر ماهو كفر بمنظمة فتح وفسادها الذى جعل السلطة الفلسطينية تصبح عمليا مافيا من المنتفعين والمرتزقة، وكل ذلك كان بتشجيع من إسرائيل وغطاء من اتفاق أوسلو.

أصل اتفاق أوسلو هذا فى سبتمبر 1993 كان صفقة سرية فاجأ بها ياسر عرفات وجماعته العالم كله، بما فيه مصر وكل الدول العربية، فى حينها كانت هناك مفاوضات معلنة منذ مؤتمر مدريد فى 1991 بين وفد إسرائيلى وآخر فلسطينى برئاسة حيدر عبد الشافى، وعضوية حنان عشراوى وفيصل الحسينى وآخرين، وكلهم اختارهم عرفات نفسه باعتبارهم من الأراضى المحتلة، وبتلك الصفة كانت لهم جذورهم الشعبية فى الضفة الغربية وقطاع غزة، كما أنهم خبروا أكثر من غيرهم أساليب إسرائيل وحيلها. تلك المفاوضات كانت تجرى جولة بعد جولة، بإصرار من ذلك الوفد الفلسطينى على عدم التنازل قيد أنملة عن الحد الأدنى المتفق عليه من الحقوق الفلسطينية.

فجأة عرف ذلك الوفد الفلسطينى، ومعه العالم كله، أن عرفات كان له وفد آخر يتفاوض سراً مع وفد إسرائيلى غير معلن، والمفاوضات كانت تجرى فى أوسلو عاصمة النرويج وبرعاية من حكومتها وإصرار من الطرفين إسرائيل وعرفات، على التكتم والسرية إلى أن يتم التوصل إلى اتفاق، وجاء الإعلان المفاجئ عن ذلك الاتفاق قنبلة مدوية، أما الصفقة التى جسدها الاتفاق فكانت مائة قنبلة مدوية لأنها أنذرت بدخول قضية فلسطين فى نفق من التنازلات الجوهرية غير القابلة للارتداد، وقبل أن يفيق العالم، وبالذات العالم العربى، لهول الصدمة فى قضية تحمّل جيلان على الأقل من مواطنيه عبأها وتضحياتها.. أعلن الرئيس الأمريكى بيل كلينتون عن احتفال ضخم فى البيت الأبيض يوقع فيه الاتفاق كل من إسحاق رابين رئيس وزراء إسرائيل وشيمون بيريز الوزير بحكومته.. وعن منظمة التحرير الفلسطينية ياسر عرفات ومحمود عباس، لقد احتشدت الآلة الأمريكية للترويج للاتفاق حول العالم باعتباره بشيرا بتسوية صراع ممتد لعقود بعد عقود.

فى الأيام الفاصلة بين الإعلان المفاجئ عن صفقة عرفات وعباس مع إسرائيل وبين يوم الاحتفال بالتوقيع عليها فى البيت الأبيض، جاء إلى القاهرة روبرت بيللترو، وكيل وزارة الخارجية الأمريكية لشئون الشرق الأوسط، فى مهمة استطلاعية بالمنطقة تبدأ بمصر وجوهرها قياس ردود الأفعال بالنسبة لصفقة أوسلو تلك. ووجدت نفسى مدعوا إلى الغداء مع بيللترو برفقة أربعة زملاء آخرين من الكتاب والمحللين. الغداء أساسه أن هذا المبعوث الأمريكى يرجو الاستماع إلى تقييم المدعوين نحن الخمسة فى جلسة لغير النشر.

يومها لم أجد مانعا من تلبية الدعوة لأن روبرت بيللترو كان قبلها سفيرا لبلاده فى مصر، وبتلك الصفة بدا أداؤه رصينا وإحاطته بالقضايا الجارية عميقة من خلال متابعتى لما ينشر عنه، والأهم من هذا كله هو حقيقة انتمائه للعمل الدبلوماسى بالاحتراف، وبالتالى فهو لم يصل إلى ما وصل إليه من مناصب لمجرد تبرعه بالأموال لصالح الحزب الحاكم على ما هى العادة فى أمريكا.

فى الغداء طرح روبرت بيللترو من جديد، وبحياد كامل وموضوعية، بنود اتفاق أوسلو، مقررا أنه اختارنا نحن الخمسة لمعرفته بخبرتنا بالقضية ومتابعتنا لتطوراتها، وهى معرفة استمدها أساسا من متابعاته طوال إقامته السابقة فى القاهرة كسفير لبلاده، وهو يأمل من هذه الجلسة الضيقة أن يكون تبادل الآراء صريحا وموضوعيا، ولغير النشر، كالتزام أدبى حسب العرف المهنى الذى نعرفه.

وكما هو المألوف غالبا فى كل نقاش لموضوع مهم، يتبلور النقاش فى النهاية عن اتجاهين بارزين ومختلفين، مع تأرجح أى أطراف أخرى بين هذا وذاك، وخلال الساعة الثانية وجدت نفسى أمثل أحد الاتجاهين، بينما فى الساعة الأولى أصبح أحد الزملاء وهو كاتب بارز ومهموم هو الآخر بالشأن العام مناصرا على طول الخط لصفقة أوسلو السرية تلك بين ياسر عرفات ومحمود عباس وجماعتهما فى منظمة فتح، وبين إسرائيل.

حرصت على الاستماع بكل تركيز إلى تقييم الزميل الكريم لاتفاق أوسلو وحججه فى تأييده وتوقعه المؤكد لنجاحه فى تسوية الصراع العربى الإسرائيلى نهائياً، ومن البداية يرى الزميل المتحدث أن تبنى أمريكا صفقة أوسلو بتلك السرعة وعلى مستوى البيت الأبيض هو توجه مماثل لتبنيها السريع فى سنة 1977 مبادرة أنور السادات، خصوصا أن مبادرة السادات اعتمدت أيضا على مفاوضات سرية مباشرة بين مندوب عن السادات ومندوب عن حكومة إسرائيل، وهى التى جرت فى المغرب تحت رعاية الملك الحسن ولم يكشف عنها النقاب إلا بعد شهور من إعلان السادات مبادرته.

الزميل الكريم قال أيضا إن عودة القضية الفلسطينية إلى أصحابها يحرر ياسر عرفات من وصاية الدول العربية، ويوفر له حرية الحركة مع إسرائيل برعاية أمريكية، ويساعد الدول العربية الأخرى على الالتفات إلى همومها الداخلية، لكن لكى يتم ذلك يجب على أمريكا أن توفر لاتفاق أوسلو إمكانيات النجاح. فإذا كان تطبيق الاتفاق سيبدأ بقطاع غزة، فعلى أمريكا أن تعلن من البداية أنها تضمن إسرائيل فى أن تجعل قطاع غزة يصبح هو «سنغافورة الشرق الأوسط»، الإشارة هنا إلى سنغافورة باعتبارها صغيرة المساحة (639 كيلومتراً مربعاً) وقليلة السكان (أقل من أربعة ملايين) وعملتها الدولار السنغافورى وحجم اقتصادها تضاعف عدة مرات بعد أن نقلت شركات أمريكية كبرى بعض نشاطاتها الإنتاجية إليها، بما جعل نهضة سنغافورة الاقتصادية تقوم على التصنيع والخدمات. وأضاف الزميل المتحدث أن مهمة أمريكا وإسرائيل فى قطاع غزة ستكون أسهل لأن مساحته لا تتجاوز كثيرا نصف مساحة سنغافورة، وسكانه أقل قليلا من نصف سكان سنغافورة، بذلك تصبح مهمة تحويل قطاع غزة إلى نموذج للطفرة المالية الاقتصادية السريعة ممكنة فى سنوات محدودة، والنجاح فيها سيجعل قطاع غزة نموذجا مغريا ومتجددا أمام باقى الشعب الفلسطينى فى الضفة الغربية المحتلة فيتطلعون لسلوك نفس الطريق تاليا، بل وحتى مغريا بدرجة كافية لدول عربية أخرى للدخول فى علاقات مماثلة مع إسرائيل وأمريكا.

كان المبعوث الأمريكى روبرت بيللترو يتابع الحديث المتدفق من زميلنا الكريم بكل اهتمام، والزملاء الثلاثة الآخرون انتقل إليهم الحماس من تدفق الزميل المتحدث بحججه وتنظيراته المتتابعة، بينما المستشار الإعلامى الأمريكى الذى يجرى الغداء بمنزله يسجل بين وقت وآخر ملاحظات ما فى ورقة صغيرة أمامه. ومن ناحيتى كنت أنا الآخر مستغرقا فى الاستماع بعد أن اختار زملاء ثلاثة التعبير عن رؤيتهم باقتضاب مفسحين المجال للزميل صاحب التنظير المتدفق، وقد بدا كأنه قضى العمر كله فى استذكار اتفاق أوسلو.. حتى من قبل أن يتم الإعلان المفاجئ عن صفقته السرية، وكان يبدو جادا أكثر وأكثر فى قوله الختامى للمبعوث الأمريكى روبرت بيللترو: إن كل ما أدعو إليه هو أن ترفعوا أنتم كأمريكا فكرة تلحون بها إعلاميا، وهى أن هذا الاتفاق سيحول قطاع غزة سريعا إلى أن يصبح نسخة عربية من سنغافورة ماليا واقتصاديا، فتجذب لتقليدها باقى الدول العربية، وقتها ستشهدون إلى أى حد سيحظى الاتفاق بدعم شعبى، ليس فقط فى قطاع غزة وإنما فى العالم العربى كله، الحكاية كلها كذا مائة مليون دولار تكفل لكم أن يخرج الفلسطينيون من حالة الصراع ضد إسرائيل إلى حالة التعاون معها.

حاولت فقط أن أعبر عن اختلافى الكامل والجذرى مع كل الرؤية التى طرحها الزميل الكريم، ولكن باقتضاب متعللا بالوقت. إنما السيد/ بيللترو كان حريصا على رؤية تفصيلية أرى بها آفاق اتفاق أوسلو هذا. حسنا. قلت إن هذا الاتفاق يقلب جذريا كل أسس القضية الفلسطينية. فبدل أن يأخذ بأسس التسوية وجوهرها انسحاب إسرائيل الكامل من الأراضى المحتلة وعودة اللاجئين الفلسطينيين طبقا لقرارات سابقة باسم الشرعية الدولية، يؤجل الاتفاق أى حديث عن التسوية ويستبدله بالانشغال بفتافيت تستهلك الوقت والجهد، وبعد أن يعزل الاتفاق القضية الفلسطينية عن محيطها العربى الذى ساندها وضحى من أجلها، فإنه يعزل قطاع غزة عن الضفة الغربية ليمضى كل من طريق.. علما بأننا نعرف جميعا من البداية أن أطماع إسرائيل هى فى الضفة الغربية أساسا. وهذا الاتفاق يسحب القضية الفلسطينية لتنفصل بعيدا عن الشرعية الدولية وقراراتها السابقة ويستبدلها بمفاوضات مباشرة بين طرفين لا يوجد أى توازن للقوى بينهما.

بعدها يسحب الاتفاق القضية أيضا عن الدعم العربى بحجة أن الفلسطينيين هم أصحاب الشأن فى تقرير مستقبلهم، وواقع الاتفاق ينقل السلطة الفلسطينية البازغة لتصبح تحت وصاية إسرائيل ورقابتها بالكامل وهى التى تمنحها أو تحجب عنها شهادات حسن السير والسلوك فى كل مرة، هذا نذير سيئ يعنى إدخال القضية الفلسطينية فى سجن جديد فوق سجن الاحتلال، فإذا كان يجرى تمرير ذلك الاتفاق تحت عنوان التحرك نحو السلام، فإننى أجزم بأننا بعد هذا الاتفاق /الصفقة سنصبح أبعد عن السلام من أى وقت مضى و.. و.. و..
فى انصراف كل منا إلى سيارته جاءنى الزميل الكريم صاحب رؤية «سنغافورة الشرق الأوسط» وقال لى بعد تردد: تصدق إنك عبرت عن كل ما كنت أحب أن أقوله؟
أخذتنى كلماته بالمفاجأة الكاملة فقلت له مستغربا: يا رجل حرام عليك.. كيف هذا وما قلته أنا عكس رؤيتك على طول الخط..؟
قال لى بشىء من التردد: أصل بينى وبينك.. أنا قلت لنفسى إنه ربما الأفضل أن أقول لهذا المبعوث الأمريكى ما يود هو أن يسمعه، بدل أن أفاجئه بما يغضبه.. لكننى فوجئت به يستمع للحجة وعكسها بروح رياضية!.

هذا إذن هو المغزى من تجربة ذاتية أتذكرها كثيراً، خصوصا أن خسائرنا تضاعفت من كل أولئك الذين يقولون لأمريكا ما تود هى أن تسمعه بدلا عن مصارحتها بالحقيقة المجردة، خصوصا أن قضايانا نحن هى التى توجد على المحك، وحتى لو كانت أمريكا ستغضب.. إذن لتغضب. هذا أفضل من أن نفرط اليوم لكى نعانى من العواقب غدا، لقد تحول اتفاق أوسلو فى أرض الواقع إلى مصائب لا حدود لها، مصائب تجاوزت حتى ما كنت أخشى من حدوثه وعبرت عنه فى مقالاتى المنتظمة بجريدة «الحياة» وفى تعليقات عديدة بإذاعة مونت كارلو وحوارات مع إذاعة «بى. بى. سى».

ومنذ ذلك الاتفاق فى 1993 اصطنعت إسرائيل لافتة مضيئة اسمها السلطة الوطنية الفلسطينية ومن تحتها حولت الواقع الفلسطينى إلى جحيم، والفريق الواحد صاحب القضية تحول إلى قبائل تتصارع فيما بينها على فتافيت، أما إسرائيل التى تحتل الأرض فلم تعد تدهش أحداً بمذابحها المروعة ضد الشعب الفلسطينى تحت الاحتلال، وبعد حماية أمريكا لها ولكل جرائمها لم يلتفت أحد إلى صورة رئيس البرازيل معبراً عن غضبه يوم السبت 17 يناير قائلاً: إن استمرار أمريكا فى احتكار قضية السلام فى الشرق الأوسط أصبح جريمة ضد البشرية.

بداية مقلقة للرئيس اوباما

بداية مقلقة للرئيس اوباما
عبد الباري عطوان
بدأت ملامح السياسة الخارجية لادارة الرئيس الامريكي الجديد تتبلور بشكل تدريجي، فقد اغلق الملفات السوداء للحرب على الارهاب التي اعلنها سلفه جورج دبليو بوش، مثل معتقل غوانتنامو ومراكز التعذيب السرية المنتشرة في بقاع عديدة من العالم، معظمها في دول عربية للأسف، منهيا أسوأ التجاوزات وانتهاك حقوق الانسان في التاريخ الامريكي الحديث، ولكن الجانب المتعلق بمنطقة الشرق الاوسط، والصراع العربي ـ الاسرائيلي جاء ملتبسا وحافلا بالكثير من الثغرات المقلقة.
صحيح ان الرئيس اوباما طالب بفتح المعابر ليتاح ادخال المساعدات الانسانية والمبادلات التجارية لأبناء قطاع غزة، واظهر تعاطفا مع معاناة ابناء القطاع، ولكنه لم يتطرق مطلقا الى المجازر الاسرائيلية وقتل الاطفال واستخدام القنابل الفسفورية المحرمة دوليا، وتدمير اكثر من ستة آلاف منزل وتشريد اربعة آلاف شخص.
توقعنا من الرئيس الامريكي الجديد موقفا قويا ضد هذا الاجرام الاسرائيلي، خاصة بعد تسلمه مهام منصبه، وهو القادم من رحم المعاناة والفقر والحرمان والتمييز العنصري، حيث كان ممنوعا على والده ان يرتاد معظم المطاعم والنوادي بحكم لونه واصله الافريقي قبل خمسين عاما. توقعنا منه ان يدين هذه الوحشية الاسرائيلية بكلمات واضحة لا لبس فيها او غموض، تؤشر الى بدء مرحلة التغيير الذي وعدنا به، وتترجم اقواله حول التعامل مع المسلمين وفق اسس الاحترام والمصالح المشتركة.
يبدو ان الرئيس اوباما نسي ان الفلسطينيين الذين تطحن عظامهم الدبابات وتحرق اجساد اطفالهم الطرية القنابل الفسفورية هم مسلمون بل وبشر ايضا. فقد ساوى في كلمته التي القاها اثناء تعيينه مبعوثيه الى المنطقة بين الضحايا الاسرائيليين والفلسطينيين عندما قال 'قلقت للغاية للخسائر في ارواح الفلسطينيين والاسرائيليين خلال الايام الاخيرة'.

مثل هذه اللغة يمكن ان نفهمها لو ان الرئيس الامريكي الجديد استخدمها اثناء حملته الانتخابية، او حتى قبل تسلمه مهام منصبه في البيت الابيض، ولكن ان يمسك العصا من الوسط الخطأ، وبهذه الطريقة، مساويا بين الجلاد والضحية، فهذا امر غير مقبول ومستنكر ويكشف عن بداية سيئة.
الضحايا الاسرائيليون في هذه الحرب لم يزيدوا عن ثلاثة من المدنيين، وعشرة من العسكريين بينما استشهد اكثر من 1350 فلسطينيا في القصف الاسرائيلي الوحشي للقطاع معظمهم من الاطفال والمدنيين، فكيف يمكن التعامل مع خسائر الطرفين بالقدر نفسه من القلق والألم، ومن قبل رئيس امريكي يعرف جيداً جذور الصراع وأسبابه، مثلما يعرف جميع مستشاريه، ووزيرة خارجيته على وجه الخصوص، حجم التغول الاسرائيلي لسفك الدماء الفلسطينية بطريقة غير مسبوقة في التاريخ الحديث؟
جميل ان ينهي الرئيس الجديد حرب بلاده على الارهاب، واقراره باستحالة الفوز فيها، وحجم الدمار الذي خلفته على صورة بلاده، والنزيف المالي لاقتصادها وأموالها، ولكن الاجمل ان يلتفت الى الارهاب الاسرائيلي ايضاً، وقد شاهد فظاعاته بعينيه عبر شاشات التلفزة، حيث الصور المتفحمة للأطفال، والأب المكلوم الذي فقد زوجته وخمسة من أطفاله، او الأسر التي ابيدت بكاملها. والصورة لا تكذب مثلما يقول اول درس في الصحافة وعلوم الحروب.
فإذا كان ايهود اولمرت رئيس الوزراء الاسرائيلي اعترف بأنه اجهش بالبكاء لدى مشاهدته استغاثة طبيب فلسطيني خسر اطفاله الثلاثة عبر شاشات التلفزة، فإنه من المتوقع من رئيس امريكي ان يكون أكثر تأثراً بهذه المجازر، وأكثر تعاطفاً مع ضحاياها، مع تسليمنا بكذب اولمرت وكل المسؤولين الاسرائيليين الآخرين من امثاله، الذين يستمتعون بالولوغ في الدم الفلسطيني حتى الارتواء.

لا نريد التعجل في استصدار الاحكام المسبقة على ادارة ما زالت في الايام الاولى لتوليها السلطة، ولكن المقدمات السيئة لا يمكن ان تؤدي الا الى نتائج اكثر سوءاً، ولهذا نجد لزاماً علينا ان نرفع صوتنا محذرين ومنبهين، قبل ان تقع الكارثة ويصعب التراجع عن الأخطاء.
مطالبة حركة 'حماس' بالاعتراف باسرائيل في أول خطاب للرئيس الامريكي لشرح سياسته الخارجية هي احد ابرز الأمثلة على هذه المقدمات الخاطئة،خاصة ان هذه المطالبة تزامنت مع الالتزام الكامل بأمن اسرائيل، ودون توجيه اي لوم لها على افشال العملية السلمية والاستمرار في الاستيطان، وخنق الاقتصاد الفلسطيني، وبناء السور العنصري العازل، وقتل الآلاف من الفلسطينيين العزل، واسر اكثر من عشرة آلاف من خيرة ابنائهم.
فلماذا المساواة في التعاطف مع ضحايا الجانبين، وعدم المساواة في اللوم، وتسمية الاشياء بأسمائها دون لف او دوران؟ فالفلسطينيون لا يحتلون ارض اسرائيل، ولا يرسلون طائرات 'اف 16' ومروحيات الاباتشي الامريكية الصنع لقصف الابرياء في حرب من اتجاه واحد.
انهاء الحرب على 'الارهاب' دون انهاء الارهاب الاسرائيلي المستمر منذ ستين عاماً وبحماية امريكية، سيؤدي الى ظهور 'ارهاب' عربي اسلامي جديد اكثر خطورة وشراسة، لأن هؤلاء الاطفال الذين فقدوا اشقاءهم وامهاتهم وآباءهم، وشاهدوا الطائرات الاسرائيلية تطلق حممها فوق رؤوسهم، هؤلاء سيكونون أكثر شراسة في انتقامهم المشروع والمبرر في كل الشرائع الالهية والوضعية، اذا ما استمروا مشردين دون أمل ودون مستقبل.
فمجازر غزة لم تدمر ثقافة السلام والاعتدال فقط، وانما اعادت إحياء ثقافة المقاومة بشكل أكثر قوة على طول العالم الاسلامي وعرضه، وكشفت السقوط الاخلاقي الغربي، والأمريــــكي بشكل عــــام في أبشع صوره وأشكاله، وإذا لم يعِ الرئيس الأمريكي الجديد وطاقمه هذه الحقيقة الناصعة فإن كل نواياه المعلنة حول اصلاح صورة بلاده البشعة جداً في العالم الاسلامي ستذهب سدى.

ما زلنا نملك بصيص أمل في قدرة الرئيس الأمريكي الجديد على إحداث التغيير المطلوب في سياسة بلاده الخارجية، ليس لأن اسم والده 'حسين'، ولا لانه أفريقي الأصل والملامح، وانما لان الاستمرار في سياسات الادارة السابقة في الضغط على الضحية، وابتزازها، لدفعها إلى تقديم التنازلات تلو التنازلات تحت ذريعة دفع عجلة السلام إلى الأمام سينعكس دماراً على الولايات المتحدة ومصالحها، في وقت هي في حاجة ماسة إلى الأمن والاستقرار لانقاذ اقتصادها المنهار، واستعادة قيادتها للعالم بأسره.
الشعب الفلسطيني ليس بحاجة إلى مؤتمر للدول المانحة لتخصيص الأموال لاعادة الاعمار، وتمويل سلطة فاسدة فاشلة لم تعد تمثل أحداً، وانما بحاجة إلى مؤتمر سلام يستند إلى قرارات الشرعية الدولية، ويقول للاسرائيليين انكم اصبحتم عبئاً اخلاقياً وسياسياً وأمنياً على كاهل الغرب وشعوبه جميعاً، وبتّم مصدر تهديد لأمن العالم واستقراره بجرائمكم الارهابية ضد شعب أعزل، وهي الجرائم التي تغذي التطرف والتشدد، وتجعل من تنظيم 'القاعدة' تنظيماً معتدلاً بالمقارنة بما يمكن ان يظهر من تنظيمات جديدة في المستقبل.

خصائص العدوان على غزة.. والجدال - مرة أخرى - حول النصر أو الهزيمة


خصائص العدوان على غزة.. والجدال - مرة أخرى - حول النصر أو الهزيمة

ضيـاء رشـوان

يوضح النظر المدقق للحرب الغاشمة التى شنتها آلة الحرب الإسرائيلية لأكثر من ثلاثة أسابيع على غزة أنها اتسمت بمجموعة من الخصائص التى انفردت بها عن الحروب السابقة التى هاجمت فيها إسرائيل أطرافاً عربية بينما اشتركت معها فى خصائص أخرى.

وأولى الخصائص الرئيسية التى تفردت بها هذه الحرب هى أنها الأولى منذ عام ١٩٤٨ التى يمكن وصفها بأنها حرب إسرائيلية – فلسطينية صافية.

فالحرب دارت على جزء من أراضى فلسطين التاريخية وطرفها المعتدى عليه كان هو الشعب الفلسطينى وحده والقوى التى قاومت العدوان كلها فلسطينية دون أى مشاركة من جندى أو مقاتل واحد عربى أو مسلم، وهو ما لم يكن عليه الحال فى جميع الحروب والاعتداءات السابقة التى شنتها الدولة العبرية وامتدت إلى أراض عربية خارج فلسطين وشملت بالإضافة للفلسطينيين أطرافاً عربية غير فلسطينية.

فقد كان الفلسطينيون فى غزة وفى مقدمتهم قوى المقاومة الباسلة وعلى رأسها حركة حماس هم وحدهم الذين يواجهون العدوان كما كانوا وحدهم قبل أكثر من ستين عاماً عندما اجتاحت بلدهم العصابات اليهودية – الصهيونية لتقتلهم فيها وتطردهم منها وتقيم عليها دولتها المغتصبة، قبل أن تدخل الجيوش العربية الحرب ضدها بعد إعلانها فى ١٥ مايو ١٩٤٨ وتحيق الهزيمة بها جميعاً.

وكان الانفراد الثانى لهذه الحرب على الساحة الفلسطينية، حيث عرفت للمرة الأولى منذ قيام الدولة العبرية وانطلاق المقاومة المسلحة بجميع فصائلها انقساماً حاداً بينها فى لحظة عدوان عسكرى إسرائيلى هو الأوسع من نوعه على الشعب الفلسطينى منذ ١٩٦٧، ظهر فيه تحالف يضم بعض هذه الفصائل أو أجنحة منها يقوده رئيس السلطة الفلسطينية المنتهية ولايته محمود عباس مسانداً بأحد أجنحة حركة فتح، وكأنه يدعم «العدو» فى مهمته الساعية إلى تصفية وتدمير صفوف وقواعد المقاومة فى غزة التى تمثلها حركة حماس والجهاد الفلسطينى والجبهة الشعبية وغيرها من الفصائل المتحالفة معاً فى مواجهته.

إلا أن تورط قيادات هذا التحالف الفلسطينى الفصائلى المعادى للمقاومة فى كثير من المواقف السياسية والإعلامية التى بدت مبررة للعدوان الإسرائيلى ومساندة له، قابله على النقيض تماماً موقف عام من أبناء غزة المدنيين ساندوا فيه المقاومة دون أى تخاذل أو شكوى من الثمن الباهظ الذى دفعوه من دماء الأبرياء من الشهداء والجرحى، فلم يجد أى من خصوم المقاومة من الفلسطينيين أو العرب أو أى وسيلة إعلام واحداً من هؤلاء المدنيين الصامدين لكى يكرر حججهم الفارغة حول مسؤولية حماس وفصائل المقاومة عما أحدثه الإسرائيليون بهم أو أن يدين المقاومة على دفاعها المستميت عن شعبها وأرضها.

وهنا تظهر الخاصية الثالثة لهذه الحرب العدوانية على غزة وهى قد ظهرت للمرة الأولى بنفس الطريقة تقريباً فى العدوان الإسرائيلى على لبنان عام ٢٠٠٦، فقد تكرر على المستوى العربى الرسمى وبعض فئات النخب العربية ما ظهر على ساحة الفصائل الفلسطينية من وجود تحالفات ومواقف مساندة للعدوان الإسرائيلى كانت تتمنى فى لبنان أن يسحق مقاومة حزب الله وفى غزة أن ينهى وللأبد مقاومة حماس وشقيقاتها من فصائل المقاومة المسلحة.

نعم تشير بعض الوثائق السرية التى نشرت مؤخراً لمجريات بعض الحروب الإسرائيلية – العربية السابقة إلى أن أنظمة عربية معروفة قد ساندت سراً الدولة العبرية فى عدوانها من أجل التخلص من أنظمة أخرى تعاديها فى الفكر والتوجه، إلا أن ذلك كان يتم سراً ودون مجاهرة به كما حدث للمرة الأولى فى حرب لبنان ٢٠٠٦ وتكرر بفجاجة وفجور فى حرب غزة الأخيرة. وتبدو الخاصية الرابعة متكررة أيضاً وفقط فى الحربين الإسرائيليتين الأخيرتين على لبنان وغزة دون غيرهما من الحروب السابقة،

حيث ظهر فيها دور إقليمى غير عربى مثلته إيران التى بدت من ناحية الداعم العسكرى والسياسى الأكبر لقوى المقاومة سواء فى لبنان أو فلسطين، وبدت من ناحية أخرى وللمفارقة «العدو الأخطر» الذى انصرفت جهود النظم العربية المسماة بالمعتدلة لمواجهته – ومعه المقاومة – فى تحالف معلن أو مستتر مع إسرائيل التى اشتبكت مع بعض بلدان تلك النظم فى حروب عديدة خلال الأعوام الستين الماضية بينما لم تكن إيران طرفاً فى حرب مع بعضها خلال تاريخها كله وخاضت حروباً مع بعضها الآخر يعود أقربها إلى أكثر من ١٤٠٠ عام.

أما الخاصية الخامسة الرئيسية للحرب الإسرائيلية على غزة فهى قد تكررت فى جميع الحروب الإسرائيلية العربية تقريباً ما عدا نكبة ١٩٤٨ وعدوان ١٩٦٧، وهى التنازع ما بين الطرفين العربى والإسرائيلى وبداخل الساحة العربية حول نتيجة الحرب بعد أن تضع أوزارها، وهل كانت نصراً أم هزيمة لأى من الجانبين.

فقد كانت نتيجة حربى ١٩٤٨ و١٩٦٧ واضحة بما لا يدع مجالاً للاختلاف حولها، فقد منى العرب بهزيمة ثقيلة ضاعت فى الأولى منها معظم أجزاء فلسطين التاريخية وفى الثانية ما تبقى منها بالإضافة لأراض مصرية وسورية. أما الحروب الأخرى، بما فيها حرب أكتوبر ١٩٧٣ المجيدة والتى حقق فيها الجيش المصرى نصراً استراتيجياً لاشك فيه فى بدايتها، فقد دب النزاع حول نتائجها النهائية وبخاصة على الجانب العربى وما إذا كانت انتهت بالنصر أو الهزيمة له.

والحقيقة أن أحداً لا يمكنه أن يحسم نهائياً مثل هذه النوعية من الجدال حول نتائج حروب متعددة الأهداف والجوانب مثل تلك التى جرت مؤخراً فى غزة وقبلها فى لبنان، إلا أنه يبقى مع ذلك بعض المعايير التى يمكن الاحتكام إليها للانحياز إلى نتيجة أقرب إلى النصر أو الهزيمة.

وقد نكون هنا بحاجة إلى استعادة بعض ما نشرناه فى هذه المساحة حول نفس الجدال أثناء العدوان الإسرائيلى على لبنان من أجل قراءة أدق لنتيجة ما جرى فى غزة. وأول ذلك هو أن الحرب لم تكن أبداً مجرد استخدام أعمى لوسائل العنف والقوة من أجل التدمير والقتل، بل هى بالأساس تشن هجوماً أو دفاعاً من أجل الوصول لتحقيق أهداف سياسية عبر إخضاع إرادة الخصم أو العدو بحيث يقبل بعد هزيمته فيها ما كان يرفضه قبلها.

هذا التعريف البديهى للحرب الذى استقرت عليه الدراسات السياسية هو الذى يجب أن يكون المدخل الحقيقى للتعرف على ما انتهت إليه الحرب الإسرائيلية الغاشمة على غزة.

كذلك فإنه من البديهى الحديث عن الآثار المدمرة للحرب، أى حرب، على المدنيين والبلد الذى يخوضها وبخاصة إذا ما كان هو الأضعف فى ميزان القوى العسكرية من عدوه، وبخاصة أيضاً إذا كان هذا العدو غير ملتزم بأى قواعد قانونية دولية أو أخلاقية إنسانية فى ممارساته العسكرية.

إذاً فعلى الرغم من الأهمية الفائقة للنتائج المادية الكارثية للحرب سواء على المدنيين أو على البنية التحتية والهياكل الاقتصادية للبلد الذى يخوضها، فهى ليست المعيار الوحيد الذى يقاس به النصر أو الهزيمة فيها.

وبذلك يبدو واضحاً لنا أن عويل كثير من الكتابات والتصريحات وافتعالها الفزع من جراء التدمير الشامل الذى أوقعته آلة الحرب الإسرائيلية الإجرامية بغزة وأهلها من المدنيين الأبرياء لا يمكن أن يؤخذ بجدية فى هذا القياس.

فإسرائيل شنت تلك الحرب من أجل تحقيق أهداف ثلاثة أعلنها قادتها بوضوح: أولها هو تدمير البنية العسكرية والتحتية للمقاومة فى غزة وعلى رأسها حماس، وثانيها هو إنهاء قدرتها على إطلاق الصواريخ على جنوب إسرائيل، وثالثها هو إنهاء السيطرة السياسية لحماس على القطاع وتأليب سكانه عليها باعتبارها سبب ما أصابهم من دمار.

ولعل نتيجة أول الأهداف توضحها المصادر الإسرائيلية أكثر من غيرها والتى تحدثت عن مقتل نحو ٥٠٠ مقاتل من حماس بما يعادل ما بين ٣ و٥% فقط من عدد قواتها وهو نفس التقدير الذى تشير إليه مصادر قيادية بداخل الحركة.

كما بدا واضحاً أن العدوان الإسرائيلى على اتساعه وجنونه لم ينجح فى القضاء على مصادر دخول السلاح للمقاومة مما دفع الحكومة الإسرائيلية إلى توقيع اتفاقها الأمنى مع أمريكا للسعى إلى ذلك وهو ما تحاول الآن إشراك أوروبا الموحدة فيه، مما يدل وبوضوح على الفشل الذريع فى تحقيق الهدف الأول للعدوان.

أما إطلاق الصورايخ، والتى لو كانت غير مؤثرة كما يزعم بعض المتنطعين العرب والمصريين لما وضعت إسرائيل إيقافها فى مقدمة أهداف عدوانها، فقد تواصل حتى لحظة إعلان إيهود أولمرت وقف إطلاق النار الأحادى، وظل لدى المقاومة مخزونها الكبير منه كما تؤكد جميع المصادر الإسرائيلية المطلعة.

أما عن إنهاء السيطرة السياسية لحماس على قطاع غزة فقد كان هو الفشل الأكبر للعدوان الإسرائيلى والتواطؤ الفلسطينى الفصائلى والعربى الرسمى،

فكما أشرنا من قبل بدا جلياً التماسك الداخلى المبهر لجميع طوائف وفئات المجتمع الفلسطينى فى غزة حول حماس والمقاومة مما مكنهم من الصمود العسكرى فى مواجهة الآلة العسكرية الأكبر فى المنطقة والتى فشلت فى إخضاع غزة الصغيرة لها بعد أن احتلتها لنحو أربعين عاماً وظلت تراقبها بكل الوسائل الإلكترونية والبشرية بما يمكنها من معرفة كل شبر فيها.

خرجت حماس من العدوان أكثر قوة وسيطرة على غزة ومساندة من أهلها الصامدين، مما دفع إسرائيل وحلفائها إلى تغيير الإستراتيجية لتحقيق هدف إنهاء هذا الوضع عن طريق الحصار السياسى والمعونات الدولية لإعادة إعمارها، وهو ما يتطلب ربما رؤية أخرى لما يمكن أن تسير إليه الأمور خلال الفترة القريبة القادمة.

يتامى في العراء الإعلامي

يتامى في العراء الإعلامي
مالك التريكي
قبل أيام كتب قارئ إلى جريدة 'الاندبندنت' البريطانية يقول: 'إنها لمسألة محيرة حقا. كل المتحدثين الإسرائيليين الذين يظهرون على قنوات التلفزيون الغربية هم من اليهود ذوي الثقافة الراقية واللسان الإنكليزي المُبِين وممن يعبرون برصانة تامة عن وجهة نظر مدروسة بعناية، هذا مع أن الإسرائيليين هم الذين يقترفون جرائم الهدم والتذبيح! أما المتحدثون الفلسطينيون فعلاوة على أن جميعهم تقريبا من أصحاب اللحى الكثة والمظهر المنفر، فإنهم لا يستطيعون التحدث بالإنكليزية ويخفقون إخفاقا ذريعا في مجرد التعبير عن محنة أهل غزة. فأخبروني، هل هذا شيء متعمد ومُبَيَّتٌ بِليْل؟
سؤال قديم جديد لطالما آلمنا وأخجلنا وأنزلنا منزلة اليتامى. نبدو أمام العالم بأسره مرتجفين في العراء الإعلامي كأنه لا يوجد في بني قومنا امرئ واحد ينطق بلسان حالنا بالجدارة الواجبة والبراعة اللازمة. سؤال قديم جديد لطالما نكأ جرحنا وعمّق شعورنا بالهوان. ذلك أنه لا يتعلق بالمقارنة بين أسلوبين في الدعاية السياسية أحدهما أنجح من الآخر (إذ ليت الأمر كذلك) بل إنه يتعلق بالإقرار بمهنية الدعاية الإسرائيلية وانضباطها وثباتها المنهجي على مجهود الدُّربة والمران، كما يتعلق في الوقت ذاته بالحسرة على انعدام المتحدث الفلسطيني القادر على مجرد استخدام اللغة، ناهيك عن مخاطبة القوم بما يفقهون! إذ منذ أن اختفت السيدة حنان عشراوي من شاشات التلفزيون الغربية (فهي لا تظهر الآن إلا لماما)، لم نعد نرى متحدثا فلسطينيا، سواء من فصائل منظمة التحرير أم من 'السلطة' أم حماس، يستطيع مخاطبة الإعلام الأمريكي والبريطاني بما ينبغي من وضوح البيان وقوة الحجة.
هذا الضعف الفادح الفاضح في الأداء الإعلامي مشكلة عربية شاملة، وحقيقة بديهية 'لا يتناطح فيها عنزان' حتى أن النظام الرسمي العربي نفسه، الذي لا يشق له غبار في مضمار إنكار الحقائق، قد اعترف بهذه الحقيقة وبدا كأنه يقدّر مدى كارثيتها عندما دارت مناقشات في أروقة الجامعة العربية قبل عامين أو ثلاثة حول وجوب وضع استراتيجية في مجال التعامل المهني العصري مع الإعلام الغربي، وشاعت آنذاك أنباء عن احتمال تكليف السيدة عشراوي بهذه المهمة....
لم نعد نرى منذ سنوات، سواء من منظمة التحرير أم من الفريقين المتنازعين على وهم الحكم، متحدثا فلسطينيا بالإنكليزية يجدر أن ينطبق عليه هذا الوصف. الاستثناء الوحيد الذي نحمد الله عليه هو الدكتور مصطفى البرغوثي العضو المستقل في المجلس التشريعي. إذ ان أداءه يتميز دوما، في جميع إطلالاته في الإعلام البريطاني، بمتانة الموقف وسلاسة التعبير وسهولة الإتيان بالدليل. بل إن حنكته أصبحت تسمح له بتفكيك الكليشيهات السياسية وبوضع مواقف الإعلام الغربي المسبقة موضع السؤال وبأخذ زمام المبادرة السجالية بدل الاكتفاء بموقف الدفاع السلبي.
ومن أسف أن السيدة ليلى شهيد مندوبة فلسطين لدى الاتحاد الأوروبي والسيد إلياس صنبر مراقب فلسطين لدى اليونسكو، وهما مثقفان لامعان، لا يظهران بشكل لافت إلا في الإعلام الفرنسي. كما أن السيد عفيف صافية الذي يتقن اللسانين الإنكليزي والفرنسي، والذي يتميز بالمهارة في الاستدلال وبسعة الثقافة التي تتيح له الاستشهاد بما يسمح به المقام من اقتباسات أدبية أو شواهد تاريخية، قد قل ظهوره في الإعلام الغربي منذ أن غادر لندن، ثم واشنطن، ليصبح ممثلا لفلسطين في موسكو. كما أننا لم نعد نرى أو نسمع السيد مايكل طرزي خريج جامعة هارفارد الذي كان مستشارا قانونيا للسلطة الفلسطينية، والذي مثل الموقف الفلسطيني تمثيلا جيدا لمدة عامين أو ثلاثة على قنوات التلفزيون العالمية مثل 'بي بي سي'، و'سي ان ان' و'سكاي'.
أما من نسمعهم ونراهم الآن من المتحدثين الفلسطينيين فإنهم جميعا، إلا استثناء أو اثنين، لا يسجلون أهدافا إعلامية إلا ضد مرماهم. يسيئون إلى القضية وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا لاعتقادهم، على ما يبدو، بأن الأداء الإعلامي ما هو إلا مسألة 'صدق في القول'! (ويا ليت ذلك كان صحيحا، إذن لأصبح الأداء السياسي مجرد مسألة 'إخلاص في العمل'!) يسيئون إلى القضية ويرسخون لدى العالم صورة العربي الذي لا يحسن الخطاب لأنه لا يحسن التفكير. هذا بينما ينصّب الشعب الأمريكي رئيسا مثقفا متميزا بحُسن البيان، وبينما يستعد شعب إسرائيل لاحتمال اختيار رئيس وزراء أمريكي اللكنة معروف بحضور البديهة وذرابة اللسان.

شهيدات غزة الأحياء


الكاتبة الكبيرة عايدة العزب موسي تكتب: شهيدات غزة الأحياء
بلغ عدد شهيدات القصف الإسرائيلي علي غزة 104 مناضلات، وكل نساء غزة شهيدات مناضلات، المرأة التي فقدت الابن أو الزوج أو الأب أو الأخ مناضلة شهيدة، فمع قسوة ومرارة الموت والفراق أصبح يقع عليها عبء مسئولية مواصلة الرسالة وبقاء الأسرة بعد فقد العائل.

إن المرأة التي كرَّست حياتها لتلد وتربي وتعلم وهي تدرك تماماً أن وليدها أغلي شيء لديها ستقدمه يوماً قرباناً لبلدها ووقوداً لثورة تحرر وطنها هي مناضلة شهيدة، تقدم ضناها للاستشهاد دون انحياز لفصيل أو لسلطة، فبوصلتها هي فلسطين الوطن،
ولولا المرأة الفلسطينية لما استمرت قضية فلسطين حية، فالفلسطينية الولود هي امرأة مناضلة نذرت نفسها مع كل الظروف القاسية التي تعيشها سواء أكانت في المخيَّمات أو في الشتات، أو داخل الأرض المحتلة كلهن يجمعن علي أمر واحد وهو ضرورة إنجاب العدد الأكبر من الأبناء ليواصلوا مسيرة النضال من أجل الأرض المغتصبة.

كان قدر الحزن والمأساة علي وجه الأم الغزاوية علي شاشات الفضائيات تدمع العيون وتفطر القلوب، ولكنها لم تكن تبكي ولا تولول، كان صوتها المبحوح بالألم يقول فقط: لقد ضاع كل شيء الأهل والبيت، في حين ظهر الرجال يبكون وينتحبون لفقدهم الأعزاء، ولم يكن هذا ضعفاً من الرجال ولا تبلداً أو تحجر قلب من النساء وإنما، لأن المرأة الفلسطينية كانت معدة نفسها لهذا اليوم.

أكثر من ثلاثة أسابيع مدة القصف الصهيوني علي غزة كانت صور الفلسطينيات تملأ الشاشات، ووصل صوتهن إلي أسماع العالم غرباً وشرقاً شمالاً وجنوباً وتعاطف معهن البشر من كل أنحاء القارات ما عدا القادة والمسئولين الذين صموا الآذان، ذكرتني قوة المرأة الغزاوية بواقعة تاريخية أفريقية كانت بطلتها امرأة أفريقية عندما وجدت العجز والخنوع من زعماء قبائل بلادها حملت السلاح وأعلنت حرباً ضروساً تذكر الآن بفخر في تاريخ غانا الحديث.

الحادث وقع في غانا والبطلة هي «ياه اشنتيوا» إحدي بنات قبيلة الأشانتي التي صارت بطلة بين شعبها، واليوم تتداول سيرتها في شعر البطولة والأغاني وتسمي باسمها المدارس والسيدات الأفريقيات الأمريكيات، وحازت لقب البطلة رقم واحد من النساء في تاريخ أفريقيا في الاستفتاءالذي جري عن أهم الشخصيات التاريخية في القارة الأفريقية في القرن العشرين.

كانت غانا تسمي قبل الاستعمار مملكة الأشانتي، ولعبت هذه المملكة دوراً رائعاًفي حماية منطقتها من الطلائع الأولي للمستعمرين ببطولة شهدت لها كتابات القرب ونسجوا حولها الأساطير والحكايات، ففي خلال القرن 19 ناضلت مملكة الأشانتي بقوة ضدالمستعمرين البريطانيين وسببت لهم متاعب باستمرار مقاومتهم لسنوات طويلة، عندما رفضت الخضوع فخاضت سلسلة من الحروب القاسية اشتملت علي العديد من الانتصارات والانتكاسات امتدت من عام 1833 حتي عام 1900 حتي خضع الأشانتي بسبب تفوق أدوات الحرب البريطانية.

كان من أهم هذه الحروب وأشهرها عام 1844 عندما قطع الأشانتي رأس الحاكم البريطاني سير «شارلز مكارثي» بعد هزيمة قواته، وقال الأشانتي وقتها إن الرجل الأبيض أتي بمدافعه إلي الأدغال فوجد الأدغال أقوي من المدافع، بعدها ظلت بريطانيا تسيم الأشانتي كل صنوف القهر والإذلال حتي عام 1900 حين انفجر القتال من جديد بين الأشانتي والبريطانيين، وكان هذه المرة بقيادة امرأة هي «ياه اشنتيوا» التي قادت جيشاً من الرجال حاربت به المستعمر، وبهزيمتها انهارت مملكة الأشانتي وأصبحت أراضيهم محمية بريطانية حتي اشتعلت في مارس سنة 1957 وتولي رئاستها الزعيم الأفريقي الوطني «كوامي نكروما» الذي صار اسمه رمزاً للفكاك من التبعية والانسحاق اللذين عانت منهما الشعوب الأفريقية لعدة عقود.

كان سبب حرب 1900 اعتقال البريطانيين ملك الأشانتي «بربمه الأول» ونفيه إلي جزيرة سيشل مع ثلاثين من الزعماء البارزين والكبار وبينهم أمه وأبوه وأخوه، وفشلت جهود الأشانتي لإعادة ملكهم والزعماءالآخرين، وبينما كان الأشانتي مجتمعين لتدارس الأمر وهم في أشد حالات السخط والخوف من تحدي البريطانيين الذين كانوا يطلقون الرصاص علي كل من يعارضهم، كانت «ياه أشنتيوا» تجلس بينهم تتلفت يميناً ويساراً إلي زعماء الأشانتي، وغيرهم من الرجال، وعندما لم تجد أحداً يتحرك أو مستعداً للتحرك ضد البريطانيين قامت من كرسيها وقالت مخاطبة لهم: «كيف يمكن لشعب شجاع ومعتز بنفسه مثل الأشانتي أن يجلس هكذا ويتفرج في حين أن الرجل الأبيض قبض علي ملككم وزعمائكم ونفاهم إذا كنتم رؤساء الأشانتي تتصرفون كجبناء ولا تحاربون، فاخلعوا ثياب الأسود التي تلبسونها.. أيها الرجال انهضوا وقاوموا الرجل الأبيض الذي هدفه الوحيد في بلادنا هو أن يسرق وأن يدمر، ومن الخير لنا أن نموت مدافعين عن بلادنا بدلاً من أن نعيش عبيداً، إذا لم تستطيعوا يا رجال الأشانتي أن تتقدموا إلي الأمام فأنا ياه اشنتيوا مستعدة ومؤهلة نفسي لقيادتكم للحرب، وبهذا الخطاب أعلنت المناضلة الأفريقية الحرب وقادت جيش الأشانتي ضد البريطانيين، وكانت هذه الحرب الأخيرة بين الأشانتي البريطانيين بدأت في مارس 1900 وانتهت في مايو 1901، وعرفت فيما بعد باسم حرب «ياه اشنتيوا».

ورغم عدم معرفة المناضلة الأفريقية بالتدريب العسكري فإن جيشها استطاع أن يحقق عدداً من الانتصارات مثل محاصرة القلعة التي كانت القوات البريطانية قد سيطرت عليها مما تسبب في المجاعة والأمراض للإنجليز، وأثبت هذا التكتيك فاعليته بحيث إن البريطانيين تركوا الحامية بعد أن تكبدوا خسائر كبيرة، ولكن بنادق البريطانيين أبادتهم وكعقاب لـ«ياه اشنتيوا» فقد وضعت في سفينة أبحرت بها إلي جزر سيشل مع 15 زعيماً من الأشانتي لتلقي هناك الملك بربمه الأول وسائر رؤساء الأشانتي، وماتت هناك بعد عشرين سنة في عام 1921 لم تكن «ياه اشنتيوا» المرأة الوحيدة في تاريخ غانا أو في تاريخ أفريقيا في القرن التاسع عشر، وعلي عكس تقدير الغرب للشعب الأفريقي فإن المؤرخين البريطانيين يذكرون نساء الأشانتي بكل احترام ويصفونهن بأنهن كن من أحسن الدبلوماسيين والمفاوضين في القرن 19، ولكن «ياه اشنتيوا» وانتفاضتها تبقي أمراً خارقاً للعادة.

في مارس عام 2000 أعيد إحياء ذكري «ياه اشنتيوا» وصدرت عملة غانا الوطنية تحمل صورتها ونقل رفاتها إلي بلدها وشهد دفنها موكب جليل كجزء من احتفالات يوم تحرير غانا الذي يوافق 26 مارس 1957، وهو اليوم الذي تعتبره غانا يوم إلغاء العبودية في المستعمرات البريطانية، وكان يوافق مرور مائة عام علي انتفاضة «ياه اشنتيوا» ضد البريطانيين، وقد استمرت الاحتفالات ستة أشهر ولا يوجد شرف يستحق أن يعطي أكثر من أن يستمر الاحتفال بها طوال هذه المدة.

إن الشعوب الأفريقية تلملم الآن تاريخ نضالهم القديم ويحاولون أن يحيوا ذكري أبطال مقاومتهم الوطنية، ويكشفون خبايا ماضيهم المجهول إعلامياً، والمستعمرون أنفسهم يخلدون أسماء قادتهم الغزاة في كتب تاريخهم وأدبياتهم المنشورة وأسماءهؤلاء مسجلة ومحفورة علي حوائط كنائسهم، أليس من واجبنا نحن أيضاً أن نمجد رموزنا؟! ألا تستحق المرأة الفلسطينية «الجندي المعروف لا المجهول» أن يزين أحد ميادين غزة بنصب يرمز لصمودها ونضالها وتضحياتها.