‏إظهار الرسائل ذات التسميات الرئيس. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات الرئيس. إظهار كافة الرسائل

الكاتب والرئيس


في ذكري وفاة الكاتب الكبير «رجاء النقاش» ننشر واحدة من أهم كتاباته:
ظهرت شخصية السادات بوضوح أمام الرأي العام بعد أن تخلص من خصومه وألقي بهم في السجون إذ بدا رجلاً شديد العصبية كثير الشكوك تملأ الهواجس نفسه تجاه الآخرين

اليوم تمر الذكري السنوية الأولي علي وفاة الأستاذ الكبير رجاء النقاش بلا ضجيج بعد أن عاش حياته في بلاط الصحافة والأدب والنقد بلا أدني صخب، كان الرجل برغم انجازه الرائد أكثر النقاد تواضعاً وأريحية ربما لأنها عادة شيمة الكبار الذين يقدمون الكثير دون انتظار كلمة إشادة واحدة وحتي في قراءاته النقدية العميقة
كان النقاش هادئ النبرة غير متعال ليعطي درساً لمهندسي اللغة والمتعاملين مع النقد باعتباره عملية تشريح معقدة أن القراءة المتعاطفة مع النصوص هي أكثر الطرق لاكتشاف طاقاتها الجمالية الكامنة، فضلاً عن اكتشاف النقاش أحد أبرع الروائيين العرب السوداني الطيب صالح ومحمود درويش شاعر المقاومة الأول في الأرض المحتلة وكان الأستاذ رجاء أول من قدم هذه الأصوات إلي الثقافة العربية، بالإضافة إلي أصوات أخري كثيرة كلها تدين بالولاء لصاحب هذا الصرح الشامخ من الحب والتعاطف والرغبة في تأكيد أصالة الثقافة العربية في مواجهة دعاوي هدم دعائم الماضي وخلق قطيعة معرفية مع التراث العربي لمحو هوية الثقافة العربية.

«الدستور» قررت أن تحيي ذكري الأستاذ الكبير علي طريقتها بنشر واحدة من أهم كتابات الراحل العظيم.

> > >

في 4 فبراير سنة 1973، أصدر الرئيس الراحل أنور السادات «1918-1981» قراراً انفعالياً غاضباً بطرد ما يقرب من مائة كاتب وأديب وصحفي من أعمالهم الأصلية، وإلحاقهم بأعمال أخري لا تمت بأي صلة إلي الصحافة والثقافة، وكان لهذا القرار من جانب السادات صداه الواسع في مصر وخارجها، لأن هذا القرار الغاضب كان يشمل عدداً من الأسماء المهمة والمعروفة علي المستوي العربي، وبعضها معروف علي المستوي العالمي.

ومن هذه الأسماء نجيب محفوظ، وأحمد بهاء الدين، ويوسف إدريس، وغيرهم، وقد كان وراء هذا القرار قصة لعب فيها الأديب الكبير توفيق الحكيم «1898-1987» دوراً أساسياً. وقبل أن نتعرض لهذه القصة بالتفصيل لابد من التوقف قليلاً أمام شخصية السادات، وأمام بعض الظروف التي كانت قائمة في مصر في تلك الفترة المضطربة، والتي بدأت من 15 مايو سنة 1971، حينما تمكن السادات من القيام بانقلاب ناجح علي أنصار عبدالناصر الذين كانوا يمسكون بالمراكز الرئيسية في الحكم والسلطة، واستطاع السادات أن يقبض عليهم جميعاً ويضعهم في السجون، ثم ينفرد بعد ذلك بالكلمة العليا في حكم البلاد.

وبعد انفراد السادات بالسلطة ازداد الاضطراب الشعبي، خاصة في صفوف الشباب، لأن سيناء كانت تحت الاحتلال الإسرائيلي، ولم يستطع السادات أن يحسم الأمور ويبدأ المعركة ضد العدو إلا في 6 أكتوبر سنة 1973، أي بعد أكثر من سنتين من انفراده بالسلطة.

ظهرت شخصية السادات بوضوح أمام الرأي العام بعد أن تخلص من خصومه وألقي بهم في السجون، وقد بدا السادات أمام الجميع رجلاً من رجال السياسة الذين يعانون العصبية وكثرة الشكوك والهواجس التي تملأ نفسه تجاه الآخرين، فقد كان سريع الغضب سريع الانفعال، كثير الخيالات والأوهام. وقد سمعت من أحد الذين عملوا معه عن قرب أنه في تلك السنوات بعد انفراده بالسلطة كانت تنتابه لحظات غريبة يبدو فيها شخصاً غير متوازن، فقد كان يمشي في حديقة الاستراحة الرئاسية المعروفة في منطقة «القناطر الخيرية» وينفصل عن مرافقيه من الحراس والمساعدين، فيمشون وراءه بمسافة غير قصيرة، بحيث تتاح لهم رؤيته بوضوح، وإذا بالسادات يهز عصاه في الهواء ويتحدث إلي نفسه بصوت مسموع، ويفقد إحساسه تماماً بكل من حوله، ويواصل الحديث مع نفسه، ويضحك أحياناً، ويتجهم أحياناً أخري!

وقال الراوي الذي كان يحدثني: إن السادات بعد أن انفرد بالسلطة، كان لا يطيق المناقشات الطويلة مع أحد، حتي لو كان من المقربين إليه والذين يثق بهم ويشعر معهم بالاطمئنان، وقد اشتكي عدد كبير من المقربين إليه والمساعدين له هذا الأمر، فلم يعد السادات يستشير أحداً، ولم يعد يطيق أن يستمع من أحد إلي رأي يخالف رأيه، وكان يتهم زوجته السيدة «جيهان السادات» أحياناً، خاصة حين تناقشه أو تختلف معه، بأنها لا تفهم في السياسة، وأن عليها ألا تتحدث في مثل هذه الأمور. هذا ما صرحت به السيدة «جيهان» نفسها في بعض أحاديثها الصحفية والتليفزيونية.

وبالطبع فنحن نصدق هذه الصورة للسادات لأسباب عديدة، أهمها أن التصرفات العامة العلنية له كانت لا تخلو مما يؤكد صحة هذه الصورة في خطاباته التي كان يلقيها أمام الجماهير، أو عن طريق التليفزيون، وفي أحاديثه الصحفية، وفي قراراته الحادة المفاجئة، ثم في عدوله المفاجئ أيضاً في بعض الأحيان عن هذه القرارات. كل ذلك يكفي لتأكيد صحة ما كان يقوله بعض المقربين إلي السادات من أنه كان يعاني التوتر العنيف، والغياب أحياناً عن الإحساس بالواقع من حوله، وهناك أمثلة عديدة علي ذلك، فقد عقد السادات مؤتمراً صحفياً في سبتمبر سنة 1981، بعد أن كان اتخذ قراراً غير حكيم باعتقال نحو ألف وخمسمائة من الصحفيين والمفكرين، وأهل الرأي والسياسة والأدب والصحافة في مصر. وفي هذا المؤتمر الصحفي سأله مراسل أجنبي سؤالاً قال فيه: «هل قمت سيادتك باستئذان أمريكا قبل اتخاذك قرار اعتقال السياسيين المصريين؟!»، وبدلاً من أن يرد السادات بهدوء علي مثل هذا الاستفزاز المألوف في المؤتمرات الصحفية الحرة، بتذكير هذا المراسل الاستفزازي بأن مصر بلد مستقل، وأن حكومتها ذات سيادة علي أرضها، وأن هذا المراسل قد دخل مصر بتأشيرة من السفارة المصرية في بلاده، وليس بتأشيرة من السفارة الأمريكية.. بدلاً من هذا، فإن السادات اندفع في غضب لا يليق برئيس دولة ليقول وهو ينتفض من شدة الانفعال للمراسل الأجنبي ما معناه:

- لولا أنك أجنبي لأخرجت مسدسي وأطلقت عليك الرصاص!

ومعني هذا الكلام الذي قاله السادات أن المراسل الأجنبي ضيف.. ولا يجوز قتل الضيوف.. ولولا هذا لفعلها السادات، وقتل هذا الضيف الذي أثار غضبه!

ومثل هذه العبارات الانفجارية الاندفاعية غير المسئولة كثيراً ما تصدر عن السادات، كقوله المشهور سنة 1971 عن المعارضين السياسيين له إنه سوف «يفرمهم» وكلمة «الفرم» كلمة دموية قبيحة لا يصح مطلقاً أن يصدر علناً، وفي حديث عام إلي الناس من أحد السياسيين، حتي لو كان هذا السياسي من كبار الطغاة في التاريخ فهؤلاء الطغاة يحاولون عندما يتحدثون علناً إلي الناس، أن يكونوا أكثر تهذيباً ولطفاً في انتقاء الكلمات. فالطغاة المتمكنون من طغيانهم لا يكشرون عن أنيابهم أو يستخدمون الألفاظ الحادة في أحاديثهم، بل علي العكس فإنهم يدخرون هذا كله للافعال وليس للأقوال العلنية، أما الطغاة المتوسطون أو من هم دون المتوسطين، فهم وحدهم الذين يحرصون علي إظهار قوتهم - بمناسبة ودون مناسبة - في أقوالهم وتصرفاتهم الظاهرة للناس!

ولعل السادات تكون لديه أسباب من تجاربه وتاريخه الشخصي لهذا التوتر والاضطراب العصبي وسرعة الانفعال، فقد قامت حياة السادات من بدايتها إلي نهايتها علي «المغامرة»، والمغامرة ببساطة هي عمل يندفع إليه الإنسان دون أن يكون علي معرفة بنتائجه وقد تنتهي المغامرة بكسر رقبة صاحبها، أو تنتهي بالنجاح! والعامل الحاسم في المغامرة هو «الحظ»، وقد كان الحظ حليفاً للسادات في كل مغامراته العجيبة، لكنه خان السادات مرة واحدة فأرداه قتيلاً، وكان ذلك في 6 أكتوبر سنة 1981 حيث فقد حياته في حادث المنصة الشهير.

وهناك ما يلفت النظر في حياة السادات، حيث إن حياته انتهت باغتياله وأنه كان قد بدأ حياته في ساحة السياسة المصرية قبل ثورة 1952 بالمشاركة في اغتيال السياسي المصري أمين عثمان، وكان هذا الاغتيال لحساب الملك فاروق الذي كان يكره أمين عثمان ويظن أنه يعمل ضده، وإن كان اغتيال هذا السياسي سنة 1946 في الظاهر بهدف الانتقام منه بسبب صداقته للإنجليز، كذلك اشترك السادات في محاولة لم تنجح لاغتيال الزعيم الوطني الكبير مصطفي النحاس، وكانت المحاولة لحساب الملك فاروق أيضاً.. وكان فاروق يكره النحاس، لأن النحاس كان زعيماً للأغلبية الشعبية ما جعل منه عقبة كبري في سبيل انفراد فاروق بالسلطة الرسمية والسلطة الشعبية أيضاً.

ويقال إن السادات كان يقول لبعض المقربين إليه إن لديه هاجساً وإحساساً قوياً بأنه سوف يموت مقتولاً في حادث اغتيال، وذلك عقاباً له علي أنه شارك في بعض الاغتيالات في مرحلة سابقة من حياته. ويمكننا أن نصدق هذه القصة المنسوبة إلي السادات وإلي أقواله عن نفسه، لأن السادات كان في المرحلة الأخيرة من حياته يعيش في حالة تدين كبيرة، لا يحق لأحد أن يتشكك فيها، كان يحس بأن الله معه، فقد أصبح رئيساً للجمهورية، وهو ما لم يكن يخطر علي باله أو علي بال أحد، فلم يكن هو أقوي رفاق عبدالناصر أو أهمهم، بل لعله كان بين الجميع أضعفهم شأناً وأهمية، ثم إنه بعد أن تولي الرئاسة، استطاع أن يعصف برجال عبدالناصر الأقوياء ويضعهم جميعاً في السجن، وكانت التقديرات السائدة قبل هذه الضربة المعروفة بضربة «15 مايو» هي أن السادات سوف يخسر معركته مع الناصريين، لأنه لم يكن يملك في يديه أي شيء من مفاتيح السلطة، لكن السادات انتصر، وخسر أمامه خصومه الأشداء. وكان السادات يسمي نفسه ويسميه أنصاره، «الرئيس المؤمن» تعبيراً عن نزعة التدين القوية عنده.

هذه الحياة الصعبة المضطربة المليئة بالمغامرات والمفاجآت والتي لعب فيها «القدر» و«الحظ» أدواراً رئيسة ساعدت علي أن تتعرض شخصية السادات لما ظهر فيها وعليها من عصبية وإحساس عنيف مستمر بالتوتر.

وفي المقابل كانت السنوات الممتدة من 1971 إلي 1973 من أعنف سنوات التوتر والعصبية في مصر نفسها، فقد كان الرأي العام فقد ثقته بالوعود المتتالية للسادات بمواجهة إسرائيل، فيما كان يسميه «سنة الحسم»، والتي كان يؤجلها من وقت إلي آخر بحجج متعددة، بعضها كان مثيراً للسخرية، مثل الحجة المشهورة التي أطلقها السادات يوماً من أن «الضباب» قد عطل المعركة مع إسرائيل وقد ظهرت في مصر وقتها عشرات النكت المصرية عن حكاية الضباب هذه، ما كشف عن عدم اقتناع الناس بالأسباب التي أعلنها السادات لتأجيل المعركة مع إسرائيل من أجل تحرير سيناء.

يضاف إلي انعدام «لغة سياسية مشتركة» بين السادات وشعب مصر في تلك الفترة أسباب قوية أخري ساعدت علي اضطراب الأوضاع في مصر بصورة عنيفة، وكان علي رأس هذه الأسباب ازدياد الأزمة الاقتصادية في البلاد، فقد كان الناس يعانون أشد المعاناة الغلاء وضعف الأجور وسوء الخدمات العامة مثل المواصلات والهواتف وغير ذلك، وكان أفراد الشعب يتحملون ذلك كله باعتباره تضحية يقدمونها في سبيل تحرير أرضهم، وكان يضاف إلي ذلك سبب دقيق آخر ينشر السخط والمرارة بين صفوف المصريين، فقد كان الجيش المصري اتجه إلي تجنيد الشبان المتخرجين في الجامعات، وذلك بعد أن تبين في حرب 1967 أن المجندين غير المتعلمين لا يحسنون استخدام الأسلحة الحديثة ولا يجيدون التعامل معها، فهذه الأسلحة تحتاج إلي درجة عالية من التعليم والمهارة العقلية. وبذلك أصبح عشرات الآلاف من خريجي الجامعات جنوداً في الجيش لا يعرفون متي ينتهي تجنيدهم لكي يعودوا إلي حياتهم الطبيعية وإلي الأعمال التي تتناسب مع مؤهلاتهم العلمية.. والحقيقة أن الشاب الجامعي في مصر ليس مجرد إنسان يحلم بمستقبله الخاص، لكنه في أغلب الأحوال يكون بعد تخرجه مصدراً من مصادر الرزق الأساسية في عائلته، إذ أن تسعة وتسعين في المائة من عائلات مصر تعلم أبناءها وتنفق عليهم من أجل أن يصبحوا بعد تخرجهم عوناً لهذا العائلات التي ليس لها مصدر رزق سوي عمل أفرادها المختلفين، ومعني دخول عشرات الآلاف من شباب مصر إلي الجيش عن طريق التجنيد العام غير المحدد المدة أن ينتج عن ذلك قلق واضطراب شديدان في حياة العائلات التي ينتسب إليها هؤلاء الشبان المجندون. أما بالنسبة إلي الشبان الذين كانوا لا يزالون في مرحلة التعليم الجامعي فإنهم كانوا يشعرون بالقلق والضياع والخوف من المستقبل. وكانت الدراسة الجامعية نفسها بحاجة إلي نوع من الاستقرار لا يشعرون به ولا يملكونه.. ثم ماذا يكون من أمر هؤلاء الطلاب بعد أن يتخرجوا في جامعاتهم؟ إن مصيرهم غامض في بلد محتل تمزقه الأزمة الاقتصادية وتصيبه تلك الحالة التي تحمل اسم «اللا حرب واللاسلم» بما يقترب من الشلل الكامل.

هذه الأمور كلها فجرت مظاهرات طلاب الجامعات في مصر في سنة 1972 وأوائل سنة 1973، وكان الطلاب يذهبون في جماعات إلي الصحف، ويحاولون أن يلتقوا كبار الكتاب والصحفيين، وأن يسمعوا منهم ويتحدثوا إليهم ويبحثوا معهم عن الحلول الممكنة لهذه الأزمة الخانقة التي يعيشها المجتمع ويعانيها الشباب أشد المعاناة.

كان علي رأس أهل الأدب والثقافة والصحافة في مصر ذلك الوقت توفيق الحكيم، وقد فتح هذا الكاتب الكبير مكتبه في جريدة الأهرام لاستقبال مجموعات بعد مجموعات من شباب الجامعات.

وكان توفيق الحكيم في تلك الفترة سنة 1973، في الخامسة والسبعين، ولأول مرة في حياته يجد نفسه وجهاً لوجه مع المجتمع ومشكلاته الصاخبة المختلفة العنيفة، وذلك عن طريق مجموعات الشباب التي سمح لها بلقائه. وقد كان توفيق الحكيم في حياته الطويلة قبل ذلك حريصاً علي أن يكون بعيداً كل البعد عن الحياة الاجتماعية، وأن يكون معتزلاً تماماً في برجه الخاص به الذي كان يسميه «البرج العاجي»، وكان هذا المعتزل الكبير في برجه العاجي ينظر إلي الناس من بعيد، ويكتفي بأن تكون مشاركاته للآخرين بالرؤي أحياناً، وبالعمل الفني المسرحي أو القصصي، أو غير المباشر أحياناً أخري، وبالصمت وعدم التعليق علي شيء في كثير من الأحيان. وبهذه الطريقة المتحفظة الحذرة قضي توفيق الحكيم حياته الطويلة قبل سنة 1973، ولكنه وجد نفسه في هذا العام يعيش مع أبناء وطنه في قلب عاصفة كبري، فماذا يفعل؟

هل ينسحب ويعتزل كما تعود أن يفعل؟

هل يمد يده لهؤلاء الشبان الذين يذهبون إليه بهمومهم وهموم الوطن ويطلبون منه الرأي والمشاركة؟

لقد اختار توفيق الحكيم الحل الثاني، وهو الانتماء والمشاركة، بل اختار في حدود قدراته أن يكون في المقدمة.. والحق أنه لم يكن أمام توفيق الحكيم إلا أن ينفعل، فهو صاحب رواية «عودة الروح» التي أصدرها سنة 1933، وهي رواية جميلة تفيض بالروح الوطنية الصادقة القوية، ويقال إن جمال عبدالناصر قد قرأ هذه الرواية في شبابه وإنها كانت من أكثر المؤثرات الفكرية في تكوين شخصيته وتحديد اتجاهاته في مستقبل أيامه، ولم يكن توفيق الحكيم، وهو المفكر الكبير والفنان صاحب الموهبة العالية، بقادر علي أن ينفصل عن وطنه، بينما كان هذا الوطن يحترق. إن أي اختيار آخر لتوفيق الحكيم في تلك اللحظة الصعبة كان يمكن أن يفقده احترامه لنفسه، بل وكان يمكن أن يغير نظرة الناس إليه وتقديرهم الكبير له، وكان ذلك سوف يجعل قلمه سيفاً من الخشب، لا جدوي منه ولا قيمة له. لقد كان الحكيم معتزلاً عندما كان يري أن آخرين كثيرين غيره يؤدون الرسالة ويحملون العبء علي أكتافهم، أما الآن، سنة 1973، فتوفيق الحكيم هو شيخ الأدباء والمفكرين، وهو الجالس علي قمة الحركة الثقافية في مصر والعالم العربي، فكيف يقبل ضميره أن يكون في أيام المحنة العامة من المعتزلين؟

لم يقبل توفيق الحكيم ذلك، وقرر أن يساهم في معالجة الأمور بقدر ما يستطيع، وكان توفيق الحكيم يعرف أنه لا يملك غير قلمه، ولكنه كان وبلا شك يعرف قيمة هذا القلم وقدرته علي التأثير، ولذلك اتجه إلي كتابة رسالة إلي السادات يعبر فيها عن رأيه ويكشف عن القلق الذي يعانيه شباب الأمة، ويطالب بموقف جديد حاسم يخرج بالأمة من حالة «اللاحرب واللاسلم» التي ملأت حياة الناس بالجمود والركود واليأس والإحباط. ولكي يكون لهذه الرسالة إلي السادات قوة معنوية، فقد رأي الحكيم أن تحمل الرسالة توقيع عدد كبير من الأدباء والمثقفين الوطنيين، من أهل اليمين واليسار علي حد سواء، وبالفعل حملت الرسالة توقيعات كثيرة مع توفيق الحكيم، وكانت هذه التوقيعات تشمل شتي الاتجاهات الفكرية والسياسية، لأن اللحظة كانت لحظة اتفاق وليست لحظة افتراق، وكانت لحظة إجماع وطني لا يستطيع أحد أن يتخلف عنه بضمير مستريح، وكان من الأسماء التي شاركت في التوقيع علي الرسالة: نجيب محفوظ ويوسف إدريس وعلي الراعي وثروت أباظة، وتم إرسال هذه الرسالة إلي السادات علي أنها رسالة إليه من كتاب مصر الذين يمثلهم توفيق الحكيم والذين معه من الموقعين علي الرسالة.

وهذا هو نص الرسالة التي كتبها توفيق الحكيم بقلمه وفيها يقول: «نحن الكتاب والأدباء الموقعين علي هذا البيان قد رأينا من واجبنا أن نعاون الدولة فيما تقوم به الآن هيئاتها الرسمية من تقصي الحقائق في حالة الاضطراب التي بدت بوادرها الآن في بعض الأحداث الجارية، يدفعنا إلي ذلك إيماننا بوطنية رئيس الدولة، واعتقاداً منا أنه في استطاعته الإمساك بالزمام للسير في طريق محفوف بالمخاطر تهب عليه الزوابع اليوم من كل جانب، ويحتاج إلي الحكمة وسداد الرأي لتجنيب الوطن ويلات الشطط وتوجيهه إلي حيث يجد نفسه ويؤكد شخصيته ويسترد قوته، ولما كان من خصائص الكتاب والأدباء بحكم رسالتهم في الأمة أن يكتشفوا باطنها ويستشفوا ضميرها، في حين أن مهمة الصحافة هي تقصي حقائقها من واقع حوادث معينة، قد تكون مجرد بثور خارجية لمرض دفين، ودخان ظاهري لنيران تتأجج تحت رماد، لذلك كان علينا نحن الكتاب والأدباء أن نكمل الصورة ونقدم المعونة بإبراز ما استتر واستخفي مما يعتمل الآن ويضطرم في باطن الأمة وضميرها، وليس ذلك فقط لمجرد استكمال عمل تقوم به الهيئات الأخري، ولكنه أيضاً للخشية من أن يهمل أمر هذا الغليان الذي يفور في نفوس الناس فيجد طريقه في أي لحظة إلي الانفجار وتقع الكوارث، ذلك أنه مما لا شك فيه لدينا أن البلد يغلي في الباطن علي نحو لم يعد يخفي علي أحد، وقد لا يعرف كل الناس تعليلاً لما يشعرون به من قلق واضطراب وغليان داخلي، وقد يبدي البسطاء من الناس والأبرياء من الشباب تعليلات مختلفة، يسوقونها بغير تفكير أو تمحيص، ويرددونها في أحاديثهم ويضعونها في منشوراتهم، وهذه التعليلات أو المطالب أو الاحتجاجات قد تبدو في أغلبها سطحية أو غير ناضجة أو مدروسة، ولكن تبقي الحقيقة التي لا شك فيها وراء كل هذا، وهي شعورهم جميعاً بأنهم قلقون لشيء ما، وأنهم ما عادوا يحتملون ما هم فيه من إحساس بالضياع.

والآن ما هو منشأ الإحساس العام بالقلق والاضطراب والضياع في نفوس الناس؟ لعل السبب الأهم في ذلك هو عدم وضوح الطريق أمامهم، فالصيحة المرتفعة أمامهم في كل حين بكلمة المعركة، وأن الطريق هو المعركة كان من الممكن أن يكون هو الجواب عن أسئلتهم والطريق الواضح أمام أعينهم. وهذا لا شك ما أرادت الدولة أن تقدمه كجواب أو مصباح لوضوح الرؤية في طريق المستقبل المعتم، ولكن مع الأسف تمضي الأيام وتصبح كلمة المعركة مجرد كلمة غامضة لا حدود لها ولا أبعاد لمعناها ولا تحليل لعناصرها، مجرد كلمة تلوكها الأفواه، مستهلكة لكثرة مضغها، ويصبح الناس ويمسون وهذه الكلمة تردد علي جميع النغمات في الأناشيد والأغاني والخطب والشعارات، حتي فقدت قوتها وفعاليتها، بل وصدقها، وصارت اللقمة الممضوغة في الفم غصة، لا هم يستطيعون ابتلاعها، ولا هم يجرؤون علي لفظها، وأصبحوا في حيرة من شأنهم، وأصبح طريق المستقبل أمامهم مرة أخري مسدوداً وهم في ضياع.. ولما كان الشباب هو الجزء الحساس في الأمة، وهو الذي يعنيه المستقبل أكثر من غيره، فهو لا يري أمامه إلا الغد الكئيب. فهو يجتهد في دراسته ليحصل علي شهادته النهائية، فإذا هي شهادة القذف به في رمال الجبهة لينسي ما تعلمه ولا يجد عدواً يقاتله، وهذا أيضاً بالنسبة إليه هو الضياع.

أما بقية المواطنين فهم يعيشون في حياة صعبة سيئة الخدمات العامة، وكل نقص أو إهمال أو توقف أو عبث يختفي خلف صوت المعركة وفي انتظار المعركة وتمحكاً بالمعركة.. وإذا بالأمر في نظرهم ينقلب إلي مهزلة وإلي سخط وإلي قرف عام.

هذا بعض ما استقر في الضمائر هذه الأيام، ولابد من حل سريع لهذا الوضع، ولا يمكن أن يكون هناك حل إلا في الصدق، والصدق وحده، لأن الصدق هو الذي ينهي الحيرة ويقنع الناس ويهدئ النفوس.. لأن الغليان في باطن الإناء يهدأ إذا كشف الغطاء.. الشعب يريد أن يقتنع بشيء لأنه غير مقتنع، ولابد لراحة باله واقتناعه من عرض حقائق الموقف أمامه واضحة من كل جوانبها، وعليه هو أن يقرر وأن يعرف ويختار طريقه. وهذا يقتضي النظر في تغيير بعض الإجراءات التي تسير عليها الدولة اليوم، وفيها حرية الرأي والفكر، وحرية المناقشة، والعرض، لإبقاء الضوء علي كل شيء في هذا الضباب حتي تتضح الرؤية، وليكن ذلك داخل المؤسسات. إذا كانت السرية لظروفنا الحاضرة تقضي بذلك. علي ألا يكون للدولة رأي مسبق تضغط به علي أهل الرأي وتجعلهم مجرد أبواق لترديده وترويجه. بل أن تكون الدولة آخر من يبدي الرأي بعد أن تستمع، وهي جادة صادقة، إلي رأي مصر الحر أولاً، لا أن تصوغ هي الرأي وتضع الشعار وتلقي به إلي الناس وتفرضه عليهم فرضاً.. آن للدولة في هذه الظروف العصيبة أن تخفف هي من كل العبء والمسئولية وتضعها علي كاهل الأمة.. إن في ذلك مصلحتها وصيانة لها أمام التاريخ».

ذلك هو نص البيان الذي جاء توقيعه علي هذه الصورة: «الكتاب والأدباء المصريون. عنهم: توفيق الحكيم».

وكان مع توقيع توفيق الحكيم، كما سبقت الإشارة، عشرات التوقيعات من الكتاب والأدباء، وقد وصل هذا البيان إلي السادات بعد أن نشرته الصحف الأجنبية وتناقلته وكالات الأنباء العربية والعالمية، إذ إن البيان تسرب من أيدي أصحابه، وهم يجمعون التوقيعات، وقد يكون الذين قاموا بستريبه عامدين، هم بعض الصحفيين الذين وقعوه، وكانوا يعرفون أن السادات يشعر بالقلق والإنزعاج من أي شيء يحدث في مصر ويكون له صداه في العالم الخارجي، بما في ذلك الدول العربية، فالشيء الذي يبقي محصوراً في مصر وحدها يكون أقل إثارة لغضب السادات مما يتسرب إلي الخارج ويكون له صدي في العواصم العالمية والعربية.

غضب السادات غضباً عاصفاً من رسالة توفيق الحكيم، واعتبرها عملاً شديد العداء له، وكعادته تصرف بانفعال وعصبية، وأصدر قراراً بطرد كل الموقعين علي البيان من وظائفهم وأعمالهم المختلفة والغريب أن السادات لم يكتف بمعاقبة الموقعين، بل أضاف إليهم كل الكتاب والأدباء والصحفيين الذين يشك فيهم حتي لو لم يكونوا قد وقعوا علي البيان. وكان عدد المفصولين والمطرودين في هذه الحملة الهمجية التي شنها السادات علي مثقفي مصر كثر من عدد المفصولين والمطرودين ممن وقعوا علي البيان، وعلي الرغم من أنني شخصياً لم أوقع علي البيان فقد كان اسمي بين المفصولين والمطرودين.

كان تاريخ هذه الحملة الساداتية علي المثقفين والصحفيين المصريين هو 4 فبراير سنة 1973، وكان من بين المطرودين في قرار السادات، كما سبقت الإشارة، أسماء كبيرة مثل نجيب محفوظ، وأحمد بهاء الدين، ويوسف إدريس وغيرهم، أما توفيق الحكيم كاتب هذا البيان الصريح الجريء الشجاع فلم يتعرض للفصل أو الطرد، وإنما صدر قرار ضده بمنعه من الكتابة وقد علق توفيق الحكيم علي هذا البيان عندما نشره في كتابه «شجرة الحكم في مصر - 1919 - 1979» بقوله: «كانت نتيجة هذه الرسالة أو هذا البيان طرد وتشريد أكثر المشتركين في التوقيع عليه، وكان أن شتمني السادات في اجتماع عام حيث قال: ما هذا «الهباب» الذي كتبه توفيق الحكيم»!

وهكذا اتخذ توفيق الحكيم موقفاً حاسماً في عهد أنور السادات، وشارك في التعبير عن رفض الرأي العام لحالة الجمود والركود التي كانت قائمة علي الجبهة العسكرية، كما عبر الحكيم في صراحة ووضوح عن حالة الإحباط والضياع التي كانت منتشرة في الجبهة الداخلية، ولست أزعم أن عندي من المعلومات ما يؤكد أن هذه الرسالة أو هذا البيان الذي كتبه توفيق الحكيم كان له تأثيره في قرار السادات ببدء المعركة العسكرية في 6 أكتوبر، أي بعد أقل من عشرة أشهر من صدور هذا البيان. ليس هناك أي معلومات تؤكد مثل هذا الاستنتاج، لكننا لو استخدمنا العقل والتحليل الدقيق للأحداث، لرأينا بوضوح أن هذا البيان قد أزعج السادات ونبهه إلي أن تجاهل الرأي العام لمدة طويلة أمر يهدد النظام والسلطة أخطر التهديد، ولذلك سارع السادات بتعبئة كل الإمكانات واتخذ قرار الحرب، وهو أعظم قرار اتخذه في حياته وهو قرار تاريخي له شأنه، ولعله القرار الوحيد الذي اتخذه السادات وأجمع أنصاره وخصومه علي احترامه وتقديره، أما بقية قرارات السادات فقد كانت في معظمها موضع خلاف شديد.

لقد أحس السادات بأن بياناً واضحاً وصريحاً ومؤلماً بهذه الصورة، يكتبه أديب كبير مثل توفيق الحكيم، مشهود له بالاعتدال والحرص علي الابتعاد عن أي عمل سياسي مباشر، إنما يعني أن الأمور قد وصلت إلي مأزق خطير، لا نجاة منه إلا بالعمل الجدي علي مواجهة العدو، فما لم نحارب هذا العدو فسوف ينتهي أمرنا بأن يحارب بعضنا بعضاً، ويبقي الاحتلال علي ما هو عليه.

في 28 سبتمبر سنة 1973، أي في يوم الذكري الثالثة لرحيل عبدالناصر، أصدر السادات قراراً مفاجئاً بإعادة جميع المفصولين والمطرودين من الكتاب الأدباء بسبب بيان توفيق الحكيم إلي أعمالهم، وبعدها بتسعة أيام كان الجيش المصري يعبر إلي الضفة الشرقية من قناة السويس ويرفع علم مصر علي أرض سيناء، ويطارد الإسرائيليين ويلحق بهم لأول مرة في تاريخهم هزيمة موجعة.

ولا شك أن بيان توفيق الحكيم أو رسالته إلي السادات، كان لها دورها وتأثيرها في التعجيل بالمعركة، وكانت هذه الرسالة ضمن عوامل أخري كثيرة وحسابات عديدة متنوعة، دافعاً من الدوافع التي جعلت إحساس السادات يزداد بأن تأخير المعركة سوف ينتج عنه تأثيرات سلبية لم يكن بإمكان السادات أن يتحملها أو يقف في وجهها.

في انتظار أوباما

في انتظار أوباما
فهمى هويدى



هذه المبالغة من جانبنا في تعليق الآمال علي قدوم الرئيس الأمريكي الجديد «باراك أوباما» لا تفسير لها سوي أنها تعبير عن اليأس والعجز.. من حق الأمريكيين أن يحتفوا به وأن يروا فيه مُخلِّصا من وطأة السنوات العجاف التي خلَّفها له سلفه، لكنه بالنسبة لنا له فضيلة واحدة حتي الآن، هي أنه ليس جورج بوش. ولعلي أذهب إلي أن أحد أسباب الترحيب بالرئيس الأمريكي الجديد في العالم العربي أن الناس في بلادنا كرهوا السيد بوش إلي حد جعلهم مقتنعين بأن أي شخص آخر يأتي إلي البيت الأبيض سيكون أفضل منه.

صحيح أن الرئيس أوباما بعث إلينا في خطاب تنصيبه رسالة أراحت كثيرين منا، حين تذكر العالم الإسلامي، وقال إنه في تعامله معنا سوف يتبني خطاباً جديداً يرتكز علي المصلحة المشتركة والاحترام المتبادل، وهو كلام طيب لا ريب، لكنه يظل كلاماً يُقدر ولا ينبغي أن نحكم عليه إلا بعد أن يُختبر.

لقد تلقيت أكثر من اتصال هاتفي من بعض الزملاء الصحفيين في أعقاب إذاعة كلمة الرئيس الأمريكي وطلبوا مني تعليقاً حول إشارته الإيجابية إلي العالم الإسلامي. ومن الأسئلة التي سمعتها أدركت أننا فهمنا الرسالة خطأ، وحملّناها بأكثر مما تحتمل. وكان تحليلي أن اليأس والإحباط تمكنا منا، بحيث أصبحنا ننتظر مُخلّصاً من خارج بلادنا، بعدما فقدنا الأمل في أن يأتينا الخلاص علي يد أحد من القائمين علي أمرنا. وإضافة إلي أن أوباما ليس بوش. فإنه حين عبّر عن احترامه لنا، يبدو أنه لمس وتراً حساساً ورفع من سقف توقعاتنا منه لأننا بالخبرة لاحظنا أن كلمة الاحترام لم تكن واردة في قاموس العلاقات العربية الأمريكية.

في كل حوار دار حول الموضوع كنت أركز علي النقاط التالية:

> إن الولايات المتحدة بلد كبير له مؤسساته القوية ومراكز الضغط المتعددة، وهي ليست مما تتغير سياساته بسهولة إذا ما تغير الرئيس.

> إن مشكلات الشرق الأوسط ليست من أولويات الرئيس الجديد، لكنه معني أولاً بالأزمة الاقتصادية في بلاده، وبانسحاب القوات الأمريكية من العراق.

> إن الانحياز إلي إسرائيل هو أحد ثوابت السياسة الأمريكية، في الأجل المنتظر علي الأقل. وهذا ما عبّر عنه صراحة بعض أعضاء فريقه للسياسة الخارجية الذين زاروا المنطقة قبل انتخابه، ومما قالته السيدة مادلين أولبرايت - وزيرة الخارجية الأسبق - التي كانت ضمن الفريق: انتظروا منه أي شيء إلا في الموضوع الإسرائيلي، بالتالي فلا تتوقعوا منه تغييراً في الموقف الأساسي «النوع» ولكنه قد يغير من الأسلوب والدرجة فقط.

> في هذه الحالة فإن أوباما سيقترب من ملف الشرق الأوسط بالقدر الذي تفرضه المصالح الإسرائيلية، الأمر الذي سيدفعه إلي الاهتمام بمعالجة الملف النووي الإيراني، الذي هو مطلب إسرائيلي بالأساس.

> إن أي رئيس أمريكي يظل في ولايته الأولي حريصاً علي كسب تأييد إسرائيل وأنصارها الأقوياء في الولايات المتحدة، لأن عينه ستظل مصوبة نحو أمله في الاستمرار للولاية الثانية.

> إن اختياره لوزير الدفاع السابق جيتس لينضم إلي إدارته وللسيدة هيلاري كلينتون للخارجية يعني أنه سلّم الملفين إلي شخصيتين قويتين لكي يركز اهتمامه علي الشأن الداخلي. وهو ما يعني أنه لن يكون هناك تغيير جوهري في السياسة الدفاعية وأن موقفه بخصوص الشرق الأوسط سيكون امتداداً للسياسة التي اتبعها الرئيس الأسبق كلينتون.

> إن كلامه الإيجابي عن العالم الإسلامي لن يعني سوي أنه قد يغير من الوسائل لكن الأهداف والاستراتيجية ستظل كما هي بغير تغيير.

> إن العالم العربي يمكن أن يشهد وضعاً أفضل في حالة واحدة، هي ما إذا استخدم عناصر قوته في الدفاع عن قضاياه ومصالحه العليا، لكن أغلب نظمه الآن تفضّل التجاوب مع السياسة الأمريكية علي التجاوب مع أشواق شعوبها، ونموذج غزة ماثل تحت أعيننا، فإذا كانت الدول العربية المؤثرة تنفذ بالضبط ما تريده الولايات المتحدة وإسرائيل فكيف يمكن أن نطالب الرئيس الأمريكي الجديد بتغيير سياسة بلده إزاءها؟!
المستشار طارق البشري يكتب هذه إمارة شرم الشيخ.. فأين دولة مصر؟
لكي نفهم ما يجري في بلدنا وما تنتهجه السياسة الرسمية لدينا، علينا أن نستحضر نص خطاب ذكره السيد رئيس
الجمهورية فيما ذكر، أمام الهيئة البرلمانية للحزب الوطني الديمقراطي، وهو الحزب الحاكم لأكثر من ثلاثين سنة مضت، وذلك بمناسبة بدء الدورة البرلمانية لمجلسي الشعب والشوري في سنة 2003 - 2004.

جاء هذا الخطاب في 11 نوفمبر سنة 2003 وأذاعه السيد صفوت الشريف الامين العام للحزب بصحيفة الأهرام في 12 نوفمبر في الصفحتين الأولي والثالثة.

تحدث رئيس الجمهورية عن زيادة السكان في مصر ونبه إلي مخاطرها بقوله: «إننا لا نريد يوماً أن نصل إلي تلك الدول التي لا تهتم سوي بنسبة 10% من سكانها، وتترك الآخرين في العشوائيات دون رعاية أو تعليم، نريد أن نحافظ علي مقومات هذا البلد وزيادة مواردنا.. وكان من عناوين الصفحة الثالثة، «.. ولا نريد
الوصول إلي مستوي دول لا تهتم سوي بنسبة 10% من سكانها وتترك الآخرين في العشوائيات».


وهكذا، وضعت الحكومة ضمن بدائلها السياسية التي تطرحها أمام نفسها بوصفها القوامة علي شئون المجتمع ألا تهتم بأكثر من 10% من «سكان مصر» وتترك الباقي بغير رعاية، لأن «السكان» أنجبوا كثيرا، وكان مما يتلاءم مع هذا الأمر أن يشار إلي المصريين باعتبارهم «سكاناً»، لأن وصف المواطنة لن يعني في هذه السياسة إلا نسبة 10% فقط.

ونحن في الحقيقة لم يصل إلي معارفنا أن أي حكومة أعلنت لشعبها هكذا جهارا أنها لن تهتم إلا بنسبة 10% وأن تترك باقيهم «بغير رعاية»، ولكن هذا ما حدث وقد أعلن السكان المصريون بهذا الأمر علي صفحات الجرائد واسعة الانتشار وفي عناوين صدر الصفحات.

وبعد ذلك بقي «السكان» يتساءلون في دهشة عجيبة: لماذا تصنع الحكومة كذا ولا تصنع الحكومة كذا ولا تصنع كذا، ولماذا تتخذ هذه السياسة ولا تتخذ سياسة أخري متاحة وممكنة؟ وذلك دون أن يتفكروا في سؤال آخر، وهو هل هذا الصنيع أو هذه السياسة مما ينتج عن اختيار بديل الـ 10%، ومن ثم يتحول أمر 10% من بديل محتمل إلي اختيار تم وينفذ فعلاً، وإلي واقع يجري عملاً.

وعلينا أن نتأمل هذا التصور في التطبيق وفي واقع الحال الذي يدور حولنا، وذلك عندما
ننظر في التعليم مثلاً وكيف ترك التعليم العام الذي تديره الحكومة يتهدم ويستشري فيه فساد الدروس الخصوصية، وهو التعليم المعد للشعب المصري بطبقاته الوسطي، ثم ظهرت مدارس خاصة أجنبية لأبناء صفوة الصفوة في المجتمع بمصروفات بالغة الارتفاع لا يقدر عليها أبناء طبقة المهنيين الذين تتكون منهم أجهزة إدارة الدولة ولا فئات ذوي الدخل المحدود من أصحاب الرواتب والأجور والمهايا، وكذلك عندما ننظر في أمر التعليم الجامعي وتهدم أركان الجامعات المصرية ذات التاريخ والشموخ العلمي والرصانة الفكرية، ونشوء أكثر من ست عشرة جامعة أجنبية بمصروفاتها الباهظة، وكذلك الشأن في الصحة ونفقات العلاج، وكذلك عندما تنظر في أسلوب تعامل الحكومة مع حادث مثل غرق العبارة، فإن كل خسائر العبارة من أرواح إنما ينتمي لا إلي نسبة 10%، ولكن إلي غيرهم من السكان، فلم يكن ثمة اهتمام بالأمر يتناسب مع ما ظننا أنه يستأهله وكذلك الشأن بالنسبة لحادث صخرة الدويقة التي ردمت تحتها من أجساد البشر أفراداً وأسراً بكاملها مالم يعتن أحد حتي بإحصائهم، ثم مسألة الخبز نوعا وجودة وشحا ووجودا، وهل هو مما يناسب غذاء البشر أم يقف عند حدود علف البهائم، وهذا كله وغيره من تطبيقات «ترك الآخرين في العشوائيات دون رعاية»، لأن الحكومة يمكن أن تكتفي بنسبة 10% من السكان كما أعلنت.

لسنا في مجال متابعة التطور التاريخي للدولة المصرية وتصوراتها علي مدي الثمانينيات والتسعينيات من القرن العشرين والعشر الأوائل من القرن الحالي، ولكن يمكن القول بإيجاز شديد إن وضع الدولة المصرية الآن وبعد تردد شديد وأخذ وجذب متتالتين علي مدي الثمانينيات والتسعينيات، حُسمت الأوضاع بداخلها لصالح هذا البديل، بديل الاكتفاء باهتمام الدولة بنسبة 10% من «السكان»، وذلك من نهايات سنة 1999 بالتعديل الوزاري الذي جري في أكتوبر 1999 وتعيين الدكتور عاطف عبيد رئيساً للوزراء، وهو كان مسيطراً علي قطاع الأعمال العام منذ 1991 عندما صدر القانون رقم 203 لسنة 1991، وسيطر علي أكثر من ثلاثمائة شركة إنتاج صناعي وزراعي وتجاري وسياحي وغيره، وأدت سياسته المنفذة غير المعلنة إلي ما أصاب هذا القطاع من توقف الأعمال وف
قد العمالة الماهرة والخروج من الأسواق وتراكم المديونيات وغير ذلك وكان تولي الوزارة منبئاً عن سيادة هذا الاتجاه السياسي في إدارة شئون البلاد توطئة للبيع وإكمال تفكيك الأبنية الإدارية للهيئات والمؤسسات والشركات وغيرها.

وجاء خطاب الهيئة البرلمانية سالف الذكر في 11 نوفمبر 2003 في ظل هذا الوضع الذي ساد وسيطر وحده في قمة الدولة، ثم تلاه بعد ثمانية أشهر تعديل وزاري رأس فيه الوزارة الدكتور أحمد نظيف في 10 يوليو سنة 2004 ومعه الطاقم الذي نشهده حالياً، والذي قام ويقوم بتنفيذ هذه السياسة التي تبلورت علي مدي السنوات الأربع السابقة منذ 2000 وأعلنت في 2003.

وقد طرحت للتنفيذ الفعلي والسريع هذا المشروع، ومارست وتمارس ما أظنه مفاصلة تامة مع ما لا يقل عن نسبة 90% من «السكان»، أو بعبارة أدق أنها تمارس سياسة لا تفهم إلا علي أساس أنها تتبع هذه المفا
صلة، وطرحت ما سمته ببيع أصول مصر، من شركات ومصانع سبق توقيفها ومرافق سبق تعطيلها وأراض ومستشفيات وفنادق كان لحقها البوار، وذلك لتدخل الملكية العامة الثابتة بنسبة 90% من «السكان» في نطاق المال المملوك للجماعة السياسية الجديدة، جماعة نسبة 10% أو أقل حسبما قرر هذا الوضع الجديد.

وهكذا يجري الأمر، فرز وتجنيب ثم مفاصلة، ونحن لا نعرف حقيقة النسب، وهل هي 10% أو أقل؟ ومن يقدر علي إجراء الفرز يستطيع أن يحدد ما يريد وما يحتمل من نسب قد تكون أقل، ومن لم يخش من 90% لن يخشي أيضا من 95% من «السكان».

ولكننا هنا نقيد أنفسنا بما قيل عيانا جهارا بياناً نهاراً لندرك كيف يفكر المسئولون وبأي تصور سياسي يديرون الأمور؟

لقد كان من أهم العقبات التي تواجه تنفيذ هذا التصور هو التركيب العضوي لجهاز إدارة الدولة، المدني وال
خدمي والاقتصادي والعسكري والأمني، لأن جهاز إدارة الدولة في مصر إنما يتكون من عينة مصرية لا تميز أهل إقليم علي آخر ولا أهل طائفة علي أخري ولا أهل مذهب ولا أهل قبيلة أو أسرة، لما تتمتع به مصر من امتزاج شعبي نادر الحدوث في مجتمعات أخري كثيرة، وما يدعو للتساؤل هو كيف يجري الإعداد العضوي والثقافي والطبقي لجماعة محدودة تدير شأن هذه النسبة المتصورة للجماعة السياسية المصغرة المختارة نسبة الـ 10%، ولكي تنمحي النظرة الشاملة التي اعتادها العاملون بجهاز إدارة الدولة وتحل محلها نظرة محصورة لجماعة محصورة في هذا النطاق الضيق.

لقد جري ذلك عبر التسعينيات من القرن العشرين، وكنت أشرت إليه في كتابات سابقة، وذلك بتفكيك المجتمع وجهاز إدارة الدولة، فلم يعد أي مكون من مكونات المجتمع أو جهاز الدولة قادرا علي معارضة سلطات رئيس الدولة بوصفه فردا يتربع في أعلي السلطة، ولا قادرا علي الممانعة لأي سياسة تتخذ حتي إن كانت ضد هيئات الدولة ومؤسساتها ذاتها.


ذلك إنه أعيدت هيكلة نظم التوظيف في الدولة في بدايات التسعينيات بحيث صارت وكأن جميع القيادات في الدولة وظائف مؤقتة تمد سنة بسنة أو سنتين أو ثلاث بمثل مدتها، وسواء في ذلك الوظائف القيادية في أجهزة الدولة المعنية المتعلقة بالسيادة وبالخدمات، وأجهزتها في قطاع الأعمال الاقتصادي أو في الجيش أو في الشرطة، وأدي ذلك إلي أن تحول أي من هذه القيادات من ذوي مركز قانوني يكفل لهم قدرا من الضمانات في البقاء في عملهم وقدرا من الاستغلال في اتخاذ القرار وإبداء الرأي الفني والمهني، تحولوا من ذلك إلي مجرد تابعين لمن يعلونهم سواء وزيراً أو رئيس جمهورية، إن لم يأتمروا بالأوامر فسيسقطون كأوراق الشجر الذابلة بغير حاجة إلي فصل.

يضاف إلي ذلك أن أجر أي وظيفة كان يكفي صاحبها، كفالة لضرورياته هو وأسرته وفق المستوي الاجتماعي للشريحة الاجتماعية التي تحيط به، وكان لوظيفته ولأجره منها من الضمانات القانونية والقضائية ما يكفل تأمين العامل، ثم حدث أن زادت الأسعار علي مدي العقدين الماضيين بما يفوق زيادة الرواتب أضعافا مضاعفة، فلم يعد أي راتب يكفي صاحبه وأسرته ضرورات عيشهم، وألجأ هذا الوضع العاملين إلي البحث عن مورد آخر مكمل، فانحرفت قلة ووجدت في الفساد وأساليبه مغنما، والأغلبية بحث أفرادها عن عمل آخر إضافي مكمل، فتوزع انتماؤهم بين عملهم الأصلي وعملهم
الإضافي، ولأن العمل المكمل يكون لقاء أجر غير ثابت بغير ضمانات قانونية، فقد صار هو ما يخشي عليه العامل ويوليه اهتمامه الأكبر، وذلك علي حساب عمله الأصلي، وشيوع هذا الأمر بين العاملين من شأنه انهيار المؤسسة الأصلية التي يعملون بها لانصراف العاملين فيها عن مدِّها بالقدر الأهم من أنشطتهم واهتماماتهم.

يضاف إلي ذلك أن أي مؤسسة إنما تنشأ بوصفها تشكيلاً نظامياً يضم من الخبرات والمهارات ما يتفق مع نوع نشاطها، وهي في عملها تكتسب خبرات متزايدة بما يضاف إلي رجالها من تجارب وما يؤدونه من أعمال، فإذا توقفت فقد فقدت هذا النبع من الخبرات ولحقها من الصدأ ما يلحق الآلات التي لا تعمل، والحاصل أن كثيرا من الأجهزة والمؤسسات في الدولة وقطاع الأعمال قد توقف عن أداء عمله المنوط به في هذين العقدين الأخيرين، لأنه لم يعد ثمة خطة اقتصادية تتبع ولا مشروعاً وطنياً ينفذ ولا خدمة اجتماعية تؤدي بجدية ولا مالاً ينفق بما يكفي أيا من ذلك.


وانصرف العاملون ذوو الخبرة عن أعمالهم، وكذلك الشأن إذا ارتبط بأي مؤسسة ما يجاوز أصل تخصصها وما أعدت من أجله.

هذا من ناحية تفكك أجهزة إدارة الدولة ومؤسساتها، أما من ناحية هيئات المجتمع الأهلي مثل النقابات والاتحادات وغيرها، أو الهيئات الرسمية ذات الاستقلال الذاتي كالجامعات، فقد جرت في كل ذلك تعديلات في القوانين بما يفقد أيا منها درجة استقلاله الذاتي مثلما حدث بالنسبة للجامعات، وكذلك صدرت قوانين واتبعث إجراءات كان من شأنها تفكيك الهيئات ذات التماسك كالنقابات المهنية أو السيطرة الكاملة الأمنية علي الهيئات الأخري كالنقابات العمالية واتحادات الطلبة، ولا أريد أن استطرد في ذكر التفاصيل حرصاً علي الوقت والمساحة، وحرصاً علي سرعة بلوغ المسألة التي أريد إيضاحها.

والحال أن القوة الاجتماعية والسياسية ترد من العمل الجماعي لا من الجهود الفردية، وهي ترد من العمل الجمعي المشمول بتشكيل تنظيمي، ولا فعل إلا بقوة ولا رد فعل إلا بقوة، ولا تأثير إلا بقوة ولا ممانعة إلا بقوة، والحال أيضا أن الحركة الاجتماعية والسياسية لا تنفذ بآثارها إلا بهذه القوة الجماعية المنظمة، وأن أي حراك شعبي أو جمعي من أي نوع وفي أي مجال يرد بغير قوة منظمة وإنما يكون حراكا عشوائيا ما يلبث أن يتفرق شعاعاً وأن يتشتت بددًا لا يبقي له أثر يذكر، لذلك فإن التنظيم هو ما يكون عليه المعول في حساب القوي وإدراك الآثار المتفاعلة في المجتمع للجماعات والفرق المختلفة.

ومن هنا ندرك مغزي ما سبق ذكره عن التفكك الحادث، وندرك أي خسارة فادحة لحقتنا من جراء هذه السياسة التي اتبعت منذ التسعينيات بشكل منظم وآتت بنتائجها المدمرة من نهاية التسعينيات حتي اليوم، إذا ننظر إلي أنفسنا اليوم فنجد أنفسنا ساخطين دون همة، وغاضبين دون عزم، وأن السخط والغضب يأتي منهما الوعي بالسوء والقبح والفساد، أما الهمة والحزم فيأتي بهما التشكيل التنظيمي للساخطين والغاضبين، وأنا لا أقصد هنا فقط انفكاك التنظيمات الشعبية والأهلية، ولكن أقصد أيضاً انفكاك تنظيمات الدولة فيما عدا ما يقوم علي الأمن السياسي للنظام الحاكم، ومن هنا نلحظ هذا الوهن العجيب، فننظر إلي الجماعة الحاكمة فنراها لا تعرف كيف تحكم ونراها واهنة العزم خائرة القوة إلا فيما يتعلق بمنع المظاهرات، ثم ننظر إلي المعارضة فنراها تقف عند حدود التعبير الكلامي عن المواقف وعند حدود الإدراك الصحيح الصائب لما يتعين أن يقوم، ولكنها لا تستطيع أن تحول هذه الرؤية إلي قدرة تغيير فعلي.


لقد حدث في مصر علي مدي الثلاثين سنة الماضية ما حدث في العراق علي مدي السنوات الخمس الماضية، نحن دائماً في مصر نجري التغييرات بالأسلوب «السلمي المشروع البطيء» والتعديلات الهيكلية الجزئية البطيئة التي تتراكم، وهم دائماً في العراق تجري التغييرات بالأسلوب العنيف السريع، سواء كان التغيير للأحسن أو للأسوأ.

في مصر خضعت الإرادة الوطنية للدولة لإملاء الهيمنة الأمريكية عليها، خضعت بالتدريج وكمل ذلك علي مدي عشر سنوات أو أكثر، وفي العراق أجري ذلك بعملية احتلال عسكري أمريكي سريع وتعيين حكومة موالية «للأمريكيين».

في مصر تحطم النظام الاقتصادي الوطني المستقل علي مدي ربع القرن وصار إلي التبعية للهيمنة الدولية، وفي العراق جري هذا التحول في أشهر قليلة بعد الاحتلال العسكري الأمريكي، وفي مصر تعطلت المصانع ــ مصانع القطاع
العام ــ بالترك العمد والإهمال المقصود علي مدي نحو خمس عشرة سنة وفي العراق جري ذلك في شهور أيضاً، وبالنسبة لجهاز إدارة الدولة في مصر فقد جري تفكيكه وجرت العملية من أوائل التسعينيات، وتمت ذات العملية بالتدمير السريع في العراق فور دخول القوات الأمريكية، أما من حيث الخسائر البشرية فهي في العراق تحدث بالرصاص والتفجيرات، وفي مصر تحدث بغرق العبارات وتصادم القطارات والحافلات وسقوط الصخر علي البشر أي بالطريق السلمي المشروع، والنتيجة أن المجتمع مفكك والدولة مفككة وأن القوة النظامية الوحيدة وهي شرطة الأمن السياسي، لم تعد حافظة لحكومة القلة فقط، ولكنها حافظة أيضاً لوضع التفكك الذي يضمن بقاء هذه القلة. وقد شكلت أجهزة الإدارة التي تناسب المجتمع الجديد المصغر، فتفتق الحزب الوطني عن لجنة السياسات، وجرت السيطرة علي بنوك القطاع العام بطاقته التمويلية عن طريق كوادر جديدة، ومع تغير الوزارة، نشأت حول كل مجموعة شباب، اختير بغير خبرة سابقة في أجهزة الدولة وبرواتب ضخمة جدا، وكل ذلك بعقود مؤقتة حلت محل الوظائف الثابتة حتي لا يكون لأحد قدرة علي الاعتراض.

هذا هو الوضع السياسي والاجتماعي والتنظيمي الذي يتناسب مع تحقيق مجتمع الــ 10% المعلن عنه، وقد يعمل العاملون علي تخفيفه بنسبة أقل من ذلك كثيرا، فنحن لا نعرف النوايا، ولكن المهم هو الإشارة إلي ما هي خصائص هذا المجتمع التي يمكن أن نستقرئها من الواقع الحالي ومن متابعة الأحداث الجارية. فنحن نلحظ مثلاً أن القاهرة لم تعد هي المدينة التي تمارس فيها فعلاً حكومة البلاد ولم تعد مقرًا لحاكم مصر الفرد القائم علي أزمة أمور البلد والمقرر لسياستها فيما كبر أو صغر من الشئون، صار مقره الدائم أو الذي يقيم فيه عادة هو مدينة شرم الشيخ علي شاطئ خليج العقبة جنوب شبه جزيرة سيناء وصارت هي المقر الذي يقابل فيه رجال الدولة ويعقد فيه اجتماعاته مع رؤساء وممثلي الدول الأجنبية وهو مكان عقد فيه ما يسمي بلقاءات القمة وبلغ من اطراد هذا الأمر والاعتياد عليه أن المؤتمر الدولي للاتحاد الأفريقي الذي ينعقد بحضور رؤساء الدول الأفريقية كان انعقاده الأخير السنة الماضية في شرم الشيخ رغم أن شرم الشيخ في آسيا وليست في أفريقيا بما يعني أن مؤتمر قمة الاتحاد الأفريقي لم تجد له حكومة مصر في أرضها الأفريقية الفسيحة مكانا لانعقاده فانعقد في آسيا.

وأن شرم الشيخ التي تمارس فيها وظائف العاصمة هي في الجزء الشرقي من سيناء وهو الجزء منزوع السلاح المصري بنص الاتفاقية المصرية - الإسرائيلية وهي ليست تحت سيطرة القوات المسلحة المصرية فمحظور علي مصر بموجب هذه الاتفاقية أن تتواجد فيها قوة من قوات مصر المسلحة، وهذا يعني أن أقرب القوات المسلحة لشرم الشيخ بحكم التواجد وبحكم إمكان التواجد الدولي المتاح هي القوات المسلحة الإسرائيلية براً وجواً وبحراً وهذا يذكرنا تاريخياً بوضع السلطان «محمد وحيد الدين» سلطان الدولة العثمانية الأخير بعد الحرب العالمية الأولي إذ كانت إقامته في اسطنبول وكانت تحيط به القوات الأجنبية المنتصرة علي تركيا في تلك الحرب وهذا ما من أجله نقل «كمال أتاتورك» العاصمة إلي أنقرة في قلب بلده وفي وسط الأناضول.

إن كان هذا هو شأن المدينة التي تمارس فيها الدولة مهام العاصمة في هذا الوضع الجديد وهي بعيدة عن وادي النيل الذي يسكنه ما جري التعبير عنه بأنه 90% من السكان فما هو شأن التمويل إننا نعلم أن ميزانية الدولة تمول بمصادر إيراد يرد من شئون المصريين كلهم، مما ينتج عن الزراعة في وادي النيل وعن المصانع التي تنتشر علي طول مدن الوادي وأرضه ومن عمل العاملين المصريين عمالاً وموظفين ومهنيين وحرفيين ومن ضرائب استهلاك هؤلاء جميعاً فكيف يمكن الاستغناء «بقدر الإمكان» عن هؤلاء بوصفهم مصادر إنتاج واستهلاك وعمل وغيره، إن تمويل هذه الإدارة الجديدة للدولة في وضعها المصغر يمكن أن يأتي من دخل البترول والغاز وهو مبلغ يدور حول 9 مليارات ودخل قناة السويس وهو يدور 4 مليارات وعوائد المصريين المقيمين بالخارج وهو يدور حول 6 مليارات ثم السياحة وهي تدور حول 8 مليارات وكل هذه الدخول لا تحتاج إلي وادي النيل في مصر وهو موطن أكثر من 90% من السكان ولا تنتج في الأساس عن أنشطة إنتاجية خاصة بسكان هذا الوادي وهم يزيدون علي 90% من السكان وحتي النشاط السياحي صار جزءاً غالباً فيه يرد من سياحة شواطئ البحر الأحمر وليس من أرض الوادي ولا من آثار هذا الوادي.

ونحن هنا أمام مداخيل اقتصادية تتشابه إلي حد ما مع مداخيل إمارات الخليج العربي وأن الاعتماد الأساسي عليها في تشكيل دولة الــ 10% يحيل الدولة إلي إمارة شبه خليجية والفارق أن إمارة شرم الشيخ تقع علي الشاطئ الغربي للجزيرة العربية بينما تقع قريناتها علي الشاطئ الشرقي لشبه الجزيرة وإماراتنا قد تحتاج إلي بعض عمالة تأتيها من وادي النيل، خاصة في شأن الخدمات وفي شأن حفظ الأمن وهذا من الصفات الشبيهة بصفات تجدها في إمارات الخليج التي تعتمد علي عمالة تأتيها من خارجها ولأنها إمارة تعتمد علي الدخل الريعي وليس الدخل الإنتاجي فهي لا تحتاج إلي فلاحين ولا إلي عمال، يكفيها خبراء في الإدارة وموظفين صغار وخدمة كما يكفيها من القوات الحامية لها قوة الشرطة علي أن تكون هذه القوة شديدة البأس صعبة المراس ذات بطش وقسوة.

وأن نظرية الأمن القومي لهذه الإمارة لابد أن تكون مختلفة تماماً عن مثيلاتها الخاصة بمصر التي نعرفها أو بعبارة أخري عن باقي مصر الذي نعرفه وهذا الباقي من مصر الذي يشكل 90% أو أكثر هو أرض وادي النيل والذي لم يعد وطناً مشمولاً بالرعاية وما عليه من بشر هم سكان وليسوا شعباً بالمعني الذي يعرفه القانون الدولي العام، إن ثمة إمارة انسلخت من الدولة الأم وأخذت اسمها ووصفها القانوني ومركزها الدولي وأن أي دولة منسلخة تختلف نظرتها إلي أمنها القومي عن النظرية السائدة لدي الدولة الأم بل هي تكون ضد هذه النظرية لذلك فإن الجزء المنسلخ يعتبر الدولة الأم عدوه الأول والأكبر ومصدر الخطر الدائم عليه ومتي تعين العدو الأول، فقد تعين أيضاً الحليف الأول وهو عدو العدو، والإمارة المنسلخة في هذا التصور لا تجد حليفاً لها إلا من كان يخشاه الوطن الأم ويعتبره خصماً له وخطرا عليه، من هنا نفهم الموقف الأخير الذي كشفت عنه أحداث غزة الأخيرة في ديسمبر 2008، كما نفهم هذه السياسة التي قامت وهي سياسة تمارس وتطبق ضمنا وعلانية وسراً وجهراً وهي أن ثمة تحالفاً استراتيجياً يقوم بين الحكومة الحاضرة والولايات المتحدة الأمريكية وليس من الممكن فهم هذه السياسة إذا نظرنا إلي الأمر بوصفه علاقة بين مصر والولايات المتحدة، لأن الولايات المتحدة ومعها إسرائيل شنت علي هذه المنطقة من الحروب ولا تزال تفعل ما يجعلنا نراها عدوانا مستمراً من الجانب الأمريكي الصهيوني علينا.

إنما يُفهم الأمر إذا نظرنا إليه باعتباره وصفاً للعلاقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وبين الإمارة المنسلخة من مصر، إمارة الــ 10% أو أقل من السكان، من جهة أخري.

أمامنا مهمة كبيرة، أن نعيد مصر إلي الوجود بإذن الله تعالي فنجمع ما تفرق ونركب ما تفكك وأن نرمم أبنيتها الإدارية المتصدعة وأن نجبر ما تكسر من عظامها هذا بالنسبة لأجهزة إدارة الدولة، أما بالنسبة للتنظيمات الشعبية والأهلية فأمامنا مهمة الإعداد الجديد لتنظيمات جديدة علي كل مستويات العمل الشعبي والأهلي النقابي وغير النقابي والجمعيات والاتحادات وغيرها.

في الافتتان بالعدو


عزت القمحاوى
اسمحوا لي أن أعلن افتتاني بالخصوم والأعداء، حيث أهداني حفل تنصيب أوباما ما يشبه متعة مشاهدة السينما الحلوة.
ولا تندهشوا من تصنيف أوباما عدواً، فليس هو المقصود، لكن بلاده التي قامت على الاستيطان ونذرت نفسها لخدمة الاستيطان الصهيوني في فلسطين، والحق أن هذه العداوة ليست محسومة بداخلي بشكل قطعي؛ فأعدائي هنا، قزموا بلادنا وأهانوها فأهانها الغرباء البيض الشريرون، ولن يختلف عنهم السمر الطيبون، فلا أحد يتطوع بإنصاف شعوب لم تحاول إنصاف نفسها.
ولا أعرف ما يمكن أن يقدمه أوباما، ولم يساعدني على المعرفة تصريحه الملتبس عن التطلع إلى علاقات جديدة مع قادة الشرق الأوسط تقوم على الاحترام والمصالح المشتركة. لا بد أن أوباما واع بأن مصالح الأوطان تختلف عن مصالح الحكام في هذه البلاد الحزينة، فإن كان ما يعنيه مصالحهم فلا احترام ولا تقدم ولا جديد تحت سقف العلاقات مع أمريكا. وإن كان ما يعنيه هو 'مصالح الشعوب' فأهلاً به.
ولتسعد به أمريكا، وليس نحن، وإن كان الاعتراف بالحق فضيلة، فمن الحق الاعتراف بأن حفل تنصيبه كان مبهجاً كفيلم حلو.
الفرق أن متعة الساعتين في قاعة مظلمة تنتهي دائماً بالتأسي لأن الحياة ليست كالأفلام، ثم نسيان الأسى والتصالح سريعاً مع الحياة، لكن متعة مشاهدة تنصيب أوباما لم تنته بمثل تلك المصالحة، بل بمزيد من الخصام مع الحياة، إن كانت حياة تلك التي نحياها، وبافتتان بالخصوم وبحياتهم، أقاومه واعياً، لكنهم لا يفتأون يجدون أسباباً جديدة للفتنة!

التنصيب هو العلا في كل أمر، حتى في اللغة، النصب تنتصب به الكلمة في الحلق، وهو الوقوف بلغة المشرق، والانتصاب بلغة مغربنا. ولكننا لا نكاد نعرفه خارج اللغة.
لدينا النصب، والغصب والاحتيال، لا التباري الحر الذي ينتهي بحفل تنصيب، يحتفي فيه السابق باللاحق، الذي سيجلس على كرسيه، ويحرمه من الأبهة، وهي أبهة حقيقية وتستحق.
الاحتفال المماثل في عالمنا العربي هو عيد الجلوس، لا الوقوف ولا الانتصاب. الجلوس وهناً، الجلوس شيخوخة، الجلوس جبناً، الجلوس تكبراً، الجلوس فوق رؤوس العباد، لا الانتصاب والوقوف بينهم بشراً بجوار بشر، ثقلهم جميعاً على الأرض.
هذا هو الفرق بيننا وبين أعدائنا وخصومنا. الفرق الذي نعبره عبور الكرام في الصور. مجالس وزرائنا مثل مضافات العزاء وديوانيات ومقاهي الاجترار والثرثرة، هذه هي الصورة التي نراها لوزاراتنا ورئاساتنا، من دون أية مؤامرة خارجية أو سوء قصد من المصورين، بينما لا نرى من مجلس وزراء الكيان الصهيوني إلا الجري في الممرات وهم يتأبطون ملفاتهم، وإن دخلت الكاميرا إلى القاعة، فلكي تشهد على حيوية وخلافات تصل حد العراك، لا التأمين البليد على حكمة القائد.
بالتأكيد مسؤولونا يصلون إلى مقار اجتماعاتهم مشياً أيضاً، لكن لا صور لهم في حالات الوقوف هذه، هل هي مؤامرة من الإعلام أم أن انتصابهم أقل من أن تلاحظه الكاميرا، وجرجرتهم لأقدامهم أبطأ وأوهن مما يتطلبه البث الفضائي؟!
هل هم أنفسهم يخافون وضع الوقوف حتى لا تتهمهم إسرائيل بالاستعداد للحرب؟!
أيدي مسؤولينا فارغة كقلوبهم، لا ملفات لديهم، لأن العلم في الرأس وليس في الكراس، والوقار في القعود والبطء.
وحده الشعر الآن يحاول أن يذكرنا بانتصاب القامة، بينما نحاول أن نذكر أنفسنا: القاعدون لا يمثلوننا، نحن مثل بقية البشر، لا أقل ولا أكثر، ولابد أن نمشي منتصبي القامة، ونقاوم مخاوف القلب وذعر البدن.

تنصيب أوباما فيلم خيالي، مبروك عليهم، أو مبارك.
هناك أسباب للفخر أعلنها الأمريكيون الذين حاورتهم السي إن إن، فخر بشباب رئيسهم، فخر بلونه، فخر برحابة بلادهم وحيويتها.
طابور من الرؤساء السابقين يشهد اللحظة، آخرهم ترك لخلفه في الدرج (الجارور) الأعلى من المكتب ملحوظات بالعالق من الأعمال، بينما تقع في عداد المعجزات عندنا أن يحمل أحدهم صفة رئيس سابق وحي في الوقت ذاته.
لا بعد الرئيس ولا قبله، هو الواحد، إلى أن تتولى السماء أمره. وعندما لا تفعل ذلك في الوقت المناسب لأي سبب كان، يتطلب التغيير جندولاً يسبح في نهر من الدم.
نجوم مجتمع، صبايا وشباب، فرح حقيقي، وضحك من القلب، قسم ديني، وعشرون حفل رقص، فساتين وماكياج، وأجساد حرة لا تتوجس خوفاً من صفعة شرطي أو هبشة متحرش.
نحو ثلاثة ملايين من البشر، لا يجتمعون في مكان واحد على سطح الأرض إلا على جبل عرفات، اجتمعوا للمشاركة في حفل تنصيب أوباما.
حدث تاريخي بالمقاييس العادلة، وليس في أوصاف الصحافة الحكومية ومستشاري السوء، الذين 'يترخنون' الضراط.
واللغة، عنوان أية أمة، ودليل صحتها!
لغة حقيقية، مليئة بالأفعال، وليس مثل لغتنا التي لم يبق لها سوى أفعال الرجاء.
أوباما الشاب المرح الواثق، يخبر بما سيفعل، يأمر ولا (يطالب) أو ينصح أو يأمل؛ فالأمل بين أنامله.
ياله من حفل؛ حفل تنصيب رئيس!

ابراهيم عيسى يكتب :أزمة غزة بين حكمة الرئيس وحكمه


ابراهيم عيسى يكتب :أزمة غزة بين حكمة الرئيس وحكمه
الرئيس مبارك كان مصمماً على أن يضع بصمات الآخرين فوق جثة العروبة النافقة منذ السكوت المخجل عن مجازر إسرائيل وعدوانها أظن أن باب الاتهامات بالمتاجرة باب مفتوح من الاتجاهين ويمكن للجميع أن يتهم به الجميع

كان خطاب الرئيس مبارك فى مؤتمر القم العربية يوم الإثنين الماضى نموذجاً واضحاً يكاد يكون أوضح مما يجب عن وجهة نظر الرئيس وسياسته فيما يخص العالم العربى والقضية الفلسطينية، ولعلى أعتقد أن نفاد الصبر بدا يميز التعبير المصرى الرسمى عن نفسه وأفكاره، فأن ينقل رئيس فرنسى عن مبارك كلاما عن أن الرئيس يوصى بعدم خروج حماس منتصرة من حرب غزة وهو ما نفته الرئاسة المصرية فيما بعد ولم تنفه الرئاسة الفرنسية فهذا يعبر عن ضيق صدر الرئيس بحركة حماس هكذا أمام ضيفه وكأنه يتحدث مع رجال قصره وليس رجل قصر الإليزيه، ثم ما ينقله الدبلوماسيون الغربيون عن آراء مبارك الصريحة والجارحة لبعض من حركات وقيادات المقاومة وما ينقله مفوضو وممثلو حماس وغيرها من الفصائل من تعبيرات غاضبة وخشنة ضد دول عربية وقادتها يدخل كله فى حيز عدم الصبر وفراغ الطاقة والذى يعكس بطبيعة الحال إحساساً بالضغوط الهائلة فضلاً عن البعد الفسيولوجى، فقيادات مصر بلغت من العمر مرحلة لا تحتمل فيها كظم الغيظ أو لجم الغضب، وفى السياق ذاته فإن الخطاب الذى ألقاه مبارك فى القمة كما عكس لهجة البلد الحانق فقد أظهر كذلك روح القيادة التى تعتقد أنها بلغت من الرؤية والحكمة ما لا يجب لأحد أن يناقشها فيها وفيما تفعل وأن الأمور تقتضى طبقا لمنطقها السير وراء مواقفها وحكمتها بالتصفيق والتهليل وليس بالتشويش والمشاغبة، وأن امتلاك هذه القيادة للحقيقة المطلقة والحكمة الخالصة لا يتحمل لماضة من أحد أو معارضة من مجموعة جهولة أو مجهولة أو مراهقة

من هنا أصدق تماماً صدق الرئيس مبارك وإخلاصه فى هذا الخطاب الذى أشم فيه رائحة كتابة دكتور مفيد شهاب «وأكاد أصدق أن فيه شيئا من روح صياغة دكتور أحمد كمال أبوالمجد» فأنا لا أعرف من كتب هذا الخطاب بالضبط ، وكذلك بيان مطالبة إسرائيل بوقف إطلاق النار لكن يد رجل قانونى وسياسى قديم وعميق الصلة بذكريات الشأن الفلسطينى لابد وأنها تقف وراء سطوره، فضلا عن دقة الخطاب فى الإفصاح عن سن رجل وصل لاقتناع راسخ بصحة وحكمة موقفه حتى إنه ضاق ذرعا بنكران البعض لأفضاله
وأعرف أن الكثيرين الماثلين على الساحة السياسية والإعلامية المصرية يحبون أن يسلموا للرئيس مبارك بقدراته على إدارة ملف العلاقة مع إسرائيل والعرب، فإذا انتقدت هذه السياسة أو عارضتها فإنهم يسارعون لسحب الوطنية عنك، وأكثرهم رحمة بنا وشفقة علينا يتأسف على أن معارضتنا للسياسة الداخلية للرئيس أعمتنا عن رؤية حقيقة جدارة سياسته الخارجية، فإننا انطلاقا من معارضتنا له فى الداخل نعارضه لمجرد المعارضة والعناد فيما يتصل بسياسته الخارجية
لكننى فيما أعتقد لا أجد أى فارق ولا فرق بين السياسة الداخلية والخارجية للرئيس مبارك على الإطلاق، فيكاد الأمر يكون متوحدا تماما، فهو يتميز بالفردية والانفراد بصناعة القرار بعيداً عن الرجوع للرأى العام ولا الاعتبار للمعارضة فقرار الداخل مخطوف بأغلبية مزورة وقرار الخارج مُصَادر لصالح المصلحة التى يراها الرئيس ويحتكرها دونا عن الآخرين، ومن ملامحه كذلك الاستبعاد والنفى للرأى الآخر فكل من يخالف الرئيس فى سياسته الداخلية عميل مأجور لأمريكا والأمريكان الذين يحركون أذنابهم فى مصر «إلا من استثناه النظام وختمه بخاتم الوطنية» وكل من عارض موقف الرئيس وسياسته الخارجية فهو عميل للقوى الإقليمية ولإيران وهكذا يجد المعارض نفسه عميلاً لجهتين من الصعب أن يعمل لديهما معا إلا عفريت من الجن، فكيف تكون عميلا لأمريكا حين تقول للرئيس أن يجرى إصلاحات سياسية ثم تكون أنت نفسك عميلاً لإيران لو قلت للرئيس افتح المعبر وتوقف عن تصدير الغاز لإسرائيل؟
الثابت أن هناك منهجين فى الرؤية شديدى الاختلاف والتباين فى النظر لإسرائيل، وهو التناقض المركزى والرئيسى بين الرئيس وأنصاره من جهة وبين معارضيه من جهة أخرى وهو ما يحرك الأزمة التى تطاحنت داخليا وعربيا عقب العدوان الإسرائيلى على غزة وما تبعه من مجازر وجرائم حرب وقفت إزاءها مصر الرئيس موقفا بدا لكثيرين داخل مصر أقل مما يجب، بل أقل مما يحتمله أحد، وشهد هجوماً سياسياً عنيفاً ضد مصر فى العالم العربى وكان سهلاً للغاية أن تتهم مصر قطر وسوريا وإيران بالوقوف خلفه، وكأن مصر الرئيس لم تعد تصدق أن هناك من يتخذ موقفاً ضدها وضد سياستها لوجه الله ولأجل اعتقاده وأن مئات الألوف الذين خرجوا فى مظاهرات رفعت شعارات ضد السياسة المصرية تجاه فلسطين والعشرات من المفكرين والإعلاميين والسياسيين الذين انتقدوا وعارضوا موقف مبارك كلهم عملاء وباعة ذمم، ولم تراجع مصر الرئيس نفسها أبداً فى هذا الموقف ولا بدا أنها مستعدة لإعلان خطئها فى القرار وفى التقدير، وهذا ما ظهر بقوة وجلاء فى خطاب الرئيس مبارك فى القمة والذى خلا من أى لحظة مراجعة للذات وخلا تماما كذلك من أى اعتراف بخطأ فى التقدير أو فى الحساب، بل كان خطاباً مكرساً كله فى تحميل الآخرين مسئولية التدهور والانحدار العربى وأنهم جميعا لم يسمعوا الكلام ولم يصدقوا الحكمة ولم يمشوا وراء النبوءة، ومن هنا فقد حصل الملك عبدالله ملك السعودية على حظ من التعاطف الدافئ عقب خطابه رغم أن سياسة مبارك كانت توأم سياسة الملك، لكن الأخير اعترف أو حاول أن يبدو كريما فاعترف بمسئوليته كما كل القادة عما فيه العرب فى هذه اللحظة، بينما الرئيس مبارك كان مصمماً على أن يضع بصمات الآخرين فوق جثة العروبة النافقة منذ السكوت المخجل عن مجازر إسرائيل وعدوانها
العودة ضرورة إذن لخطاب الرئيس مبارك فى القمة العربية وهو الشارح المبين للمفهوم والمنظور المصرى الرسمى لما تعيشه الأمة العربية فى وقتنا الحالى ففى الخطاب
يقول الرئيس «امتحنت هذه المأساة عملنا العربى المشترك فكشفت الكثير من أوجاعه وتناقضاته ومعايبه وأوضحت للأسف انقسام عالمنا العربى واختراقه وتشتته»

ولا أظن كائنًا من كان يختلف مع الرئيس فى توصيفه للحال العربى الراهن، لكن المدهش أن هذا الكلام إن جاء من محلل سياسى أو ضيف فى برنامج تليفزيونى لوافقناه وصفق له بعضنا، لكن أن يصدر من رئيس أكبر دولة عربية فهو الأمر الذى يستدعى التأمل فى فداحة الوصف مع تجاهل أن الرئيس شريك أساسى وأصيل فى صناعة المشهد وأنه لو كان الواقع العربى هكذا وهو هكذا فعلاً فهو كفيل بأن يدفع الحكام العرب المسئولين عن ترديه واهترائه ومبارك منهم وأولهم باعتبارات المكانة والمكان يدفعهم للرحيل، فإما أنه صانع معهم لهذا الوضع وإما أنه عاجز عن تغيير هذا الوضع، وفى الحالتين هذا وضع لابد بعده من ولادة، ومن العجيب أن توصيف الوضع العربى وانقسامه واختراقه وتشتته أمر يشترك فيه بشار الأسد والقذافى وأمير قطر مع رئيس مصر وملك السعودية وعاهل الأردن، فمادام كلا الطرفين يجمعان على سوء الوضع فالأجدر بالطرفين أن يعلنا التنحى ويتركا الساحة للراحة
يقول الرئيس «كان منطق الأمور يملى علينا الوقوف إلى جانب «غزة» بمواقف جادة تعى خطورة العدوان وشراسته وتسعى لإيقافه واحتواء تداعياته الإنسانية بعيداً عن المزايدة والشعارات الجوفاء»

ليس هناك أكثر من الإفراط فى استخدام تعبيرات مثل تلك فى السياسة المصرية هذه الأيام، وحين يستخدمها الرئيس مبارك بنفسه فى خطاب مفصلى فى أزمة مدوية فهو يعنى اعتمادا كاملا مختوما بخاتم النسر من الدولة المصرية لوصف ما عداها من أفعال وأقوال تصدر من دول وجهات وجماعات بالمزايدة والشعارات، وليست الشعارات فقط بل الشعارات الجوفاء، والأمر كله يستحق السؤال الأمين والمخلص عن معنى هذه الأوصاف، فيبدو أنها من كثرة ما ترددت لم يعد أحد معنيا بمعناها، فالمؤكد يا سيدى الرئيس أن الشعارات ليست حاجة وحشة أبدا، فالحرية والإخاء والمساواة شعارات أقامت ثورة وأمة وغيرت العالم حين غيرت فرنسا، و«الدين لله والوطن للجميع» شعار مصرى رائع ربى أفكار الملايين ومازلنا نتمناه ونردده، وشعار «ما أُخذ بالقوة لا يسترد بغير القوة» كان شعاراً حقيقياً وصادقاً ولم يحدث أن أُخذ شىء بالقوة واسْتُرد بالتفاوض وإذا لم تكن هناك قوة حرب أكتوبر التى كنت أحد رجالها يا سيادة الرئيس ما كان السلام الذى كنت كذلك أحد رجاله، بل حرب أكتوبر نفسها شهدت الشعار الأعلى والأنبل وهو «الله أكبر»، وفى كل أحداث التاريخ ورغما عن كل تهكمات المتهكمين وقصور القاصرين فقد صنعت الشعارات أعظم الثورات وغيرت التاريخ وربما لهذا فقط تحفظ الرئيس حين زاد وصف «الجوفاء» على الشعارات حتى لا يصم الشعارات بما لا يجب أن توصم به من رئيس يجلس على مقعد رئاسة بلد علم العالم كيف تكون الشعارات والأحلام مفاتيح للخلود والمجد، ومن هنا نسأل عن معنى جوفاء؟ ومن القادر على معرفة كنه وحقيقة أنها جوفاء «المقصود طبعا بالجوفاء أنها صادرة من الجوف وليس من القلب وأنها لا تتجاوز الصوت وأنها فارغة من المعنى ومن ثم لا تفعل ولا تقدم فعلا ولا تغير أمراً»؟ وأستغرب هذا الصدق الذى يتجلى فى نبرة الرئيس وهو يتهم مقاتلين على خط النار ومقاومين أمام قوات الأعداء يدفعون أعمارهم وحياتهم فداء لوطنهم وأرضهم ودينهم بأنهم يرفعون شعارات جوفاء، هل الموت فى سبيل الله شعار أجوف؟ هل التضحية من أجل تحرير الوطن شعار أجوف؟ هل تسقط إسرائيل شعار أجوف؟ هل لن نستسلم ولن نتنازل عن شبر واحد من أرضنا شعار أجوف؟ هل المرأة الفلسطينية التى تصرخ حزنا على موت ابنها تحت الأنقاض ثم تصرخ بعدها مباشرة «تعيش المقاومة» شعار أجوف؟ هل مليون شهيد فى الجزائر من أجل تحريرها شعار أجوف؟ هل هتاف الملايين من المصريين على مدى السنين «نموت نموت وتحيا مصر» شعار أجوف؟
لعلى مخطئ «وأتمنى ذلك» وألا يكون هذا قصد الرئيس، ربما يقصد ما قاله أمير قطر ورئيس سوريا أو أنه أراد أن يصف كلامهما عن المقاومة بأنها مزايدة وشعارات جوفاء، وربما يكون كذلك وربما لا يكون، لكن اتهامًا من هذا النوع يسمح بمنتهى البساطة أن يصف آخرون كلام الرئيس مبارك عن حق أهل غزة فى الحياة والعيش دون التعرض لإطلاق القذائف وعن أن السلام هو طريق الرخاء والحرية وأن مصر ثابتة فى الدفاع عن الشعب الفلسطينى وهذا الكلام الكثير الذى تردده مصر بأنه شعارات جوفاء كذلك، الحقيقة أن اتهام كل طرف للآخر بالمزايدة وبترديد الشعارات الجوفاء مسألة سهلة وغير مكلفة وتنتهى غالبا بلا غالب ولا مغلوب
يقول الرئيس «من المؤسف أن يعمل البعض على تقسيم العرب إلى «دول الاعتدال» و«دول الممانعة» كأننا لا نتعلم من أخطاء الماضى، ودروس التاريخ القريب وكأننا نعود بالعالم العربى ثلاثين عامًا إلى الوراء هل هى عودة لـ «جبهة الرفض» خلال سبعينيات القرن الماضى؟ أولم نعتمد معا وبالإجماع فى بيروت مبادرة عربية للسلام العادل والشامل؟»

والحقيقة هذه فرصة للسؤال الأكثر مرارة فى حياتنا العربية وهو «مَنْ الذى أخطأ فى الماضى؟ » ربما لا يعرف الرئيس أن هناك من يؤمن عن عقيدة بأن الذى أخطأ فى الماضى هو الرئيس السادات ومصر الرسمية حين عقدت صلحا فرديا مع إسرائيل وقضت على وحدة الموقف العربى أو على احتمالية وحدة الموقف العربى، فالحاصل أن الرئيس يسأل وهو واثق أن الإجابة لا يمكن أن تخرج عما يؤمن به وهو أن الذى أخطأ فى الماضى هى دول الممانعة أو جبهة الرفض وأن الحاضر أثبت أن الرئيس السادات كان صاحب رؤية سابقة لعصره حين تصالح مع إسرائيل، والمفاجأة أن هناك من يعتقد يا سيادة الرئيس فى العكس تماما وكلية، وأن الحاضر أثبت أن إسرائيل كيان عنصرى واستعمارى ونازى وعدوانى ولا يمكن أن يتنازل عن إرهابه وأطماعه التوسعية وأن السلام معه وهم كامل وأنه لابد من هزيمته عسكريا وحضاريا لأجل إقامة دولة فلسطين وتحرير كامل التراب الفلسطينى شعار آخر مما يكرهها الرئيس لكننا نذكره بأن تحرير كامل التراب الفلسطينى شعار يشبه شعار اليهود بالأرض الموعودة وأرض الميعاد وكما تحقق الثانى سيتحقق الأول بإذن الله ويبدو تمسك الرئيس ومن معه بالمبادرة العربية للسلام أمرًا فى غاية الغرابة فهى مبادرة ملقاة على الرصيف وموءدة منذ ميلادها وإسرائيل تتعامل معها بتأفف وتعفف، ومع ذلك فالرئيس يعتبرها مقياسا للفصل بين الممانعة والموالاة، وإذا كان الملك عبدالله ملك السعودية الذى خرجت المبادرة أول ما خرجت باسمه يلوح بسحبها فى نفس جلسة تمسك الرئيس المصرى بها، فلا نكاد نعرف هذا السر الذى يربط مصر بمبادرة مرفوضة ومنبوذة إسرائيليا وأن يحتسبها الرئيس معيارا للتعلم من دروس الماضى فالذى يوافق على الاستمرار فى مبادرة مثل هذه يبقى تعلم الدرس ومن يرفضها ويطالب بسحبها يبقى ناقص علام
هنا تجدر الإشارة إلى أننا لا نزكى على مصر جبهة الرفض ولا نرفع من شأن دول الممانعة فهم فى الحقيقة عندنا كما كل الحكام العرب ديكتاتوريون ومستبدون وقامعون لشعوبهم، ولا نحمل مثقال حبة من خردل ثقة فى هؤلاء ولا فى حكمهم ولا أحكامهم، ومن المؤكد أن سجل سوريا فى انتهاك حقوق الإنسان أسوأ وأسود كثيرا من سجل مصر، وأن الأسد الموروث والوارث وصدام غير المأسوف على رحيل حكمه صورتان قاتمتان من نفس الاستبداد والقمع والديكتاتورية الموجودة فى مصر، وإن كانت مصر أرحم كثيرا منهما إلا أنها لا تختلف كثيرا عن منهجيهما، هذا فقط كى يدرك المواطن العربى أن الطرفين الممانع والموالى للمبادرة حليفان فى الاستبداد وتوأمان فى الطغيان توائم غير ملتصقة وغير متشابهة لكن الرحم واحدة والقابلة واحدة
يقول الرئيس «ومن المؤسف أن نسمح باستغلال مأساة غزة لاختراق عالمنا العربى بقوى من خارجه، تتطلع للهيمنة وبسط النفوذ وتتاجر بأرواح الفلسطينيين ودمائهم»
وهنا بالذات تظهر الرؤية المزدوجة فى السياسة المصرية والكيل بمكيالين فى التعامل مع الشأن الفلسطينى، فلا توجد سياسة لأى دولة أو حركة مقاومة أو تنظيم مسلح أو سلمى إلا وتضع فى اعتباراتها الموازين الدولية والقوى المحيطة والدول الحليفة والأنظمة المعادية، فلا أحد يعمل وحيدا وفى الفراغ فى هذا العالم، وأى تحرك داخلى أو خارجى لابد له من أصدقاء وحلفاء، ومن ثم لا يمكن لمصر نفسها أن تتصرف دون حسابات ودون توافقات ودون تنسيق مع آخرين فى الساحة، هذا من حيث المبدأ النظرى المثالى الذى يدرسونه للطلبة فى اقتصاد وعلوم سياسية، لكن أيضا على المستوى العملى العربى كيف يهاجم الرئيس مبارك قوى من خارج العالم العربى باستغلال مأساة غزة ولايهاجم قوى صنعت مأساة غزة؟ ما الأجدى والأجدر أن نتهم أمريكا وإسرائيل أم نتهم إيران؟ ولماذا يعتبر الرئيس إيران فقط هى القوى الخارجية التى تحاول الهيمنة وبسط النفوذ فلماذا لا تكون تركيا مثلا، أو لماذا لا تكون فرنسا وألمانيا اللتين تدخلتا بمنتهى السخافة والنطاعة فى دعم إسرائيل وفرض الهيمنة على القرار الفلسطينى؟ لماذا إيران هى بنت البطة السوداء إذا كانت القضية الفلسطينية هى البئر التى يلقى فيها الجميع بحجارتهم؟ فلماذا يختار الرئيس لمزًا إيران وحدها كقوى إقليمية تحاول الهيمنة ويترك الآخرين وكأنه حلال للدول من كل حدب وصوب حرام بالذات على إيران؟ ثم إن مسألة المتاجرة بدماء الفلسطينيين يمكن لأى عابر سبيل أن يرميها كذلك على المصريين الذين اتهمهم العالم كله بالمشاركة فى حصار شعب واستنزافه وفرض الهيمنة عليه بحكم الجغرافيا والتاريخ والرغبة فى فرض تسوية رغما عن إرادة قطاع كبير من الشعب الفلسطينى لصالح رضا قوى دولية وإمداد إسرائيل بالبترول والغاز الذى يشكل آلة قتل الفلسطينيين واستنزاف دمائهم الغالية، أظن أن باب الاتهامات بالمتاجرة باب مفتوح من الاتجاهين ويمكن للجميع أن يتهم به الجميع
يقول الرئيس «إن العلاقات العربية العربية ليست فى أحسن أحوالها، والعلاقات بين الإخوة الأشقاء لابد أن تقوم على الوضوح والمصارحة، وتطابق الأقوال مع الأفعال لا مجال فى هذه العلاقات للالتواء والتطاول، ولا مجال للتخوين وسوء القول والفعل والتصرف، وكأننا نعود بعالمنا العربى إلى الوراء بدلاً من أن ندفع به معا إلى الأمام لقد كان الموقف المصرى قويا وواضحا منذ اليوم الأول للعدوان على «غزة» برغم مغالطات البعض وتجاهلهم لحقائق معروفة وأخرى غائبة»

ولا يمكن أن تعلق على هذا الكلام الطيب والرقيق الذى قاله الرئيس فى السطور عاليه سوى بمطالبته سيدى الرئيس قل هذا لإعلامك ورجالك، أو بالأحرى أؤمر به إعلامك ورجالك لعلهم يسمعون القول فيتبعون أحسنه ولا يعودون بنا إلى أيام «القصرية» حين كان الإعلام المصرى يشن حملة هجوم رخيصة على رئيس عربى ينشرون اسمه الآن مسبوقا بالأخ وهو يلبس كسرونة على رأسه ويجلس على قصرية لقضاء حاجته استهزاء وسخرية منه لاختلافه وهجومه على الرئيس السادات والحقيقة أن هجوم الأخ كذلك على السادات لم يكن أقل شناعة وانحدارًا أخلاقيًا من هجومهم الآن يرجع بكامل النجاعة إعلام القصرية حيث تنتشر الشتائم الرخيصة بطول الإعلام المصرى وعرضه وكأننا نعود بعالمنا العربى إلى الوراء كما قال بحق الرئيس مبارك
يقول الرئيس «هناك من فصائل المقاومة من يعترف بأن ميزان القوى الدولى الراهن ينحاز انحيازا واضحا لإسرائيل، ويدعون للانتظار لحين بزوغ نظام دولى أكثر عدالة حتى لو استغرق ذلك عقودا طويلة، فهل يستقيم هذا المنطق؟ وهل تحتمل معاناة الشعب الفلسطينى هذا الانتظار؟ وهل يستمر فى الانتظار والاستيطان يقتطع الأراضى المحتلة يوما بعد يوم؟ وإلى متى نسمح بأن تظل القضية الفلسطينية قضية الفرص الضائعة؟»

لا لن يحتمل الشعب الفلسطينى هذا الانتظار وإن احتمله من قبل الشعب الجزائرى مع احتلال استمر عاما حتى حرر أرضه، والشعب المصرى الذى استمر احتلاله عاما حتى حرر أرضه، لكن الاحتلال الإسرائيلى أسوأ وأحقر وأعقد، ومن ثم قد لا يحتمل الشعب الفلسطينى فعلا لكن هل معنى ذلك أن يتنازل عن حقه وأرضه لعدم قدرته المحتملة على الاحتمال؟ وهل يصادر جيل حالٍِِِِ وتالٍِ حق الأجيال القادمة ويعطى الدنية فى دينه وحقه؟ القضية فى يد الشعب الفلسطينى الذى لا يريد أحد أن يتركه يقرر لا مصر ولا السعودية ولا سوريا ولا إيران ولا أمريكا ولا فرنسا دعوا الشعب الفلسطينى يقرر ونحن مع قراره أيا كان ،ندافع عنهم وننتصر لهم ونؤيدهم ونقف معهم ونكافح من أجلنا وأجلهم، لا وصاية ولا ابتزاز من أى طرف بمن فيه نحن فى مصر، فما نفعله يمكن أن يصفه بعضنا وبعضهم بأنه ابتزاز، وكأننا نريد للشعب الفلسطينى أن يختار ما يريده رئيسنا أو رئيسهم لا ما يريده الشعب نفسه، ثم يبقى السؤال ماذا فعل أنصار التسوية السلمية لفلسطين؟ لم نشهد إلا أرضًا مسلوبة ومنهوبة، وما يقول عنه الرئيس من معاناة واستيطان واقتطاع للأرض تم فى عهد التسوية السلمية وفى عصر السلطة الفلسطينية التى اعترفت بإسرائيل، أليس كذلك أم أننى وغيرى فقدنا الذاكرة مؤقتا؟
ثم قولوا لنا ما الفرص الضائعة أرجوكم؟ هل فرص دولة من غير قدس ولا عودة لاجئين؟ ما هذه الفرص، فى عرضكم قولوا لنا، لأن إسرائيل هى من تدعى أن الفلسطينيين ضيعوا الفرص، بينما الحقيقة أن فلسطين هى قضية الحقوق الضائعة والذاكرة الضائعة وليست الفرص الضائعة
يقول الرئيس «إننى آتى إلى هذه القمة موقنا بأن الوضع العربى الراهن بانقسامه وخلافاته ومحاوره لابد أن يتغير واثقا أن الخلافات العربية أيا كانت لاتستعصى على الحل بالجهود المخلصة والعزيمة الصادقة، فهى فى النهاية خلافات بين أشقاء
وكعهد مصر مع أشقائها عبر عقود طويلة فإنها ستبذل أقصى طاقتها لرأب الصدع العربى الراهن، ولتضع نهاية للخلافات العربية القائمة، كى نلتقى جميعا حول ما يجمعنا ولا يفرق شملنا وإننى على يقين من أننا سوف ننحاز فى نهاية المطاف لهويتنا العربية وأهدافنا الواحدة ومصالحنا المشتركة، ويظل اقتناعى أكيدا بأنه لا يصح إلا الصحيح، وبأن مستقبل عالمنا العربى وتضامنه سيكون بعون الله وتوفيقه أفضل مما هو عليه الآن»

سيدى الرئيس شكرا على هذا التفاؤل بأنه لا يصح إلا الصحيح، لكن المشكلة فى عالمنا العربى الآن هى اختلافنا على تعريف الصحيح حتى يصح؟ ولا يمكن ثم لا يجب أن تكون هذه الخلافات شخصية حتى يتم حلها على مائدة غداء، فالخلافات كما هو واضح ويتضح حول سياسات ومواقف ورؤى وقرارات جوهرية ومصيرية وليست خلافات بين حكام حول من هو أحكم من الثانى، ومن ثم فاسمحوا لنا يا حكامنا ألا نشارككم التفاؤل، هذا إذا سمحتم لنا أن نفعل أى شىء يعارض سياستكم الحكيمة، التى من حكمتها أوصلت العالم العربى إلى ما هو فيه الآن فأرجوكم لا داعى لمزيد من الحكمة كفاية علينا لغاية كده

انقلاب عربي يصعب تصديقه


انقلاب عربي يصعب تصديقه
عبد الباري عطوان
ما حدث في قمة الكويت الاقتصادية من مصالحات بين اطراف متنافرة، بل ومتصادمة، جاء مفاجئاً للكثيرين، فحروب القمم العربية، التي اشتعل اوارها طيلة الايام القليلة الماضية، وما شهدته المنطقة من مقاطعات واستقطابات واصطفافات رسخ انطباعا بأن الشروخ التي اصابت الجسم الرسمي العربي باتت اصعب من ان يتم التئامها، وأنها بصدد الاتساع.
فمن كان يصدق منظر العاهل السعودي الملك عبد الله بن عبد العزيز وهو يسير متشابك الأيدي مع الرئيس السوري بشار الأسد، ومن كان يتوقع ان يرى امير قطر الشيخ حمد بن خليفة يجلس جنباً الى جنب مع الرئيس المصري حسني مبارك بعد المعارك الاعلامية الطاحنة، يتبادلان الابتسامات والأحاديث الودية وكأن شيئاً لم يحدث؟
مشهد صعب هضمه، ناهيك عن تفسيره، يعكس لوغاريتمات السياسة العربية، والطبيعة الغريبة، واحيانا غير المنطقية، لمواقف اقطاب النظام الرسمي العربي، وطريقة تفكيرهم، ومواصفات خلافاتهم او تحالفاتهم، الامر الذي يدفعنا الى طرح العديد من الاسئلة حول اسباب هذا الانقلاب المفاجئ، ومدى جديته، وما يمكن ان يترتب عليه من خطوات عملية في اتجاهات عديدة، وعلى الصعد كافة.
هل هي دماء أطفال غزة التي حققت هذه المعجزة، ام انها العربدة الاسرائيلية التي فاقت كل التصورات في تغولها ووحشيتها، ام هو الصمت الامريكي والغربي، ام هو الهوان العربي، ام انها جميع العوامل هذه مجتمعة حتمت هذا التحول؟
لا نستطيع ان نغرق كثيراً في التفاؤل، لأن خيباتنا من النظام الرسمي العربي ورموزه لا تعد ولا تحصى، فقد شبعنا من الخطابات الرنانة، والكلمات النارية، وعبارات 'العين بالعين، والسن بالسن' وتكرار الجمل الخالدة مثل 'ما أخذ بالقوة لا يسترد بغيرها'، دون ان نرى غير اعتداءات اسرائيلية مهينة ومتواصلة، وقادة عرب يديرون الخد الأيسر لمن يصفع خدهم الأيمن.
هل ما حدث أمر جدي فعلاً، ومؤشر على بداية مرحلة جديدة من العمل العربي المشترك تضع حداً لمسلسل الاهانات الاسرائيلية، والازدراء الامريكي، والاحتقار العالمي لكل ما هو عربي؟ اما انه حدث طارئ لامتصاص حالة غضب شعبي عبّرت عن نفسها بقوة في شوارع المدن والعواصم العربية والاسلامية؟

خطاب العاهل السعودي كان نقطة التحول الرئيسية خلف كل التداعيات التي اطلت برأسها في قمة الكويت، وانعكست في المصالحات التاريخية، في توقيت عربي وعالمي حساس، حيث يقف العالم بأسره امام مرحلة جديدة ومختلفة تنبئ بالكثير من التغييرات، الامر الذي قد يوحي بان المملكة العربية استعادت زمام المبادرة الذي فقدته طوال سنوات التيه السابقة ومنذ مطلع هذا القرن على وجه التحديد، مما قزّم دورها، وصنّفها في خنادق تتناقض مع تطلعات شعبها.
هناك مجموعة من النقاط يمكن استخلاصها من القراءة السريعة لبعض الوقائع التي تبلورت على المسرح العربي، والقمم العربية الاخيرة، والكويتية منها على وجه الخصوص:
اولا: ادرك النظام الرسمي العربي انه يقف امام تحد اسرائيلي شرس ينسف كل الآمال بجدوى التعامل السياسي السلمي معه، مما يعني ان الاستمرار في استجداء السلام بدأ يعطي نتائج عكسية تماما.
ثانيا: اكدت الاتفاقات الامنية الامريكية ـ الاسرائيلية لمراقبة الحدود المصرية مع قطاع غزة لمنع تهريب الاسلحة، ودون دعوة القيادة المصرية او حتى التشاور معها، ان العلاقة الامريكية مع دول محور الاعتدال العربي، ليست علاقة تحالفية وانما 'خدمية' حيث ترى واشنطن العرب كمجموعة من التابعين باتت وظيفتهم محصورة في خدمة حروبها، وحماية اسرائيل. والشيء نفسه يقال ايضا عن تجاهل اسرائيل للمبادرة المصرية لوقف اطلاق النار، وانهاء الحرب من طرف واحد ودون التشاور مع الوسيط المصري.
ثالثا: نجح الرأي العام العربي المغيّب في فرض نفسه على النظام الرسمي العربي، من خلال مظاهراته الاحتجاجية الصاخبة والمستمرة، الامر الذي اعطى ثماره في اجبار الانظمة على وقف نظرتها الازدرائية غير المبالية للشارع العربي.
رابعا: صمود اهل قطاع غزة الاسطوري لأكثر من ثلاثة اسابيع في وجه العدوان الاسرائيلي، ودون اي دعم رسمي عربي، عسكري او سياسي، وفشل كل الرهانات على رضوخهم للابتزاز الارهابي الاسرائيلي والانقلاب على المقاومة وفصائلها وثقافتها.
خامسا: تعاظم المعارضة لحال الخنوع العربي الراهنة، واقدام دول على خطوات عملية للمرة الاولى لتبرئة نفسها من تهم التواطؤ مع الاحتلال، وتبلور حالة من الفرز في اوساط الانظمة، بين من يريد ان يفعل شيئا عمليا كرد على الاذلال الاسرائيلي ـ الامريكي، ومن يتحلى بفضيلة الصمت، واعطاء اسرائيل فرصة لانهاء المقاومة. ورأينا قطع علاقات مع اسرائيل، ومطالبة قوية بسحب مبادرة السلام العربية، والتلويح بخطوات اخرى قادمة.
سادسا: مساء اليوم تنتهي فترة حكم اكثر الزعماء الامريكيين كراهية للعرب والمسلمين، وصداقة وتأييدا للاسرائيليين ومشاريعهم وحروبهم ضد العرب والفلسطينيين خاصة، وتبدأ فترة ادارة جديدة تعد بالتغيير، وتقليص الاعتماد على العرب ونفطهم، وفرض احترام قيم حقوق الانسان والديمقراطية، الامر الذي يفرض على النظام العربي، او رموزه الاساسية اعادة ترتيب اوضاعها، والتخلي عن بعض جوانب غطرستها وجنوحها، ومحاولة اصلاح الجسور مع انظمة اخرى اختلفت معها، وعادتها لاسباب شخصية محضة، وليست استراتيجية.
سابعا: لعب الاعلام العربي، والشريف منه على وجه الخصوص، دورا فاعلا في تعرية المتواطئين مع العدوان، والمتدثرين بعجز مفتعل عن مواجهته لاسباب غير وجيهة، علاوة على كونها غير مقنعة، سواء من خلال ابراز الوحشية الاسرائيلية في قطاع غزة، ومظاهر الصمود الاعجازية للثكالى والاطفال المقطعة اوصالهم، او الاطباء الذين يعملون ببطولة لانقاذ المصابين، او تحريض الشارع العربي ضد الانظمة، وتعبئته خلف عملية التغيير على مستوى القمة.

لعلها 'صحوة'، او بوادر حراك في اتجاه صحيح، وفق بوصلة جديدة، ترتكز قاعدتها على معجزة مساحتها مئة وخمسون ميلا مربعا اسمها قطاع غزة، تضم شعبا من الجبارين فعلا، قد تكون حلما كاذبا يدفعنا الى التريث والحذر لاننا لدغنا كشعوب في مرات سابقة، وانخدعنا بخطابات نارية مماثلة، وقد تكون 'انتفاضة' حقيقية وجدية تؤشر لمرحلة جديدة.
نفضل التريث قليلا، وانتظار الايام المقبلة، حيث سيهدأ غبار قمة الكويت، ويعود الزعماء العرب الى بطانتهم وقصورهم، بعدها سنرى الحقائق على الارض، واضحة للعيان، ونأمل ان تكون شكوكنا وحذرنا وعلامات استفهامنا في غير محلها.
ختاما نقول ان اي مصالحة عربية ـ عربية، او فلسطينية ـ فلسطينية لا تستند الى ارضية مقاومة المشروع الاسرائيلي هي مصالحة مغشوشة، ستصطدم حتما بالشارع العربي، ولن تنقذ النظام الرسمي العربي.

رجال غزة لا يريدون فتاتكم


رجال غزة لا يريدون فتاتكم 
عبد الباري عطوان
لا نعرف كم من الاطفال والنساء تحتاج اسرائيل الى قتلهم وتمزيق اجسادهم بقذائف دباباتها وصواريخ طائراتها حتى تروي ظمأها، وتوقف عدوانها الوحشي الحالي على قطاع غزة. فيبدو ان تجاوز رقم الضحايا حاجز الألف شهيد، وخمسة آلاف جريح ليس كافيا، فهناك تعطش للمزيد.
ولا نعرف ايضا كم سيحتاج الزعماء العرب من الوقت حتى يتحركوا من اجل انقاذ كرامتهم، او ما تبقى منها، هذا اذا تبقى شيء، قبل الاستجابة لنداءات الثكالى، وأنين الجرحى، وصراخ الاطفال المرعوبين من القصف الاسرائيلي المتواصل.. ثلاثون يوما، اربعون يوما، ام عدة اشهر؟
عشرون يوما، والحكومة المصرية تتفاوض مع نظيرتها الاسرائيلية على مبادرة مهينة، تحقق للمعتدي كل ما يتطلع اليه من اهداف، ومع ذلك يتدلل، ويطلب المزيد من التنازلات والدماء.
كنا نتطلع الى قمة عربية حاسمة، تعكس تحركا عربيا رسميا يوظّف إمكانات هذه الامة، وهي كثيرة ومؤثرة، لوقف هذا العدوان، فانتهينا بثلاث قمم، هبطت علينا دفعة واحدة، اولها خليجية انعقدت فعلا في الرياض امس، والثانية طارئة بايعاز من معسكر دول الممانعة، جرى اجهاضها بشكل مؤسف، وكان من المقرر ان تبدأ اعمالها اليوم، وثالثة قادمة ستكون الكويت مسرحها يوم الاثنين المقبل.
دول ليست لها علاقة بالعروبة، ولا تنتمي الى العقيدة الاسلامية انتصرت لاستغاثات الضحايا في قطاع غزة، وبادرت الى قطع علاقاتها فورا مع الدولة العبرية (فنزويلا وبوليفيا)، بينما ما زالت الاعلام الاسرائيلية ترفرف، في استفزاز غير مسبوق، في اكثر من عاصمة عربية.
من يريد ان يتحرك لا يحتاج الى انعقاد قمم عربية، عادية او طارئة، فقط يبادر باتخاذ خطوات عملية، كل قدر امكانياته، حتى يترجم اقواله الى افعال، ويبرئ نفسه، امام الله ومواطنيه، من تهمة التواطؤ مع هذه المجازر التي نتابع تفاصيلها الدقيقة، ساعة بساعة، عبر شاشات التلفزة.
اعتقدنا ان ضخامة الفجيعة في غزة ستكون عامل توحيد للعرب والمسلمين، وكم كنا متفائلين سذج، فقد استخدمها البعض بطريقة بشعة لتعزيز هذا المحور في مواجهة ذاك، او العكس تماما، الامر الذي شجع اسرائيل وآلتها الدموية الجبارة على مواصلة عمليات التصفية والتطهير العرقي دون رادع.

السيدة تسيبي ليفني وزيرة خارجية اسرائيل قالت انها تخوض هذه الحرب نيابة عن معسكر المعتدلين العرب، ولخدمة اهدافهم في التخلص من 'ارهاب' حركة 'حماس' والفصائل الاخرى، ويبدو انها اصابت في اقوالها هذه، لان هذا المعسكر هو الذي يعرقل اي تحرك عربي فاعل، ويقوم بعضه بدور الوسيط المنحاز ضد بني قومه.
اهالي قطاع غزة الصامدون لا يريدون اكفانا يرسلها اليهم اشقاؤهم في عواصمهم المترفة، ولا خبزا، او حفنة ادوية، وانما الاسلحة، والمواقف العملية الرجولية، فماذا سيفعل هؤلاء بالخبز وهم يواجهون الموت في اي لحظة، ويهيم اطفالهم وسط انقاض البيوت المدمرة يبحثون عن امهاتهم بين ركامها ؟ .
الحكام العرب يفضلون شد الرحال الى قمة الكويت الاقتصادية، للاتفاق حول كيفية استثمار اموالهم وفوائضهم بشكل اكثر ربحية، وتنسيق المواقف لضمان اسعار افضل لنفوطهم، اما دماء اطفال غزة فتحتل مرتبة متدنية على جدول اولوياتهم، هذه هي الحقيقة المخجلة التي يبتعد الكثيرون عن ذكرها.
العالم الغربي الذي يدعم اسرائيل، ويوفر الغطاء الشرعي لعدوانها المتواصل، لا يفهم الا لغة المصالح. ومصالحه تنحصر في امرين اساسيين هما أمنه وجيبه، ومن المؤسف انه لا يوجد اي تحرك عربي او اسلامي، يهدد أيا منهما، لا من دول الممانعة ولا من دول الاعتدال، فقد تساوى الجميع في حالة العجز المزرية التي نراها حاليا بأم اعيننا.

السيد احمدي نجاد رئيس الجمهورية الاسلامية الايرانية ينتقد عجز الزعماء العرب المعتدلين، مثلنا تماما ككتاب ومعلقين، ولكننا لا نملك غواصات وصواريخ وحرسا ثوريا مثله، ولا نستطيع اغلاق مضيق هرمز في وجه الملاحة الدولية، فلماذا لا يفعل السيد نجاد وحلفاؤه شيئاً عملياً لتخفيف العدوان على أهل غزة؟ نستجديهم ان يقدموا على أي خطوات عملية، تثبت لنا انهم مختلفون عن الحكام العرب الآخرين المتواطئين مع العدوان الاسرائيلي.
ندرك جيداً انهم مستهدفون، وان العدوان على غزة هو مقدمة لعدوان قادم عليهم، ولا نريدهم ان يقعوا في مصيدة الاستفزاز الاسرائيلي، ولكن لا بد ان هناك اوراقاً في ايديهم يمكن استخدامها بفاعلية لاظهار تميزهم، وتأكيد مشاعرهم الوطنية الطيبة في دعم المقاومة وفصائلها المتعددة في هذه الحرب المصيرية.
من حقنا ان نسأل العاهل السعودي الملك عبد الله بن عبد العزيز ما اذا كان يشاهد اشلاء اجساد الأطفال في قطاع غزة مثلنا عبر شاشات التلفزة، واذا كان يشاهدها فماذا ينتظر، وهو خادم الحرمين الشريفين، والحليف الأوثق للولايات المتحدة والغرب، وصاحب مبادرة السلام العربية، وحوار الأديان؟
نوجه السؤال نفسه الى الرئيس المصري حسني مبارك الذي نعتقد انه على قناعة تامة بأن دور الوسيط الذي يمارسه حالياً هو افضل ما في جعبته، ونسي وهو قائد سلاح الطيران اثناء حرب اكتوبر المجيدة، ان دور مصر هو اشرف وأكبر من ذلك بكثير، ولكن يبدو انه لا يريد احدا ان يذكره بأبسط واجباته كعربي ومسلم، بل وكإنسان، فقد سدّ اذنيه واغمض عينيه عن كل هذه المناظر والصور التي تزعج حياته، وتنغّص عليه استمتاعه بها فيما تبقى له من سنوات العمر.

اما السلطة الوطنية في رام الله فقد باتت تتصرف وكأنها احد كانتونات النظام العنصري السابق في جنوب افريقيا، تراقب الامور من بعيد، وتكتفي بارسال المعونات الغذائية والطبية الى القطاع، ومساندة المبادرة المصرية لوقف الحرب. سلطة لم تمارس اي نوع من الضغط على اصدقائها في اسرائيل، بل على العكس من ذلك سهلت مهمة عدوانهم بقمعها للمظاهرات الاحتجاجية في مدن الضفة الغربية.
يتحدثون في رام الله عن معارضتهم لفصل الضفة عن القطاع، ويؤكدون انهم لن يعودوا الى غزة على ظهور الدبابات الاسرائيلية، فليثبتوا هذا عملياً، وليقدموا على خطوات فعلية تؤكد نواياهم، وليكونوا القدوة الصالحة للعرب الآخرين، من حيث حل هذه السلطة واعلان موت العملية السلمية التي يراهنون عليها، والعودة الى خيار المقاومة.
قطاع غزة وقع تحت الاحتلال الاسرائيلي مرتين، وهذه هي المحاولة الثالثة، وقدم الآلاف من الضحايا والشهداء، وخرج في كل مرة قوياً، منتصراً وعنيداً في تمسكه بالمقاومة وثوابته الوطنية، ومن المفارقة ان 'حماس' لم تكن موجودة في المرتين الأوليين، وانما الادارة المصرية التي آمنت بوحدة المصير، ورفضت الرضوخ للمشروع الاستعماري الاسرائيلي الغربي، واختارت الانحياز للشهامة والكرامة والقيم العربية والاسلامية العريقة.
الاجيال الفلسطينية المقبلة التي ستنهض من ركام هذا الدمار قطعاً ستكون مختلفة، وقد لا تقبل بما يقبل به الجيل الحالي، وتسعى للانتقام من كل الذين خذلوا آباءها، وتواطأوا مع العدوان، وتتعامل مع هؤلاء تماماً مثلما ستتعامل مع المعتدين، ان لم يكن اكثر. وعلينا ان نتذكر حلم وأمنية اسحق رابين بان يصحو يوما من النوم ليجد غزة وقدغرقت في البحر واختفت كلياً.

إبراهيم عيسى يكتب : أحضان الرئيس


إبراهيم عيسى يكتب : أحضان الرئيس

لا أعرف كيف سيستقبل الرئيس مبارك رئيس وزراء إسرائيل أولمرت أو غيره خلال الأسابيع المقبلة بالأحضان، كما يفعل دائمًا مع رؤساء ومسئولي إسرائيل؟! لا أعرف كيف سيبتسم ويتبادل القبلات والمصافحات أمام الكاميرات والضحكات التي تظهر في الصور الملتقطة قبيل اللقاء المغلق؟!

سيقول البعض إنها لوازم السياسة وبروتوكول الدبلوماسية، لكن الحقيقة أن أحدًا لم يلتق هتلر بعد ما فعله من حروب وتدمير بهذه الابتسامات والأحضان، ولم يستقبل أحد سلوبودان مليسوفيتش بعد مجازر الصرب ضد المسلمين بالأحضان والقبلات، ثم إن السياسة والدبلوماسية لا تقولان لنا: «احضنوا القتلة وابتسموا للمجرمين وعانقوا السفاحين»، بل السياسة واللياقة والعدالة تقول: «عاقبوهم وقاطعوهم وامنعوهم من دخول أرض مصر لأنهم مجرمو حرب وقتلة أطفال ومرتكبو جرائم ضد الإنسانية».. أتذكر في مباحثات الكيلو 101بين مصر وإسرائيل ـ وهي المفاوضات التي جرت عقب انتهاء حرب أكتوبر ووقف إطلاق النار من أجل الاتفاق علي ترتيبات ما بعد الحرب، فيما يخص تبادل الأسري واعتبارات أخري ـ أن وجه الفريق عبدالغني الجمسي ورفاقه من أبطال أكتوبر الذين يتفاوضون مع الصهاينة كان جادًا وقسماتهم حادة ومعبرة عن حوار مع عدو وليس صديقا نأخذه بالأحضان، لكن التعامل العادي والطبيعي والدبلوماسي مع القتلة أمر غريب ومذهل في إسقاطه لكرامة وكبرياء ودم العرب وشهداء العدوان الإسرئيلي الذي استخدم أسلحة محرَّمة دولياً ومجرَّمة إنسانيًا ضد أطفال ونساء بترن أطرافهم وأحرقت عيونهم وجلودهم.. كيف يسمح لنفسه الرئيس مبارك أن يصافح باسم شعب مصر وباعتباره رئيس هذا البلد (أيا ما كان رأينا في تزوير انتخابات الرئاسة) أن هؤلاء المجرمين؟!
لكن الرئيس فعلها بعد حرب إسرائيل الهمجية والمجرمة علي لبنان وبعد مجزرة قانا في 2006 .. ابتسم مبارك وصافح مرتكب هذه المذبحة مجرم الحرب إيهود أولمرت وعانقه في ابتسام الرضا، ولف مجرم الحرب ذراعه حول كتف رئيسنا، والأغلب أن مبارك لن يلتفت ولا مستشاروه لمشاعر ومواقف العرب والمصريين ولن يمانع في مقابلة ومعانقة مجرمي الحرب، كأن مصر تكافئهم بقبلات رئيسها وحرارة الأحضان علي قتل الأطفال والشيوخ وهدم المساجد، سيحدث ذلك وأكثر، خصوصا أن الحكومة التي رفعت المشانق الإعلامية لحركة حماس بسبب استشهاد ضابط مصري في تبادل إطلاق نار عشوائي أثناء محاولة دخول فلسطينيين إلي رفح المصرية (طبقا للرواية الرسمية الأولي قبل اللعب أو التلاعب الأمني فيها ) هي التي سكتت بإعلامها وطنينه وزنه عن إصابة جنود مصريين علي الحدود مع رفح بإطلاق الصواريخ والمدافع الإسرائيلية، بل وتقرأ نص بيان وزارة أبو الغيط (المعروفة إعلاميا باسم الخارجية المصرية) الذي يقول لا فض فوه إن سفير إسرائيل في القاهرة شالوم كوهين قدم اعتذار بلاده يوم الإثنين لإصابة خمسة مصريين في القصف للمنطقة الحدودية مع غزة يوم الأحد. وقد جاء الاعتذار الإسرائيلي وكان مصدر أمني مصري قد أعلن أن صاروخًا إسرائيليًا آخر سقط يوم الإثنين علي الجانب المصري من الحدود لكنه لم ينفجر.

وكان ثلاثة من رجال الشرطة المصريين وطفلان في الثانية والخامسة من عمريهما قد أصيبوا يوم الأحد بشظايا صواريخ بالقرب من الحدود بين مصر وغزة إثر قصف إسرائيلي استهدف أنفاق التهريب.وقال المتحدث الرسمي باسم وزارة الخارجية المصرية حسام زكي(مش بس حسام لا وكمان زكي !): إن السفير الإسرائيلي بادر بهذا التحرك بتعليمات من حكومته، حيث أعرب للجانب المصري عن اعتذار الحكومة الإسرائيلية عن ذلك موضحًا أن هذا القصف كان المقصود به بعض أهداف عسكرية علي الجانب الفلسطيني(كأن ضرب أهداف فلسطينية أمر مشروع وعادي وفيها إيه يعني الراجل كان بيضرب في فلسطين جت النار في مصريين، نيران صديقة يعني ماتقدش ). وأضاف أن السفير الإسرائيلي قدم كذلك اعتذار حكومته عما حدث من تداعيات علي الجانب المصري! والسؤال: إذا كان السفير الإسرائيلي قد اعتذر فهل قبلت مصر اعتذاره؟.. يا نهار أسود ما هذا الهوان وما هذه الإهانة (كأنك تحصل علي عبوة الهوان فتأخذ عبوة الإهانة مجانا) أهذا ما قدرت عليه مصر، طبعاً سيصرخ صارخ فوراً ويقول يعني عايزنا نحاربهم عشان غلطة مش الحمدلله إنها جاءت علي قد الإصابات والعيلين لم يموتا، والإجابة: لا يا سيدي لا نريد حرباً ولا ضرباً ولا نطلب ولا نطالب هذه الحكومة، إلا بأن تتوقف عن وضع رأسنا في الطين السياسي كما تفعل!.. حيث إن هناك حدوداً دنيا للإهانة والمذلة، لم يقل لكم أحد حاربوا ولا ناضلوا ولا قاوموا ولكن كونوا محترمين.

أليست هناك أي فرصة في أن تتشددوا ويتشدد الحكام العرب معكم قليلا، وأن يفتح الله عليكم وعليهم بكلمتين فيهما بعض الحرارة وسمت الرجولة و رائحة كبرياء، كي يتوقف شلال الضرب والشلاليت والركل في مؤخرة الأمة العربية التي نتلقاها يوميا من قادة إسرائيل وأمريكا، ألا يمكن أن يغامر وزير لا راح ولا جاء من مصر (وما أكثرهم) أو من السعودية أو الأردن ويقول كلاما قويا فيه موقف واضح يرفض التذلل الذي تعيشه التصريحات العربية ويندد بحالة الغرام بالخيار الإستراتيجي الذي تأكله الأمة كل ليلة قبل أن تنام؟! لماذا لا يخرج سياسي رسمي (نظمي) عربي ويصرح بأن الحكومات العربية لم تعد تتحمل الوعود الفارغة التي تطلقها أمريكا لهم ولم تعد تستطيع السكوت عن الهوان أمام إسرائيل وحكامها الذين يتبارون أمام الناخب الإسرائيلي في ارتكاب المذابح ضد الفلسطينيين والعرب لا يهمهم كلام ولا تحذير ولا رجاء من رئيس مصر أو ملك الأردن أو السعودية أو أمير قطر ولا يعيرون تهديدات رئيس سوريا ولا شخط القذافي أي اهتمام ولا أهمية ولا يفرق معهم أي حاكم من حكامنا من أكبر كبير إلي أكبر وريث؟.. كل ما نسمعه من حكامنا وتابعيهم ومنافقيهم هو هذا الكلام السقيم المريض عن السلام والخيار، هذا الإصرار المدمن علي التذلل، وهم أحرار في أنفسهم لكن الذي يدفع الثمن هو الشعب الذي بدأت السجون في أوطانهم تفتح أبوابها لمن يقود المظاهرات ضد إسرائيل وبدأت الشرطة تجرجر زعماء المظاهرات إلي مديريات الأمن والتخشيبة، والنيابات تستدعي رموزهم وصحف عسس الدولة تستعدي الأمن والحاكم عليهم وتتهمهم بالعمالة والخيانة بل وتطلب من إسرائيل أن تلقنهم درساً. الشعوب الآن تري حكامها يهانون من إسرائيل التي تشخط فيهم وتأمرهم وتهددهم، ورغم ذلك فهؤلاء الحكام يتذللون من أجل أن يرضي عنهم أولمرت أو ليفني أو باراك ليجلسوا علي مائدة تفاوض تحت رعاية ودعم ومباركة ومشاركة من الولايات المتحدة الأمريكية التي تحب أن تري حكام العرب في حظائر الطاعة وتحت السيطرة ويعملون محافظين أمريكيين للأقاليم العربية، وتحب أن تري خصوم وأعداء إسرائيل من القوي العربية الوطنية مضروبين و ممزقين ومحبوسين ومنتهين تماما.. و يبدو أنها سوف تري ما تحبه، لكن المشكلة أن الحاكم «حمامة» سلام أمام إسرائيل و«أسد غضنفر» علي شعبه،فالحاكم العربي مقبول أمريكيا ومسنود صهيونيا طالما أنه يطبِّع ويسلِّم ويستسلم لإسرائيل، أما لو كان الحاكم ديمقراطيا ومحترما لحقوق الإنسان ولكنه ضد إسرائيل واحتلالها وعنصريتها فهو حاكم مكروه ومطلوب انكساره ودمه لدي أمريكا، من هنا فما يريده الأمريكان من حكامنا ليس إصلاحا ولا ديمقراطية ولا حرية انتخابات ولا حقوق إنسان، وإنما المطلوب الاستسلام أمام إسرائيل،.. تأمل برقية الشكر والإشادة التي أرسلها جورج بوش إلي مبارك يحييه فيها علي موقفه الحكيم في العدوان الإسرائيلي علي غزة!! كم أن بوش راضٍ عن مبارك وسياسته، فهل مازلت تصدق أنه كان يطالبه بالإصلاح السياسي والديمقراطية؟!.. لتذهب الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان العربي أمام مصالح إسرائيل إلي أقرب مقلب زبالة !!

العالم العربي يدور في دوائر من الكذب السياسي المقيت والسقيم، فهناك منافقون يطبلون ويزمرون لكل حاكم (من يوالي أمريكا ومن يساند إسرائيل ومن يعادي أمريكا ومن يعاند إسرائيل) ويسبحون بحمده ويقدسونه كأنه الولي الصالح أو الإله العادل ويبيعون ضمائرهم وأوطانهم مقابل البقاء في المقاعد والحصول علي الفوائد واكتناز الذهب والفضة، وهناك حكام بلغ بهم الإحساس بالعظمة ومرض السلطة وشهوة الحكم وشراهة الفساد فتخيلوا أنفسهم آلهة وأنبياء ووضعوا لحذاء أولادهم مكانا علي رقبة الوطن يرثون العواصم والخزائن والفساد والاستبداد من بعدهم، والمضحك المبكي أنهم (هم وأبناؤهم) يتحدثون طول الوقت عن ديمقراطيتهم وحريتهم وحرية مواطنيهم في كذب مريع وفصام شخصية ونفاق سياسي مذهل، الأمثلة كثيرة وأكتر من الهم علي القلب في الوطن العربي طولا وعرضا، لكن دعنا نعود إلي مصر ونتأمل ما يردده أصحاب السيادة من السادة المسئولين بالأسطوانة اليومية بتاعة مصلحة مصر وأن تصرفات الحكومة والحكم تجاه العدوان الإسرائيلي علي غزة قال إيه تنبع من مصلحة مصر ( لا أعرف لماذا تتداعي إلي ذهني جملة مصلحة السجون كلما سمعت جملة مصلحة مصر علي لسان مسئول لا يسائله أحد كالعادة !!) ولا نعرف هل هي مصلحة مصر أم مصلحة الحكم والحكومة في طول البقاء والجلوس علي الكراسي أبد الدهر وحتي الموت (موتهم هم وموت الشعب أيهما أقرب !!)؟ هل مثلا يعني مصلحة مصر أن تصبح دولة مرتشية من أجل قروض معونات ( تبددها الدولة كالعادة وتفلسنا كالمعتاد وتسرق منها طبعا وتفسد من خلالها وشييء لزوم الشيء وأبجني تجدني.. وما إلي ذلك ثم ذلك نفسه !!)؟!.. نرتشي بالقروض مقابل أن نبيع رأينا ونتخلي عن شعب لا تملي علينا فقط أوامر الإسلام والمسيحية مناصرته ودعمه والقتال معه بل تملي ذلك أيضاً الإنسانية والقيم الأخلاقية، فلو أن ما يجري في غزة من مذابح ومجازر ليس موجها ضد بشر بل ضد حيوانات لكان واجبا علينا أن نواجه عدوان إسرائيل ضد هذه الحيوانات، آه والله العظيم لو هذه المجازر الإسرائيلية تتم ضد مجموعات وقطعان ماشية لكان واجبا علينا أن نواجه العدوان بكل قوة وصلابة ورجولة فما بالك وهؤلاء ليسوا حيوانات يا قساة ياغلاظ القلب يا عديمي الرحمة والمروءة بل هم بني آدمين من دمنا ومن ديننا، مسلمين ومسيحيين وإخوتنا وبني جلدتنا ولغتنا وثقافتنا وعشرتنا وعشيرتنا. الضمير والواجب بل والمصلحة المصرية المباشرة تحتم علينا مواجهة إسرائيل والتصدي لها حتي لو كانت غزة حديقة حيوان مفتوحة وليست إقليما غاليا وعزيزاً وعظيما يحتشد فيه أعرق الشعوب وأكثرها حضارة، شعب المسجد الأقصي وكنيسة القيامة ومهد المسيح ومسري الرسول محمد صلي الله عليه وعلي آله وسلم، فهل مصلحة مصر أن نبيع أمنها القومي وواجبها العربي والإنساني من أجل رضا أمريكي ومعونات وحتي لا نفقد قرابة اتنين مليار دولار منحا وقروضا سنوية من الولايات المتحدة الأمريكية؟!.. بلا ستين خيبة، رجال الأعمال «السوداء» هربوا وضيعوا أكثر من المعونة الأمريكية سنويا تحت بصركم وربما من خلالكم شخصيا، ثم لو كان مال قارون هل هذا يجعلنا دولة ساكتة ساكنة خائبة كل ما تفعله هو الاتصال التليفوني بكوندوليزا رايس وتسيبي ليفني لنطالبهما بسرعة الانتهاء من ضرب وتدمير غزة واحتلالها لأن هناك عواقب وخيمة علي المنطقة لو قاومت حماس وطالت الحرب؟! طيب بالذمة تسمي هذا الرأي وذلك التصرف إيه في عالم السياسة؟ بلاش السياسة في عالم الأخلاق والكرامة، ثم مصلحة مصر يا حبايب مصر حبايبنا، ليست مصلحة حكام مصر ، ألم تر ماذا فعلت تركيا فهي دولة ديمقراطية حقا، يحدد الشعب التركي مصلحته ومصلحتها بنفسه وليس عبر مجموعة من المستبدين والوارثين الذين يسيطرون علي بلد منذ أكثر من ربع قرن وظنوا أن مصلحة تركيا هي مصلحتهم الشخصية في البقاء علي الحكم أبديا وسرمديا، تركيا رفضت يا حكامنا ستة مليارات دولار منحة كاملة من أمريكا (وليس اتنين مليار قرض بفائدة بنكية زي جماعة) في فترة ضرب العراق ورفضت مرور طيران أمريكي في سمائها، مجرد مرور وعبور طائرات أمريكية سماء تركيا لضرب العراق كان ممنوعا ومرفوضا من تركيا، ثم في الحرب الإسرائيلية القذرة علي غزة كانت تركيا بلدا عظيما شامخا وبكل كبرياء إسلامي يستعيد عظمة ومجد الدولة العثمانية أدانت تل أبيب ولقنتها درسا وهددتها وخرج الشعب التركي في مظاهرات بالملايين وحافظت تركيا علي مكانتها واحترامها وقيمها وإسلامها واستقلالها عن القرار الإسرائيلي والأمريكي، ليه ؟ لأنها بلد ديمقراطي حر ولم تذعن للترغيب ولا للترهيب، فأردوجان لا يريد توريث ابنه ولا ابن أخيه مقعد الحكم، والشعب الذي اختار هناك حكامه اختارهم كي ينفذوا إرادته، وليس ليكونوا أوصياء عليه ويتصرفوا من وحي مصلحتهم الشخصية الضيقة التي يدعون أنها مصلحة بلدهم !! ثم هي بلدهم وليست عزبتهم!!