‏إظهار الرسائل ذات التسميات معبر رفح. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات معبر رفح. إظهار كافة الرسائل

ما بعد غزة

هبة رؤوف عزت
ربّ ضارة نافعة، صحيح أن الضرر كان بالغاً والابتلاء كان شديداً لكن الله له من كل أمر حكمة في ترتيب الكون ونواميس وسنن لا تتخلف، وقد حصدنا في غزة ما زرعناه كأمة من قرون لكن علينا أن نبدأ الغرس ونضع الفسائل في التربة الطاهرة ولا نيأس أبداً حتي لو أراد العدو أن يقنعنا أن لا أمل وأن توازنات القوة تضمن له تمرير جرائمه دون محاسبة أو ردع.

منذ عدة أيام كان لي شرف الجلوس علي منصة مع رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه، فقد عقد اتحاد الأطباء العرب مؤتمرا صحفياً لبعض الأطباء المصريين الذين ذهبوا لغزة أثناء القصف الوحشي،
وقرروا أن يدخلوها من معبر رفح رغم المخاطر والقنابل الفسفورية وألا ينتظروا الهدنة أو وقف إطلاق النار، وطلب مني المنظمون وهم الاتحاد وموقع متحف هولوكوست فلسطين وهو موقع علي الإنترنت لتوثيق الجرائم الإسرائيلية كم فعل اليهود في توثيق الإبادة النازية وابتزوا العالم بأكثر مما يستحقون كضحايا وقتلي لا خلاف علي حقوقهم القانونية والدولية والإنسانية والمعنوية، لكنهم حولوها لتجارة رابحة أو «صناعة الهولوكوست» كما أسماها «نورمان فنكلشتاين» الأستاذ الجامعي اليهودي الأمريكي الذي يعلن بوضوح في كل كتاب وفي كل مناسبة أن الكيان الصهيوني مرفوض وهو الذي فقد أفراد أسرته في الهولوكوست لكن رؤيته لما فعلته وكالة الدفاع عن حقوق ضحايا الهولوكوست وما تفعله إسرائيل بالفلسطينيين جعلته في صف الحق والعدل.

رأست الجلسة والتي بدأت بثلاثة من الأطباء تحدثوا عما شاهدوه وعرضوا صورا لما أسموه مشهد الجرحي الذين جاءوا للمستشفيات، فكان تعليقي أنهم ليسوا جرحي بل أشلاء بشرية حية، فمنهم من أكلت القنابل الفسفورية ساقيه ومنهم من أكلت بطنه وتوالت الصور الواحدة تلو الأخري فشعرت أني سيغُشي عليَّ من الصور فما بال من عاش المذبحة؟ وما بال من عالج وطبب؟! كانت صورة فتاة محترقة وقد فقدت ساقيها وبدت بقايا عظام الفخذ فقط وتخشب جسدها الصغير المتفحم هي القاصمة، لم أستطع الاحتمال فقمت وطلبت من طبيب من المشاركين أن يرأس الجلسة وغادرت، متوجهة لمكتب أمين عام الاتحاد وسألته عن دور الاتحاد في توثيق الجرائم فقال إن دورهم هو إرسال الأطباء وإن التوثيق هي مهمة الصحفيين، لكنني أعلم أن الأطباء دخلوا بعد مفاوضات شاقة بدعم من المخابرات المصرية مع الطرف الإسرائيلي في حين منع العدو دخول الصحفيين! وهو ما يلقي بمهمة صعبة علي الطبيب الذي يدخل في أي منطقة نزاع أن يعالج ويوثق في الوقت نفسه. هذه الصور التي شاهدتها التقطها الأطباء بكاميرات الموبايل وهي باهتة ودرجة نقاوتها لا تسمح للصحفيين بالاستفادة منها كما ينبغي، وقد تمت دعوة كل المراسلين الأجانب في القاهرة فلم يحضر إلا عدد قليل جداً، فهم لا يتحمسون لتغطية مثل هكذا أخبار ولو فعلوا فهم يعلمون سقف النشر في الموضوع، ومن كان ينشر من الجرائد الأجنبية أثناء الحرب لن ينشر بعد توقفها لأسباب معلومة ومفهومة من سيطرة الصهاينة وأعوانهم علي آلة الإعلام الغربية، فإذا كان أصدقاء مبارك من رؤساء الدول والحكومات قد جاءوا لشرم الشيخ ليتحدثوا عن معبر ومنع السلاح عن حماس، ثم ذهبوا لإسرائيل ليدعموا حقها في الأمن، فإن الإعلام الغربي لن يكون أكثر شجاعة.

نحن في حاجة لجمع كل ما تيسر من صور توثق للجرائم، وفي حاجة لتوثيق أسمائهم وهواياتهم وصور رسمية لأوراقهم الشخصية، وفي حاجة لأخذ شهادة من نجا منهم وعمل أفلام تسجيلية تروي ما حدث ونشرها علي نطاق واسع، وفي حاجة للدأب في متابعة قضايا دولية لمحاسبة مجرمي الحرب الصهاينة علي ما فعلوا، ونحن صبرنا قليل ولا نواصل وبعد فترة ننسي.

فليكن شعار كل من يعمل في هذا المجال «لن ننسي ولن نغفر»..فدماء الأطفال الذين أطلق جنود الصهاينة الرصاص عليهم من مسافات قريبة والأم التي احتضنت أبناءها فتفحمت جثثهم وانكمشت حتي صارت في حجم جسد طفل والشيوخ الذين ماتوا وهم ينزفون بعد قصف سيارات الإسعاف، والمرضي المصابون جرحاً فوق جرح لقصف المستشفيات كلهم لهم في أعناقنا حق، ولن ننسي ولن نغفر.

إن رهان إسرائيل هو علي الذاكرة، تضخيم ذاكرتها ومحو ذاكرتنا، رفع صوتها وإسكات أصواتنا، الدفاع عن أسراها وذبح أطفالنا ، وتدمير وتجريف الأرض.

صورة من بين صور عديدة استوقفتني علي الإنترنت: صورة امرأة فلسطينية تحتضن شجرتها وخلفها جرافة إسرائيلية، تلك الجرافة لا تريد فقط إبادة الشعب، بل تغيير معالم الأرض وهو وما رواه محمود درويش حين تحدث عن صدمته الكبري وأزمته الكبري في حياته ملخصاً وجع الفلسطيني حين عاد بعد عام من فرار أسرته من أمام وحشية العصابات الصهيونية ليبحث عن دراه ومدرسته وشجرته فلم يجد شيئاً، وفقد للأبد طفولته وبقي بداخله هذا الطفل السجين في ظلمة الوحشة يبحث عن ذاته..طول عمره.

إحياء الذاكرة وإعطاء صوت للضحايا والمطالبة بحقوق القتلي هو مهمة الجميع، وما بعد غزة يجب أن يستمر.

جهود الشعوب هي الأبقي، فكل الساسة القواد لهم كراسيهم وجبال حلفائهم التي يحسبون أنها ستعصمهم من طوفان الغضب، أما نحن فعلينا مهام..حفظ الأوطان وحفظ الذاكرة ومواصلة زرع الفسائل ومواصلة رفع الصوت.

في المنتدي الاقتصادي الدولي قام أردوغان من جلسة مع بيريز «الذي لا يعرفه شيخ الأزهر وسلَّم عليه بيديه وهو مش واخد باله» وقال إنه لن يعود للمنتدي، لأن مدير الجلسة قاطعه، ونحن نحتفي بالمنتدي بحضور رسمي واسع، لكن منتدياتنا نحن الشعوب تعرف جيداً قضيتنا وتناصرنا، ففي أجندة المنتدي الاجتماعي العالمي الموازي في البرازيل والذي تعقده الحركات الاجتماعية المناهضة للرأسمالية المتوحشة والهيمنة الأمريكية من كل أنحاء العالم كانت غزة علي رأس القضايا ونشطت الحركات تجمع توقيعات مئات الآلاف علي عرائض دولية تطالب بمحاكمة مجرمي الصهاينة وصور ضحايا غزة حاضرة في القلوب..لسنا وحدنا فلدينا حلفاؤنا من الشعوب في كل مكان.

ما بعد غزة..طريق طويل..

طريق الصبر والمصابرة والرباط.

كيف نرسم خرائط المستقبل؟


ستلملم غزة جراحها وتنتظر جولة الإبادة القادمة، والتي سـتأتي - لا ريب - إذا لم يتوحد الصف العربي - «وأقصد الناس وليس الأنظمة» - ليفرض شروطه علي الواقع السياسي لصالح مستقبل مختلف للنظام العربي الذي شاهدناه عبر العقود الماضية ولفظ ألفاظه كنظام، بل صارت عروبته محل نظر بعد مشاركة إيران في قمة قطر «ولو كمراقب»، المستقبل المختلف الذي نحتاج أن نفكر فيه اليوم ليس مستقبلاً لغزة، بل لشعوب المنطقة التي تعاني ما أثمر عجزاً عن الفعل أدي لمشاهدتنا ما تعانيه غزة دون قدرة علي إنقاذها، والفرجة علي مجموع الرؤساء في انقساماتهم و«شبه» مصالحاتهم وهم يأكلون وجباتهم: لحم شعوبهم.


هاتَفَني أخ كريم حثني علي الكتابة في قضايا أساسية هي كما حددها بحماسة وصدق، أولاً: إعادة التأكيد علي ربط الصهيونية بالعنصرية والسير علي المسار القانوني العالمي لإعادة هذه الصلة في الوثائق الدولية بعد أن تم محوها بضغط الولايات المتحدة واللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة وفي أوروبا عبر عمل منظم لعقود. ثانياً: الاستمرار في الجهد الإعلامي والتربوي والسياسي المنظم لفضح الطبيعة العنصرية غير الديمقراطية لقوانين الهجرة في إسرائيل التي تتيح لكل يهودي في العالم أن يستقر بإسرائيل ويستوطنها «مقابل أن يرحل فلسطيني أو يقتل أو تغتصب أرضه»، ولا تتيح حق العودة للفلسطيني في الشتات لوطنه وأرضه، وتعامل الـ20% من عرب 1948 باعتبارهم غرباء مقيمين علي أرضها، يمكن التخلص منهم في أي وقت بأي حيلة مادامت أمريكا قد تعهدت بضمان «يهودية الدولة».. أي صهيونية الكيان الاستيطاني الإمبريالي الذي يمارس نظام فصل عنصري ويمارس جرائم حرب واضحة لا يحاسبه عليها أحد، بل يذهب رؤساء الدول الأوروبية من شرم الشيخ لإسرائيل ليؤكدوا ضمان أمر إسرائيل ولا يتحدثون عن جرائم الإبادة في غزة، وكأن رحلتهم لشرم الشيخ كانت رحلة استجمام، وهي الرحلة التي وصفتها الجرائد المصرية بأنها جاءت نتيجة العلاقات الشخصية الحميمة التي تربط الرئيس حسني مبارك برؤساء الدول الأوروبية!!!

ثالثاً: التفكير في كيفية بناء الدولة الفلسطينية، فالمقاومة لا تعني الانصراف عن التفكير في بناء الدولة، أي ما وراء المقاومة؛ لأن غياب هذا التفكير والاستغراق في لحظة المقاومة حرم الفصائل المقاومة من تقديم تصور واضح لكيفية إدارة تلك الدولة وتحقيق التحالف بين فصائل العمل النضالي حول مشروع لعقد سياسي، وهو ما أودي بالوحدة الفلسطينية للفصائل عندما غيرت الانتخابات الديمقراطية توازنات الحكم والسلطة..ولعل الخبرة الأيرلندية تستحق النظر والدراسة في هذا الصدد، ولعلني أضع علي التوازي مع ذلك دراسة تجارب الخبرات الاستيطانية وكيف انتهت وكيف تحولت النظم وتم إعادة بناء الدولة علي منطق جديد، فبناء الدولة وسقوط الكيان الاستيطاني وجهان لعملة واحدة.

رابعاً: التأكيد علي ملاحقة جرائم الحرب الإسرائيلية، والمبالغ التي وعد بها حكام النفط لإعادة إعمار غزة والتي لا أطمئن لكيفية تحويلها لواقع إذا كان كل الأطراف لا يريدون أن تقع في يد حماس، وهي الفصيل الأقوي في غزة رغم أنوف البعض. أقول لو أن معشار هذه الأموال تم إنفاقه علي ملاحقة مجرمي الحرب الصهاينة لكان خيراً لمستقبل القضية.

خامساً: أهمية استغلال الزخم العاطفي والحركة المدنية التي أبعثت في الواقع العربي كي تستمر تلك الجهود بشكل منظم وندرك أهمية «الجهاد المدني» في دعم الجهاد المشروع ضد قوي الاحتلال.

وقد وعدت هذا الأخ بأن أكتب تلك النقاط وأثير القضايا؛ لأننا بحاجة لرسم خريطة للعمل بدلاً من الدوران في حلقة من ردود الأفعال.

لي ملاحظتان إضافيتان مع اتفاقي مع هذه النقاط تماماً وحركتي بالفعل في تلك الملفات من الناحية الفكرية ومن الناحية المدنية، بل دعماً لتحالف عالمي يتشكل اليوم لملاحقة مجرمي الحرب الصهاينة.

الملاحظة الأولي أنه في خضم هذا الكلام عن المعبر وفتحه وإغلاقه ومصر وحساباتها نسي الغالبية من المحللين المصريين الذين أدمنوا الكلام علي الفضائيات وتدبيج المقالات أن نصيب مصر من حرب إبادة الـ22 يوماً لم يكن شئون وشجون معبر رفح، بل رفح كلها، بل الحدود المصرية التي ضربت، بل سقطت قذائف بالقرب من تجمعات سكنية في رفح المصرية لم تنفجر وتم التعامل معها كما ذكرت «الأهرام». متي نتحدث عن الحدود المصرية وسيناء وما هو مسكوت عنه وما نحن ممنوعون من أن نفتح فمنا بشأنه؟!

الملاحظة الثانية هي أن تلك البيانات والفتاوي التي صدرت عن مئات من العلماء بشأن الجهاد ودور الأنظمة لم نشهد لها مثيلاً في جمعها بين أسماء علماء إخوان وسلفيين وأزهريين ووهابيين، جمعهم الشيخ البعيد الذي «سره باتع» كما يقول المثل الشعبي، لكن لم يجمعهم الهم القريب وهو الفساد السياسي والظلم الاجتماعي الطبقي وجمعتهم «النفرة» من أجل غزة..

تري هل هناك أي صلة بين سقوط فلسطين وتراجع العقل المسلم في تعامله مع قضايا الحريات المدنية والسياسية والعدالة الاجتماعية بالمعني الواسع من قضايا المرأة والأسرة إلي الوحدة الوطنية إلي التجانس الثقافي.

ختاماً.. هل لاحظتم أن الجميع صاروا اليوم يتحدثون عن غزة والضفة وكأن هذه هي «القضية»، فماذا عن القدس.. وفلسطين؟!

ف ل س ط ي ن.

خبر عاجل / سقوط أربعة صواريخ على رفح المصرية

رفح ـ عبد الحليم سالم

كثف الطيران الإسرائيلى من طراز (إف16) غاراته على الحدود المصرية الفلسطينية منذ فجر اليوم السبت، مما تسبب فى سقوط صاروخين على منطقة حى السلام برفح المصرية دون أن ينفجرا، تلاهما صاروخان آخران قبل أقل من نصف ساعة.

وقال عدد من سكان المناطق الحدودية، إن طائرة (إف 16) إسرائيلية قصفت رفح المصرية بصواريخ فى منطقة حى السلام شمال منفذ رفح البرى، ولم تنفجر حتى الآن. مما يذكر أن هذه هى المرة الثانية التى تسقط فيها صواريخ على رفح المصرية.

وقال شهود العيان، إن طول الصاروخ الواحد الذى سقط على رفح المصرية يتعدى المترين، وقال مصدر فى الأمن المصرى إنه من المتوقع تفجير الصاروخين بمعرفة خبراء المفرقعات المصريين خلال الساعات القليلة القادمة. وحول أسباب عدم انفجار الصواريخ االتى تطلق على رفح المصرية قال المصدر الأمنى إن برامج التوجيه عن بعد فى طائرات (إف 16) تمنع الصواريخ التى تنحرف عن مسارها من الانفجار.

وأدى القصف الإسرائيلى إلى إصابة العديد من المنازل فى رفح المصرية بشظايا، مما أدى إلى تصدعها.

معبر رفح.. خيار مصر الإستراتيجي المغيب


معبر رفح.. خيار مصر الإستراتيجي المغيب
د. باكينام الشرقاوى

الانطباع السائد أن رأي الجماهير العربية، وعلى رأسها الشعب المصري الغاضب تجاه العدوان الإرهابي الإسرائيلي على غزة، والمطالب بفتح معبر رفح، إنما هو رأي عاطفي انفعالي لا يدرك حسابات الرشادة الموضوعية ولا يعي متطلبات الأمن القومي المصري، ومن ثم فإن الانسياق وراءه إنما يدفع مصر إلى منزلق الصدام مع إسرائيل وتبني سياسات غير رشيدة وغير متوازنة تهدد المصلحة القومية المصرية.

ولكن عند محاولة تفنيد آراء كثير من المفكرين المستقلين ومؤسسات المجتمع المدني وغالبية النخبة المثقفة، وحتى آراء المواطنين العاديين المعبر عنها بالقلم في تعليقاتهم على كثير من المقالات الصحفية أو بالمظاهرات في الشوارع، ربما يمكن الزعم أن الرؤية الجماهيرية التي تطالب بفتح معبر رفح تأتي الأكثر واقعية وتوافقا مع المصلحة القومية لمصر.. كيف؟

رؤية الجماهير أكثر واقعية

أولا: لأن الخطوات التي تطالب بها هذه التيارات تخرجنا من منطق الخيار الضيق بين ثنائيتين متطرفتين متناقضتين: إما التمسك بالسلام كخيار إستراتيجي أوحد من طرف واحد، أو الحرب المفتوحة غير محسوبة العواقب، حيث تقع معظم أدوات الضغط السياسية والدبلوماسية والقانونية التي تطالب بها كثير من قوى المجتمع المصري في منطقة الوسط.. تلك المنطقة الرمادية التي تبعدنا عن التسليم المفرط لإسرائيل أو الاستعداء المتهور لها، فإدارة معبر رفح ستظل ورقة في يد مصر يفرضها الواقع الجغرافي والتاريخي، ويمكن استخدامها كأداة للتواصل مع غزة وإبقاء النفوذ المصري بها حيا من جانب، وموازنة التعنت الإسرائيلى وإجباره على احترام الدور المصري من جانب آخر.

ثانيا: لكي تستعيد مصر الإجماع العربي على مكانتها ودورها المحوري في النظام الإقليمي العربي (المفكك والمنقسم والمخترق)، عليها اتباع سياسة خارجية متوازنة – بالفعل وليس بالكلام - بشكل يجعلها على صلة حوارية مع جميع الأطراف (حتى المختلف معهم) ويدعم من مركزها في خطها التحالفي مع الغرب.

ولتكن لنا في تركيا أسوة حسنة.. فلعله من الأجدى أن تبادر مصر بكسر المناخ الاستقطابي السائد في المنطقة، ولتكن لها الريادة في ذلك من خلال التعامل مع المطالب الشعبية في العالم الإسلامي والتلميحات الرسمية من بعض الدول بقدر أكبر من الانفتاح وسعة الصدر، بل استثماره من أجل تقوية الموقف المصري أمام إسرائيل والعالم.

ويجب عدم اعتبار المطالبة بفتح معبر رفح اختزالا للقضية الفلسطينية في معبر أو مزايدة على دور مصر، بل إدراكا لأهمية أوراق الضغط التي تملكها مصر إذا ما أخذت قرارا بتحويل هذا المعبر لمنفذ حياة لا يربط فقط غزة بمصر بل بمحيطها العربي والإسلامي، وهو الربط الذي إذا تم بالسرعة والدقة والكفاءة المطلوبة فسيعيد لمصر هيبتها المفقودة ويكرس صورتها كلاعب إقليمي رئيسي بيده أن يغير من موازين اللعبة لصالحه قبل صالح أي طرف آخر.

ثالثا: إن تنشيط دور مصر الإقليمي لا يتم بدون تفعيل روابط حقيقية مع جميع الأطراف وأولهم حماس، فهي الحلقة الأضعف في شبكة علاقات مصر الإقليمية على الرغم من كونها الأهم في ظل المأساة الحالية، وذلك حتى تتدعم مصداقية الدور المصري.

ولا يمكن – شئنا أم أبينا - إغفال ما تتمتع به حماس من تعاطف شعبي لكونها رمز المقاومة في القضية الفلسطينية (القضية العربية المحورية في الذاكرة المصرية ورمز المقاومة ضد إسرائيل الدولة الغاصبة للأراضي الفلسطينية والقاتلة للفلسطينيين وللمصريين في الوعي المصري) بل ربما هناك مصلحة أخرى لصيقة بالنظام المصري وعلاقته بأهم جماعات المعارضة، وهي إضعاف حلقة الاتصال بين حماس والإخوان المسلمين أو تفعيل الهدف المشترك بين الحكومة والمعارضة، وهو الدفاع عن الشعب الفلسطيني للتخفيف من الاستقطاب الحاد الذي تشهده الساحة السياسية المصرية منذ سنوات.

إن اتباع النهج التصالحي كلما أمكن وتكريس التكامل بين الرؤى – ولو في حده الأدنى - يجعل العافية تدب من جديد في الحياة السياسية المصرية.

رابعا: يمكن لفتح منظم ومنضبط ودائم لمعبر رفح أن يحقق البعد الإنسانى المتفق عليه من الجميع والذي تحميه اتفاقيات القانون الدولي ويعطي شرعية دخول المساعدات الغذائية والطبية، ولكن بشكل مؤسسي يسمح للنظام المصري بمراقبة حدوده بفعالية ويمنح للفلسطينيين في قطاع غزة حدا أدنى من مستوى المعيشة.

خامسا: تقليل الفجوة الواسعة البادية للجميع بين النظام المصري والجماهير، وقد تمثل خطوة كهذه مصالحة داخلية تقرب المجتمع من حكومته بشكل يدفعها لأداء عام أفضل وفعال، فعادة ما تكون الخلافات الداخلية بين القوى السياسية في حدها الأدنى في ساحة القضايا الخارجية، مقارنة بمشاكل الداخل، وتكون ساحة لتجميع القوى المجتمعية وتعبئتها، والحكومات تلجأ إلى استغلال هذه التباينات في الداخل من أجل إكساب المواقف الخارجية مرونة أكثر وتوسيع مجال حركتها.

سادسا: إحراج إسرائيل (وليس مصر هنا) أمام الشعوب العربية والمجتمع الدولي إن هي تدخلت بأي صورة من الصور مثل قصف أو إعادة احتلال خط فيلادليفيا (محور صلاح الدين) الفاصل بين الجانب المصري والفلسطيني؛ فعلى الأقل ستكون مصر قد وفت بالتزاماتها الإنسانية والإسلامية والعروبية والأمنية، وأبدت سيطرة حازمة وقانونية على الجانب المصري للمعبر المفترض أنها تمتلك كامل السيادة عليه، وحاولت بأقصى ما تستطيع مساعدة الشعب الفلسطيني، لكن العدوان الإسرائيلي –وليس الحذر المصري - هو الذي حال دون ذلك.

الموقف الرسمي.. مردود عليه

علما أن مخاوف فتح معبر رفح جميعها مردود عليها:

أولا: لا علاقة بين دخول الإعانات الإنسانية لغزة وتكريس الفصل بين القطاع والضفة الغربية، فالحفاظ على الحد الأدنى من المعيشة الآدمية للفلسطينيين في غزة لا يعني إنشاء دولة فلسطينية منفصلة فيها، خاصة أن تأسيس الدولة الفلسطينية المستقلة مازال قيد مفاوضات ممتدة ومنذ أمد بعيد.

ثانيا: القول بأن فتح المعبر يعني الاعتراف بحماس.. وهل حماس احتلت أرضا أو جاءت بتزوير في الانتخابات؟ إنما هو خلاف فلسطيني - فلسطيني يجب أن تسعى مصر لاحتوائه وليس لنصرة طرف على آخر.

ثالثا: فتح المعبر لا يعني خرقا لأي اتفاقيات دولية، لأن مصر تتحكم في حدودها الدولية ولم تتعدها، كما أن مصر ليست طرفا في اتفاقية المعابر 2005 بين السلطة الفلسطينة وإسرائيل والاتحاد الأوروبي (وبالتالي فكل ما يترتب على الطرف المصري من واجبات بموجبها لا يصبح ملزما لمصر ما لم تقبل وتقر هي بهذه الواجبات، والاتفاقية أصلا لم تجدد منذ العام 2006، أي أننا أمام فراغ قانوني فيما يخص وضع معبر رفح).

أضف لذلك أن اتفاقيات جنيف والقانون الدولي الإنساني يعطي مصر الحق بل يفرض عليها واجب السماح للاحتياجات الضرورية الغذائية والدوائية بالدخول إلى القطاع.

رابعا: تنظيم دخول وخروج الفلسطينيين بشكل مرن - ولكن منضبط - لا يعني إخلالا بالأمن القومي ووقوعا في الفخ الإسرائيلي بالسماح بترحيل اللاجئين الفلسطينيين إلى سيناء، فالعكس هو الصحيح؛ فبفتح المعبر ربما تستطيع مصر تلافي أي احتمالات للنزوح الجماعي إلى داخل الأراضي المصرية عند استمرار تضييق الخناق على القطاع، فتظل الحركة عبر الحدود منظمة ومحكومة وتحت السيطرة.

خامسا: لا يمثل دخول عناصر فلسطينية إلى سيناء تهديدا أمنيا خطيرا، خاصة إذا ما قورن بالدخول المكثف للإسرائيليين إلى سيناء بسهولة ويسر، وإذا ما طبقت مصر ما تراه من إجراءات لتحديد من تسمح له بالدخول، على أن يواكب ذلك توسيعا لحركة المرور إلى غزة، خاصة بالنسبة للمعونات الدولية والعربية والتبرعات المصرية، فليس في هذا أي مساس بالأمن القومي، بل حماية ودعم له بتأمين الحدود والعمل على استقرار الأوضاع في مدخل مصر الشرقي.

رؤية لإحداث التوازن

لذا لابد من إعادة الاعتبار إلى جدوى وعقلانية المطالب الشعبية، ليس فقط بافتراض أن النظام معبر وممثل عن إرادتها، وإنما لأنها تعبر أيضا عن حس دقيق وإدراك واع للمصلحة القومية المصرية، ولأنها تعكس فهما شاملا وواسعا لمفهوم الأمن القومي المصري والعربي.

من المهم فك الارتباط بين جماهيرية وشعبية أى مطلب من جانب، وبين عدم عقلانيته وغوغائيته من جانب ثان.. إن كثيرا من الرؤى المجتمعية العامة تمتلك قدرا ملحوظا من الرصانة وتقوم على المنطق العقلاني والحسابات الواقعية.

وليس صحيحا أن الدوائر الحكومية تمتلك وحدها نفاذ البصيرة وتدرك ما لا يدركه الآخرون، فصياغة إستراتيجيات الأمن القومي لم تعد حكرا على العسكريين، وانفتحت على كافة قوى المجتمع في العالم أجمع، باستثناء العالم العربي، ولننظر إلى إسرائيل ذاتها كيف أن العدوان الإجرامي الحالي على غزة لا يمثل فقط رؤية المؤسسة العسكرية، بل يخاطب ويعبر في المقام الأول عن غالبية الرأي العام الإسرائيلي، وبالقول إن ديمقراطية الدولة الإسرائيلية تفرض على الحكومة أن تستجيب للضغوط الشعبية استطاعت إسرائيل أن تقدم خطابا يفهمه ويستوعبه المجتمع الدولي لتبرير السياسات العدوانية المتواصلة ضد الفلسطينيين.

ربما فات وقت انتقاد الموقف المصري من حصار غزة، والذي إن اختلف في السابق، فربما ما تفاقمت الأوضاع كما هو حادث الآن.. لكن عملية صنع القرارات السياسية عملية مستمرة تفرز في كثير من الأحيان فرصا لاستدراك ما فات وتفعيل المستجدات الداخلية والإقليمية والدولية عند تحديد ردود الأفعال الجديدة وصياغة السياسات المستقبلية.

ولعل إحداث توازن في السياسة الخارجية المصرية يرتبط أول ما يرتبط بتغير الإدراك الرسمي المصري لحماس باعتبارها تعبيرا عن التطرف الإسلامي وامتدادا لحركات المعارضة الإسلامية في داخل العالم العربي، وهي رؤية وإن صحت من المنظور الأمني الضيق، فإنها قاصرة من المنظور الإستراتيجي الأشمل، فإدخال المقاومة أو التهديد بها كأوراق في اليد العربية (والمصرية) على طاولة المفاوضات بجانب أنه يعكس إدراكا عقلانيا لمعطيات الواقع؛ فإنه ينوع من وسائل الضغط على إسرائيل ويفعلها، ويخدم على المدى البعيد القوى العربية في تحالفها مع الغرب ومن قبله في علاقتها بجماهيرها.

وأخيرا الاستقواء بالداخل لمواجهة الخارج أقل كلفة وأيسر سبيلا وأكثر أمنا، بل أكثر تأثيرا في الغرب أيضا.. هذا هو الخيار الإستراتيجي الثاني الواجب تبصره.