‏إظهار الرسائل ذات التسميات أوباما. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات أوباما. إظهار كافة الرسائل

في انتظار أوباما

في انتظار أوباما
فهمى هويدى



هذه المبالغة من جانبنا في تعليق الآمال علي قدوم الرئيس الأمريكي الجديد «باراك أوباما» لا تفسير لها سوي أنها تعبير عن اليأس والعجز.. من حق الأمريكيين أن يحتفوا به وأن يروا فيه مُخلِّصا من وطأة السنوات العجاف التي خلَّفها له سلفه، لكنه بالنسبة لنا له فضيلة واحدة حتي الآن، هي أنه ليس جورج بوش. ولعلي أذهب إلي أن أحد أسباب الترحيب بالرئيس الأمريكي الجديد في العالم العربي أن الناس في بلادنا كرهوا السيد بوش إلي حد جعلهم مقتنعين بأن أي شخص آخر يأتي إلي البيت الأبيض سيكون أفضل منه.

صحيح أن الرئيس أوباما بعث إلينا في خطاب تنصيبه رسالة أراحت كثيرين منا، حين تذكر العالم الإسلامي، وقال إنه في تعامله معنا سوف يتبني خطاباً جديداً يرتكز علي المصلحة المشتركة والاحترام المتبادل، وهو كلام طيب لا ريب، لكنه يظل كلاماً يُقدر ولا ينبغي أن نحكم عليه إلا بعد أن يُختبر.

لقد تلقيت أكثر من اتصال هاتفي من بعض الزملاء الصحفيين في أعقاب إذاعة كلمة الرئيس الأمريكي وطلبوا مني تعليقاً حول إشارته الإيجابية إلي العالم الإسلامي. ومن الأسئلة التي سمعتها أدركت أننا فهمنا الرسالة خطأ، وحملّناها بأكثر مما تحتمل. وكان تحليلي أن اليأس والإحباط تمكنا منا، بحيث أصبحنا ننتظر مُخلّصاً من خارج بلادنا، بعدما فقدنا الأمل في أن يأتينا الخلاص علي يد أحد من القائمين علي أمرنا. وإضافة إلي أن أوباما ليس بوش. فإنه حين عبّر عن احترامه لنا، يبدو أنه لمس وتراً حساساً ورفع من سقف توقعاتنا منه لأننا بالخبرة لاحظنا أن كلمة الاحترام لم تكن واردة في قاموس العلاقات العربية الأمريكية.

في كل حوار دار حول الموضوع كنت أركز علي النقاط التالية:

> إن الولايات المتحدة بلد كبير له مؤسساته القوية ومراكز الضغط المتعددة، وهي ليست مما تتغير سياساته بسهولة إذا ما تغير الرئيس.

> إن مشكلات الشرق الأوسط ليست من أولويات الرئيس الجديد، لكنه معني أولاً بالأزمة الاقتصادية في بلاده، وبانسحاب القوات الأمريكية من العراق.

> إن الانحياز إلي إسرائيل هو أحد ثوابت السياسة الأمريكية، في الأجل المنتظر علي الأقل. وهذا ما عبّر عنه صراحة بعض أعضاء فريقه للسياسة الخارجية الذين زاروا المنطقة قبل انتخابه، ومما قالته السيدة مادلين أولبرايت - وزيرة الخارجية الأسبق - التي كانت ضمن الفريق: انتظروا منه أي شيء إلا في الموضوع الإسرائيلي، بالتالي فلا تتوقعوا منه تغييراً في الموقف الأساسي «النوع» ولكنه قد يغير من الأسلوب والدرجة فقط.

> في هذه الحالة فإن أوباما سيقترب من ملف الشرق الأوسط بالقدر الذي تفرضه المصالح الإسرائيلية، الأمر الذي سيدفعه إلي الاهتمام بمعالجة الملف النووي الإيراني، الذي هو مطلب إسرائيلي بالأساس.

> إن أي رئيس أمريكي يظل في ولايته الأولي حريصاً علي كسب تأييد إسرائيل وأنصارها الأقوياء في الولايات المتحدة، لأن عينه ستظل مصوبة نحو أمله في الاستمرار للولاية الثانية.

> إن اختياره لوزير الدفاع السابق جيتس لينضم إلي إدارته وللسيدة هيلاري كلينتون للخارجية يعني أنه سلّم الملفين إلي شخصيتين قويتين لكي يركز اهتمامه علي الشأن الداخلي. وهو ما يعني أنه لن يكون هناك تغيير جوهري في السياسة الدفاعية وأن موقفه بخصوص الشرق الأوسط سيكون امتداداً للسياسة التي اتبعها الرئيس الأسبق كلينتون.

> إن كلامه الإيجابي عن العالم الإسلامي لن يعني سوي أنه قد يغير من الوسائل لكن الأهداف والاستراتيجية ستظل كما هي بغير تغيير.

> إن العالم العربي يمكن أن يشهد وضعاً أفضل في حالة واحدة، هي ما إذا استخدم عناصر قوته في الدفاع عن قضاياه ومصالحه العليا، لكن أغلب نظمه الآن تفضّل التجاوب مع السياسة الأمريكية علي التجاوب مع أشواق شعوبها، ونموذج غزة ماثل تحت أعيننا، فإذا كانت الدول العربية المؤثرة تنفذ بالضبط ما تريده الولايات المتحدة وإسرائيل فكيف يمكن أن نطالب الرئيس الأمريكي الجديد بتغيير سياسة بلده إزاءها؟!

بداية مقلقة للرئيس اوباما

بداية مقلقة للرئيس اوباما
عبد الباري عطوان
بدأت ملامح السياسة الخارجية لادارة الرئيس الامريكي الجديد تتبلور بشكل تدريجي، فقد اغلق الملفات السوداء للحرب على الارهاب التي اعلنها سلفه جورج دبليو بوش، مثل معتقل غوانتنامو ومراكز التعذيب السرية المنتشرة في بقاع عديدة من العالم، معظمها في دول عربية للأسف، منهيا أسوأ التجاوزات وانتهاك حقوق الانسان في التاريخ الامريكي الحديث، ولكن الجانب المتعلق بمنطقة الشرق الاوسط، والصراع العربي ـ الاسرائيلي جاء ملتبسا وحافلا بالكثير من الثغرات المقلقة.
صحيح ان الرئيس اوباما طالب بفتح المعابر ليتاح ادخال المساعدات الانسانية والمبادلات التجارية لأبناء قطاع غزة، واظهر تعاطفا مع معاناة ابناء القطاع، ولكنه لم يتطرق مطلقا الى المجازر الاسرائيلية وقتل الاطفال واستخدام القنابل الفسفورية المحرمة دوليا، وتدمير اكثر من ستة آلاف منزل وتشريد اربعة آلاف شخص.
توقعنا من الرئيس الامريكي الجديد موقفا قويا ضد هذا الاجرام الاسرائيلي، خاصة بعد تسلمه مهام منصبه، وهو القادم من رحم المعاناة والفقر والحرمان والتمييز العنصري، حيث كان ممنوعا على والده ان يرتاد معظم المطاعم والنوادي بحكم لونه واصله الافريقي قبل خمسين عاما. توقعنا منه ان يدين هذه الوحشية الاسرائيلية بكلمات واضحة لا لبس فيها او غموض، تؤشر الى بدء مرحلة التغيير الذي وعدنا به، وتترجم اقواله حول التعامل مع المسلمين وفق اسس الاحترام والمصالح المشتركة.
يبدو ان الرئيس اوباما نسي ان الفلسطينيين الذين تطحن عظامهم الدبابات وتحرق اجساد اطفالهم الطرية القنابل الفسفورية هم مسلمون بل وبشر ايضا. فقد ساوى في كلمته التي القاها اثناء تعيينه مبعوثيه الى المنطقة بين الضحايا الاسرائيليين والفلسطينيين عندما قال 'قلقت للغاية للخسائر في ارواح الفلسطينيين والاسرائيليين خلال الايام الاخيرة'.

مثل هذه اللغة يمكن ان نفهمها لو ان الرئيس الامريكي الجديد استخدمها اثناء حملته الانتخابية، او حتى قبل تسلمه مهام منصبه في البيت الابيض، ولكن ان يمسك العصا من الوسط الخطأ، وبهذه الطريقة، مساويا بين الجلاد والضحية، فهذا امر غير مقبول ومستنكر ويكشف عن بداية سيئة.
الضحايا الاسرائيليون في هذه الحرب لم يزيدوا عن ثلاثة من المدنيين، وعشرة من العسكريين بينما استشهد اكثر من 1350 فلسطينيا في القصف الاسرائيلي الوحشي للقطاع معظمهم من الاطفال والمدنيين، فكيف يمكن التعامل مع خسائر الطرفين بالقدر نفسه من القلق والألم، ومن قبل رئيس امريكي يعرف جيداً جذور الصراع وأسبابه، مثلما يعرف جميع مستشاريه، ووزيرة خارجيته على وجه الخصوص، حجم التغول الاسرائيلي لسفك الدماء الفلسطينية بطريقة غير مسبوقة في التاريخ الحديث؟
جميل ان ينهي الرئيس الجديد حرب بلاده على الارهاب، واقراره باستحالة الفوز فيها، وحجم الدمار الذي خلفته على صورة بلاده، والنزيف المالي لاقتصادها وأموالها، ولكن الاجمل ان يلتفت الى الارهاب الاسرائيلي ايضاً، وقد شاهد فظاعاته بعينيه عبر شاشات التلفزة، حيث الصور المتفحمة للأطفال، والأب المكلوم الذي فقد زوجته وخمسة من أطفاله، او الأسر التي ابيدت بكاملها. والصورة لا تكذب مثلما يقول اول درس في الصحافة وعلوم الحروب.
فإذا كان ايهود اولمرت رئيس الوزراء الاسرائيلي اعترف بأنه اجهش بالبكاء لدى مشاهدته استغاثة طبيب فلسطيني خسر اطفاله الثلاثة عبر شاشات التلفزة، فإنه من المتوقع من رئيس امريكي ان يكون أكثر تأثراً بهذه المجازر، وأكثر تعاطفاً مع ضحاياها، مع تسليمنا بكذب اولمرت وكل المسؤولين الاسرائيليين الآخرين من امثاله، الذين يستمتعون بالولوغ في الدم الفلسطيني حتى الارتواء.

لا نريد التعجل في استصدار الاحكام المسبقة على ادارة ما زالت في الايام الاولى لتوليها السلطة، ولكن المقدمات السيئة لا يمكن ان تؤدي الا الى نتائج اكثر سوءاً، ولهذا نجد لزاماً علينا ان نرفع صوتنا محذرين ومنبهين، قبل ان تقع الكارثة ويصعب التراجع عن الأخطاء.
مطالبة حركة 'حماس' بالاعتراف باسرائيل في أول خطاب للرئيس الامريكي لشرح سياسته الخارجية هي احد ابرز الأمثلة على هذه المقدمات الخاطئة،خاصة ان هذه المطالبة تزامنت مع الالتزام الكامل بأمن اسرائيل، ودون توجيه اي لوم لها على افشال العملية السلمية والاستمرار في الاستيطان، وخنق الاقتصاد الفلسطيني، وبناء السور العنصري العازل، وقتل الآلاف من الفلسطينيين العزل، واسر اكثر من عشرة آلاف من خيرة ابنائهم.
فلماذا المساواة في التعاطف مع ضحايا الجانبين، وعدم المساواة في اللوم، وتسمية الاشياء بأسمائها دون لف او دوران؟ فالفلسطينيون لا يحتلون ارض اسرائيل، ولا يرسلون طائرات 'اف 16' ومروحيات الاباتشي الامريكية الصنع لقصف الابرياء في حرب من اتجاه واحد.
انهاء الحرب على 'الارهاب' دون انهاء الارهاب الاسرائيلي المستمر منذ ستين عاماً وبحماية امريكية، سيؤدي الى ظهور 'ارهاب' عربي اسلامي جديد اكثر خطورة وشراسة، لأن هؤلاء الاطفال الذين فقدوا اشقاءهم وامهاتهم وآباءهم، وشاهدوا الطائرات الاسرائيلية تطلق حممها فوق رؤوسهم، هؤلاء سيكونون أكثر شراسة في انتقامهم المشروع والمبرر في كل الشرائع الالهية والوضعية، اذا ما استمروا مشردين دون أمل ودون مستقبل.
فمجازر غزة لم تدمر ثقافة السلام والاعتدال فقط، وانما اعادت إحياء ثقافة المقاومة بشكل أكثر قوة على طول العالم الاسلامي وعرضه، وكشفت السقوط الاخلاقي الغربي، والأمريــــكي بشكل عــــام في أبشع صوره وأشكاله، وإذا لم يعِ الرئيس الأمريكي الجديد وطاقمه هذه الحقيقة الناصعة فإن كل نواياه المعلنة حول اصلاح صورة بلاده البشعة جداً في العالم الاسلامي ستذهب سدى.

ما زلنا نملك بصيص أمل في قدرة الرئيس الأمريكي الجديد على إحداث التغيير المطلوب في سياسة بلاده الخارجية، ليس لأن اسم والده 'حسين'، ولا لانه أفريقي الأصل والملامح، وانما لان الاستمرار في سياسات الادارة السابقة في الضغط على الضحية، وابتزازها، لدفعها إلى تقديم التنازلات تلو التنازلات تحت ذريعة دفع عجلة السلام إلى الأمام سينعكس دماراً على الولايات المتحدة ومصالحها، في وقت هي في حاجة ماسة إلى الأمن والاستقرار لانقاذ اقتصادها المنهار، واستعادة قيادتها للعالم بأسره.
الشعب الفلسطيني ليس بحاجة إلى مؤتمر للدول المانحة لتخصيص الأموال لاعادة الاعمار، وتمويل سلطة فاسدة فاشلة لم تعد تمثل أحداً، وانما بحاجة إلى مؤتمر سلام يستند إلى قرارات الشرعية الدولية، ويقول للاسرائيليين انكم اصبحتم عبئاً اخلاقياً وسياسياً وأمنياً على كاهل الغرب وشعوبه جميعاً، وبتّم مصدر تهديد لأمن العالم واستقراره بجرائمكم الارهابية ضد شعب أعزل، وهي الجرائم التي تغذي التطرف والتشدد، وتجعل من تنظيم 'القاعدة' تنظيماً معتدلاً بالمقارنة بما يمكن ان يظهر من تنظيمات جديدة في المستقبل.

في الافتتان بالعدو


عزت القمحاوى
اسمحوا لي أن أعلن افتتاني بالخصوم والأعداء، حيث أهداني حفل تنصيب أوباما ما يشبه متعة مشاهدة السينما الحلوة.
ولا تندهشوا من تصنيف أوباما عدواً، فليس هو المقصود، لكن بلاده التي قامت على الاستيطان ونذرت نفسها لخدمة الاستيطان الصهيوني في فلسطين، والحق أن هذه العداوة ليست محسومة بداخلي بشكل قطعي؛ فأعدائي هنا، قزموا بلادنا وأهانوها فأهانها الغرباء البيض الشريرون، ولن يختلف عنهم السمر الطيبون، فلا أحد يتطوع بإنصاف شعوب لم تحاول إنصاف نفسها.
ولا أعرف ما يمكن أن يقدمه أوباما، ولم يساعدني على المعرفة تصريحه الملتبس عن التطلع إلى علاقات جديدة مع قادة الشرق الأوسط تقوم على الاحترام والمصالح المشتركة. لا بد أن أوباما واع بأن مصالح الأوطان تختلف عن مصالح الحكام في هذه البلاد الحزينة، فإن كان ما يعنيه مصالحهم فلا احترام ولا تقدم ولا جديد تحت سقف العلاقات مع أمريكا. وإن كان ما يعنيه هو 'مصالح الشعوب' فأهلاً به.
ولتسعد به أمريكا، وليس نحن، وإن كان الاعتراف بالحق فضيلة، فمن الحق الاعتراف بأن حفل تنصيبه كان مبهجاً كفيلم حلو.
الفرق أن متعة الساعتين في قاعة مظلمة تنتهي دائماً بالتأسي لأن الحياة ليست كالأفلام، ثم نسيان الأسى والتصالح سريعاً مع الحياة، لكن متعة مشاهدة تنصيب أوباما لم تنته بمثل تلك المصالحة، بل بمزيد من الخصام مع الحياة، إن كانت حياة تلك التي نحياها، وبافتتان بالخصوم وبحياتهم، أقاومه واعياً، لكنهم لا يفتأون يجدون أسباباً جديدة للفتنة!

التنصيب هو العلا في كل أمر، حتى في اللغة، النصب تنتصب به الكلمة في الحلق، وهو الوقوف بلغة المشرق، والانتصاب بلغة مغربنا. ولكننا لا نكاد نعرفه خارج اللغة.
لدينا النصب، والغصب والاحتيال، لا التباري الحر الذي ينتهي بحفل تنصيب، يحتفي فيه السابق باللاحق، الذي سيجلس على كرسيه، ويحرمه من الأبهة، وهي أبهة حقيقية وتستحق.
الاحتفال المماثل في عالمنا العربي هو عيد الجلوس، لا الوقوف ولا الانتصاب. الجلوس وهناً، الجلوس شيخوخة، الجلوس جبناً، الجلوس تكبراً، الجلوس فوق رؤوس العباد، لا الانتصاب والوقوف بينهم بشراً بجوار بشر، ثقلهم جميعاً على الأرض.
هذا هو الفرق بيننا وبين أعدائنا وخصومنا. الفرق الذي نعبره عبور الكرام في الصور. مجالس وزرائنا مثل مضافات العزاء وديوانيات ومقاهي الاجترار والثرثرة، هذه هي الصورة التي نراها لوزاراتنا ورئاساتنا، من دون أية مؤامرة خارجية أو سوء قصد من المصورين، بينما لا نرى من مجلس وزراء الكيان الصهيوني إلا الجري في الممرات وهم يتأبطون ملفاتهم، وإن دخلت الكاميرا إلى القاعة، فلكي تشهد على حيوية وخلافات تصل حد العراك، لا التأمين البليد على حكمة القائد.
بالتأكيد مسؤولونا يصلون إلى مقار اجتماعاتهم مشياً أيضاً، لكن لا صور لهم في حالات الوقوف هذه، هل هي مؤامرة من الإعلام أم أن انتصابهم أقل من أن تلاحظه الكاميرا، وجرجرتهم لأقدامهم أبطأ وأوهن مما يتطلبه البث الفضائي؟!
هل هم أنفسهم يخافون وضع الوقوف حتى لا تتهمهم إسرائيل بالاستعداد للحرب؟!
أيدي مسؤولينا فارغة كقلوبهم، لا ملفات لديهم، لأن العلم في الرأس وليس في الكراس، والوقار في القعود والبطء.
وحده الشعر الآن يحاول أن يذكرنا بانتصاب القامة، بينما نحاول أن نذكر أنفسنا: القاعدون لا يمثلوننا، نحن مثل بقية البشر، لا أقل ولا أكثر، ولابد أن نمشي منتصبي القامة، ونقاوم مخاوف القلب وذعر البدن.

تنصيب أوباما فيلم خيالي، مبروك عليهم، أو مبارك.
هناك أسباب للفخر أعلنها الأمريكيون الذين حاورتهم السي إن إن، فخر بشباب رئيسهم، فخر بلونه، فخر برحابة بلادهم وحيويتها.
طابور من الرؤساء السابقين يشهد اللحظة، آخرهم ترك لخلفه في الدرج (الجارور) الأعلى من المكتب ملحوظات بالعالق من الأعمال، بينما تقع في عداد المعجزات عندنا أن يحمل أحدهم صفة رئيس سابق وحي في الوقت ذاته.
لا بعد الرئيس ولا قبله، هو الواحد، إلى أن تتولى السماء أمره. وعندما لا تفعل ذلك في الوقت المناسب لأي سبب كان، يتطلب التغيير جندولاً يسبح في نهر من الدم.
نجوم مجتمع، صبايا وشباب، فرح حقيقي، وضحك من القلب، قسم ديني، وعشرون حفل رقص، فساتين وماكياج، وأجساد حرة لا تتوجس خوفاً من صفعة شرطي أو هبشة متحرش.
نحو ثلاثة ملايين من البشر، لا يجتمعون في مكان واحد على سطح الأرض إلا على جبل عرفات، اجتمعوا للمشاركة في حفل تنصيب أوباما.
حدث تاريخي بالمقاييس العادلة، وليس في أوصاف الصحافة الحكومية ومستشاري السوء، الذين 'يترخنون' الضراط.
واللغة، عنوان أية أمة، ودليل صحتها!
لغة حقيقية، مليئة بالأفعال، وليس مثل لغتنا التي لم يبق لها سوى أفعال الرجاء.
أوباما الشاب المرح الواثق، يخبر بما سيفعل، يأمر ولا (يطالب) أو ينصح أو يأمل؛ فالأمل بين أنامله.
ياله من حفل؛ حفل تنصيب رئيس!

'وحدة الفلسطينيين لأجل تحقيق السلام'



مقال خاص بـ'القدس العربي': 'وحدة الفلسطينيين لأجل تحقيق السلام'
بقلم ديفيد ميليباند
منذ اندلاع القتال في غزة طالبت المملكة المتحدة بوقف إطلاق النار فورا وبذلت أقصى جهودها لتحقيق ذلك. وبالتالي فإننا نشارك العالم بالشعور بالارتياح عندما أوقفت إسرائيل عملياتها العسكرية في غزة يوم السبت، وعندما أوقفت حماس إطلاق صواريخها يوم الأحد. لكن شعورنا هذا بالارتياح يضاهيه شعورنا بالألم الشديد لأن وقف إطلاق النار استغرق وقتا طويلا للتوصل إليه. وقد تسبب هذا التأخير بخسائر إنسانية فادحة للكثيرين.
إن وقف إطلاق النار، كما أوضح قرار مجلس الأمن رقم 1860، كان يعتبر دائما الخطوة الأولى الضرورية. وإننا نناشد إسرائيل إتمام انسحاب قواتها من غزة بأقصى سرعة. كما يتعين على حماس وضع نهاية مؤكدة لإطلاق الصواريخ باتجاه إسرائيل. وقد ذهب رئيس الوزراء إلى شرم الشيخ يوم الأحد للانضمام لقادة آخرين من دول العالم للمطالبة بأن يحترم الطرفان وقف إطلاق النار، ولعرض المساعدة العملية لأجل أن يدوم.
خلال اثنين وعشرين يوما من العمليات العسكرية فقد ما يربو على 1200 فلسطيني حياتهم، بينما بلغ عدد الجرحى أكبر من ذلك بكثير. ومازلنا لم نكتشف بعد الحجم الكامل للدمار، إلا أنه يمكننا مشاهدة ذلك من واقع التقارير والصور الرهيبة التي ملأت نشرات أخبارنا. وإننا على يقين بأن حياة أهالي غزة، وهي كانت حتى الآن حياة كئيبة ومليئة بالمعاناة، قد أصبحت بائسة جدا. وأنظمة تشغيل الطاقة وشبكات الصرف الصحي وأنظمة توزيع الغذاء باتت منقطعة أو أنها مجهدة تماما. وفي تلك الأثناء فإن الصواريخ المنطلقة من غزة وصلت إلى أبعد مدى لها على الإطلاق داخل إسرائيل. وقد تردد صدى تأثير أزمة غزة في أنحاء العالم، حيث جرت مظاهرات كبيرة مؤيدة لأهالي غزة في الشرق الأوسط وكذلك في دول غربية كثيرة.
يواجهنا الآن تحديان فوريان: البدء الفوري بإدخال المساعدات الأساسية إلى غزة ومنع تدفق الأسلحة. والأولوية الملحّة هي تلبية الاحتياجات الإنسانية الماسّة. يجب السماح للإمدادات بدخول غزة: هذا لا يعني بكل بساطة مجرد الغذاء والأدوية، بل كذلك معدات الوقاية الصحية والمواد اللازمة لإعادة إعمار البنية التحتية المدمرة بالكامل في غزة وإعادة تشغيل شبكات الكهرباء والمياه. وقد تعهدت الحكومة بتقديم 20 مليون جنيه إسترليني إضافي إلى جانب 6.8 مليون جنيه إسترليني كانت قد تعهدت بتقديمها في بداية الصراع. بينما استطاعت الجمعيات الخيرية البريطانية جمع ملايين إضافية من خلال التبرعات.
وقد أوضح رئيس الوزراء أثناء زيارته لمصر وإسرائيل بأن إعادة فتح المعابر يعتبر حيويا. وإننا على استعداد لتقديم المساعدة، بما في ذلك من خلال إعادة بعثة الاتحاد الأوروبي للمساعدة على الحدود عند معبر رفح، وتوسيع هذه البعثة إن لزم الأمر.
لكن اللاعبين الأساسيين لأجل ضمان إحراز تقدم، ناهيك عن تحقيق السلام، هم الفلسطينيون أنفسهم. فإعادة الإعمار على الصعيد الإنساني ستكون مستحيلة ما لم يصاحبها إعادة البناء السياسي. والوحدة في السياسة الفلسطينية تعتبر حيوية لتحقيق الكثير من الأمور: إعادة إعمار غزة، وإجراء الانتخابات، وتحقيق السلام.
لقد جادلتُ في عدة مناسبات بأن أزمة غزة كانت من مظاهر الفشل السياسي. ولكي نتجنب تكرارها فإننا بحاجة إلى عملية سياسية: عملية قوية. وقد أوضحت جامعة الدول العربية في رسالتها التي وجهتها في شهر ديسمبر (كانون الأول) للرئيس المنتخب آنذاك أوباما بأنها جادة في عرضها المميز لتحقيق السلام المتمثل بمبادرة السلام العربية: قيام دولة فلسطينية مقابل تطبيع الدول العربية لعلاقاتها مع إسرائيل. وهو حل حقيقي يضم 23 دولة.
لكن كل من لديه شك بأن السلام في الشرق الأوسط يتطلب مشاركة كاملة ومكثفة من المجتمع الدولي ما عليه سوى مشاهدة شوارع غزة اليوم. ولكي تكون المشاركة الدولية كاملة ومكثفة فإنها تتطلب مشاركة فورية من الرئيس الأمريكي الجديد وإدارته. وسيكون لهذا الموضوع الأولوية في محادثاتي المبكرة مع وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون وغيرها في إدارة الرئيس أوباما.
التحدي هو ضمان منع أزمة غزة أن تصبح بمثابة أحد المعالم الكئيبة في صراع لا نهاية له. وبينما نساعد أهالي غزة في لملمة جراحهم وإعادة تأسيس حياتهم، علينا إيجاد السبيل لضمان ألا يتعرض أهالي غزة للمعاناة مرة أخرى. هذا يعني البرهنة على إحراز تقدم جدي تجاه قيام دولة فلسطينية قوية وفاعلة وقادرة على البقاء إلى جانب حدوث تحسن بأمن إسرائيل.
سوف يسأل الفلسطينيون والإسرائيليون أنفسهم اليوم ما إذا كان قدَرُهم هو الصراع المستمر بينهم. والتحدي الذي نواجهه خلال عام 2009 هو كسر هذه الدائرة واتخاذ خطوات شجاعة وعازمة تجاه تحقيق السلام الشامل.

قِصَر نظر" أوباما أمام اختبار غزة


قِصَر نظر" أوباما أمام اختبار غزة
هيثم مناع
في غمرة العدوان الإسرائيلي على غزة، جرى افتتاح سفارة الولايات المتحدة الاميركية في بغداد، كأكبر سفارة اميركية في العالمين العربي والإسلامي. وقد غادر السفير الاميركي أحد قصور صدام حسين الى مقر عمله الجديد الذي يستوعب من الموظفين والخبراء أكثر من كل البعثات الديبلوماسية العربية في بغداد بمرات عدة. وبهذا العمل الرمزي، تُذكرنا الإدارة الاميركية الراحلة أن الاحتلال هو الاحتلال وانتزاع السيادة ليس أغنية أو قصيدة هجاء. فالإدارة الاميركية لم تدفع ما دفعت من أجل عيون العرب والكورد، وإن كان لأوباما أن يوقف بعض النزيف المادي والمعنوي لبلده في وقت يرث فيه أزمة اقتصادية لا سابق لها واحتلالاً في العراق وآخر في أفغانستان وطريقاً مسدوداً في فلسطين، فإن هذا الرئيس الوسيم الذي بهر العالم بكونه أول ملون يعتلي منصب الرئاسة، لن يكون وفق كل المؤشرات، وأولها اختبار العدوان على غزة، التغيير أو الحلم أو الأمل. بل لعله وفق ما نملك من مؤشرات بما في ذلك فريق عمله التقليدي، بكل المعايير، مجرد رئيس إدارة وقف التدهور ووضع الرتوش والترقيعات الضرورية لإعادة زخرفة الحلم الاميركي.
رغم كل الأهمية التي توليها مراكز القرار الاميركي للعراق والدول النفطية الخليجية، فإن الحليف الأول والمقياس الثابت لكل من دخل البيت الأبيض كان توثيق التعاون والدعم لإسرائيل. من هنا في الرد على السؤال ما إذا كان أوباما مشروع تغيير أو مشروع تجميل، أجاب أحد العرب الاميركيين بجملة بسيطة: "التغيير الاميركي النوعي لا يمكن أن يمر فوق البيت الفلسطيني". فالقضية الفلسطينية كالمارد كلما حاولت الدولة العبرية اختصارها في حلمها اللاواعي (الهنود الحمر)، تعود إليها أكثر حضورا وأكثر قوة. وعوض أن تسمع صوت ثمانية ملايين فلسطيني، ها هي اليوم تسمع أصوات أكثر من مليار إنسان يقولون: كلنا فلسطينيون.
حتى اليوم، كانت إسرائيل قوة إقليمية وحيدة في المشروع الاميركي، وقد اعتبرت عند الجمهوريين والديموقراطيين مربط الفرس لسياسة الولايات المتحدة في المنطقة. طبعا، ومنذ اتفاقات "كمب ديفيد"، لم تعد المشكلة، حتى في البروباغندا الإسرائيلية والصهيونية، تكمن في الدفاع عن حق الدولة العبرية في الحياة، وإنما في توسعها الجيو سياسي والاقتصادي ودورها الأمني والعسكري في المنطقة، بعد تفتيت فرص دولة فلسطينية جديرة بتسمية دولة على الأراضي الفلسطينية المحتلة بعد حرب 1967. لكن إسرائيل ومنذ عام 2000 في حالة تقدم عسكري وتراجع سياسي ومجتمعي معمم، وهي لا تحمل أي فكرة حضارية أو ثقافية مقبولة حتى من مكوناتها التي تنحسر أكثر فأكثر في قراءات غيبية للذات والآخر. "جدار الفصل العنصري" الذي تقوم ببنائه هو الرمز لقطيعتها البشرية والثقافية والسياسية مع المحيط لأنها لا تحمل، رغم غرورها الأعمى، أية أوهام عن إمكان تحولها قوة تفاعل حضاري. وهي تخوض في مشاريع استيطان وفق برامج الأطراف الأكثر عنصرية وتطرفا في الكيان الصهيوني، ويقوم جيشها بمحاصرة وتقطيع أوصال كل ما يجعل الفلسطيني قادراً على العيش بشكل طبيعي، وها هي أمام أنظار العالم تحطم كل ما في طريقها وهي تخوض عدوانا بربريا على قطاع غزة. إن ما انحدرت إليه الدولة العبرية في خطابها الإيديولوجي عن الأمن والديموقراطية ومناهضة الإرهاب يتعرى ببشاعة الممارسات الوحشية التي تجعلها لا تثق بأقل من تغييب الآخر كقوة مادية كشرط لبقائها. الآخر كجسر ومصنع ومدرسة ومزرعة وبئر ماء ومجتمع مدني. بهذا المعنى نستجوب الرئيس الاميركي الجديد، وبهذا المعنى أيضا نذكره بأن "الحقد على الاميركي" رغم كل عمليات التطويع والتركيع لسماسرة حكمٍ وقلمٍ هنا وهناك، ما زال أقوى من كل الخطابات العقلانية عن المجتمع الاميركي. ولا شك في أن أي خطاب أمريكي جديد سيصطدم بالضرورة بحقيقة أن العميل الإقليمي الرسمي (الدولة العبرية) قوة بدون أية حكمة سياسية، تتمتع بتضخم سرطاني عسكري ترافقه حالة استعصاء سياسي، وشعور بالتفوق خالٍ من القيم الأخلاقية والحقوقية الأساسية للعصر، بكلمة أخرى، تل أبيب تجسد كل ما اعتبره العالم شؤما في الإدارة الاميركية الراحلة.
إذن، مهما كان حجم التغيير عن سياسة بوش-تشيني، فإن ميزان حرارة السياسة الجديدة مرتبط بشكل عضوي بالقضية الفلسطينية. لكن هذا الميزان لن يكون محصورا في غزة أو رام الله، فبالنسبة للمجتمعات المدنية على الصعيد العالمي، لا يمكن اختزال مصائب المحافظين الجدد بمواقفهم في فلسطين والعدوان على لبنان. وهناك عشرات الأسئلة المهمة التي تجنب الرئيس الاميركي الإجابة عليها في حملته الانتخابية منها للمثل لا للحصر: هل يقبل بملاحقة الاميركيين المتهمين بجرائم حرب في قوات حفظ السلام؟ هل هو على استعداد لإلغاء أكثر من سبعين اتفاقية ثنائية مع دول صدقت على النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية كي لا تحاكم الاميركيين على أراضيها؟ هل سيطالب بمحاسبة قوات الاحتلال في العراق وأفغانستان في جرائم الحرب؟ هل سيقبل بلجنة دولية للإشراف على الأنترنيت بدل هيمنة دولته عليها؟ هل سيوقف إرهاب الحرب على الإرهاب المتجسد بوضع العمليات في 7800 مؤسسة مصرفية تحت الرقابة وتجميد أموال عشرات المؤسسات الخيرية الإسلامية وتقييد الحقوق الدستورية بقرارات "قراقوشية" اتخذها سلفه مثل إلغاء حق الإحضار habeas corpus والاعتقال بالأدلة السرية والسماح بالضغط على المعتقلين لأخذ المعلومات (التعذيب في اللغة الحقوقية)؟ هل سيستمر في فرض تعهدات على أية جمعية غير حكومية تنال مساعدة أمريكية أهلية أو حكومية بعدم التعامل مع أي طرف تتهمه الإدارة الاميركية بالإرهاب؟ وهل ستستمر السجون السرية ويغلق غوانتنامو لذر الرماد في العيون؟
ومن كل هذه الأسئلة، ثمة سؤال مركزي يتعلق بمستقبل الديموقراطية في العالم، هذا السؤال يعود إلى أكبر انتهاك للحقوق والحريات قامت به إدارة بوش، بإعلانها الأمن معيارا لسياستها الداخلية والخارجية على حساب الحرية. وكما يقول الفيلسوف الإيطالي جيورجيو أغامبن في رده على هذا الزلزال السياسي والإيديولوجي: "لقد أصبح الأمن المعيار الوحيد للشرعية السياسية. فكرة الأمن تحمل في طياتها خطرا أساسيا. إن أية دولة تجعل الأمن غاية أساسية ومصدر شرعية هي مجرد جسم هش، جسم يسمح للتعرض المستمر لتحريض الإرهاب ليصبح بدوره إرهابيا".
قصر نظر أوباما لم يسمح له حتى الآن بإبصار تحول الدولة الأمنية الإسرائيلية إلى دولة إرهابية بكل معاني الكلمة، ولن يسمح له بقراءة ما كتب الأديب الياس خوري في معمعان العدوان على غزة: "لم يعد السلام ممكنا، لأن اسرائيل لا تريد سلاما، بل تريد هيمنة مطلقة وترهيبا متواصلا. لذا فان العقلانية الوحيدة في مواجهة النار والوحشية والدمار هي المقاومة".