‏إظهار الرسائل ذات التسميات من أول السطر. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات من أول السطر. إظهار كافة الرسائل

لا صوفية ولا صوفيون



من أول السطر
إبراهيم عيسى

حينما يتصارع المتصوفون (أو الذين يقولون عن أنفسهم إنهم كذلك) علي المناصب فمن المفترض أن نسحب منهم الصفة مع المنصب!

من علامات الساعة المصرية هو هذا المشهد الصوفي الحاصل الآن الذي يعبر عن تناقض حاد وفصام عميق بين الصوفية الحقيقية وبين هذا التكالب الذي نراه من وبين مشايخ الصوفيين علي مقعد ومنصب ونفوذ والذي منه.

الصوفية الحقَّة هي التسليم لله والزهد في إغراءات الدنيا والتعفف عن الإقبال علي مكاسبها وامتيازاتها، الصوفية الحقة هي الوصل بين العبد وربه والقطع بين العبد وانجراره لشهوته في المال والنفوذ والجاه والسلطان، الصوفية الحقة هي أبعد ما تكون عن هذه المأساة الدائرة والكاشفة عن تحول الجماعات الصوفية - كما كل المجتمع المصري - إلي أنهم يقولون ما لا يفعلون، كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون، المجتمع يزعم الإيمان والتقوي وتنتشر فيه ظاهرة الحجاب وإطالة اللحي وارتداء النقاب واقتناء «السبح» والحرص علي الطقوس الدينية والإلحاح في الكلام عن الحرام والحلال وإنتاج واستهلاك الفتاوي، والثرثرة حول الأخلاق في الوقت الذي تنتشر فيه الرشوة في كل مكتب ومصلحة في مصر وفي الوقت الذي تسيطر فيه قيم الفهلوة والعشوائية والعمولات والسمسرة والسكوت علي الظلم والقتل الوحشي والتحلل الجنسي، مفهوم أن تعيش المجتمعات أحيانًا في منحني حضاري هابط، لكن المؤسف أن هذا يجري تحت غطاء التدين القشري والإسلام الشكلي والتمسح في الدين والتظاهر بالورع بينما كل هذا دهان ودخان للتغطية علي صعود وتمكن وتمكين أسوأ ما فينا وأسوأ من فينا علي حياتنا وما فيها!

كثير مِمَّن يتمسَّحون بحبهم لآل البيت النبوي الشريف ويدَّعون أنهم من نسل الأشراف تجدهم خدامًا عند معاوية، وضمن خدم الاستبداد، وتجد ممن يمارس التعذيب أو التزوير أو متورط في قضايا فساد سياسي ومالي ينسب نفسه للأشراف أو يزعم حبًا لآل البيت، وهم ساكتون عن الحق متواطئون مع الفسدة ممالئون ومنافقون للسلطة وماسحو جوخ فكيف يكون الصوفي أو محب آل البيت ضمن آلة الديكتاتورية ومنظومة الاستبداد ومن حماة الفساد والفَسَدة بصمتهم أو بتواطئهم أو بتورطهم مع نظام حكم آخر ما يمكن أن نصفه به هو التصوف؟! فإذا كان حاكم من حكامنا يتمتع بذرة من روح المتصوفة لَخَشَع للرحمن وتذلل للواحد القهار والْتزم العدل وخضع قلبه واستغني عن مقعده وعافه وتعفف عنه وبرَّأ أبناءه وأقاربه من ذنب الجلوس علي مقاعد السلطة وصرف المحيطين به عن اكتناز الذهب والفضة وتراكم الثروات. المفارقة المحزنة والمخزية أن يكون الصوفي بلا صوفية وأن يكون الصوفي درعًا حاميًا وجدارًا واقيًا للاستبداد والفساد، الصوفي الحق هو الذي لا يخشي إلا الله ولا يلهث وراء السلطة ولا خلف ذوي السلطة، بل يجعل السلطة امتحانًا ومحنة ويجعل من نفسه ضميرًا رقيبًا حسيبًا علي كل حاكم ومسئول؛ لأن الصوفي الحق - بزهده وتعففه - أقوي من أي سلطة أو سلطان، أهم من أي حاكم أو محكوم، المؤسف أنه في كل مؤتمر سياسي أو انتخابي للحزب الحاكم تجد المحسوبين علي مشايخ الصوفية يتقدمون صفوف المدح والدعم والتأييد والنفاق، وكأن الصوفية قد تم اختطافها لمداهني سلطة وممالئي حاكم ومنافقي حكم، وهي التي تترفع زاهدة وترتفع عالية وترقي محلقة فوق دنايا الدنيا، (قطعًا لا تخلو الحركة الصوفية من روعة شيوخنا من أبي حامد الشاذلي وحتي شيخنا صالح أبو خليل).

الصوفية ليست ملابس خشنة أو مرقعة ولكنها ليست بِدَلاً إيطالية الصنع كذلك، الصوفية سماحة، لكن ليست تهاونا، الصوفية ليست زهدا مطلقا ولكنها تعفف مؤكد، الصوفية تسليم ولكنه تسليم لله وليست استسلاما لسلطان وحاكم، الصوفية ليست حركة معارضة، لكنها ليست حركة منافقة بَكْماء صمَّاء عن الظلم والاستبداد، الصوفية ليست فقرًا وفاقة لكنها ليست ترفًا وسفهًا، الصوفية ليست مجموعات للهروب من الواقع، بل جماعات لمواجهة الواقع بالحب والوجد لله والانتصار للمستضعفين والاستعلاء علي غرائز الدنيا وغواياتها، الصوفية ليست جماعات تأييد ومبايعة، بل جماعات لإطلاق الأمل وإشراق البركات والمدد، إن نافق الكل لا يجب أن ينافق الصوفي؛ فالوصل مع الله يقطع الوصولية مع البشر، وإن استسلم الجميع لا يستسلم الصوفي؛ فهو يعلم أن نصر الله قادم مع مدده، ومهما استحكمت العتْمة فإن نور الله يسطع في قلب الصوفي فلا يضل، هذا هو الصوفي الحقيقي، بينما ما يسود مجتمعنا هو الزور ذاته الذي زيَّف كل شيء حتي الصوفية والتصوف.. هذا البلد في حاجة فعلا إلي المدد!

الفيل والتنين «4»


من أول السطر
إبراهيم عيسي

تحكي النكتة عن مسئول مصري رفيع المستوي زار الصين فاستقبله الرئيس الصيني الذي أخذ يروي متفاخراً إنجازات الصين فقال له المسئول المصري إن دولته كانت يمكن أن تفعل ذلك لولا عدد السكان فأسرَّها الرئيس الصيني في نفسه، حيث إن عدد سكان الصين قارب علي المليار ونصف المليار نسمة فليس هناك عدد سكان في الأرض أكثر منها، ومع ذلك تقدمت وتفوقت علي العالم كله
لكن الرئيس الصيني - احتراماً لضيفه - لم يعلق واستمر يروي إنجازات الصناعة الصينية فعاجله المسئول المصري بأن دولته كانت يمكن أن تفعل ذلك لولا عدد السكان، أمسك الرئيس الصيني أعصابه وتماسك خشية الانفلات وكرر الكلام عن منجزات الصين العلمية فأصر المسئول المصري علي نفس جملته «أن دولته كانت يمكن أن تفعل ذلك لولا عدد السكان»، هنا لم يتمالك الرئيس الصيني نفسه وسأله: هُوَّ عدد سكان مصر كام؟ فرد المسئول المصري تمانين مليون نسمة، فابتسم الرئيس الصيني وقال له : بس.. يا راجل ومجبتهمش معاك ليه!!

بعد أن شرحنا كيفية تطور وتحول الهند والصين من «طور» الدول النامية التعسة والمفلسة والفقيرة إلي «دور» الدول الكبري والعظمي اقتصادياً وصناعياً في أقل من عشرين عاماً، مازلنا نسأل : لماذا لم تتحول مصر مبارك إلي كيان اقتصادي وصناعي عالمي وهائل مثل هاتين الدولتين، خصوصاً أن حجة الرئيس التي يرددها عن زيادة السكان تتبخر تماماً أمام الزيادة السكانية الرهيبة للهند والصين، طبعاً حجج نظام مبارك لا تتوقف ولا تتعطل، فالحاصل أن هذا الحكم المستمر منذ 28عاماً علي عرش مصر لم يعد متميزاً في شيء إلا في التحجج، ولم ينجح هذا النظام في شيء إلا في الفشل!

المهم أن الهند والصين (الفيل والتنين) نجحتا في الانتقال الرائع ومصر لم تبرح مكانها في الدول النامية النائمة؛ لأنه قد غاب عنا ما حضر في نيودلهي وبكين، التخطيط والنزاهة!

نعم هذا هو العمود الفقري لأي نجاح اقتصادي لأي دولة في العالم، التخطيط الذي هو وضع خطط علمية ومدروسة ومحترمة وهذا التخطيط قد يقوم به نظام مستبد وديكتاتوري لا يعرف الديمقراطية ولا يعرف ربنا حتي مثل نظام بكين، لكنه يعرف احترام التخطيط والخطط، يعتمد علي الخبراء وأصحاب الكفاءة والعلماء ذوي الدراية، لا يجمع حوله وداخله الأفاقين والمنافقين الذين يرفعون شعار أحلامك أوامر يا أفندم، نظام مستبد وديكتاتوري لكنه علمي ومنهجي لا يتعامل مع الرئيس الحكيم الذي يفهم كل شيء في الزراعة والصناعة والتجارة وبناء الكباري وخطط مباريات المنتخب، نظام مستبد لكنه لا يعبد الرئيس ولا يقدس سيادته ومن ثم فهو يرفع من قيمة العقل والمنطق والعلم وليس لديه جوقة من المحبظاتية من ترزية القوانين والخطط حسب الكيف ورقبتي ياريس، الصين تعيش تحت حكم ديكتاتوري وحزب واحد محتكر للسلطة لكنه ليس حزب العشوائية والفهلوة وشيل ده من ده يرتاح ده عن ده، حزب محتكر للسلطة ولكنه ليس محتكرً للحقيقة ولا للفهم ولا للعلم ثم ليس فيه رجال أعمال ومليارديرات خطتهم الوحيدة هي نفخ ثرواتهم، حزب مستبد لكنه علي الأقل لا يضع رجل أعمال متهماً بالاحتكار مسئولاً عن الخطة والموازنة، إذن يمكن أن يلتزم بالتخطيط حزب ديكتاتوري ولكنه يملك عقيدة وطنية لتطوير بلده وليس لإثراء أعضائه كما أنه لا يقوم علي تقديس رئيسه ولا تأليه زعيمه (ليس غريباً أن هذا التفوق يظهر بعد رحيل الزعيم الصيني المؤله ماوتسي تونج) والتخطيط كذلك قد يصدر عن حكومة منتخبة ديمقراطياً مثل حكومة الهند التي تملك عقلاً وطنياً ووعياً قومياً ومسئولية تجاه مجتمعها وشعبها فتخطط لبلدها مستعينة برجال العلم والخبرة والكفاءة وبدقة وبالتزام وأمانة لأنها تعرف أن الشعب سوف يسائلها ويحاسبها وأنها لن تبقي للأبد في الحكم وأنها جزء من هذا الوطن وليست هي الوطن وغيرها خونة وعملاء، التخطيط هو بداية وأساس أي تطور وتقدم اقتصادي وتنموي سواء جاء عن حكومة ديمقراطية كالهند أو ديكتاتورية كالصين.

نأتي للحتمية الثانية لأي تطور وهو النزاهة، طهارة اليد شرط نجاح تنفيذ أي خطط، وهذه النزاهة قد تتحقق كما في الصين عبر توفر شفافية داخلية في حزب محتكر وسلطوي ولديه قدرات عالية علي المحاسبة والرقابة علي مسئوليه ولا يتهاونون في أي فساد أو إفساد إلي حد تنفيذ عقوبات الإعدام في المرتشين والفسدة ثم هو حزب محتكر للسلطة لكن يتم داخله تداول للسلطة وصعود وإبعاد لقياداته ومن ثم يحقق هذا التداول الشفافية الواجبة والرقابة الذاتية ومسئولية المحاسبة، وليس هو الحزب الذي يركن إلي قيادات مستقرة في مقاعدها لا تغير ولا تتغير وتأبي المحاسبة وتتحصن بمقاعدها فتفسد وتُفسد كما شاءت وساءت، وقد تتحقق النزاهة عبر نظام ديمقراطي كالهند يملك برلماناً محترما وفاعلا بلا موافقين ومصفقين وانتقال لجدول الأعمال، برلمان قادر علي محاكمة وزراء وسحب ثقة من حكام وصحافة حرة نابهة ومتعددة الرؤي والمصالح ومجتمع مفتوح ورأي عام قادر علي مراقبة ومحاسبة حكومته والعصف بها إن أراد!

عند الفيل والتنين في الهند والصين تخطيط ونزاهة وفي مصر رمز الجمل تخبيط وتخليط.. ونزيهة!

قارن إذن بيننا وبينهم وتحسر وتحسبن.. حسبي الله ونعم الوكيل!

الفيل والتنين 3


من أول السطر


قبل أن أقول لك لماذا لم تصبح مصر مثل الهند والصين؟

لماذا لم تتحول مصر خلال عشرين عاماً أو أقل مثلما تحولت الهند والصين من دولة نامية يأكل الفقر نصف سكانها ومفلسة تقريباً إلي دولة عظمي تتصدر العالم في التصنيع والتصدير وتشكل قوة اقتصادية كبري تغير موازين الكون ويعمل لها العالم ألف حساب؟

قبل أن أقول لك لماذا؟ (علي الأقل من وجهة نظري) تعال نتأمل الرموز التي يتم استخدامها في جميع أنحاء الدنيا لوصف تلك الدولتين، أما الهند فهي الفيل، وكما نعرف فالهند دولة تعيش وتنتشر فيها الأفيال ولكن قارة أفريقيا كذلك تشتهر بالأفيال لكنها لم تستخدم في وصف أفريقيا اللهم إلا في لقب فريق كوت ديفوار في كرة القدم، ويبدو السبب أن الأفيال وسيلة نقل في أماكن كثيرة بالهند في وقت من الأوقات ولم تكن حيواناً للترفيه أو للعيش في الغابات، ثم هي استطاعت ترويض هذه الأفيال وتحويلها إلي حيوانات صديقة وأليفة ولها كذلك احترامها الواجب بين أفراد الشعب كما أن في الهند شبهاً بالفيل فعلاً فهي ضخمة العدد واسعة المساحة ثقيلة وقوية وبعيدًا عن الهزار السخيف الذي يردده المصريون عن المهراجا والفيل الأزرق والألماظة وهذا الحشد من البلاهات فإن الفيل رمز صادق للهند.

أما التنين الذي يرمزون للصين به فهو كائن أسطوري كما حضارة الصين الأسطورية القديمة كما أنه أخطبوطي التكوين كما الصين المترامية والغامضة، ثم هي دولة تمكنت من مزاحمة وممازحة الوحوش الكامنة في تاريخها، ما يشكل التنين جزءاً أصيلاً من تراثها في الحكايات والمهرجانات الشعبية!

ومن ثم يأتي السؤال منطقياً ومفاجئاً في الوقت نفسه : بماذا يمكن ان نشبه مصر؟ ما الحيوان أو الطائر الذي يمكن أن نرمز به لمصر؟

ممكن يبقي النسر؟ حيثيات هذا الاختيار هو ان النسر أهم شيء في التعامل اليومي والإداري في مصر فلا أعرف من أين استوحي الموظف المصري النسر علي علم مصر الوطني (قبل أن يصبح الصقر) وكيف تحول النسر إلي ختم وشعار الجمهورية الذي لا تتم مكاتبة ولا تصدر وثيقة إلا ممهورة ومختومة بختم النسر؟ فالحقيقة أن 99%من المصريين لم يشاهدوا نسراً في حياتهم ولا مصر معروفة بالنسور ولا تجد في ثقافتها حكاية واحدة عن نسر ولا في حواديت الجدات، فضلاً عن أن مصر بلد لا يشتهر بعلاقة كبيرة بالطيران مثلا حتي يكون النسر بطلاً أو رمزًا وأقرب الطيور إلينا هي الحمامة وسيجد المصريون عيباً كبيراً في وصف مصر بالحمامة علي اعتبار أن مصر لا يمكن أن تبيض فهي بلد ولادة وليست بلداً بياضة!

أو ربما يكون رمز مصر هو الجمل حيث إن الجمل هو رمز الحزب الوطني الحاكم في الانتخابات وهو الذي تمارس حكومتنا أكبر عملية تزوير من أجل إنجاحه وفوزه بالانتخابات، ومن هنا فهو الحيوان الأهم والمتحكم في مصيرنا وأمورنا وهو كذلك سفينة الصحراء وأنت تعرف أن مصر في هذا العصر سفينة غارقة فهي في أمس الحاجة إلي سفينة أخري، ثم إن البلد كله يعاني الأمرِّين بين الجمل والجمَّال.

إذا لم يكن النسر أو الجمل هو نظير الفيل والتنين عندنا فما البديل؟ هل هو الحمار؟ فالحمار هو أشهر حيوان في مصر وهو جزء أصيل من منظومة العمل اليومية وهو صديق الفلاح ورأسماله وهو وسيلة النقل الأشهر وله في ثقافتنا عشرات القصص والحكايات وهو كذلك مثل ومسبة وطرفة ونكتة في حياتنا، فضلاً عن أن شبهاً ما يحوم بين الحمار وواقعنا فنحن نصف العامل بهمة بأنه حمار شغل، ويصف بعضنا بعضاً بالحمير التي تعمل وهي راضية بقليل من الطعام والغذاء والتي تشقي دون أن تحصل علي مكافأتها من الدنيا وهي صبورة وغلبانة وهي طيبة وربما غبية وهي حمولة وحمالة وهي تأخذ علقة لم يأخذها حمار في مطلع، ثم إن شعار مصر كلها «اربط الحمار مطرح ما عايزه صاحبه»، ونحن شعب لا يفعل في الحياة شيئاً أكثر من ربط الحمار مطرح ما صاحبه عايزه!!


الفيل والتنين 2


من أول السطر
إبراهيم عيسي

حين نعرف كيف نجح الآخرون سنعرف لماذا فشلنا نحن؟
لقد دفع اليأس الهند إلي التغيير الاقتصادي بالسرعة التي حدث بها في الصين، لكن بعد أكثر من عقد وفي شكل مختلف تماما، في عام 1991 كانت الهند مفلسة تماما، ألقت المقادير خلال عامي 90و91 فقط بمائة وعشرين مليون هندي إلي حضيض الفقر، وأدي التضخم - الذي بلغ 17 في المائة إلي تآكل الدخول المنخفضة - وبحلول العام 1991، أصبح 330 مليون نسمة أو( اثنان من بين كل خمسة هنود) يعيشون تحت خط الفقر، وانهارت الموارد المالية للحكومة، وأضحت الهند أمام كارثة محققة.
كان البلد مفلساً، أوقفت المصارف الإقراض للهند، كما ألغت بطاقة الائتمان لعدم السداد، وهبط احتياطي الصرف الأجنبي إلي مستويات تكاد لا تفي إلا بتكلفة أسبوعين من واردات النفط. وطارت حمولة طائرة بأكملها من احتياطي الذهب الهندي إلي لندن تم دفعها رهانا مقابل ضمان قروض قصيرة الأجل من الغرب، خلال هذه الأعوام ماذا حدث للهند بعد أن قررت النهوض؟

نما الاقتصاد بأسرع مما كان علي مدي عقود، وبدأت الشركات تشغيل العاطلين، وانخفض حجم التضخم من أكثر من عشرة إلي ما دون العشرة، بحيث يمكن التحكم فيه، وانخفض الدَّين، كما تم استرداد احتياطي الصرف الأجنبي النفيس، وتجنبت الهند الأزمة، وظلت الأضواء مشتعلة لم تنطفئ في أعظم بلاد الدنيا في هندسة الكمبيوتر وأكبر عدد مهندسي البرمجيات في العالم.

أما الصين عندما تولي «هسياو دنج» مقاليد الأمور زار في نوفمبر 1978 بانكوك وكوالامبور وسنغافورة، وصل «دنج» إلي سنغافورة مرتديا البدلة الصينية (هي تقريبا البدلة الصيفي الشهيرة للموظف المصري )، وقام بجولة في أنحاء سنغافورة، ووجد في البلد نموذجا حديثا متقدما تكنولوجيا جديرا بأن تقتدي به الصين لتطوير نفسها، وقال السيد لي بعد ذلك بعقود: «كانت هذه الرحلة بمنزلة جرعة استنفار ونقطة تحول»، وكانت كذلك حقا سواء بالنسبة إلي دنج شخصيا أو إلي كل الصين، ولقد كانت ولا تزال سنغافورة - التي هي دولة صينية عرقيا - مشهورة علي نطاق العالم بما تتمتع به من استقرار، وأنها خاضعة لحكم الحزب الواحد، وتفتقر إلي الحريات واشتهرت كذلك بتحولها السريع والمثير من بلد نام إلي بلد حديث ورأسمالي، وتتدخل الدولة بقوة في عملية التخطيط الاقتصادي في سنغافورة، كذلك تقوم بإقامة بنية أساسية حديثة وجذب الاستثمار الأجنبي.، وبينما كان دنج يحاول في العام 1992 الإسراع في الإصلاحات، أرسل ما لا يقل عن أربعمائة وفد صيني متفرقين - من المحافظين ورؤساء البلديات وسكرتارية الحزب وغيرهم من الرسميين - إلي سنغافورة خلال سنة واحدة ليشاهدوا- في تعجب- الصورة التي يمكن أن تكون عليها الصين بعد التحديث. والنتيجة علي سبيل المثال في سنة 2000 كانت الصين تُصَدِّر 30 في المائة من لعب الأطفال في العالم، وبعد خمس سنوات كانت الصين تُصَنِّع 75 في المائة من كل اللعب الجديدة في العالم!

وأصبحت الصين علي مدي العشر سنوات الأخيرة صانع الأحذية العالمي، وتُصَدِّر زوجا من بين كل ثلاثة أزواج أحذية في العالم، وصدّرت الصين في العام 2001 ما قيمته 3.1 مليار دولار قطع غيار للسيارات، ووصل الرقم إلي 9 مليارات دولار خلال السنوات الأربع التالية، وصدرت الصين في العام 1996 ما قيمته 20 مليار دولار أجهزة كمبيوتر وهواتف خلوية وأجهزة تسجيل «سي دي» وغيرها من الأجهزة الإلكترونية، وبحلول العام 2004 صدّرت الصين أكثر من أي بلد آخر ما قيمته 180 مليار دولارأي حوالي تسعة أضعاف، وتصدر الصين الآن في اليوم الواحد أكثر ما كانت تبيعه في الخارج علي مدي عام 1978 وقتما شرعت في الانفتاح الاقتصادي!

نجحت الصين والتي هي سلطة ديكتاتورية ونجحت الهند وهي دولة ديمقراطية حكامها ملزمون بالمحاسبة أمام البرلمان وأمام صحافة حرة (جدا)، فلماذا لم نفلح نحن في مصر؟ أخذنا من الصين ديكتاتوريتها ولم نأخذ تقدمها؟ ولم نأخذ من الهند لا تقدمها ولا ديمقراطيتها!

ليه؟

أقولك ليه !..

الفيل والتنين


من أول السطر

إبراهيم عيسى
كي تعرف أن نظام الرئيس مبارك الذي يستمر منذ 28 عامًا فشل في أن يصنع من مصر شيئًا كبيرًا وعظيمًا بين الأمم، وكي تدرك أن ما نعيشه من ظروف اقتصادية بائسة إنما هي بفعل فشل هذا النظام في إدارته للبلد، تعال نذهب معًا إلي الفيل والتنين أو الهند والصين وكيف نجحت هاتان الدولتان في الصعود إلي قمة العالم الاقتصادية والانتقال بشعبيهما من درك الإفلاس والفقر الدكر إلي أن يتحولوا إلي ذكور العالم الاقتصادية، كيف تغير الهند والصين مصيريهما؟ وكيف تغيران - بفضل هذا كله - مصير العالم، وتنتقلان من بين صفوف بلدان العالم النامي لتحتلا موقع القوي العظمي؟ هذه ليست قصة نجاح الصين والهند بقدر ما هي ملحمة فشل مصر، ففي خلال أقل من عشرين عامًا حدثت المعجزة الآسيوية في الهند والصين!

سأستند في معلوماتي هنا إلي كتاب (الفيل والتنين) لكاتبة أمريكية متخصصة هي روبين ميريديث (صدر عن سلسلة عالم المعرفة من ترجمة الكبير شوقي جلال) لم ترد فيه كلمة واحدة عن مصر لكن في كل سطر فيه يقفز في وجهك السؤال: إشمعني إحنا؟ لماذا لم نصبح في عصر مبارك الطويل مثل هاتين الدولتين، لقد كسر (أو بالأحري حطم) الصعود الصيني والهندي كل الأوهام التي يروجها لنا نظام الرئيس مبارك كمبررات للوضع الاقتصادي الهزيل والمخجل الذي تجد مصر فيه نفسها بين دول العالم؛ حيث تقبع في قاع الدول المصدرة والمصنعة أو المكتفية ذاتيًا أو المؤثرة اقتصاديا، فضلاً عن وجود 44% من الشعب المصري تحت خط الفقر، ناهيك عن الانتشار الهائل للبطالة والتي تصل نسبتها حسب بعض الخبراء إلي 18% ويمكن لأي قارئ كريم أن يتكرم ويضيف لهذا المقال مزيدًا من الأمثلة علي حال الشعب المصري، فالكاتب ليس أعلم من المكتوب له. لكن لنركز الآن في الأوهام التي عاش عليها النظام المصري، الوهم الأول الذي ضربه النجاح الهندي والصيني وَهْم أعملكوا إيه وأجيب لكم منين؟وهذا الكلام الذي تسمعه من كبير مسئوليك، فالدرس الصيني هو أنك يمكن أن تنجح! نعم، فالفشل ليس قَدَرًا والتأخر والتدهور الاقتصادي ليس قضاء محتومًا ونقدر نعمل حاجة وحاجة كبيرة مش علي طريقة أجيبلكوا منين؟.. الوهم الثاني الذي تحطم هو أن التقدم والنجاح الاقتصادي المذهل حِكْرٌ علي الغرب سواء أوروبا أو أمريكا. أبدًا أي بلد عفي في أي مكان في العالم يمكن أن يفعلها. الوهم الثالث الذي تم نسفه نسفًا هو التحجج الملح والمخجل بأن الزيادة السكنية هي سبب استنزاف الثروة؛ حيث الهند والصين أعلي بلاد العالم كثافة وزيادة سكانية. الوهم الرابع هو الجملة الرزلة والممجوجة التي يرددها كل مسئول من عام 81 وحتي الآن وهي عنق الزجاجة التي يمر بها اقتصادنا، أو سخف الحديث عن إصلاح اقتصادي لمدة 28عامًا، فهل يصدق عاقل أو حتي مخبول أن اقتصادًا يتم إصلاحه 28عامًا ولا ينصلح أبدًا، إلا إذا كان الذين يصلحونه إنما هم مفسدون؟ في الهند والصين يتحقق إصلاح وتطور ونقلة هائلة في أقل من عشرين سنة تجعل من دولة نامية موشكة علي الإفلاس تتحول إلي دولة عظمي اقتصاديًا. الهند تحركت ببطء لكن في ثبات مطرد، علي عكس الصين التي صعدت بسرعة الصاروخ. ومع ذلك الهند بدأت نهضتها سنة 1991وهوب في السما، أما الصين فقد بدأت من 78 وسبقت أسرع وارتفعت أعلي، رغم أن الهند والصين، من نواح أخري كثيرة، متعارضتان؛ الهند ديمقراطية والصين تتبع نظام حكم ديكتاتوري، والهند أمة فيها مائة مِلَّة ويتحدث شعبها أكثر من ثلاثين لغة مختلفة، بينما الصين لغة واحدة وملة واحدة لكن ثمة شيئًا واحدًا فقط مشتركٌ بين البلدين الآن؛ الهند والصين أسرع الاقتصادات الكبري نموًا علي ظهر الكوكب، وفجأة أصبح كل منهما أرضا خصبة لأصحاب الأعمال والعاملين والعملاء والمنافسين، واستطاع المديرون التنفيذيون في مجالس إدارات الشركات من نيويورك إلي طوكيو ومن لندن إلي فرانكفورت التقاط حمي الهند الآن مثلما التقطوا منذ عقد مضي حمي الصين، وها هم كبار أصحاب مشروعات الأعمال يتحركون جيئة وذهابًا في سفريات مكوكية حول العالم؛ لأن الأمتين الصاعدتين تحققان نموًّا سريعًا للغاية، بحيث جعلتا اقتصادات الولايات المتحدة وأوروبا واليابان تبدو كأنها اقتصادات راكدة، وفجأة أيضًا أصبحت إقامة مشروعات الأعمال في الهند والصين الأمل الوحيد للشركات الغربية التي قررت الإسراع لكسب عملاء جدد.. مرة أخري تخيل أن الصين بدأت كل هذه النهضة منذ عام 1978فقط حيث كانت وقتها مبددة وضائعة تقريبًا، بينما الهند بدأت صعودها المدوي منذ حوالي 17عامًا فقط.. إزاي؟

أقولك إزاي!

ملاحظات علي خطاب سماحة السيد


لا يمكن التعامل مع خطاب السيد حسن نصر الله أمس الأول باعتباره خطابًا عاديًا، رغم أنه في الغالب لا خطابات عادية لسماحة السيد، فالرجل مطارد من إسرائيل ومطلوب للقتل والتصفية، فكل ظهور له بطولة وكل خطاب له حدث مقاوم ومتحدٍ لإسرائيل يذكرها بهزيمتها وفشلها في اغتياله والتخلص منه أو تدمير أكبر حزب مقاومة في الواقع العربي والإسلامي.

إذن الخطاب مهم في أي وقت، فما بالك بخطاب يظهر مع شوي مئات جثث الشهداء في غزة بنيران الصهاينة؟!

من هنا فأي فزع أو جزع أو توتر أو ارتباك أو عصبية أو تعصب يبدو علي ردود أفعال المسئولين المصريين مما قاله السيد حسن نصر الله، هو أمر مفهوم جدا ومنطقي للغاية خصوصا أن الخطاب جاء صادمًا، بل ربما أقلق كثيرين من محبي الرجل ومريدي المقاومة فقد تخلي عن خطاب التهدئة مع الحكومات العربية وتوقف عن المداواة للجروح المفتوحة بينه وبين الأنظمة العربية الموصوفة أمريكيًا بالاعتدال، فأتكأ ونكأ ولم يطيّب ويرطب!

من هنا تبدو ملاحظات ضرورية.

السيد حسن نصرالله لا يحمل أهميته ولا يحوز مكانته العربية ولا جماهيرته الفائقة من كونه زعيمًا لبنانيًا أو رمزًا لفريق في طائفة لبنانية، بل هو يستمد شرعية شعبيته ومكانته ومحبة الملايين له من كونه زعيمًا عربيًا إسلاميًا يتجاوز حدود الجغرافيا، ومن ثم هو يخاطب العالم العربي وجماهير المسلمين من هذه النافذة الواسعة التي يطل منها علي قلوب الناس ومن المصداقية الرائعة التي حصل عليها وحصدها من انتصاره المشرق علي إسرائيل مرتين (2000 و2006) هذا الانتصار الذي يعترف به الجميع في تل أبيب في حين تنكره فقط حكومة أحمد أبوالغيط.. والغيط التابع له!

حق حسن نصرالله في مخاطبة الشعب المصري، والحكومة المصرية حق نابع ومستمد من مكانته ورمزيته في العالم العربي (بل في العالم كله) ولا يمكن النظر له هنا علي أنه تدخل في شئون داخلية يتجاوز المفترض والمفروض!!

ثم بفرض التعامل مع حسن نصرالله باعتباره زعيمًا لبنانيًا فقط (وهذا غير صحيح بالمرة!) فهو في هذا كما قيادات مصرية لا تتوقف عن مخاطبة الشعب اللبناني وإلقاء النصائح عليه طول الوقت، وكما لا نتهم أحدًا من مسئولي مصر ورموزها حين يخاطب الشعب اللبناني بالتدخل في شئون لبنان فلا مبرر كذلك لوصف كلام نصرالله بالتدخل!

شهادة حسن نصر الله عن التورط المصري الرسمي في ضرب حزب الله ولبنان في يوليو 2006 كانت ظاهرة تماما في خطابه حين يقول (والإسرائيليون كانوا واضحين ولا يجرؤ أحد من العرب أن ينفي، لأنه يمكن أن يكون لدي الصهاينة وثائق، أنه كان يُتصل بالإسرائيليين ويقال لهم «خلصونا» من حزب الله، وعندما بدأت الحرب كانوا «يواسونهم» بعد الفشل في الأيام الأولي ويطلبون منهم أن يستمروا في ضرب حزب الله وفي قطع رأس حزب الله، وهذا هو الذي يجري اليوم في غزة، هؤلاء يطالبون إسرائيل بأن تقضي علي حماس وعلي الجهاد وعلي بقية فصائل المقاومة وأن تقطع رؤوس هؤلاء المجاهدين وهؤلاء المقاومين وأن تنهي وتحسم هذه المعركة، يطالبون ويساعدون علي هذا الأمر وهذه هي الحقيقة. بل سمعنا اليوم من بعض المسئولين الإسرائيليين يقول إن حجم الدعم العربي المقدم في الحرب علي غزة يفوق حجم الدعم العربي الذي حصلت إسرائيل عليه في حربها علي لبنان في تموز 2006، وهذا مؤسف جداً).

ورغم ما يوحي به هذا الكلام وما يكشف عنه ويعري فإن الرجل لم يطالب مصر بأي مغامرة ولا مقامرة ولا طلب منها شيئًا ليس في الوسع أو في الاتساع، بل قال بالحرف الواحد (اليوم، الموقف المصري هو حجر الزاوية لما يجري في غزة ولا أحد يطلب من مصر لا أن تفتح جبهة ولا أن تذهب إلي القتال، فقط أن تفتح المعبر ليصل الغذاء والدواء والماء وحتي السلاح لأهلنا في غزة)، هل السيد نصرالله بهذا المطلب الذي يطلبه ويطالب به الشعب المصري منذ زمن قد تدخل أو تداخل فيما لا تملكه مصر الرسمية ولا تقدر عليه؟! انظر أو اسمع للرجل وهو يقول (لا في حرب تموز- يوليو 2006 ولا اليوم في قطاع غزة، لم يطلب أحد من الأنظمة العربية أن تفتح جبهاتها أو أن تقاتل لا بالنيابة عن اللبنانيين سابقاً ولا بالنيابة عن الفلسطينيين حالياً، ولكن الحد الأدني كان أن يُطلب موقف سياسي وموقف إعلامي مناسب ومنصف).

لقد كان السيد حسن نصرالله شديد التواضع فيما أراده من النظام المصري بينما كان حسن الظن بالشعب المصري جدا حين تصور قدرة هذا الشعب علي النهوض والحركة وفتح معبر رفح بصدره، فالحقيقة أن الشعب المصري منهك ومنهوك ومحاصر بمئات الألوف من عساكر الأمن المركزي وقوات مكافحة الشغب وآلاف الضباط الذين جعلوا مهمتهم الأساسية بث الذعر والرعب في قلوب المصريين من أن يكونوا رجالاً! ومن ثم فإن نداء السيد حسن نصر الله لن يستجيب له أحد فالشعب الذي لا يقدر علي مواجهة الاستبداد لا يقدر علي مواجهة أعدائه أو علي نصرة أشقائه والذي يرضي بالذل علي نفسه وأهله من الطبيعي جدا أن يرضاه علي أهل غزة، ولعل عشرات الآلاف الذين يخرجون كل نهار في الجامعات والشوارع المصرية تنديدا بمجزرة غزة وبدور الحكومة المصرية فيها تعبير عن بريق ذهب أصيل يظهر في لحظات ليؤكد أن الذهب موجود وإن كان مدفونا!

أما الزعم أن الدعوة لفتح معبر رفح عبر الضغط الشعبي فوضي فهذا كلام فارغ لا ينافسه فـي التفاهة سوي هذا الحماس في ترديده.

أما خطاب حسن نصر الله للجيش المصري فلم يتمتع بالحساسية التي نمتلكها في مصر تجاه هذه المؤسسة العظيمة؛ لأن في لبنان - كما في إسرائيل - الواقع مفتوح والكلام بلا حرج سياسي ولا حظر لمناقشة هذه الأمور والحوار مع الجيش وحوله مسألة مفتوحة علي عكس انغلاقها المصري، لكن كانت كل كلمات السيد الموجهة لهذه المؤسسة المصرية مليئة بالاحترام والتوقير والتعظيم للدور العسكري البطولي الذي قهر العدو الإسرائيلي في انتصار العرب الأعظم في أكتوبر 1973.

نعم يمكن اعتبار خطاب نصرالله ليس فيه من الدبلوماسية ولا روح المواءمات التي كان شهيرا بها في الكلام عن النظام المصري، ربما لأن الكيل طفح ثم لا يجب التساقط الساذج بالدمج بين الحكومة والشعب والتعامل مع النقد السياسي الموجه لحكومة مصر وكأنه طعن وضرب وسب في مصر الوطن، وهو مفهوم يريد المنافقون والمستبدون أن يزرعوه في البلاد العربية كلها، حين يتعاملون باعتبار الحكومة هي الوطن والوطن هو الحكومة وهو ما لا تجده أبدا في أي بلد ديمقراطي محترم، بل تنفرد به دولنا المتخلفة فقط! لكن الدرس المؤكد في كل ما يحدث أن الحكم الذي يملك وزير خارجية مثل أحمد أبو الغيط، ليس له أي حق في الكلام عن التعبيرات الدَّمِثَة والموزونة ، فالرجل أكثر فظاظة وخشونة من أن يكون طبيعيًا وهو نموذج للفشل المخلص والغشم النشيط!

http://dostor.org/ar/index.php?option=com_content&task=view&id=11195&Itemid=64

يا مثبت العقل والدين!


من أول السطر

إبراهيم عيسي

دعني أذكركم فقط لمجرد الذكري، حيث إن الذكري ناقوس يدق في عالم النسيان كما يكتب العيال الحبِّيبة علي الشجر في جنينة الحيوانات أن إسرائيل احتلت فلسطين قبل ظهور حركة حماس بأربعين سنة تقريبا وقبل سبع وخمسين سنة من نجاح حماس في الانتخابات!

ثم إن إسرائيل ضربت الضفة الغربية بالصواريخ وارتكبت مجازر في جنين ونابلس ورام الله وبيت لحم وحاصرت ياسر عرفات في مقر الرئاسة لسنوات ومنعته من الخروج من فلسطين وأن يعتب خارج باب مقر الرئاسة، كذلك قطعت عنه الكهرباء وقذفت وأحرقت البيوت والشوارع من حوله قبل أن تكسب حماس أي انتخابات!

إسرائيل كانت تقتل وترتكب المجازر وترفض الانسحاب عن الضفة وغزة رغم أنه ساعتها لم تكن حماس مهمة ولا كانت سلطة ولا حكومة مقالة!

بل عرفات نفسه الذي وقَّع مع إسرائيل معاهدات واتفاقيات سلام وقد هري رابين وبيريز بوس وقبلات وأحضانًا حارة ومع ذلك حاصروه وسمموه، وبالمناسبة فأشاوس فتح الذين سقطوا بعدها في الانتخابات كانوا سادة غزة ورام الله، وكل واحد من هؤلاء كان الزعيم بارم ديله، بينما إسرائيل سكعتهم جميعًا صفعًا وركلا ولم نرها تحترمهم وتتنازل لهم أبدًا عن أي شبر أو سنتميتر باعتبارهم معتدلين ومش متطرفين إيرانيين أوغاد مثل قيادات حماس.

لقد كانت تل أبيب وأمريكا تقول إن الذي يعطل السلام ويعرقل عجلة السلام ويقف ضد نجاح عملية التسوية هو «عرفات» وكان الإخوة الحكام العرب الذين يجلسون الآن علي مقاعدهم هم أنفسهم يرددون وراء أمريكا وإسرائيل نفس الكلام - مرة أخري حقكم فوق رأسي إنني أذكركم - كان عرفات المتهم الوحيد والذي إذا ما غار من أمامهم فسوف تنتهي مشكلة فلسطين، ردد الأمريكان كما الآن وإسرائيل كما الآن والحكام العرب كما الآن أن المشكلة «عرفات» تمامًا كما يقولون الآن إن حماس المشكلة، سمموا «عرفات» وجاء واحد من الذين كانت إسرائيل ترضي عن سياسته وتمتدح فيه وتصفه بأنه بتاع سلام لكن سبحان الله محصلش السلام.. ما مات «عرفات»، فين بقي المشكلة، ما جه عباس يا ناس،فين بقي الحل؟!

أنا أكرر أسفي.. إنني أذكركم بما لا يحب أحد أن يتذكره الآن، فالوطنية هذا الأسبوع هي القدرة علي شتيمة حماس في سباق مين يشتم أحسن وأشتم من شتيمة صاحبه، أحدِّثكم في الفاصل الإعلاني بين برامج مسابقات الوطنية وأقول لكم أنا بسرعة قبل ما الفاصل يخلص وترجع للبرنامج إن إسرائيل قتلت وضربت بالصواريخ وهدمت بالقذائف واغتالت بالمدافع، بل توغلت ودمرت بالدبابات والمدرعات غزة قبل أن يكون فيها نفوذ من أي نوع لحماس في حكومة فلسطينية ولا حتي في مجلس تشريعي!

أنا آسف.. إنني أذكركم بأن إسرائيل تحارب فلسطين ولا تحارب حماس! وأنا خجلان من نفسي أنني أخبركم بمفاجأة غير سارة للبعض منَّا هي أن إسرائيل رفضت مبادرة السلام العربية التي تقدم بها جميع الزعماء العرب (بمن فيهم أشاوس سوريا) من سنوات ورمت بها إسرائيل في صندوق قمامة رئيس الوزراء الإسرائيلي (الذي للمفارقة يتغير اسمه كل كام سنة دون أن تتغير سياسة إسرائيل).

وبالمناسبة وطالما نحن مازلنا في محفل الذكريات فقبل أي حديث عن مفاعل إيران النووي وقبل ما يطلع لنا في المقدر حكاية حلف إيران سوريا... إلخ الذي يقول عنه مسئولونا إنه سبب مجزرة غزة تعالي أفكرك بتصريحات رئيس وزراء مصر «عاطف عبيد» والتي صرح بها لجريدتي «الاتحاد والوطن» (في الإمارات وقطر وأنا أنقل عن النص المنشور في الاتحاد يوم 24 أبريل 2002)، أي منذ ست سنوات وثمانية أشهر تقريبًا وقبل صعود حماس للحكم وقبل أي ظهور لإيران وغيرها في المشهد الفلسطيني، جاءت تصريحات عبيد ردًا علي سؤال هذا نصه: (لا يمكن لأي منصف أن يتجاهل التضحيات التي قدمها الشعب المصري، ولكن ما يجري الآن علي الساحة الفلسطينية يطالب مصر باعتبارها أكبر دولة عربية بأن تتحرك).

لاحظ سؤال قديم أهه لا إيراني ولا أذربيجاني، بل عادي وقديم فرد عليه د. عبيد بالنص:

ــ إذا أردت أن تتحرك وأن تكون جاهزًا لمواجهة التحديات لابد أن تكون لديك مائة مليار دولار.

بلع الصحفي الزلط الذي قاله الدكتور «عبيد» وكرر.. (ولكن معالي الرئيس الرأي العام العربي يطالب مصر باعتبارها أقوي دولة عربية بأن تقوم علي الأقل ليس برد فعل عسكري إنما بطرد السفير الإسرائيلي فلماذا لا تطردونه؟ هل اتفاقيات السلام تمنعكم من ذلك)؟

رد - فتح الله عليه - قائلاً:

ــ قلت لك عايزين مائة مليار دولار، اجعل العالم العربي يضع مائة مليار دولار من الأموال العربية الموجودة في العالم، ويقولون هذه موازنة مواجهة.. تفضلي يا مصر يا زعيمة هذه الموازنة تحت أمرك تفضلي ابتدئي المواجهة!

فيرد عليه الصحفي- ربما لإتمام الصفقة:

(يعني لو توافر هذا المبلغ هل ستحاربون إسرائيل؟).

فيجيب دكتور عبيد:

ــ مائة مليار تبدأ حساباتك تتغير.

ليس مهمًا هنا حرق دمك بإجابة رئيس وزراء مصر السابق، لكن الأهم أن كل هذا يا أخي كان بيحصل ولم تكن حماس موجودة في الحكم، ومع ذلك فإسرائيل تضرب وتعتدي وتذبح.. والوطن العربي يطالب مصر بأن تفعل شيئًا باعتبارها الدولة الأقوي ولا أحد يطالبها بحرب ولا يحزنون، هذا منذ ست سنوات وثمانية أشهر ومع ذلك يتهمون الآن حماس بأنها سبب مذابح إسرائيل..يا مثبت العقل والدين!!