‏إظهار الرسائل ذات التسميات مبارك. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مبارك. إظهار كافة الرسائل

ابراهيم عيسى يكتب :أزمة غزة بين حكمة الرئيس وحكمه


ابراهيم عيسى يكتب :أزمة غزة بين حكمة الرئيس وحكمه
الرئيس مبارك كان مصمماً على أن يضع بصمات الآخرين فوق جثة العروبة النافقة منذ السكوت المخجل عن مجازر إسرائيل وعدوانها أظن أن باب الاتهامات بالمتاجرة باب مفتوح من الاتجاهين ويمكن للجميع أن يتهم به الجميع

كان خطاب الرئيس مبارك فى مؤتمر القم العربية يوم الإثنين الماضى نموذجاً واضحاً يكاد يكون أوضح مما يجب عن وجهة نظر الرئيس وسياسته فيما يخص العالم العربى والقضية الفلسطينية، ولعلى أعتقد أن نفاد الصبر بدا يميز التعبير المصرى الرسمى عن نفسه وأفكاره، فأن ينقل رئيس فرنسى عن مبارك كلاما عن أن الرئيس يوصى بعدم خروج حماس منتصرة من حرب غزة وهو ما نفته الرئاسة المصرية فيما بعد ولم تنفه الرئاسة الفرنسية فهذا يعبر عن ضيق صدر الرئيس بحركة حماس هكذا أمام ضيفه وكأنه يتحدث مع رجال قصره وليس رجل قصر الإليزيه، ثم ما ينقله الدبلوماسيون الغربيون عن آراء مبارك الصريحة والجارحة لبعض من حركات وقيادات المقاومة وما ينقله مفوضو وممثلو حماس وغيرها من الفصائل من تعبيرات غاضبة وخشنة ضد دول عربية وقادتها يدخل كله فى حيز عدم الصبر وفراغ الطاقة والذى يعكس بطبيعة الحال إحساساً بالضغوط الهائلة فضلاً عن البعد الفسيولوجى، فقيادات مصر بلغت من العمر مرحلة لا تحتمل فيها كظم الغيظ أو لجم الغضب، وفى السياق ذاته فإن الخطاب الذى ألقاه مبارك فى القمة كما عكس لهجة البلد الحانق فقد أظهر كذلك روح القيادة التى تعتقد أنها بلغت من الرؤية والحكمة ما لا يجب لأحد أن يناقشها فيها وفيما تفعل وأن الأمور تقتضى طبقا لمنطقها السير وراء مواقفها وحكمتها بالتصفيق والتهليل وليس بالتشويش والمشاغبة، وأن امتلاك هذه القيادة للحقيقة المطلقة والحكمة الخالصة لا يتحمل لماضة من أحد أو معارضة من مجموعة جهولة أو مجهولة أو مراهقة

من هنا أصدق تماماً صدق الرئيس مبارك وإخلاصه فى هذا الخطاب الذى أشم فيه رائحة كتابة دكتور مفيد شهاب «وأكاد أصدق أن فيه شيئا من روح صياغة دكتور أحمد كمال أبوالمجد» فأنا لا أعرف من كتب هذا الخطاب بالضبط ، وكذلك بيان مطالبة إسرائيل بوقف إطلاق النار لكن يد رجل قانونى وسياسى قديم وعميق الصلة بذكريات الشأن الفلسطينى لابد وأنها تقف وراء سطوره، فضلا عن دقة الخطاب فى الإفصاح عن سن رجل وصل لاقتناع راسخ بصحة وحكمة موقفه حتى إنه ضاق ذرعا بنكران البعض لأفضاله
وأعرف أن الكثيرين الماثلين على الساحة السياسية والإعلامية المصرية يحبون أن يسلموا للرئيس مبارك بقدراته على إدارة ملف العلاقة مع إسرائيل والعرب، فإذا انتقدت هذه السياسة أو عارضتها فإنهم يسارعون لسحب الوطنية عنك، وأكثرهم رحمة بنا وشفقة علينا يتأسف على أن معارضتنا للسياسة الداخلية للرئيس أعمتنا عن رؤية حقيقة جدارة سياسته الخارجية، فإننا انطلاقا من معارضتنا له فى الداخل نعارضه لمجرد المعارضة والعناد فيما يتصل بسياسته الخارجية
لكننى فيما أعتقد لا أجد أى فارق ولا فرق بين السياسة الداخلية والخارجية للرئيس مبارك على الإطلاق، فيكاد الأمر يكون متوحدا تماما، فهو يتميز بالفردية والانفراد بصناعة القرار بعيداً عن الرجوع للرأى العام ولا الاعتبار للمعارضة فقرار الداخل مخطوف بأغلبية مزورة وقرار الخارج مُصَادر لصالح المصلحة التى يراها الرئيس ويحتكرها دونا عن الآخرين، ومن ملامحه كذلك الاستبعاد والنفى للرأى الآخر فكل من يخالف الرئيس فى سياسته الداخلية عميل مأجور لأمريكا والأمريكان الذين يحركون أذنابهم فى مصر «إلا من استثناه النظام وختمه بخاتم الوطنية» وكل من عارض موقف الرئيس وسياسته الخارجية فهو عميل للقوى الإقليمية ولإيران وهكذا يجد المعارض نفسه عميلاً لجهتين من الصعب أن يعمل لديهما معا إلا عفريت من الجن، فكيف تكون عميلا لأمريكا حين تقول للرئيس أن يجرى إصلاحات سياسية ثم تكون أنت نفسك عميلاً لإيران لو قلت للرئيس افتح المعبر وتوقف عن تصدير الغاز لإسرائيل؟
الثابت أن هناك منهجين فى الرؤية شديدى الاختلاف والتباين فى النظر لإسرائيل، وهو التناقض المركزى والرئيسى بين الرئيس وأنصاره من جهة وبين معارضيه من جهة أخرى وهو ما يحرك الأزمة التى تطاحنت داخليا وعربيا عقب العدوان الإسرائيلى على غزة وما تبعه من مجازر وجرائم حرب وقفت إزاءها مصر الرئيس موقفا بدا لكثيرين داخل مصر أقل مما يجب، بل أقل مما يحتمله أحد، وشهد هجوماً سياسياً عنيفاً ضد مصر فى العالم العربى وكان سهلاً للغاية أن تتهم مصر قطر وسوريا وإيران بالوقوف خلفه، وكأن مصر الرئيس لم تعد تصدق أن هناك من يتخذ موقفاً ضدها وضد سياستها لوجه الله ولأجل اعتقاده وأن مئات الألوف الذين خرجوا فى مظاهرات رفعت شعارات ضد السياسة المصرية تجاه فلسطين والعشرات من المفكرين والإعلاميين والسياسيين الذين انتقدوا وعارضوا موقف مبارك كلهم عملاء وباعة ذمم، ولم تراجع مصر الرئيس نفسها أبداً فى هذا الموقف ولا بدا أنها مستعدة لإعلان خطئها فى القرار وفى التقدير، وهذا ما ظهر بقوة وجلاء فى خطاب الرئيس مبارك فى القمة والذى خلا من أى لحظة مراجعة للذات وخلا تماما كذلك من أى اعتراف بخطأ فى التقدير أو فى الحساب، بل كان خطاباً مكرساً كله فى تحميل الآخرين مسئولية التدهور والانحدار العربى وأنهم جميعا لم يسمعوا الكلام ولم يصدقوا الحكمة ولم يمشوا وراء النبوءة، ومن هنا فقد حصل الملك عبدالله ملك السعودية على حظ من التعاطف الدافئ عقب خطابه رغم أن سياسة مبارك كانت توأم سياسة الملك، لكن الأخير اعترف أو حاول أن يبدو كريما فاعترف بمسئوليته كما كل القادة عما فيه العرب فى هذه اللحظة، بينما الرئيس مبارك كان مصمماً على أن يضع بصمات الآخرين فوق جثة العروبة النافقة منذ السكوت المخجل عن مجازر إسرائيل وعدوانها
العودة ضرورة إذن لخطاب الرئيس مبارك فى القمة العربية وهو الشارح المبين للمفهوم والمنظور المصرى الرسمى لما تعيشه الأمة العربية فى وقتنا الحالى ففى الخطاب
يقول الرئيس «امتحنت هذه المأساة عملنا العربى المشترك فكشفت الكثير من أوجاعه وتناقضاته ومعايبه وأوضحت للأسف انقسام عالمنا العربى واختراقه وتشتته»

ولا أظن كائنًا من كان يختلف مع الرئيس فى توصيفه للحال العربى الراهن، لكن المدهش أن هذا الكلام إن جاء من محلل سياسى أو ضيف فى برنامج تليفزيونى لوافقناه وصفق له بعضنا، لكن أن يصدر من رئيس أكبر دولة عربية فهو الأمر الذى يستدعى التأمل فى فداحة الوصف مع تجاهل أن الرئيس شريك أساسى وأصيل فى صناعة المشهد وأنه لو كان الواقع العربى هكذا وهو هكذا فعلاً فهو كفيل بأن يدفع الحكام العرب المسئولين عن ترديه واهترائه ومبارك منهم وأولهم باعتبارات المكانة والمكان يدفعهم للرحيل، فإما أنه صانع معهم لهذا الوضع وإما أنه عاجز عن تغيير هذا الوضع، وفى الحالتين هذا وضع لابد بعده من ولادة، ومن العجيب أن توصيف الوضع العربى وانقسامه واختراقه وتشتته أمر يشترك فيه بشار الأسد والقذافى وأمير قطر مع رئيس مصر وملك السعودية وعاهل الأردن، فمادام كلا الطرفين يجمعان على سوء الوضع فالأجدر بالطرفين أن يعلنا التنحى ويتركا الساحة للراحة
يقول الرئيس «كان منطق الأمور يملى علينا الوقوف إلى جانب «غزة» بمواقف جادة تعى خطورة العدوان وشراسته وتسعى لإيقافه واحتواء تداعياته الإنسانية بعيداً عن المزايدة والشعارات الجوفاء»

ليس هناك أكثر من الإفراط فى استخدام تعبيرات مثل تلك فى السياسة المصرية هذه الأيام، وحين يستخدمها الرئيس مبارك بنفسه فى خطاب مفصلى فى أزمة مدوية فهو يعنى اعتمادا كاملا مختوما بخاتم النسر من الدولة المصرية لوصف ما عداها من أفعال وأقوال تصدر من دول وجهات وجماعات بالمزايدة والشعارات، وليست الشعارات فقط بل الشعارات الجوفاء، والأمر كله يستحق السؤال الأمين والمخلص عن معنى هذه الأوصاف، فيبدو أنها من كثرة ما ترددت لم يعد أحد معنيا بمعناها، فالمؤكد يا سيدى الرئيس أن الشعارات ليست حاجة وحشة أبدا، فالحرية والإخاء والمساواة شعارات أقامت ثورة وأمة وغيرت العالم حين غيرت فرنسا، و«الدين لله والوطن للجميع» شعار مصرى رائع ربى أفكار الملايين ومازلنا نتمناه ونردده، وشعار «ما أُخذ بالقوة لا يسترد بغير القوة» كان شعاراً حقيقياً وصادقاً ولم يحدث أن أُخذ شىء بالقوة واسْتُرد بالتفاوض وإذا لم تكن هناك قوة حرب أكتوبر التى كنت أحد رجالها يا سيادة الرئيس ما كان السلام الذى كنت كذلك أحد رجاله، بل حرب أكتوبر نفسها شهدت الشعار الأعلى والأنبل وهو «الله أكبر»، وفى كل أحداث التاريخ ورغما عن كل تهكمات المتهكمين وقصور القاصرين فقد صنعت الشعارات أعظم الثورات وغيرت التاريخ وربما لهذا فقط تحفظ الرئيس حين زاد وصف «الجوفاء» على الشعارات حتى لا يصم الشعارات بما لا يجب أن توصم به من رئيس يجلس على مقعد رئاسة بلد علم العالم كيف تكون الشعارات والأحلام مفاتيح للخلود والمجد، ومن هنا نسأل عن معنى جوفاء؟ ومن القادر على معرفة كنه وحقيقة أنها جوفاء «المقصود طبعا بالجوفاء أنها صادرة من الجوف وليس من القلب وأنها لا تتجاوز الصوت وأنها فارغة من المعنى ومن ثم لا تفعل ولا تقدم فعلا ولا تغير أمراً»؟ وأستغرب هذا الصدق الذى يتجلى فى نبرة الرئيس وهو يتهم مقاتلين على خط النار ومقاومين أمام قوات الأعداء يدفعون أعمارهم وحياتهم فداء لوطنهم وأرضهم ودينهم بأنهم يرفعون شعارات جوفاء، هل الموت فى سبيل الله شعار أجوف؟ هل التضحية من أجل تحرير الوطن شعار أجوف؟ هل تسقط إسرائيل شعار أجوف؟ هل لن نستسلم ولن نتنازل عن شبر واحد من أرضنا شعار أجوف؟ هل المرأة الفلسطينية التى تصرخ حزنا على موت ابنها تحت الأنقاض ثم تصرخ بعدها مباشرة «تعيش المقاومة» شعار أجوف؟ هل مليون شهيد فى الجزائر من أجل تحريرها شعار أجوف؟ هل هتاف الملايين من المصريين على مدى السنين «نموت نموت وتحيا مصر» شعار أجوف؟
لعلى مخطئ «وأتمنى ذلك» وألا يكون هذا قصد الرئيس، ربما يقصد ما قاله أمير قطر ورئيس سوريا أو أنه أراد أن يصف كلامهما عن المقاومة بأنها مزايدة وشعارات جوفاء، وربما يكون كذلك وربما لا يكون، لكن اتهامًا من هذا النوع يسمح بمنتهى البساطة أن يصف آخرون كلام الرئيس مبارك عن حق أهل غزة فى الحياة والعيش دون التعرض لإطلاق القذائف وعن أن السلام هو طريق الرخاء والحرية وأن مصر ثابتة فى الدفاع عن الشعب الفلسطينى وهذا الكلام الكثير الذى تردده مصر بأنه شعارات جوفاء كذلك، الحقيقة أن اتهام كل طرف للآخر بالمزايدة وبترديد الشعارات الجوفاء مسألة سهلة وغير مكلفة وتنتهى غالبا بلا غالب ولا مغلوب
يقول الرئيس «من المؤسف أن يعمل البعض على تقسيم العرب إلى «دول الاعتدال» و«دول الممانعة» كأننا لا نتعلم من أخطاء الماضى، ودروس التاريخ القريب وكأننا نعود بالعالم العربى ثلاثين عامًا إلى الوراء هل هى عودة لـ «جبهة الرفض» خلال سبعينيات القرن الماضى؟ أولم نعتمد معا وبالإجماع فى بيروت مبادرة عربية للسلام العادل والشامل؟»

والحقيقة هذه فرصة للسؤال الأكثر مرارة فى حياتنا العربية وهو «مَنْ الذى أخطأ فى الماضى؟ » ربما لا يعرف الرئيس أن هناك من يؤمن عن عقيدة بأن الذى أخطأ فى الماضى هو الرئيس السادات ومصر الرسمية حين عقدت صلحا فرديا مع إسرائيل وقضت على وحدة الموقف العربى أو على احتمالية وحدة الموقف العربى، فالحاصل أن الرئيس يسأل وهو واثق أن الإجابة لا يمكن أن تخرج عما يؤمن به وهو أن الذى أخطأ فى الماضى هى دول الممانعة أو جبهة الرفض وأن الحاضر أثبت أن الرئيس السادات كان صاحب رؤية سابقة لعصره حين تصالح مع إسرائيل، والمفاجأة أن هناك من يعتقد يا سيادة الرئيس فى العكس تماما وكلية، وأن الحاضر أثبت أن إسرائيل كيان عنصرى واستعمارى ونازى وعدوانى ولا يمكن أن يتنازل عن إرهابه وأطماعه التوسعية وأن السلام معه وهم كامل وأنه لابد من هزيمته عسكريا وحضاريا لأجل إقامة دولة فلسطين وتحرير كامل التراب الفلسطينى شعار آخر مما يكرهها الرئيس لكننا نذكره بأن تحرير كامل التراب الفلسطينى شعار يشبه شعار اليهود بالأرض الموعودة وأرض الميعاد وكما تحقق الثانى سيتحقق الأول بإذن الله ويبدو تمسك الرئيس ومن معه بالمبادرة العربية للسلام أمرًا فى غاية الغرابة فهى مبادرة ملقاة على الرصيف وموءدة منذ ميلادها وإسرائيل تتعامل معها بتأفف وتعفف، ومع ذلك فالرئيس يعتبرها مقياسا للفصل بين الممانعة والموالاة، وإذا كان الملك عبدالله ملك السعودية الذى خرجت المبادرة أول ما خرجت باسمه يلوح بسحبها فى نفس جلسة تمسك الرئيس المصرى بها، فلا نكاد نعرف هذا السر الذى يربط مصر بمبادرة مرفوضة ومنبوذة إسرائيليا وأن يحتسبها الرئيس معيارا للتعلم من دروس الماضى فالذى يوافق على الاستمرار فى مبادرة مثل هذه يبقى تعلم الدرس ومن يرفضها ويطالب بسحبها يبقى ناقص علام
هنا تجدر الإشارة إلى أننا لا نزكى على مصر جبهة الرفض ولا نرفع من شأن دول الممانعة فهم فى الحقيقة عندنا كما كل الحكام العرب ديكتاتوريون ومستبدون وقامعون لشعوبهم، ولا نحمل مثقال حبة من خردل ثقة فى هؤلاء ولا فى حكمهم ولا أحكامهم، ومن المؤكد أن سجل سوريا فى انتهاك حقوق الإنسان أسوأ وأسود كثيرا من سجل مصر، وأن الأسد الموروث والوارث وصدام غير المأسوف على رحيل حكمه صورتان قاتمتان من نفس الاستبداد والقمع والديكتاتورية الموجودة فى مصر، وإن كانت مصر أرحم كثيرا منهما إلا أنها لا تختلف كثيرا عن منهجيهما، هذا فقط كى يدرك المواطن العربى أن الطرفين الممانع والموالى للمبادرة حليفان فى الاستبداد وتوأمان فى الطغيان توائم غير ملتصقة وغير متشابهة لكن الرحم واحدة والقابلة واحدة
يقول الرئيس «ومن المؤسف أن نسمح باستغلال مأساة غزة لاختراق عالمنا العربى بقوى من خارجه، تتطلع للهيمنة وبسط النفوذ وتتاجر بأرواح الفلسطينيين ودمائهم»
وهنا بالذات تظهر الرؤية المزدوجة فى السياسة المصرية والكيل بمكيالين فى التعامل مع الشأن الفلسطينى، فلا توجد سياسة لأى دولة أو حركة مقاومة أو تنظيم مسلح أو سلمى إلا وتضع فى اعتباراتها الموازين الدولية والقوى المحيطة والدول الحليفة والأنظمة المعادية، فلا أحد يعمل وحيدا وفى الفراغ فى هذا العالم، وأى تحرك داخلى أو خارجى لابد له من أصدقاء وحلفاء، ومن ثم لا يمكن لمصر نفسها أن تتصرف دون حسابات ودون توافقات ودون تنسيق مع آخرين فى الساحة، هذا من حيث المبدأ النظرى المثالى الذى يدرسونه للطلبة فى اقتصاد وعلوم سياسية، لكن أيضا على المستوى العملى العربى كيف يهاجم الرئيس مبارك قوى من خارج العالم العربى باستغلال مأساة غزة ولايهاجم قوى صنعت مأساة غزة؟ ما الأجدى والأجدر أن نتهم أمريكا وإسرائيل أم نتهم إيران؟ ولماذا يعتبر الرئيس إيران فقط هى القوى الخارجية التى تحاول الهيمنة وبسط النفوذ فلماذا لا تكون تركيا مثلا، أو لماذا لا تكون فرنسا وألمانيا اللتين تدخلتا بمنتهى السخافة والنطاعة فى دعم إسرائيل وفرض الهيمنة على القرار الفلسطينى؟ لماذا إيران هى بنت البطة السوداء إذا كانت القضية الفلسطينية هى البئر التى يلقى فيها الجميع بحجارتهم؟ فلماذا يختار الرئيس لمزًا إيران وحدها كقوى إقليمية تحاول الهيمنة ويترك الآخرين وكأنه حلال للدول من كل حدب وصوب حرام بالذات على إيران؟ ثم إن مسألة المتاجرة بدماء الفلسطينيين يمكن لأى عابر سبيل أن يرميها كذلك على المصريين الذين اتهمهم العالم كله بالمشاركة فى حصار شعب واستنزافه وفرض الهيمنة عليه بحكم الجغرافيا والتاريخ والرغبة فى فرض تسوية رغما عن إرادة قطاع كبير من الشعب الفلسطينى لصالح رضا قوى دولية وإمداد إسرائيل بالبترول والغاز الذى يشكل آلة قتل الفلسطينيين واستنزاف دمائهم الغالية، أظن أن باب الاتهامات بالمتاجرة باب مفتوح من الاتجاهين ويمكن للجميع أن يتهم به الجميع
يقول الرئيس «إن العلاقات العربية العربية ليست فى أحسن أحوالها، والعلاقات بين الإخوة الأشقاء لابد أن تقوم على الوضوح والمصارحة، وتطابق الأقوال مع الأفعال لا مجال فى هذه العلاقات للالتواء والتطاول، ولا مجال للتخوين وسوء القول والفعل والتصرف، وكأننا نعود بعالمنا العربى إلى الوراء بدلاً من أن ندفع به معا إلى الأمام لقد كان الموقف المصرى قويا وواضحا منذ اليوم الأول للعدوان على «غزة» برغم مغالطات البعض وتجاهلهم لحقائق معروفة وأخرى غائبة»

ولا يمكن أن تعلق على هذا الكلام الطيب والرقيق الذى قاله الرئيس فى السطور عاليه سوى بمطالبته سيدى الرئيس قل هذا لإعلامك ورجالك، أو بالأحرى أؤمر به إعلامك ورجالك لعلهم يسمعون القول فيتبعون أحسنه ولا يعودون بنا إلى أيام «القصرية» حين كان الإعلام المصرى يشن حملة هجوم رخيصة على رئيس عربى ينشرون اسمه الآن مسبوقا بالأخ وهو يلبس كسرونة على رأسه ويجلس على قصرية لقضاء حاجته استهزاء وسخرية منه لاختلافه وهجومه على الرئيس السادات والحقيقة أن هجوم الأخ كذلك على السادات لم يكن أقل شناعة وانحدارًا أخلاقيًا من هجومهم الآن يرجع بكامل النجاعة إعلام القصرية حيث تنتشر الشتائم الرخيصة بطول الإعلام المصرى وعرضه وكأننا نعود بعالمنا العربى إلى الوراء كما قال بحق الرئيس مبارك
يقول الرئيس «هناك من فصائل المقاومة من يعترف بأن ميزان القوى الدولى الراهن ينحاز انحيازا واضحا لإسرائيل، ويدعون للانتظار لحين بزوغ نظام دولى أكثر عدالة حتى لو استغرق ذلك عقودا طويلة، فهل يستقيم هذا المنطق؟ وهل تحتمل معاناة الشعب الفلسطينى هذا الانتظار؟ وهل يستمر فى الانتظار والاستيطان يقتطع الأراضى المحتلة يوما بعد يوم؟ وإلى متى نسمح بأن تظل القضية الفلسطينية قضية الفرص الضائعة؟»

لا لن يحتمل الشعب الفلسطينى هذا الانتظار وإن احتمله من قبل الشعب الجزائرى مع احتلال استمر عاما حتى حرر أرضه، والشعب المصرى الذى استمر احتلاله عاما حتى حرر أرضه، لكن الاحتلال الإسرائيلى أسوأ وأحقر وأعقد، ومن ثم قد لا يحتمل الشعب الفلسطينى فعلا لكن هل معنى ذلك أن يتنازل عن حقه وأرضه لعدم قدرته المحتملة على الاحتمال؟ وهل يصادر جيل حالٍِِِِ وتالٍِ حق الأجيال القادمة ويعطى الدنية فى دينه وحقه؟ القضية فى يد الشعب الفلسطينى الذى لا يريد أحد أن يتركه يقرر لا مصر ولا السعودية ولا سوريا ولا إيران ولا أمريكا ولا فرنسا دعوا الشعب الفلسطينى يقرر ونحن مع قراره أيا كان ،ندافع عنهم وننتصر لهم ونؤيدهم ونقف معهم ونكافح من أجلنا وأجلهم، لا وصاية ولا ابتزاز من أى طرف بمن فيه نحن فى مصر، فما نفعله يمكن أن يصفه بعضنا وبعضهم بأنه ابتزاز، وكأننا نريد للشعب الفلسطينى أن يختار ما يريده رئيسنا أو رئيسهم لا ما يريده الشعب نفسه، ثم يبقى السؤال ماذا فعل أنصار التسوية السلمية لفلسطين؟ لم نشهد إلا أرضًا مسلوبة ومنهوبة، وما يقول عنه الرئيس من معاناة واستيطان واقتطاع للأرض تم فى عهد التسوية السلمية وفى عصر السلطة الفلسطينية التى اعترفت بإسرائيل، أليس كذلك أم أننى وغيرى فقدنا الذاكرة مؤقتا؟
ثم قولوا لنا ما الفرص الضائعة أرجوكم؟ هل فرص دولة من غير قدس ولا عودة لاجئين؟ ما هذه الفرص، فى عرضكم قولوا لنا، لأن إسرائيل هى من تدعى أن الفلسطينيين ضيعوا الفرص، بينما الحقيقة أن فلسطين هى قضية الحقوق الضائعة والذاكرة الضائعة وليست الفرص الضائعة
يقول الرئيس «إننى آتى إلى هذه القمة موقنا بأن الوضع العربى الراهن بانقسامه وخلافاته ومحاوره لابد أن يتغير واثقا أن الخلافات العربية أيا كانت لاتستعصى على الحل بالجهود المخلصة والعزيمة الصادقة، فهى فى النهاية خلافات بين أشقاء
وكعهد مصر مع أشقائها عبر عقود طويلة فإنها ستبذل أقصى طاقتها لرأب الصدع العربى الراهن، ولتضع نهاية للخلافات العربية القائمة، كى نلتقى جميعا حول ما يجمعنا ولا يفرق شملنا وإننى على يقين من أننا سوف ننحاز فى نهاية المطاف لهويتنا العربية وأهدافنا الواحدة ومصالحنا المشتركة، ويظل اقتناعى أكيدا بأنه لا يصح إلا الصحيح، وبأن مستقبل عالمنا العربى وتضامنه سيكون بعون الله وتوفيقه أفضل مما هو عليه الآن»

سيدى الرئيس شكرا على هذا التفاؤل بأنه لا يصح إلا الصحيح، لكن المشكلة فى عالمنا العربى الآن هى اختلافنا على تعريف الصحيح حتى يصح؟ ولا يمكن ثم لا يجب أن تكون هذه الخلافات شخصية حتى يتم حلها على مائدة غداء، فالخلافات كما هو واضح ويتضح حول سياسات ومواقف ورؤى وقرارات جوهرية ومصيرية وليست خلافات بين حكام حول من هو أحكم من الثانى، ومن ثم فاسمحوا لنا يا حكامنا ألا نشارككم التفاؤل، هذا إذا سمحتم لنا أن نفعل أى شىء يعارض سياستكم الحكيمة، التى من حكمتها أوصلت العالم العربى إلى ما هو فيه الآن فأرجوكم لا داعى لمزيد من الحكمة كفاية علينا لغاية كده

انقلاب عربي يصعب تصديقه


انقلاب عربي يصعب تصديقه
عبد الباري عطوان
ما حدث في قمة الكويت الاقتصادية من مصالحات بين اطراف متنافرة، بل ومتصادمة، جاء مفاجئاً للكثيرين، فحروب القمم العربية، التي اشتعل اوارها طيلة الايام القليلة الماضية، وما شهدته المنطقة من مقاطعات واستقطابات واصطفافات رسخ انطباعا بأن الشروخ التي اصابت الجسم الرسمي العربي باتت اصعب من ان يتم التئامها، وأنها بصدد الاتساع.
فمن كان يصدق منظر العاهل السعودي الملك عبد الله بن عبد العزيز وهو يسير متشابك الأيدي مع الرئيس السوري بشار الأسد، ومن كان يتوقع ان يرى امير قطر الشيخ حمد بن خليفة يجلس جنباً الى جنب مع الرئيس المصري حسني مبارك بعد المعارك الاعلامية الطاحنة، يتبادلان الابتسامات والأحاديث الودية وكأن شيئاً لم يحدث؟
مشهد صعب هضمه، ناهيك عن تفسيره، يعكس لوغاريتمات السياسة العربية، والطبيعة الغريبة، واحيانا غير المنطقية، لمواقف اقطاب النظام الرسمي العربي، وطريقة تفكيرهم، ومواصفات خلافاتهم او تحالفاتهم، الامر الذي يدفعنا الى طرح العديد من الاسئلة حول اسباب هذا الانقلاب المفاجئ، ومدى جديته، وما يمكن ان يترتب عليه من خطوات عملية في اتجاهات عديدة، وعلى الصعد كافة.
هل هي دماء أطفال غزة التي حققت هذه المعجزة، ام انها العربدة الاسرائيلية التي فاقت كل التصورات في تغولها ووحشيتها، ام هو الصمت الامريكي والغربي، ام هو الهوان العربي، ام انها جميع العوامل هذه مجتمعة حتمت هذا التحول؟
لا نستطيع ان نغرق كثيراً في التفاؤل، لأن خيباتنا من النظام الرسمي العربي ورموزه لا تعد ولا تحصى، فقد شبعنا من الخطابات الرنانة، والكلمات النارية، وعبارات 'العين بالعين، والسن بالسن' وتكرار الجمل الخالدة مثل 'ما أخذ بالقوة لا يسترد بغيرها'، دون ان نرى غير اعتداءات اسرائيلية مهينة ومتواصلة، وقادة عرب يديرون الخد الأيسر لمن يصفع خدهم الأيمن.
هل ما حدث أمر جدي فعلاً، ومؤشر على بداية مرحلة جديدة من العمل العربي المشترك تضع حداً لمسلسل الاهانات الاسرائيلية، والازدراء الامريكي، والاحتقار العالمي لكل ما هو عربي؟ اما انه حدث طارئ لامتصاص حالة غضب شعبي عبّرت عن نفسها بقوة في شوارع المدن والعواصم العربية والاسلامية؟

خطاب العاهل السعودي كان نقطة التحول الرئيسية خلف كل التداعيات التي اطلت برأسها في قمة الكويت، وانعكست في المصالحات التاريخية، في توقيت عربي وعالمي حساس، حيث يقف العالم بأسره امام مرحلة جديدة ومختلفة تنبئ بالكثير من التغييرات، الامر الذي قد يوحي بان المملكة العربية استعادت زمام المبادرة الذي فقدته طوال سنوات التيه السابقة ومنذ مطلع هذا القرن على وجه التحديد، مما قزّم دورها، وصنّفها في خنادق تتناقض مع تطلعات شعبها.
هناك مجموعة من النقاط يمكن استخلاصها من القراءة السريعة لبعض الوقائع التي تبلورت على المسرح العربي، والقمم العربية الاخيرة، والكويتية منها على وجه الخصوص:
اولا: ادرك النظام الرسمي العربي انه يقف امام تحد اسرائيلي شرس ينسف كل الآمال بجدوى التعامل السياسي السلمي معه، مما يعني ان الاستمرار في استجداء السلام بدأ يعطي نتائج عكسية تماما.
ثانيا: اكدت الاتفاقات الامنية الامريكية ـ الاسرائيلية لمراقبة الحدود المصرية مع قطاع غزة لمنع تهريب الاسلحة، ودون دعوة القيادة المصرية او حتى التشاور معها، ان العلاقة الامريكية مع دول محور الاعتدال العربي، ليست علاقة تحالفية وانما 'خدمية' حيث ترى واشنطن العرب كمجموعة من التابعين باتت وظيفتهم محصورة في خدمة حروبها، وحماية اسرائيل. والشيء نفسه يقال ايضا عن تجاهل اسرائيل للمبادرة المصرية لوقف اطلاق النار، وانهاء الحرب من طرف واحد ودون التشاور مع الوسيط المصري.
ثالثا: نجح الرأي العام العربي المغيّب في فرض نفسه على النظام الرسمي العربي، من خلال مظاهراته الاحتجاجية الصاخبة والمستمرة، الامر الذي اعطى ثماره في اجبار الانظمة على وقف نظرتها الازدرائية غير المبالية للشارع العربي.
رابعا: صمود اهل قطاع غزة الاسطوري لأكثر من ثلاثة اسابيع في وجه العدوان الاسرائيلي، ودون اي دعم رسمي عربي، عسكري او سياسي، وفشل كل الرهانات على رضوخهم للابتزاز الارهابي الاسرائيلي والانقلاب على المقاومة وفصائلها وثقافتها.
خامسا: تعاظم المعارضة لحال الخنوع العربي الراهنة، واقدام دول على خطوات عملية للمرة الاولى لتبرئة نفسها من تهم التواطؤ مع الاحتلال، وتبلور حالة من الفرز في اوساط الانظمة، بين من يريد ان يفعل شيئا عمليا كرد على الاذلال الاسرائيلي ـ الامريكي، ومن يتحلى بفضيلة الصمت، واعطاء اسرائيل فرصة لانهاء المقاومة. ورأينا قطع علاقات مع اسرائيل، ومطالبة قوية بسحب مبادرة السلام العربية، والتلويح بخطوات اخرى قادمة.
سادسا: مساء اليوم تنتهي فترة حكم اكثر الزعماء الامريكيين كراهية للعرب والمسلمين، وصداقة وتأييدا للاسرائيليين ومشاريعهم وحروبهم ضد العرب والفلسطينيين خاصة، وتبدأ فترة ادارة جديدة تعد بالتغيير، وتقليص الاعتماد على العرب ونفطهم، وفرض احترام قيم حقوق الانسان والديمقراطية، الامر الذي يفرض على النظام العربي، او رموزه الاساسية اعادة ترتيب اوضاعها، والتخلي عن بعض جوانب غطرستها وجنوحها، ومحاولة اصلاح الجسور مع انظمة اخرى اختلفت معها، وعادتها لاسباب شخصية محضة، وليست استراتيجية.
سابعا: لعب الاعلام العربي، والشريف منه على وجه الخصوص، دورا فاعلا في تعرية المتواطئين مع العدوان، والمتدثرين بعجز مفتعل عن مواجهته لاسباب غير وجيهة، علاوة على كونها غير مقنعة، سواء من خلال ابراز الوحشية الاسرائيلية في قطاع غزة، ومظاهر الصمود الاعجازية للثكالى والاطفال المقطعة اوصالهم، او الاطباء الذين يعملون ببطولة لانقاذ المصابين، او تحريض الشارع العربي ضد الانظمة، وتعبئته خلف عملية التغيير على مستوى القمة.

لعلها 'صحوة'، او بوادر حراك في اتجاه صحيح، وفق بوصلة جديدة، ترتكز قاعدتها على معجزة مساحتها مئة وخمسون ميلا مربعا اسمها قطاع غزة، تضم شعبا من الجبارين فعلا، قد تكون حلما كاذبا يدفعنا الى التريث والحذر لاننا لدغنا كشعوب في مرات سابقة، وانخدعنا بخطابات نارية مماثلة، وقد تكون 'انتفاضة' حقيقية وجدية تؤشر لمرحلة جديدة.
نفضل التريث قليلا، وانتظار الايام المقبلة، حيث سيهدأ غبار قمة الكويت، ويعود الزعماء العرب الى بطانتهم وقصورهم، بعدها سنرى الحقائق على الارض، واضحة للعيان، ونأمل ان تكون شكوكنا وحذرنا وعلامات استفهامنا في غير محلها.
ختاما نقول ان اي مصالحة عربية ـ عربية، او فلسطينية ـ فلسطينية لا تستند الى ارضية مقاومة المشروع الاسرائيلي هي مصالحة مغشوشة، ستصطدم حتما بالشارع العربي، ولن تنقذ النظام الرسمي العربي.

رجال غزة لا يريدون فتاتكم


رجال غزة لا يريدون فتاتكم 
عبد الباري عطوان
لا نعرف كم من الاطفال والنساء تحتاج اسرائيل الى قتلهم وتمزيق اجسادهم بقذائف دباباتها وصواريخ طائراتها حتى تروي ظمأها، وتوقف عدوانها الوحشي الحالي على قطاع غزة. فيبدو ان تجاوز رقم الضحايا حاجز الألف شهيد، وخمسة آلاف جريح ليس كافيا، فهناك تعطش للمزيد.
ولا نعرف ايضا كم سيحتاج الزعماء العرب من الوقت حتى يتحركوا من اجل انقاذ كرامتهم، او ما تبقى منها، هذا اذا تبقى شيء، قبل الاستجابة لنداءات الثكالى، وأنين الجرحى، وصراخ الاطفال المرعوبين من القصف الاسرائيلي المتواصل.. ثلاثون يوما، اربعون يوما، ام عدة اشهر؟
عشرون يوما، والحكومة المصرية تتفاوض مع نظيرتها الاسرائيلية على مبادرة مهينة، تحقق للمعتدي كل ما يتطلع اليه من اهداف، ومع ذلك يتدلل، ويطلب المزيد من التنازلات والدماء.
كنا نتطلع الى قمة عربية حاسمة، تعكس تحركا عربيا رسميا يوظّف إمكانات هذه الامة، وهي كثيرة ومؤثرة، لوقف هذا العدوان، فانتهينا بثلاث قمم، هبطت علينا دفعة واحدة، اولها خليجية انعقدت فعلا في الرياض امس، والثانية طارئة بايعاز من معسكر دول الممانعة، جرى اجهاضها بشكل مؤسف، وكان من المقرر ان تبدأ اعمالها اليوم، وثالثة قادمة ستكون الكويت مسرحها يوم الاثنين المقبل.
دول ليست لها علاقة بالعروبة، ولا تنتمي الى العقيدة الاسلامية انتصرت لاستغاثات الضحايا في قطاع غزة، وبادرت الى قطع علاقاتها فورا مع الدولة العبرية (فنزويلا وبوليفيا)، بينما ما زالت الاعلام الاسرائيلية ترفرف، في استفزاز غير مسبوق، في اكثر من عاصمة عربية.
من يريد ان يتحرك لا يحتاج الى انعقاد قمم عربية، عادية او طارئة، فقط يبادر باتخاذ خطوات عملية، كل قدر امكانياته، حتى يترجم اقواله الى افعال، ويبرئ نفسه، امام الله ومواطنيه، من تهمة التواطؤ مع هذه المجازر التي نتابع تفاصيلها الدقيقة، ساعة بساعة، عبر شاشات التلفزة.
اعتقدنا ان ضخامة الفجيعة في غزة ستكون عامل توحيد للعرب والمسلمين، وكم كنا متفائلين سذج، فقد استخدمها البعض بطريقة بشعة لتعزيز هذا المحور في مواجهة ذاك، او العكس تماما، الامر الذي شجع اسرائيل وآلتها الدموية الجبارة على مواصلة عمليات التصفية والتطهير العرقي دون رادع.

السيدة تسيبي ليفني وزيرة خارجية اسرائيل قالت انها تخوض هذه الحرب نيابة عن معسكر المعتدلين العرب، ولخدمة اهدافهم في التخلص من 'ارهاب' حركة 'حماس' والفصائل الاخرى، ويبدو انها اصابت في اقوالها هذه، لان هذا المعسكر هو الذي يعرقل اي تحرك عربي فاعل، ويقوم بعضه بدور الوسيط المنحاز ضد بني قومه.
اهالي قطاع غزة الصامدون لا يريدون اكفانا يرسلها اليهم اشقاؤهم في عواصمهم المترفة، ولا خبزا، او حفنة ادوية، وانما الاسلحة، والمواقف العملية الرجولية، فماذا سيفعل هؤلاء بالخبز وهم يواجهون الموت في اي لحظة، ويهيم اطفالهم وسط انقاض البيوت المدمرة يبحثون عن امهاتهم بين ركامها ؟ .
الحكام العرب يفضلون شد الرحال الى قمة الكويت الاقتصادية، للاتفاق حول كيفية استثمار اموالهم وفوائضهم بشكل اكثر ربحية، وتنسيق المواقف لضمان اسعار افضل لنفوطهم، اما دماء اطفال غزة فتحتل مرتبة متدنية على جدول اولوياتهم، هذه هي الحقيقة المخجلة التي يبتعد الكثيرون عن ذكرها.
العالم الغربي الذي يدعم اسرائيل، ويوفر الغطاء الشرعي لعدوانها المتواصل، لا يفهم الا لغة المصالح. ومصالحه تنحصر في امرين اساسيين هما أمنه وجيبه، ومن المؤسف انه لا يوجد اي تحرك عربي او اسلامي، يهدد أيا منهما، لا من دول الممانعة ولا من دول الاعتدال، فقد تساوى الجميع في حالة العجز المزرية التي نراها حاليا بأم اعيننا.

السيد احمدي نجاد رئيس الجمهورية الاسلامية الايرانية ينتقد عجز الزعماء العرب المعتدلين، مثلنا تماما ككتاب ومعلقين، ولكننا لا نملك غواصات وصواريخ وحرسا ثوريا مثله، ولا نستطيع اغلاق مضيق هرمز في وجه الملاحة الدولية، فلماذا لا يفعل السيد نجاد وحلفاؤه شيئاً عملياً لتخفيف العدوان على أهل غزة؟ نستجديهم ان يقدموا على أي خطوات عملية، تثبت لنا انهم مختلفون عن الحكام العرب الآخرين المتواطئين مع العدوان الاسرائيلي.
ندرك جيداً انهم مستهدفون، وان العدوان على غزة هو مقدمة لعدوان قادم عليهم، ولا نريدهم ان يقعوا في مصيدة الاستفزاز الاسرائيلي، ولكن لا بد ان هناك اوراقاً في ايديهم يمكن استخدامها بفاعلية لاظهار تميزهم، وتأكيد مشاعرهم الوطنية الطيبة في دعم المقاومة وفصائلها المتعددة في هذه الحرب المصيرية.
من حقنا ان نسأل العاهل السعودي الملك عبد الله بن عبد العزيز ما اذا كان يشاهد اشلاء اجساد الأطفال في قطاع غزة مثلنا عبر شاشات التلفزة، واذا كان يشاهدها فماذا ينتظر، وهو خادم الحرمين الشريفين، والحليف الأوثق للولايات المتحدة والغرب، وصاحب مبادرة السلام العربية، وحوار الأديان؟
نوجه السؤال نفسه الى الرئيس المصري حسني مبارك الذي نعتقد انه على قناعة تامة بأن دور الوسيط الذي يمارسه حالياً هو افضل ما في جعبته، ونسي وهو قائد سلاح الطيران اثناء حرب اكتوبر المجيدة، ان دور مصر هو اشرف وأكبر من ذلك بكثير، ولكن يبدو انه لا يريد احدا ان يذكره بأبسط واجباته كعربي ومسلم، بل وكإنسان، فقد سدّ اذنيه واغمض عينيه عن كل هذه المناظر والصور التي تزعج حياته، وتنغّص عليه استمتاعه بها فيما تبقى له من سنوات العمر.

اما السلطة الوطنية في رام الله فقد باتت تتصرف وكأنها احد كانتونات النظام العنصري السابق في جنوب افريقيا، تراقب الامور من بعيد، وتكتفي بارسال المعونات الغذائية والطبية الى القطاع، ومساندة المبادرة المصرية لوقف الحرب. سلطة لم تمارس اي نوع من الضغط على اصدقائها في اسرائيل، بل على العكس من ذلك سهلت مهمة عدوانهم بقمعها للمظاهرات الاحتجاجية في مدن الضفة الغربية.
يتحدثون في رام الله عن معارضتهم لفصل الضفة عن القطاع، ويؤكدون انهم لن يعودوا الى غزة على ظهور الدبابات الاسرائيلية، فليثبتوا هذا عملياً، وليقدموا على خطوات فعلية تؤكد نواياهم، وليكونوا القدوة الصالحة للعرب الآخرين، من حيث حل هذه السلطة واعلان موت العملية السلمية التي يراهنون عليها، والعودة الى خيار المقاومة.
قطاع غزة وقع تحت الاحتلال الاسرائيلي مرتين، وهذه هي المحاولة الثالثة، وقدم الآلاف من الضحايا والشهداء، وخرج في كل مرة قوياً، منتصراً وعنيداً في تمسكه بالمقاومة وثوابته الوطنية، ومن المفارقة ان 'حماس' لم تكن موجودة في المرتين الأوليين، وانما الادارة المصرية التي آمنت بوحدة المصير، ورفضت الرضوخ للمشروع الاستعماري الاسرائيلي الغربي، واختارت الانحياز للشهامة والكرامة والقيم العربية والاسلامية العريقة.
الاجيال الفلسطينية المقبلة التي ستنهض من ركام هذا الدمار قطعاً ستكون مختلفة، وقد لا تقبل بما يقبل به الجيل الحالي، وتسعى للانتقام من كل الذين خذلوا آباءها، وتواطأوا مع العدوان، وتتعامل مع هؤلاء تماماً مثلما ستتعامل مع المعتدين، ان لم يكن اكثر. وعلينا ان نتذكر حلم وأمنية اسحق رابين بان يصحو يوما من النوم ليجد غزة وقدغرقت في البحر واختفت كلياً.

إبراهيم عيسى يكتب : أحضان الرئيس


إبراهيم عيسى يكتب : أحضان الرئيس

لا أعرف كيف سيستقبل الرئيس مبارك رئيس وزراء إسرائيل أولمرت أو غيره خلال الأسابيع المقبلة بالأحضان، كما يفعل دائمًا مع رؤساء ومسئولي إسرائيل؟! لا أعرف كيف سيبتسم ويتبادل القبلات والمصافحات أمام الكاميرات والضحكات التي تظهر في الصور الملتقطة قبيل اللقاء المغلق؟!

سيقول البعض إنها لوازم السياسة وبروتوكول الدبلوماسية، لكن الحقيقة أن أحدًا لم يلتق هتلر بعد ما فعله من حروب وتدمير بهذه الابتسامات والأحضان، ولم يستقبل أحد سلوبودان مليسوفيتش بعد مجازر الصرب ضد المسلمين بالأحضان والقبلات، ثم إن السياسة والدبلوماسية لا تقولان لنا: «احضنوا القتلة وابتسموا للمجرمين وعانقوا السفاحين»، بل السياسة واللياقة والعدالة تقول: «عاقبوهم وقاطعوهم وامنعوهم من دخول أرض مصر لأنهم مجرمو حرب وقتلة أطفال ومرتكبو جرائم ضد الإنسانية».. أتذكر في مباحثات الكيلو 101بين مصر وإسرائيل ـ وهي المفاوضات التي جرت عقب انتهاء حرب أكتوبر ووقف إطلاق النار من أجل الاتفاق علي ترتيبات ما بعد الحرب، فيما يخص تبادل الأسري واعتبارات أخري ـ أن وجه الفريق عبدالغني الجمسي ورفاقه من أبطال أكتوبر الذين يتفاوضون مع الصهاينة كان جادًا وقسماتهم حادة ومعبرة عن حوار مع عدو وليس صديقا نأخذه بالأحضان، لكن التعامل العادي والطبيعي والدبلوماسي مع القتلة أمر غريب ومذهل في إسقاطه لكرامة وكبرياء ودم العرب وشهداء العدوان الإسرئيلي الذي استخدم أسلحة محرَّمة دولياً ومجرَّمة إنسانيًا ضد أطفال ونساء بترن أطرافهم وأحرقت عيونهم وجلودهم.. كيف يسمح لنفسه الرئيس مبارك أن يصافح باسم شعب مصر وباعتباره رئيس هذا البلد (أيا ما كان رأينا في تزوير انتخابات الرئاسة) أن هؤلاء المجرمين؟!
لكن الرئيس فعلها بعد حرب إسرائيل الهمجية والمجرمة علي لبنان وبعد مجزرة قانا في 2006 .. ابتسم مبارك وصافح مرتكب هذه المذبحة مجرم الحرب إيهود أولمرت وعانقه في ابتسام الرضا، ولف مجرم الحرب ذراعه حول كتف رئيسنا، والأغلب أن مبارك لن يلتفت ولا مستشاروه لمشاعر ومواقف العرب والمصريين ولن يمانع في مقابلة ومعانقة مجرمي الحرب، كأن مصر تكافئهم بقبلات رئيسها وحرارة الأحضان علي قتل الأطفال والشيوخ وهدم المساجد، سيحدث ذلك وأكثر، خصوصا أن الحكومة التي رفعت المشانق الإعلامية لحركة حماس بسبب استشهاد ضابط مصري في تبادل إطلاق نار عشوائي أثناء محاولة دخول فلسطينيين إلي رفح المصرية (طبقا للرواية الرسمية الأولي قبل اللعب أو التلاعب الأمني فيها ) هي التي سكتت بإعلامها وطنينه وزنه عن إصابة جنود مصريين علي الحدود مع رفح بإطلاق الصواريخ والمدافع الإسرائيلية، بل وتقرأ نص بيان وزارة أبو الغيط (المعروفة إعلاميا باسم الخارجية المصرية) الذي يقول لا فض فوه إن سفير إسرائيل في القاهرة شالوم كوهين قدم اعتذار بلاده يوم الإثنين لإصابة خمسة مصريين في القصف للمنطقة الحدودية مع غزة يوم الأحد. وقد جاء الاعتذار الإسرائيلي وكان مصدر أمني مصري قد أعلن أن صاروخًا إسرائيليًا آخر سقط يوم الإثنين علي الجانب المصري من الحدود لكنه لم ينفجر.

وكان ثلاثة من رجال الشرطة المصريين وطفلان في الثانية والخامسة من عمريهما قد أصيبوا يوم الأحد بشظايا صواريخ بالقرب من الحدود بين مصر وغزة إثر قصف إسرائيلي استهدف أنفاق التهريب.وقال المتحدث الرسمي باسم وزارة الخارجية المصرية حسام زكي(مش بس حسام لا وكمان زكي !): إن السفير الإسرائيلي بادر بهذا التحرك بتعليمات من حكومته، حيث أعرب للجانب المصري عن اعتذار الحكومة الإسرائيلية عن ذلك موضحًا أن هذا القصف كان المقصود به بعض أهداف عسكرية علي الجانب الفلسطيني(كأن ضرب أهداف فلسطينية أمر مشروع وعادي وفيها إيه يعني الراجل كان بيضرب في فلسطين جت النار في مصريين، نيران صديقة يعني ماتقدش ). وأضاف أن السفير الإسرائيلي قدم كذلك اعتذار حكومته عما حدث من تداعيات علي الجانب المصري! والسؤال: إذا كان السفير الإسرائيلي قد اعتذر فهل قبلت مصر اعتذاره؟.. يا نهار أسود ما هذا الهوان وما هذه الإهانة (كأنك تحصل علي عبوة الهوان فتأخذ عبوة الإهانة مجانا) أهذا ما قدرت عليه مصر، طبعاً سيصرخ صارخ فوراً ويقول يعني عايزنا نحاربهم عشان غلطة مش الحمدلله إنها جاءت علي قد الإصابات والعيلين لم يموتا، والإجابة: لا يا سيدي لا نريد حرباً ولا ضرباً ولا نطلب ولا نطالب هذه الحكومة، إلا بأن تتوقف عن وضع رأسنا في الطين السياسي كما تفعل!.. حيث إن هناك حدوداً دنيا للإهانة والمذلة، لم يقل لكم أحد حاربوا ولا ناضلوا ولا قاوموا ولكن كونوا محترمين.

أليست هناك أي فرصة في أن تتشددوا ويتشدد الحكام العرب معكم قليلا، وأن يفتح الله عليكم وعليهم بكلمتين فيهما بعض الحرارة وسمت الرجولة و رائحة كبرياء، كي يتوقف شلال الضرب والشلاليت والركل في مؤخرة الأمة العربية التي نتلقاها يوميا من قادة إسرائيل وأمريكا، ألا يمكن أن يغامر وزير لا راح ولا جاء من مصر (وما أكثرهم) أو من السعودية أو الأردن ويقول كلاما قويا فيه موقف واضح يرفض التذلل الذي تعيشه التصريحات العربية ويندد بحالة الغرام بالخيار الإستراتيجي الذي تأكله الأمة كل ليلة قبل أن تنام؟! لماذا لا يخرج سياسي رسمي (نظمي) عربي ويصرح بأن الحكومات العربية لم تعد تتحمل الوعود الفارغة التي تطلقها أمريكا لهم ولم تعد تستطيع السكوت عن الهوان أمام إسرائيل وحكامها الذين يتبارون أمام الناخب الإسرائيلي في ارتكاب المذابح ضد الفلسطينيين والعرب لا يهمهم كلام ولا تحذير ولا رجاء من رئيس مصر أو ملك الأردن أو السعودية أو أمير قطر ولا يعيرون تهديدات رئيس سوريا ولا شخط القذافي أي اهتمام ولا أهمية ولا يفرق معهم أي حاكم من حكامنا من أكبر كبير إلي أكبر وريث؟.. كل ما نسمعه من حكامنا وتابعيهم ومنافقيهم هو هذا الكلام السقيم المريض عن السلام والخيار، هذا الإصرار المدمن علي التذلل، وهم أحرار في أنفسهم لكن الذي يدفع الثمن هو الشعب الذي بدأت السجون في أوطانهم تفتح أبوابها لمن يقود المظاهرات ضد إسرائيل وبدأت الشرطة تجرجر زعماء المظاهرات إلي مديريات الأمن والتخشيبة، والنيابات تستدعي رموزهم وصحف عسس الدولة تستعدي الأمن والحاكم عليهم وتتهمهم بالعمالة والخيانة بل وتطلب من إسرائيل أن تلقنهم درساً. الشعوب الآن تري حكامها يهانون من إسرائيل التي تشخط فيهم وتأمرهم وتهددهم، ورغم ذلك فهؤلاء الحكام يتذللون من أجل أن يرضي عنهم أولمرت أو ليفني أو باراك ليجلسوا علي مائدة تفاوض تحت رعاية ودعم ومباركة ومشاركة من الولايات المتحدة الأمريكية التي تحب أن تري حكام العرب في حظائر الطاعة وتحت السيطرة ويعملون محافظين أمريكيين للأقاليم العربية، وتحب أن تري خصوم وأعداء إسرائيل من القوي العربية الوطنية مضروبين و ممزقين ومحبوسين ومنتهين تماما.. و يبدو أنها سوف تري ما تحبه، لكن المشكلة أن الحاكم «حمامة» سلام أمام إسرائيل و«أسد غضنفر» علي شعبه،فالحاكم العربي مقبول أمريكيا ومسنود صهيونيا طالما أنه يطبِّع ويسلِّم ويستسلم لإسرائيل، أما لو كان الحاكم ديمقراطيا ومحترما لحقوق الإنسان ولكنه ضد إسرائيل واحتلالها وعنصريتها فهو حاكم مكروه ومطلوب انكساره ودمه لدي أمريكا، من هنا فما يريده الأمريكان من حكامنا ليس إصلاحا ولا ديمقراطية ولا حرية انتخابات ولا حقوق إنسان، وإنما المطلوب الاستسلام أمام إسرائيل،.. تأمل برقية الشكر والإشادة التي أرسلها جورج بوش إلي مبارك يحييه فيها علي موقفه الحكيم في العدوان الإسرائيلي علي غزة!! كم أن بوش راضٍ عن مبارك وسياسته، فهل مازلت تصدق أنه كان يطالبه بالإصلاح السياسي والديمقراطية؟!.. لتذهب الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان العربي أمام مصالح إسرائيل إلي أقرب مقلب زبالة !!

العالم العربي يدور في دوائر من الكذب السياسي المقيت والسقيم، فهناك منافقون يطبلون ويزمرون لكل حاكم (من يوالي أمريكا ومن يساند إسرائيل ومن يعادي أمريكا ومن يعاند إسرائيل) ويسبحون بحمده ويقدسونه كأنه الولي الصالح أو الإله العادل ويبيعون ضمائرهم وأوطانهم مقابل البقاء في المقاعد والحصول علي الفوائد واكتناز الذهب والفضة، وهناك حكام بلغ بهم الإحساس بالعظمة ومرض السلطة وشهوة الحكم وشراهة الفساد فتخيلوا أنفسهم آلهة وأنبياء ووضعوا لحذاء أولادهم مكانا علي رقبة الوطن يرثون العواصم والخزائن والفساد والاستبداد من بعدهم، والمضحك المبكي أنهم (هم وأبناؤهم) يتحدثون طول الوقت عن ديمقراطيتهم وحريتهم وحرية مواطنيهم في كذب مريع وفصام شخصية ونفاق سياسي مذهل، الأمثلة كثيرة وأكتر من الهم علي القلب في الوطن العربي طولا وعرضا، لكن دعنا نعود إلي مصر ونتأمل ما يردده أصحاب السيادة من السادة المسئولين بالأسطوانة اليومية بتاعة مصلحة مصر وأن تصرفات الحكومة والحكم تجاه العدوان الإسرائيلي علي غزة قال إيه تنبع من مصلحة مصر ( لا أعرف لماذا تتداعي إلي ذهني جملة مصلحة السجون كلما سمعت جملة مصلحة مصر علي لسان مسئول لا يسائله أحد كالعادة !!) ولا نعرف هل هي مصلحة مصر أم مصلحة الحكم والحكومة في طول البقاء والجلوس علي الكراسي أبد الدهر وحتي الموت (موتهم هم وموت الشعب أيهما أقرب !!)؟ هل مثلا يعني مصلحة مصر أن تصبح دولة مرتشية من أجل قروض معونات ( تبددها الدولة كالعادة وتفلسنا كالمعتاد وتسرق منها طبعا وتفسد من خلالها وشييء لزوم الشيء وأبجني تجدني.. وما إلي ذلك ثم ذلك نفسه !!)؟!.. نرتشي بالقروض مقابل أن نبيع رأينا ونتخلي عن شعب لا تملي علينا فقط أوامر الإسلام والمسيحية مناصرته ودعمه والقتال معه بل تملي ذلك أيضاً الإنسانية والقيم الأخلاقية، فلو أن ما يجري في غزة من مذابح ومجازر ليس موجها ضد بشر بل ضد حيوانات لكان واجبا علينا أن نواجه عدوان إسرائيل ضد هذه الحيوانات، آه والله العظيم لو هذه المجازر الإسرائيلية تتم ضد مجموعات وقطعان ماشية لكان واجبا علينا أن نواجه العدوان بكل قوة وصلابة ورجولة فما بالك وهؤلاء ليسوا حيوانات يا قساة ياغلاظ القلب يا عديمي الرحمة والمروءة بل هم بني آدمين من دمنا ومن ديننا، مسلمين ومسيحيين وإخوتنا وبني جلدتنا ولغتنا وثقافتنا وعشرتنا وعشيرتنا. الضمير والواجب بل والمصلحة المصرية المباشرة تحتم علينا مواجهة إسرائيل والتصدي لها حتي لو كانت غزة حديقة حيوان مفتوحة وليست إقليما غاليا وعزيزاً وعظيما يحتشد فيه أعرق الشعوب وأكثرها حضارة، شعب المسجد الأقصي وكنيسة القيامة ومهد المسيح ومسري الرسول محمد صلي الله عليه وعلي آله وسلم، فهل مصلحة مصر أن نبيع أمنها القومي وواجبها العربي والإنساني من أجل رضا أمريكي ومعونات وحتي لا نفقد قرابة اتنين مليار دولار منحا وقروضا سنوية من الولايات المتحدة الأمريكية؟!.. بلا ستين خيبة، رجال الأعمال «السوداء» هربوا وضيعوا أكثر من المعونة الأمريكية سنويا تحت بصركم وربما من خلالكم شخصيا، ثم لو كان مال قارون هل هذا يجعلنا دولة ساكتة ساكنة خائبة كل ما تفعله هو الاتصال التليفوني بكوندوليزا رايس وتسيبي ليفني لنطالبهما بسرعة الانتهاء من ضرب وتدمير غزة واحتلالها لأن هناك عواقب وخيمة علي المنطقة لو قاومت حماس وطالت الحرب؟! طيب بالذمة تسمي هذا الرأي وذلك التصرف إيه في عالم السياسة؟ بلاش السياسة في عالم الأخلاق والكرامة، ثم مصلحة مصر يا حبايب مصر حبايبنا، ليست مصلحة حكام مصر ، ألم تر ماذا فعلت تركيا فهي دولة ديمقراطية حقا، يحدد الشعب التركي مصلحته ومصلحتها بنفسه وليس عبر مجموعة من المستبدين والوارثين الذين يسيطرون علي بلد منذ أكثر من ربع قرن وظنوا أن مصلحة تركيا هي مصلحتهم الشخصية في البقاء علي الحكم أبديا وسرمديا، تركيا رفضت يا حكامنا ستة مليارات دولار منحة كاملة من أمريكا (وليس اتنين مليار قرض بفائدة بنكية زي جماعة) في فترة ضرب العراق ورفضت مرور طيران أمريكي في سمائها، مجرد مرور وعبور طائرات أمريكية سماء تركيا لضرب العراق كان ممنوعا ومرفوضا من تركيا، ثم في الحرب الإسرائيلية القذرة علي غزة كانت تركيا بلدا عظيما شامخا وبكل كبرياء إسلامي يستعيد عظمة ومجد الدولة العثمانية أدانت تل أبيب ولقنتها درسا وهددتها وخرج الشعب التركي في مظاهرات بالملايين وحافظت تركيا علي مكانتها واحترامها وقيمها وإسلامها واستقلالها عن القرار الإسرائيلي والأمريكي، ليه ؟ لأنها بلد ديمقراطي حر ولم تذعن للترغيب ولا للترهيب، فأردوجان لا يريد توريث ابنه ولا ابن أخيه مقعد الحكم، والشعب الذي اختار هناك حكامه اختارهم كي ينفذوا إرادته، وليس ليكونوا أوصياء عليه ويتصرفوا من وحي مصلحتهم الشخصية الضيقة التي يدعون أنها مصلحة بلدهم !! ثم هي بلدهم وليست عزبتهم!!