‏إظهار الرسائل ذات التسميات إحسان عبدالقدوس. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات إحسان عبدالقدوس. إظهار كافة الرسائل

من حـال الصحافـة والصحفيين

محمود عوض
هى فكرة. فى واقع الصحافة المصرية كان القلق مما يجرى متزايدا. هناك تآكل فى المدارس الصحفية. ولم يعد الصحفى الأجود مهنيا فى المقدمة. وفى أحيان عديدة أصبح انشغال الصحف ببعضها البعض أكثر من انشغالها بقضايا الناس. ومع ضغوط الحياة أصبح صحفيون واعدون يهاجرون مؤقتا إلى الصحافة العربية فى الخليج وغير الخليج. ومن يعد منهم بعد سنوات، يكتشف أنه ربما كسب مالا لكنه خسر عمرا، ومهنة، ومستقبلا. واستجد فى الداخل إغراء الخلط بين الصحافة والإعلان، وهو ما يعتبره الضمير الصحفى فى طليعة المحرمات الكبرى التى يعنى انتهاكها نسف مصداقية الصحافة والصحفيين معا.

هل يمكن فى هذا المناخ السائد أن تسترد الصحافة المصرية معايير مهنية فى الأداء، تصبح نموذجا يحتذيه الآخرون؟ هل يمكن إتاحة شعاع من الضوء يهدى الصحفيين نحو مستقبل أفضل؟ هل يمكن أن نستلهم عناصر القوة القليلة الباقية فى صحافتنا، وهى التى نشهد تراجعها، فى مواجهة ضغوط ومصالح ضارية متصاعدة؟ وهل يتحقق هذا الأمل إلا بالعودة إلى استنهاض أهم تلك العناصر فى المهنة الصحفية، وهم الصحفيون أنفسهم؟ أتحدث هنا عن تجربة ذاتية فى أحد جوانبها.. لكنها موضوعية فى نهاية المطاف.
هى فكرة.

أتحدث عن يوم وجدت نفسى فيه منتخبا من جموع الصحفيين المصريين عضوا فى مجلس نقابتهم، بغير أن أكون قد فكرت سابقا فى مثل هذا التوجه. أتحدث عن سنة 1984، وكنت فى ذروة صراع تصديت فيه لأحد أبرز جوانب الفساد والانحراف فى سلطة الإدارة، فاخترت اللجوء إلى القضاء ثقة فى القانون والعدالة من ناحية.. ولأننى لم أرغب فى الهبوط بمستوى الصدام إلى تمزيق متبادل للثياب يستنزف الجهد والطاقة، بعيدا عن صلب الموضوع، بمثل ما رأيته يحدث سابقا لزملاء موهوبين آخرين، جرى سحق موهبتهم مبكرا.. وبلا رحمة.. ليتحولوا إلى أشلاء.

ربما توسم صحفيون عديدون، معظمهم موهوبون، أن إقناعى بدخول مجلس نقابة الصحفيين، قد يعطيهم أملا فى حماية أكبر لمواهبهم ولمستقبلهم. لم أكن انتخابيا بطبعى.لكنهم بشرونى بأن كل ما يطلبونه منى هو التوقيع على استمارة الترشيح للانتخابات وهم كفيلون بالباقى. لم أصدر أى بيان انتخابى. لم أطلق أى وعود. لم أقم بأى جولة فى أى مؤسسة صحفية. لكنهم شكلوا من أنفسهم لجانا تقوم بكل ذلك نيابة عنى. ومن تلك اللحظة بدأت أخوض التجربة كما لو كنت أشاهد فيلما سينمائيا تفاجئنى مشاهده. وجاء المشهد الأخير بفرز أصوات الناخبين بما جعلنى عضوا فى مجلس نقابة الصحفيين مع أحد عشر زميلا آخر. وفى أول اجتماع للمجلس الجديد، جرى توزيع مسئولية الأعضاء على لجان العمل النقابى.. كلجنة الإسكان ولجنة العلاقات الخارجية ولجنة النشاط.. و.. و.. بقيت لجنة الحريات. عندها قال النقيب وبعض الأعضاء: لنترك رئاسة تلك اللجنة لمحمود عوض.

لم أعرف لحظتها.. هل النقيب يعطينى جائزة.. أو برميل بارود. لا تهم الإجابة هنا. المهم أنه بعد انتهاء الفيلم كله جلست أفكر: ماذا سأفعل مع الذين أعطونى ثقتهم على بياض، ودفعونى إلى عضوية مجلس نقابة الصحفيين من خلال صندوق الانتخاب؟ إن مدة العضوية أربع سنوات. وبالتأكيد هناك سؤال مشروع قد يطرحه على زملاء صحفيون من الآن فصاعدا، خلاصته: ماذا فعلت بأصواتنا؟ ماذا فعلت لنا؟ لم أكن بالطبيعة أصلح للوساطة فى أى شىء من نوع الوساطة للحصول على تليفون أو سيارة أو شقة، وكل تلك الأشياء التى قد يتوقعها البعض خدمات نقابية. لكن السؤال يظل مشروعا، وإجابتى عنه يجب أن تكون جاهزة ومقنعة. وفى النهاية اخترت أن تكون إجابتى هى فى صلب المهنة الصحفية وليس فى قشورها. كان اختيارى هو: إقامة أول مسابقة سنوية تكافئ المتميزين والمتفوقين مهنيا فى الصحافة المصرية.
هى فكرة.

لكن حتى الأفكار تحتاج إلى أجنحة لكى تحلق. وفى حالتنا هذه يصبح المال مطلوبا بشدة. فإذا كنت أفكر فى مسابقة سنوية لاختيار أفضل الأعمال المنشورة من حيث الأداء المهنى، فإن الصحفى الفائز يريد جائزة تتجاوز مجرد أن أقول له: أحسنت. وحديث المال هنا يبدأ من حقيقة مفزعة، عرفتها فى أول اجتماع لمجلس النقابة للتصديق على ميزانية سنة سابقة. فى الميزانية إعانة سنوية تتلقاها النقابة من الحكومة لتسديد المعاشات وتغطية خدمات أخرى، لا تكفى اشتراكات الأعضاء لتغطيتها. لم أكن أريد أيضا اللجوء إلى المؤسسات الصحفية لتمويل الجوائز لأن هذا يجعل الجوائز أسيرة للمصالح السائدة.. وهى فى معظمها مصالح صنعت الواقع الذى جعل الصحفى نفسه أرخص ما فى المهنة، بدل أن يكون أغلاها.

وقلت لزملائى: إننى أفكر فى أن تعبر هذه الفكرة عن مسابقة مهنية حقيقية . مسابقة مستقلة ومنزهة عن الهوى والغرض والسياسة. وأول ما تعنيه استقلالية المسابقة، هو استقلالية تمويلها. سوف أسعى لإقناع كبار الصحفيين بأن يكونوا هم أنفسهم ممولى هذه الجوائز السنوية، وبأن تكون لجان التحكيم وترشيح الأعمال الفائزة من صحفيين مخضرمين لهم رصيد حقيقى داخل المهنة، من حيث موضوعيتهم ومصداقيتهم ونقاء ضميرهم.
وقال لى بعض الزملاء: لكن كبار الصحفيين هؤلاء، عازفون عن النقابة. هم لا تلزمهم النقابة أصلا.
قلت لهم: هم لا تلزمهم النقابة. صحيح. لكن هم لازمون للنقابة. وهذا سيكون هو التغيير.

هى فكرة. لكن الأفكار مهما كانت جاذبيتها ترتبط بواقع. وفى الواقع كانت مفاجأتى كبيرة، حينما جلست مع أحد شيوخ المهنة لإقناعه بالمساهمة، لكنه بادرنى بالتساؤل معترضا: هل الصحافة بأوضاعها الراهنة تستحق أن نقدم لها جوائز؟ فليقوموا أولا بإصلاح الصحافة قبل أن نقوم نحن بعمل جوائز لها. أجبته قائلا: ولماذا لا نبدأ نحن بإعطاء النموذج؟ لماذا لا نعطى أملا للصحفيين الموهوبين، وهم بالطبيعة أقلية فيشدون إليهم الآخرين.. وهم أغلبية ؟ لم أنتظر إجابة. لكننى انتقلت إلى آخر من شيوخ المهنة.. وآخر.. وآخر.
فى حوارى مع أحمد بهاء الدين، وهو الكاتب المخضرم الذى كان له فى حينها عاموده اليومى فى جريدة «الأهرام»، بعد أن كان رئيسا لتحريرها فى مرحلة سابقة، طرحت عليه الفكرة قائلا له: إننى سأبدأ بنفسى مساهما فى هذه الجوائز بألف جنيه.
رد أحمد بهاء الدين على الفور: أنا أيضا سأساهم بألف جنيه.
قلت له: لم أجئ إليك لتساهم ماليا.. جئت لأقنعك برئاسة اللجنة العامة للتحكيم، وهى التى ستتحمل المسئولية عن نتائج المسابقة.
قال بهاء ضاحكا: ولماذا لا تسمح لى بأن أفعل الاثنين معا؟ فلنؤجل مسألة رئاسة لجنة التحكيم هذه.. ولتقبل منى الآن التزاما بألف جنيه.

ثم سكت بهاء قليلا قبل أن يضيف: إننى مسافر إلى الكويت غدا لعشرة أيام. ومن الآن أقول لك: إنك لو نجحت فقط فى جمع خمسة آلاف جنيه، فسيكون هذا بحد ذاته إنجازا غير مسبوق فى مهنتنا الصحفية.. لأن هذه الخمسة آلاف جنيه ستكون أكثر الأموال حلالا فى بر مصر!
وبعد عودته من الكويت بادر أحمد بهاء الدين بالاتصال بى متلهفا: هل نجحت فى جمع خمسة آلاف جنيه أو حتى ما يقترب منها؟
وأجبته: ساقول لك ما فاجأنى أنا نفسى. لقد جمعت 18 ألف جنيه.
مضت لحظات قبل أن يرد بهاء متهللا: بتتكلم جد؟ إذن سأزورك فى بيتك مساء لأعرف التفاصيل.

وفى بيتى بدأ بهاء يقرأ بضع أوراق تمثل استجابة لرسالة منى توجز الفكرة ومبادرتى بالمساهمة بألف جنيه.

من إحسان عبدالقدوس: «الأستاذ محمود عوض. موافق ومرحب بهذا المشروع، وإنى أساهم معك فيه بالتبرع بمبلغ ألف جنيه مصرى تضاف إلى قيمة الجائزة. وأشكرك على اهتمامك بمستقبل الصحافة والصحفيين».

من عبدالسلام داوود: «أهنئكم على هذه الفكرة الرائعة، وأرجو أن تقبلوا منى مبلغ ألف جنيه مساهمة فى إنجاح هذا المشروع العظيم. وفقكم الله إلى ما فيه خير العمل الصحفى الشريف».

من صلاح حافظ: «أخى الأستاذ محمود عوض: الفكرة رائعة وتعيد إلى الصحفيين بعض الاهتمام بالمستوى المهنى لما يكتبونه وبعض الاحترام للمستوى المهنى. وأرجو أن تقبل اشتراكى بألف جنيه فى ميزانية هذه الجائزة. ومن يدرى؟ لعلى ذات يوم أفوز بها! حظا سعيدا لك وللفكرة. أصدق احترامى».

من محمود السعدنى: «عفارم عليك، للفكرة منى ألف جنيه، ولك عندى دعاء الوالدين».
من مصطفى حسين: «يارب يا محمود تكتمل سعادتى بأن ترى هذه الفكرة النور، فتصبح تاجا على رؤوسنا جميعا.. وأتعهد لك بالمساهمة بخمسمائة جنيه وأى جهد آخر تطلبه منى».
من مصطفى شردى: «أنا وجريدة الوفد التى أرأسها معك بقلوبنا. ويسرنى المساهمة بثلاثمائة جنيه، تدعيما لهذه الفكرة الرائدة . وشكرا للزميل الفاضل محمود عوض الذى طرحها واحتضنها حتى بلغت مرحلة التنفيذ».

من محمود المراغى نائب رئيس تحرير «روزاليوسف»: «فى وقت تراجعت فيه المبادأة، وغابت الرعاية الصحفية اللازمة لجيل واسع جديد، تجىء فكرة جوائز الصحافة المصرية لأحسن عمل صحفى لتذكى روح المنافسة وتربط الجيل الجديد بالقديم، وتبرز الأجود والأفضل مما قد لا يحس به القارئ، أو يحس به المجتمع الصحفى بالدرجة الكافية. مع تحياتى والتزامى بالمساهمة بثلاثمائة جنيه».

من محمد حسنين هيكل :«لى الشرف أن أساهم فى هذه الجوائز بمبلغ خمسة آلاف جنيه. مع موفور الشكر».

و.. و.. و18 ألف جنيه وليس فقط خمسة، هى بتعبيرك أكثر الفلوس حلالا فى بر مصر، وساهم بها ثلاثون من كبار وشباب الصحفيين.

تهلل وجه أحمد بهاء الدين بسعادة استثنائية، ثم قال لى: طالما أصبحت لديك كل هذه المستمسكات فهات ورقة. بعدها كتب: «أهنئكم على الفكرة ويشرفنى أن أساهم فى الجوائز المقدمة بمبلغ ألف جنيه. مع أطيب تحياتى». شرحت لأحمد بهاء الدين أننى فى هذه المرحلة، لم أكن أريد تسلم أموال أو شيكات بأموال، لأن هذا سيحدث فقط بعد فتح حساب باسم الجوائز فى أحد البنوك قبل الدخول فى المرحلة التالية. ثم صمت بهاء قليلا قبل أن يتساءل: لكن.. هل هيكل متأكد مسبقا من نجاح هذه الفكرة واستمرارها لخمس سنوات قادمة، حتى يساهم بخمسة آلاف جنيه؟
قلت له: هيكل فاجأنى بما لم أتوقعه.. فاجأنى بقوله إنه يساهم بخمسة آلاف جنيه فى هذه المرة.. وبنفس المبلغ فى كل سنة تالية.

وبكل تلك الثقة من المساهمين بدأت أنا وزملائى طريق الألف خطوة لكى تتحول «جوائز الصحافة المصرية» من فكرة جاذبة، وحلم هائم، إلى واقع يتابعه الصحفيون جميعا.. بغير أن أتصور أنها جوائز سترصدها وتتابعها أيضا سفارات دول كبرى فى القاهرة

محمود عوض .. الممنوع ..!!

سامى كمال الدين

هل محمود عوض ممنوع من الظهور فى تلفزيون مصر ..؟!!
هل محمود عوض ممنوع من الكتابة فى صحافة مصر ..؟!!

أشطب السؤالين السابقين ، وتعالى أحدثك عن محمود عوض ..!!
حاضر الذهن دائما ً.. فى حالة تركيز عالية، منساب بالحكايا، لديه قدرة على الصمت والهدوء رغم أنه يجاور السفارة الاسرائيلية..!!
الكاتب الكبير محمود عوض الذى عاش عصورا ًوجاور عظماء وتخرج فى مدرسة أخبار اليوم ورفض – ومازال – أن يكون للكيان الصهيونى قيد أنملة فى بلادنا، لكى تمر إلى بيته بجوار كوبرى الجيزة لابد أن تقف أمام المعبر أو الكمين الذى يقف عليه مجموعة من الضباط والعساكر لتسأل من أنت و إلى أين ذاهب ؟! ويحتار من هم مثلى لمن يذهبون هناك سوى محمود عوض ..!!
فليس معقولا ًأن تذهب الى السفارة الاسرائيلية مثلا ً، وقد اختار محمود عوض البقاء فى هذا المكان – ليس حبا ًفى علم السفارة المرفرف أعلى البناية المجاورة ولكن إجبارا ًلمن رأوا فى مؤسسة أخبار اليوم أن قلم فى قامته يجب أن يصمت .. فالصمت من شيمة الحكماء ..!!
النظام المصرى أيضا يرى فى محمود عوض ما لا نراه نحن ، يرى أن محمود عوض لا يحب مصر ولا تهمه مصلحتها فى شيئ ، ويرى أن محمود عوض يجب أن يصمت ، فما سيقوله فى التلفزيون المصرى سيضر بالأمن العام ويضر بمصلحة البلد ،..!!
عندهم حق .. هم أحرار فى بلدهم ، ولكن لى عندهم مطلب ، وهو أن يعاملوا محمود عوض مثلما يعاملون جيرانه فى السفارة ، فالنبى وصى على سابع جار ، فلو عاملوا محموض عوض مثلما يعاملون جيرانه ، الرجل سوف يفيدهم كثيرا، ولن يؤذيهم مثلما يفعل جيرانه مع النظام ..!! يحيا محمود عوض الآن فى جريدة عربية بعد ما أصاب سوء النظر العديد من رؤساء تحرير الصحف فى مصر وعدم مقدرتهم على جذب قلم فى قامة محمود عوض، ولا أعرف ما الذى يضايقهم فى قلم بهذا الوزن وهذه القيمة له آلاف القراء الذين يلهثون خلف مقالاته ويسعون إلى تتبع رؤاه وتفكيره خاصة انه كاتب شامل من طراز فريد يكتب فى الأدب وفى السياسة وفى الفن، ويبحر عبر " شخصيات " تمثل أساطين الفكر والأدب العربى ليكشف رؤاها وتفكيرها وحياتها .
محمود عوض الذى يقدم النصيحة للأجيال المختلفة ، ويتبنى العديد من الموهوبين فى بلاط صاحبة الجلالة ، وعلى استعداد لأن يذهب الى الموهبة حتى عقر دارها ويأخذ بيدها الى الطريق الصحيح ، وهو عكس قامة أخرى هى الأستاذ هيكل ، فعلى الرغم من أنهما نفس الجيل ونفس المكانة إلا أن من ينظر الى تجربة كل منهما سوف يتوقف كثيرا وقفات تحتاج الى مقال أخر يفرد لها ..
يميل محمود عوض كثيرا ًإلى البساطة فى أسلوب كتابته والجملة القصيرة والبداية عبر أقصوصة أو حكاية .. إنه القالب الروائى الذى يجعلك مصرا ًعلى الوصول إلى النهاية بأى طريقة، فهو " يجيب رجلك " من أول جملة، فإذا أراد الكتابة عن طه حسين مثلا ًيبدأ كالآتى " لم أكن أنوى الكتابة عن طه حسين .
طلب منى صديق أن أتوسط له عند طه حسين لكى يوافق على أن يسجل للتلفزيون حديثا ًأدبيا ًومناقشة محدودة .
وافق طه حسين .
سألت صديقى : كم من الأجر سيصرفه التليفزيون لطه حسين فيما لو تم تسجيل هذا الحديث ؟
بعد عملية جمع وضرب وقسمة وطرح وخصم، المبلغ هو : 18 جنيها ًو60 مليما ً !
بالصدفة، سألت عما تتقاضاه راقصة مبتدئة عن المدة نفسها . فعلمت أن ماتتقاضاه حضرة الراقصة المبجلة هو 28 جنيها ً.
إننى لم أمتعض، ولم أبتهج . فقد فهمت الدرس بوضوح : إن هز البطن أهم لمجتمعنا كثيرا ً- وكثيرا ًجدا ً- من هز العقل . قلة عقل .
حكاية سمعتها من محمد عبد الوهاب لثالث مرة .." وهنا أنت تلهث مثلى وراء محمود عوض لتعرف الحكاية التى بالتأكيد سوف تكون عن طه حسين، فهو يحكى .. يجذب كما محمد التابعى و إحسان عبد القدوس ومصطفى وعلى أمين وأحمد بهاء الدين .. جيل أنشأ مدارس صحفية لها مكانتها وقاماتها السامقة يلخصه محمود عوض عبر حكايته مع إحسان عبد القدوس والصفحة الأخيرة فى أخبار اليوم .." حدث هذا منذ سنوات .. استدعانى إحسان عبد القدوس، رئيس التحرير الذى أعمل معه فى جريدة "أخبار اليوم"..
وقال لى : ممكن تفكر فى موضوع تكتب عنه فى الصفحة الأخيرة هذا الأسبوع ؟!
سألته مندهشا ً: أى صفحة أخيرة ؟
قال إحسان : الصفحة الأخيرة من " أخبار اليوم " !
قلت محاولا تذكيره : إن كاتبها الثابت هو أنيس منصور .
رد إحسان : أعرف ذلك .. ولكننى أريدك أن تكتبها هذا الأسبوع .. قلت : لماذا ؟
رد إحسان : لأن أنيس اختفى، ولا أدرى أين هو الآن .. ولا متى سيرسل مقاله الأسبوعى ..
قلت له : صحيح أن اليوم هو موعد تسليم مقالات الصفحات الثابتة من الجريدة .. ولكن أنيس دقيق فى مواعيده كساعة سويسرية .. وربما نستطيع انتظار مقال أنيس حتى صباح الجمعة ..
فقد إحسان أعصابه لأول مرة منذ عشر دقائق .. ورد فى عصبية : أنا هنا رئيس عمل، ولست زعيم قبيلة ! أريد مقالا منك للصفحة الأخيرة غدا ً..!
عند كلمة " غدا ً" أحسست أن إحسان وصل إلى النقطة التى يستحيل عندها التفاهم معه ..
بالطبع إحسان رئيس عمل .. ولكنه يتعامل معى بالحب .. وليس بالسلطة !
وبالإضافة إلى ذلك فإن الأفكار لاتأتى للكاتب بقرار من رئيس التحرير .. حتى لو كان هذا الرئيس هو إحسان عبد القدوس ! إن إحسان بالنسبة لنا لم يكن أبدا ً"رئيسا ً" للتحرير . كان إحسان هو الصديق والأخ الأكبر والأب وحامل همومنا والمخفف عن آلامنا . كان واحدا ًينتمى بحكم شهادة الميلاد إلى جيل آخر .. ولكن بحكم المشاعر ينتمى إلى جيلنا .. مضروب مثلنا، متواضع رغم أنفه، غنى بالأمل كأى شاب، فقير فى السلطة كأى كفاءة، مهزوم كأى فنان، الذى يستطيع أن يحرك جبلا .. برقته، وليس بعضلاته !
لقد خرجت من مكتب إحسان مباشرة إلى منزل أم كلثوم !
وفى اليوم التالى عدت لإحسان بمقال عن أم كلثوم، لكى يرسله إلى المطبعة فورا ً، وينشر فى العدد الذى صدر بعد يومين من أخبار اليوم !
فى الأسبوع التالى تكررت نفس القصة...
فى اليوم التالى عدت له بمقال عن طه حسين – وللمرة الثانية – نشره إحسان فى الصفحة الأخيرة .
ثم .. ظهر أنيس منصور، بعد اختفائه فى الإسكندرية لمدة أسبوعين . فى هذه المرة كنت أول من نقل الخبر إلى إحسان .. ثم استدرت خارجا ًمن مكتبه .
نادى إحسان متسائلا : إيه رأيك تكتب فى صفحة عن الشيخ الباقورى ؟
قلت : أى صفحة ؟
رد مبتسما ً: أنت تكتب .. وأنا أنشر !
قلت : ما الذى تريدنى أن أكتبه عن الباقورى ؟
تساءل إحسان فى عصبية : من الذى يكتب، أنا .. أم أنت ؟
كانت عصبية إحسان هى دائما ًمثل جرس المدرسة .. انتهت الحصة نتكلم فى موضوع آخر !
غلب إيه ده يا ربى ؟! هم رؤساء التحرير مالهم ؟ ألم يسمعوا أبدا ً عن اختراع .. اسمه الديمقراطية ؟!
إننى خرجت من مكتب إحسان غير متحمس، لا للكتابة ولا للباقورى . وظل هذا هو حالى إلى حان موعد تقديم المقال .
وبينما أنا فى حالة اختفاء كاملة عن إحسان وعن أخبار اليوم .. عثر على مصور زميل فى الجريدة وصاح متحمسا ًبمجرد أن رآنى: أنت فين ؟ الأستاذ إحسان كلفنى بأن أذهب معك إلى الشيخ الباقورى لكى أصوره بمناسبة المقال الذى ستكتبه هذا الأسبوع !
قلت له : ولكننى لم أكتب شىء ..
رد المصور مذعورا ً: لا تكشفنا مع إحسان وحياة أبوك .. لقد علمت منهم فى الجريدة أنهم حجزوا صفحة خالية تماما ًمن الإعلانات .. لنشر هذا الموضوع .. صفحة غير الأخيرة .
هنا سألته بحماس : تقدر تعمل صورة كبيرة ؟ على خمسة أعمدة أو ستة مثلا ؟
رد : ياريت ..
شرحت للمصور فكرة الصورة، والمعنى الذى أريده منها، قبل أن أفكر حتى فى التحدث تليفونيا ًمع الشيخ أحمد حسن الباقورى .
وذهبنا إلى الباقورى . ونشرت الصفحة بعنوان " اعتذار إلى الله"!
فى هذا اليوم بدأ إحسان اجتماعه الاسبوعى معنا بسؤال من جانبه : مارأيكم فى هذه الصفحة الجديدة ؟ أنا قررت أن تكون بابا ًثابتا ً بعنوان " تحليل شخصيات " .. أو – من باب الاختصار – نسميها " شخصيات " ونظر إلى إحسان ضاحكا ًوهو يقول : الصفحة دى.. عهدتك !
.. وبدأت " عهدتى " ..
وبدأت معها مسئوليتى ..
كان إحسان كبيرا ًفى ثقته، فنانا ًفى أفكاره، رقيقا ًفى لهجته .. إنه لا يطلب، ولكن يقترح . لا يفرض ولكن يثير الحماس . لا يقرر ولكن يوحى . هذا رجل فنان يريد منك أن تسمو وتكتشف !
وبدأت أختار الذين أكتب عنهم ..
كان كل شخص يمثل بالنسبة لى معنى أريد أن أقوله . وبقدر إحساسى بالمعنى .. كان يأتى انفعالى بالشخص . بعضهم كان الانفعال يبدأ معه بالاختلاف .. وبعضهم بالموافقة التى تتحول بعد الفحص إلى اختلاف !
إنها صدمة التوقعات لكل شاب يجد نفسه فجأة وسط غابة نسميها السلطة !
وفى هذه الشخصيات أيضا ًعرفت دروسا ًكثيرة .. وابتسامات أحيانا .
وأنا تعلمت كثيرا من كتب محمود عوض مثل " ممنوع من التداول " ، "وعليكم السلام " ، " بالعربى الجريح " ، " أفكار ضد الرصاص " وشخصيات أم كلثوم التى يعرفها أحد وعبد الوهاب وغيرهم وغيرهم .
أستاذ محمود عوض .. شكرا .