‏إظهار الرسائل ذات التسميات إفريقيا. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات إفريقيا. إظهار كافة الرسائل

«البشير» رأس الذئب الطائر!


الكاتبة الكبيرة عايدة العزب موسى

إذا لم يسلم البشير نفسه فسنقبض عليه ونسلمه للمحكمة الجنائية الدولية، وأنا أنصح الأخ البشير أن يذهب عن طوع نفسه إلي المحكمة» هذه الكلمات هي ما قالها للصحفيين د. خليل إبراهيم زعيم حركة العدل والمساواة، عندما أشيع خبر غير مؤكد أن المحكمة الجنائية الدولية أصدرت قرار اعتقال بحق البشير!

وقد نفت المتحدثة باسم المحكمة صدور قرار بذلك.

جري هذا القول في العاصمة القطرية «الدوحة» أثناء مفاوضات جرت بين حكومة السودان وحركة العدل والمساواة، امتدت ثمانية أيام، ولم تسفر إلا عن اتفاق نوايا يمهد لمحادثات سلام فيما بعد.

التهمة الموجهة للرئيس «البشير» من المحكمة هي ارتكاب جرائم إبادة جماعية وجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في دارفور، ولكن المدعي العام للمحكمة «لويس مورينو أوكامبو» اختار جريمة الإبادة الجماعية لتكون التهمة الرئيسية برغم أن تقرير اللجنة الدولية التابعة للأمم المتحدة لتقصي الحقائق في أحداث دارفور التي شكلت عام 2004 أشار إلي أنه لم تكن هناك سياسة رسمية بارتكاب الإبادة الجماعية سواء بشكل مباشر أو غير مباشر أو من خلال الميليشيات التي تسيطر عليها الحكومة، فكيف استنتج «أوكامبو» نية الإبادة لدي «البشير» وبشكل قاطع من الأدلة المقدمة؟!

كما أن «البشير» أوقف إطلاق النار من جانب واحد وقيد استخدام الجيش للسلاح وشرع في إجراءات نزع أسلحة الميليشيات ووعد بتعويض المتضررين من الحرب. أليست هذه خطوات تحسب له؟! أم أن المطلوب أن يكون «البشير» رأس الذئب الطائر؟ المفروض إذا كان هناك رئيس يستحق المثول أمام المحكمة فهو «جورج بوش» الابن ومن قبله «بوش الأب» لما فعلاه بشعبي العراق والصومال التي ليسا لهما أدني صلة بها من قريب أو بعيد، وكذلك أولمرت وعصابته في غزة.

نعود إلي صلب الموضوع، من هو «خليل إبراهيم» الذي يهدد بالقبض علي البشير ومن أين يستمد هذا الجبروت؟ إنه زعيم أحد فصائل التمرد في دارفور التي وصل تعدادها إلي 30 فصيلاً، وحركته المسماة «جبهة العدل والمساواة» ليس لها وجود قوي سياسياً أو عسكرياً ولا تسيطر علي أرض وبالتالي هي لا تمثل شعب دارفور ولا تمثل كل مكوناته، حتي أها في عام 2006 رغم وجود ممثلين عنها أثناء محادثات السلام التي جرت بين حكومة السودان وحركة تحرير السودان في أبوجا، وكللت باتفاقية السلام DPA استبعدوا من المحادثات باعتبارهم غير فعالين.

إن د. خليل إبراهيم ليس الزعيم الأوحد لحركات المعارضة، فهل مجرد زعامة فصيل يعطيه الحق بالتكلم عن كل شعب السودان؟! أو أن يكون له الحق في إلقاء القبض علي رئيس دولته؟! إن خليل إبراهيم وأمثاله كثر في دول أفريقية وهم في حقيقتهم معارضون بالوكالة أي إنهم يقوون ويتحركون وينفذون أجندة وكلاء دوليين وإقليميين «المخابرات الأمريكية والبريطانية» بالتحديد.

خليل إبراهيم خرج من عباءة الدكتور حسن الترابي ليقود حركة مسلحة ضد النظام السوداني. ففي عام 2003 ظهرت حركة تحرير دارفور وتبناها الزعيم الجنوبي الراحل جون قرنق وطب تغيير اسمها إلي حركة تحرير السودان رفضت حركة العدل والمساواو الامتثال لطلبه. وقد أدرك قرنق حينذاك أن الحركة تختلف كلياً عن نظيرتها حركة تحرير السودان خاصة عندما ظهر انتماؤها الإسلامي ورفضها المناداة بالعلمانية كحل لمشكلة دارفور. ولعل انتماء خليل إبراهيم إلي حسن الترابي يبرر موقفه المتشدد من الرئيس البشير الذي يعاديه الترابي وأصبحا علي طرفي نقيض بعدما كانا متزاملين في البداية. وعلي العموم فكلتاهما الحكومة وحركة العدل والمساواة مرفوضتان من الغرب والولايات المتحدة لتوجههما الإسلامي ومطلوب تصفية كل وجود فاعل للإسلاميين في السودان سواء أكان في الحكم أو في المعارضة!

جذور القضية:

بدأت مشكلة دارفور تظهر علي السطح عندما قامت حركة تحرير السودان وخاضت هجمات عصابات علي حاميات حكومية، وردت عليها الحكومة بميليشيات الجنجويد التي تتشكل من عرب دارفور.

وأصل المشكلة تعود إلي ما قبل عام 1984 حيث حلت مجاعة لم يتم الفكاك منها وزادت مع نمو السكان، وكان اهتمام الحكومة السودانية ضعيفاً وشعورها بالمسئولية كان سلبياً ولم تقدم استثمارات مناسبة، وافتقدت السلطة المركزية والمحلية تمثيلاً مناسب لأهل هذه المنطقة، يضاف إلي ذلك الحتكاكات التقليدية والتنافسات بين أهل العشائر المختلفة التي لا تقوم بين العرب والأفارقة فقط بل تقوم بين العرب وبعضهم البعض وبين الأفارقة وبعضهم البعض.

والكلام السائد هو أن الصراع في دارفور هو صراع عشائري في الأساس نتج عن عداء طويل المدي بين المزارعين الأفريقيين والبدو العرب، وأنه يتركز أساساً علي المنافسة علي الأرض أي علي الرعي والماء، وأن المتمردين يمثلون الأفارقة بينما العرب تؤيدهم حكومة السودان من خلال الجنجويد، وإن الحكومة الصينية التي تحصل علي ثلثي بترول السودان تقف موقفاً سلبياً واختارت عدم استخدام نفوذها للضغط علي الخرطوم لوقف هذه المآسي والاختراقات لحقوق الإنسان.

ومنذ تصاعد القتال عام 2003 اعتادت الصحف الأفريقية أن تتضمن أخباراً وتعليقات عن دارفور تصور العرب علي أنهم غرباء عن الأرض وأنهم آتون من الخارج رغم أنهم يشكلون 80% من الأهالي، وإن الأفارقة هم أصحاب الأرض، وعلي سبيل المثال فإن 1500 مقالة نشرت عن دارفور بين أعوام 2004 - 2007 في الصحف الناطقة بالإنجليزية وحدها عدا الصحف الفرنسية والعربية والصحف الناطقة باللغات الأفريقية. وأغلب الكتابات صوَّرت المسألة العرقية علي أنها العنصر الأساسي في الصراع العنيف، وصورت الحرب بشكل ثابت في صياغات عرقية بتبسيط متناه مما يكشف عن تحامل ضد العرب ويظهر العرب كما لو كانوا أجانب، ومن ثم فإن المسائل السياسية المتعددة والمتشابكة المتعلقة بهذا الصراع تقلصت إلي نظرة ضيقة تتعلق بالخير في مواجهة الشر أي الأفريقي في مواجهة العربي، وهذا ما أنتجته وسائل الإعلام الغربية!

وهذا العرض لا يفسر كيف أن جماعات عاشت تاريخياً مع بعضهما شالبعض وتاجروا وتعاملوا وتزاوجوا مئات السنين يصيرون الآن في قلب حرب قاتلة وغير متوازنة بين حكومة مسلحة جيداً وميليشيات شديدة القسوة من جانب وبين متمردين من جانب آخر ويتسبب كلاهما في قتل الآلاف. وتصبح اللغة السائدة في الكتابات الأفريقية أن التعصب العربي لايزال يقتل الأفارقة السود! ويصفون العرب بالميليشيات العربية ويسمون الأفارقة الضحايا! وتكثر الأقلام التي تلوم الأفريقيين علي أنهم لا يدافعون عن إخوانهم السود في السودان ولا يواجهون العرب الذين يصطادون الأفارقة. ولكنهم لا يفسرون من هم العرب أليسوا هم أفارقة أيضاً وهم سواء كذلك وأنهم اتصلوا ببعضهم واختلطوا من قديم.

إن الاعتماد علي أن العرب ضد الأفارقة السود كأساس لفهم الصراع ينطوي علي إنكار العلاقات التاريخية التي تقوم بينهم في دارفور، وأن من ينظر إلي صور لمن يقال عنهم عرب جنجويد ومن يقال عنهم الأفارقة السود يتأكد كيف تتشابه ملامحهم بحيث يصعب التمييز بينهما، وأن وصف السودان بأنه عناصر متعددة هو وضع القارة الأفريقية كلها التي تتشكل من عناصر متعددة الأعراق واللغات. وأن القول بأن العرب يوجدون في الشمال في السودان والأفارقة في الجنوب هو قول لا يعني شيئاً بالنسبة لدارفور التي تقع في الغرب.

الحالة الدارفورية:

هذه التصورات للحالة الدارفورية تبدو سطحية والحقيقية أكثر تعقيداً من ذلك، ومع تناثر حركات التمرد والقتال عبر الحدود وافتقاد النظام والقانون يكون من الصعب إدانة عرق ضد عرق آخر، يضاف إلي ذلك قطَّاع الطرق الذين يسرقون الشاحنات التي تبعثها الوكالات الإنسانية للغوث «سرقت في العام الماضي 60 شاحنة وفقدت 39 أخري واختف نحو 709 أطنان من الأغذية.

وفي وسط هذه الفوضي تصاعد القتال علي الحدود بين تشاد ودارفور كما أدي إلي تهجير أعداد كبيرة من الأهالي وأصبح 5،2 مليون شخص يعيشون في معسكرات وعدد يتراوح ما بين 200 و300 ألف قتلوا أو ماتوا بسبب المجاعات والأمراض التي نتجت عن الحرب.

ولا شك أن ذلك مهما كانت مدي صحته يشكل كارثة، ولكن الرئيس البشير يشكك في هذه الأرقام ويقول إن القتلي لا يكادون يصلون إلي تسعة آلاف فقط، والقول بقتل العرب للسود هو محض أكاذيب فحكومة السودان هي حكومة الشعب بكل خلفياتهم العرقية «ونحن جميعاً أفارقة نحن جميعاً سود».

إن الصراع في دارفور ليس صراعاً بين العرب «والزرق» أي الأفارقة كما يطلق عليهم فالعرب أكثر تهميشاً، والحكومة السودانية اضطهدت العرب وتجاهلتهم رغم أنهم يمثلون 80% من السكان. وخلاصة الأمر يمكن إيجازها في خمس نقاط:

أولاً: المشكلة بدأت من عام 1984 مع القحط الشديد الذي حصل في ذلك العام ولم تُعَالج آثاره بل زادت بعد ذلك.

ثانياً: إن أهل دارفور قبائل وعشائر متناحرة فيهم عرب ضد عرب وأفارقة ضد أفارقة.

ثالثاً: إن قوات حفظ السلام كانت سبعة آلاف أيام الاتحاد الأفريقي متحركة علي مساحة قدر فرنسا، ولما أتت قوات الأمم المتحدة وقُدّر أن يكونوا 26 ألف لم يأت فعلياً إلا تسعة آلاف، يقارن ذلك بالبوسنة التي مساحتها مثل مساحة بلجيكا ذهب إليها 50 ألف مقاتل مجهزون أفضل تجهيز، فلم تقو هذه القوات علي حفظ السلام شأنها شأن قوات الحكومة.

رابعاً: أن تحقيق السلام لا يتم إلا من خلال حوار دارفوري دارفوري ينهي الصراعات القبلية والعشائرية.

خامساً: الأمريكان وأوروبا لا يهمهم العرب ولا الأفارقة كل الذي يهمهم الضغط بهذه المشكلة علي السودان لأن السودان يعطي الصين ثلثي بتروله!
المستشار طارق البشري يكتب هذه إمارة شرم الشيخ.. فأين دولة مصر؟
لكي نفهم ما يجري في بلدنا وما تنتهجه السياسة الرسمية لدينا، علينا أن نستحضر نص خطاب ذكره السيد رئيس
الجمهورية فيما ذكر، أمام الهيئة البرلمانية للحزب الوطني الديمقراطي، وهو الحزب الحاكم لأكثر من ثلاثين سنة مضت، وذلك بمناسبة بدء الدورة البرلمانية لمجلسي الشعب والشوري في سنة 2003 - 2004.

جاء هذا الخطاب في 11 نوفمبر سنة 2003 وأذاعه السيد صفوت الشريف الامين العام للحزب بصحيفة الأهرام في 12 نوفمبر في الصفحتين الأولي والثالثة.

تحدث رئيس الجمهورية عن زيادة السكان في مصر ونبه إلي مخاطرها بقوله: «إننا لا نريد يوماً أن نصل إلي تلك الدول التي لا تهتم سوي بنسبة 10% من سكانها، وتترك الآخرين في العشوائيات دون رعاية أو تعليم، نريد أن نحافظ علي مقومات هذا البلد وزيادة مواردنا.. وكان من عناوين الصفحة الثالثة، «.. ولا نريد
الوصول إلي مستوي دول لا تهتم سوي بنسبة 10% من سكانها وتترك الآخرين في العشوائيات».


وهكذا، وضعت الحكومة ضمن بدائلها السياسية التي تطرحها أمام نفسها بوصفها القوامة علي شئون المجتمع ألا تهتم بأكثر من 10% من «سكان مصر» وتترك الباقي بغير رعاية، لأن «السكان» أنجبوا كثيرا، وكان مما يتلاءم مع هذا الأمر أن يشار إلي المصريين باعتبارهم «سكاناً»، لأن وصف المواطنة لن يعني في هذه السياسة إلا نسبة 10% فقط.

ونحن في الحقيقة لم يصل إلي معارفنا أن أي حكومة أعلنت لشعبها هكذا جهارا أنها لن تهتم إلا بنسبة 10% وأن تترك باقيهم «بغير رعاية»، ولكن هذا ما حدث وقد أعلن السكان المصريون بهذا الأمر علي صفحات الجرائد واسعة الانتشار وفي عناوين صدر الصفحات.

وبعد ذلك بقي «السكان» يتساءلون في دهشة عجيبة: لماذا تصنع الحكومة كذا ولا تصنع الحكومة كذا ولا تصنع كذا، ولماذا تتخذ هذه السياسة ولا تتخذ سياسة أخري متاحة وممكنة؟ وذلك دون أن يتفكروا في سؤال آخر، وهو هل هذا الصنيع أو هذه السياسة مما ينتج عن اختيار بديل الـ 10%، ومن ثم يتحول أمر 10% من بديل محتمل إلي اختيار تم وينفذ فعلاً، وإلي واقع يجري عملاً.

وعلينا أن نتأمل هذا التصور في التطبيق وفي واقع الحال الذي يدور حولنا، وذلك عندما
ننظر في التعليم مثلاً وكيف ترك التعليم العام الذي تديره الحكومة يتهدم ويستشري فيه فساد الدروس الخصوصية، وهو التعليم المعد للشعب المصري بطبقاته الوسطي، ثم ظهرت مدارس خاصة أجنبية لأبناء صفوة الصفوة في المجتمع بمصروفات بالغة الارتفاع لا يقدر عليها أبناء طبقة المهنيين الذين تتكون منهم أجهزة إدارة الدولة ولا فئات ذوي الدخل المحدود من أصحاب الرواتب والأجور والمهايا، وكذلك عندما ننظر في أمر التعليم الجامعي وتهدم أركان الجامعات المصرية ذات التاريخ والشموخ العلمي والرصانة الفكرية، ونشوء أكثر من ست عشرة جامعة أجنبية بمصروفاتها الباهظة، وكذلك الشأن في الصحة ونفقات العلاج، وكذلك عندما تنظر في أسلوب تعامل الحكومة مع حادث مثل غرق العبارة، فإن كل خسائر العبارة من أرواح إنما ينتمي لا إلي نسبة 10%، ولكن إلي غيرهم من السكان، فلم يكن ثمة اهتمام بالأمر يتناسب مع ما ظننا أنه يستأهله وكذلك الشأن بالنسبة لحادث صخرة الدويقة التي ردمت تحتها من أجساد البشر أفراداً وأسراً بكاملها مالم يعتن أحد حتي بإحصائهم، ثم مسألة الخبز نوعا وجودة وشحا ووجودا، وهل هو مما يناسب غذاء البشر أم يقف عند حدود علف البهائم، وهذا كله وغيره من تطبيقات «ترك الآخرين في العشوائيات دون رعاية»، لأن الحكومة يمكن أن تكتفي بنسبة 10% من السكان كما أعلنت.

لسنا في مجال متابعة التطور التاريخي للدولة المصرية وتصوراتها علي مدي الثمانينيات والتسعينيات من القرن العشرين والعشر الأوائل من القرن الحالي، ولكن يمكن القول بإيجاز شديد إن وضع الدولة المصرية الآن وبعد تردد شديد وأخذ وجذب متتالتين علي مدي الثمانينيات والتسعينيات، حُسمت الأوضاع بداخلها لصالح هذا البديل، بديل الاكتفاء باهتمام الدولة بنسبة 10% من «السكان»، وذلك من نهايات سنة 1999 بالتعديل الوزاري الذي جري في أكتوبر 1999 وتعيين الدكتور عاطف عبيد رئيساً للوزراء، وهو كان مسيطراً علي قطاع الأعمال العام منذ 1991 عندما صدر القانون رقم 203 لسنة 1991، وسيطر علي أكثر من ثلاثمائة شركة إنتاج صناعي وزراعي وتجاري وسياحي وغيره، وأدت سياسته المنفذة غير المعلنة إلي ما أصاب هذا القطاع من توقف الأعمال وف
قد العمالة الماهرة والخروج من الأسواق وتراكم المديونيات وغير ذلك وكان تولي الوزارة منبئاً عن سيادة هذا الاتجاه السياسي في إدارة شئون البلاد توطئة للبيع وإكمال تفكيك الأبنية الإدارية للهيئات والمؤسسات والشركات وغيرها.

وجاء خطاب الهيئة البرلمانية سالف الذكر في 11 نوفمبر 2003 في ظل هذا الوضع الذي ساد وسيطر وحده في قمة الدولة، ثم تلاه بعد ثمانية أشهر تعديل وزاري رأس فيه الوزارة الدكتور أحمد نظيف في 10 يوليو سنة 2004 ومعه الطاقم الذي نشهده حالياً، والذي قام ويقوم بتنفيذ هذه السياسة التي تبلورت علي مدي السنوات الأربع السابقة منذ 2000 وأعلنت في 2003.

وقد طرحت للتنفيذ الفعلي والسريع هذا المشروع، ومارست وتمارس ما أظنه مفاصلة تامة مع ما لا يقل عن نسبة 90% من «السكان»، أو بعبارة أدق أنها تمارس سياسة لا تفهم إلا علي أساس أنها تتبع هذه المفا
صلة، وطرحت ما سمته ببيع أصول مصر، من شركات ومصانع سبق توقيفها ومرافق سبق تعطيلها وأراض ومستشفيات وفنادق كان لحقها البوار، وذلك لتدخل الملكية العامة الثابتة بنسبة 90% من «السكان» في نطاق المال المملوك للجماعة السياسية الجديدة، جماعة نسبة 10% أو أقل حسبما قرر هذا الوضع الجديد.

وهكذا يجري الأمر، فرز وتجنيب ثم مفاصلة، ونحن لا نعرف حقيقة النسب، وهل هي 10% أو أقل؟ ومن يقدر علي إجراء الفرز يستطيع أن يحدد ما يريد وما يحتمل من نسب قد تكون أقل، ومن لم يخش من 90% لن يخشي أيضا من 95% من «السكان».

ولكننا هنا نقيد أنفسنا بما قيل عيانا جهارا بياناً نهاراً لندرك كيف يفكر المسئولون وبأي تصور سياسي يديرون الأمور؟

لقد كان من أهم العقبات التي تواجه تنفيذ هذا التصور هو التركيب العضوي لجهاز إدارة الدولة، المدني وال
خدمي والاقتصادي والعسكري والأمني، لأن جهاز إدارة الدولة في مصر إنما يتكون من عينة مصرية لا تميز أهل إقليم علي آخر ولا أهل طائفة علي أخري ولا أهل مذهب ولا أهل قبيلة أو أسرة، لما تتمتع به مصر من امتزاج شعبي نادر الحدوث في مجتمعات أخري كثيرة، وما يدعو للتساؤل هو كيف يجري الإعداد العضوي والثقافي والطبقي لجماعة محدودة تدير شأن هذه النسبة المتصورة للجماعة السياسية المصغرة المختارة نسبة الـ 10%، ولكي تنمحي النظرة الشاملة التي اعتادها العاملون بجهاز إدارة الدولة وتحل محلها نظرة محصورة لجماعة محصورة في هذا النطاق الضيق.

لقد جري ذلك عبر التسعينيات من القرن العشرين، وكنت أشرت إليه في كتابات سابقة، وذلك بتفكيك المجتمع وجهاز إدارة الدولة، فلم يعد أي مكون من مكونات المجتمع أو جهاز الدولة قادرا علي معارضة سلطات رئيس الدولة بوصفه فردا يتربع في أعلي السلطة، ولا قادرا علي الممانعة لأي سياسة تتخذ حتي إن كانت ضد هيئات الدولة ومؤسساتها ذاتها.


ذلك إنه أعيدت هيكلة نظم التوظيف في الدولة في بدايات التسعينيات بحيث صارت وكأن جميع القيادات في الدولة وظائف مؤقتة تمد سنة بسنة أو سنتين أو ثلاث بمثل مدتها، وسواء في ذلك الوظائف القيادية في أجهزة الدولة المعنية المتعلقة بالسيادة وبالخدمات، وأجهزتها في قطاع الأعمال الاقتصادي أو في الجيش أو في الشرطة، وأدي ذلك إلي أن تحول أي من هذه القيادات من ذوي مركز قانوني يكفل لهم قدرا من الضمانات في البقاء في عملهم وقدرا من الاستغلال في اتخاذ القرار وإبداء الرأي الفني والمهني، تحولوا من ذلك إلي مجرد تابعين لمن يعلونهم سواء وزيراً أو رئيس جمهورية، إن لم يأتمروا بالأوامر فسيسقطون كأوراق الشجر الذابلة بغير حاجة إلي فصل.

يضاف إلي ذلك أن أجر أي وظيفة كان يكفي صاحبها، كفالة لضرورياته هو وأسرته وفق المستوي الاجتماعي للشريحة الاجتماعية التي تحيط به، وكان لوظيفته ولأجره منها من الضمانات القانونية والقضائية ما يكفل تأمين العامل، ثم حدث أن زادت الأسعار علي مدي العقدين الماضيين بما يفوق زيادة الرواتب أضعافا مضاعفة، فلم يعد أي راتب يكفي صاحبه وأسرته ضرورات عيشهم، وألجأ هذا الوضع العاملين إلي البحث عن مورد آخر مكمل، فانحرفت قلة ووجدت في الفساد وأساليبه مغنما، والأغلبية بحث أفرادها عن عمل آخر إضافي مكمل، فتوزع انتماؤهم بين عملهم الأصلي وعملهم
الإضافي، ولأن العمل المكمل يكون لقاء أجر غير ثابت بغير ضمانات قانونية، فقد صار هو ما يخشي عليه العامل ويوليه اهتمامه الأكبر، وذلك علي حساب عمله الأصلي، وشيوع هذا الأمر بين العاملين من شأنه انهيار المؤسسة الأصلية التي يعملون بها لانصراف العاملين فيها عن مدِّها بالقدر الأهم من أنشطتهم واهتماماتهم.

يضاف إلي ذلك أن أي مؤسسة إنما تنشأ بوصفها تشكيلاً نظامياً يضم من الخبرات والمهارات ما يتفق مع نوع نشاطها، وهي في عملها تكتسب خبرات متزايدة بما يضاف إلي رجالها من تجارب وما يؤدونه من أعمال، فإذا توقفت فقد فقدت هذا النبع من الخبرات ولحقها من الصدأ ما يلحق الآلات التي لا تعمل، والحاصل أن كثيرا من الأجهزة والمؤسسات في الدولة وقطاع الأعمال قد توقف عن أداء عمله المنوط به في هذين العقدين الأخيرين، لأنه لم يعد ثمة خطة اقتصادية تتبع ولا مشروعاً وطنياً ينفذ ولا خدمة اجتماعية تؤدي بجدية ولا مالاً ينفق بما يكفي أيا من ذلك.


وانصرف العاملون ذوو الخبرة عن أعمالهم، وكذلك الشأن إذا ارتبط بأي مؤسسة ما يجاوز أصل تخصصها وما أعدت من أجله.

هذا من ناحية تفكك أجهزة إدارة الدولة ومؤسساتها، أما من ناحية هيئات المجتمع الأهلي مثل النقابات والاتحادات وغيرها، أو الهيئات الرسمية ذات الاستقلال الذاتي كالجامعات، فقد جرت في كل ذلك تعديلات في القوانين بما يفقد أيا منها درجة استقلاله الذاتي مثلما حدث بالنسبة للجامعات، وكذلك صدرت قوانين واتبعث إجراءات كان من شأنها تفكيك الهيئات ذات التماسك كالنقابات المهنية أو السيطرة الكاملة الأمنية علي الهيئات الأخري كالنقابات العمالية واتحادات الطلبة، ولا أريد أن استطرد في ذكر التفاصيل حرصاً علي الوقت والمساحة، وحرصاً علي سرعة بلوغ المسألة التي أريد إيضاحها.

والحال أن القوة الاجتماعية والسياسية ترد من العمل الجماعي لا من الجهود الفردية، وهي ترد من العمل الجمعي المشمول بتشكيل تنظيمي، ولا فعل إلا بقوة ولا رد فعل إلا بقوة، ولا تأثير إلا بقوة ولا ممانعة إلا بقوة، والحال أيضا أن الحركة الاجتماعية والسياسية لا تنفذ بآثارها إلا بهذه القوة الجماعية المنظمة، وأن أي حراك شعبي أو جمعي من أي نوع وفي أي مجال يرد بغير قوة منظمة وإنما يكون حراكا عشوائيا ما يلبث أن يتفرق شعاعاً وأن يتشتت بددًا لا يبقي له أثر يذكر، لذلك فإن التنظيم هو ما يكون عليه المعول في حساب القوي وإدراك الآثار المتفاعلة في المجتمع للجماعات والفرق المختلفة.

ومن هنا ندرك مغزي ما سبق ذكره عن التفكك الحادث، وندرك أي خسارة فادحة لحقتنا من جراء هذه السياسة التي اتبعت منذ التسعينيات بشكل منظم وآتت بنتائجها المدمرة من نهاية التسعينيات حتي اليوم، إذا ننظر إلي أنفسنا اليوم فنجد أنفسنا ساخطين دون همة، وغاضبين دون عزم، وأن السخط والغضب يأتي منهما الوعي بالسوء والقبح والفساد، أما الهمة والحزم فيأتي بهما التشكيل التنظيمي للساخطين والغاضبين، وأنا لا أقصد هنا فقط انفكاك التنظيمات الشعبية والأهلية، ولكن أقصد أيضاً انفكاك تنظيمات الدولة فيما عدا ما يقوم علي الأمن السياسي للنظام الحاكم، ومن هنا نلحظ هذا الوهن العجيب، فننظر إلي الجماعة الحاكمة فنراها لا تعرف كيف تحكم ونراها واهنة العزم خائرة القوة إلا فيما يتعلق بمنع المظاهرات، ثم ننظر إلي المعارضة فنراها تقف عند حدود التعبير الكلامي عن المواقف وعند حدود الإدراك الصحيح الصائب لما يتعين أن يقوم، ولكنها لا تستطيع أن تحول هذه الرؤية إلي قدرة تغيير فعلي.


لقد حدث في مصر علي مدي الثلاثين سنة الماضية ما حدث في العراق علي مدي السنوات الخمس الماضية، نحن دائماً في مصر نجري التغييرات بالأسلوب «السلمي المشروع البطيء» والتعديلات الهيكلية الجزئية البطيئة التي تتراكم، وهم دائماً في العراق تجري التغييرات بالأسلوب العنيف السريع، سواء كان التغيير للأحسن أو للأسوأ.

في مصر خضعت الإرادة الوطنية للدولة لإملاء الهيمنة الأمريكية عليها، خضعت بالتدريج وكمل ذلك علي مدي عشر سنوات أو أكثر، وفي العراق أجري ذلك بعملية احتلال عسكري أمريكي سريع وتعيين حكومة موالية «للأمريكيين».

في مصر تحطم النظام الاقتصادي الوطني المستقل علي مدي ربع القرن وصار إلي التبعية للهيمنة الدولية، وفي العراق جري هذا التحول في أشهر قليلة بعد الاحتلال العسكري الأمريكي، وفي مصر تعطلت المصانع ــ مصانع القطاع
العام ــ بالترك العمد والإهمال المقصود علي مدي نحو خمس عشرة سنة وفي العراق جري ذلك في شهور أيضاً، وبالنسبة لجهاز إدارة الدولة في مصر فقد جري تفكيكه وجرت العملية من أوائل التسعينيات، وتمت ذات العملية بالتدمير السريع في العراق فور دخول القوات الأمريكية، أما من حيث الخسائر البشرية فهي في العراق تحدث بالرصاص والتفجيرات، وفي مصر تحدث بغرق العبارات وتصادم القطارات والحافلات وسقوط الصخر علي البشر أي بالطريق السلمي المشروع، والنتيجة أن المجتمع مفكك والدولة مفككة وأن القوة النظامية الوحيدة وهي شرطة الأمن السياسي، لم تعد حافظة لحكومة القلة فقط، ولكنها حافظة أيضاً لوضع التفكك الذي يضمن بقاء هذه القلة. وقد شكلت أجهزة الإدارة التي تناسب المجتمع الجديد المصغر، فتفتق الحزب الوطني عن لجنة السياسات، وجرت السيطرة علي بنوك القطاع العام بطاقته التمويلية عن طريق كوادر جديدة، ومع تغير الوزارة، نشأت حول كل مجموعة شباب، اختير بغير خبرة سابقة في أجهزة الدولة وبرواتب ضخمة جدا، وكل ذلك بعقود مؤقتة حلت محل الوظائف الثابتة حتي لا يكون لأحد قدرة علي الاعتراض.

هذا هو الوضع السياسي والاجتماعي والتنظيمي الذي يتناسب مع تحقيق مجتمع الــ 10% المعلن عنه، وقد يعمل العاملون علي تخفيفه بنسبة أقل من ذلك كثيرا، فنحن لا نعرف النوايا، ولكن المهم هو الإشارة إلي ما هي خصائص هذا المجتمع التي يمكن أن نستقرئها من الواقع الحالي ومن متابعة الأحداث الجارية. فنحن نلحظ مثلاً أن القاهرة لم تعد هي المدينة التي تمارس فيها فعلاً حكومة البلاد ولم تعد مقرًا لحاكم مصر الفرد القائم علي أزمة أمور البلد والمقرر لسياستها فيما كبر أو صغر من الشئون، صار مقره الدائم أو الذي يقيم فيه عادة هو مدينة شرم الشيخ علي شاطئ خليج العقبة جنوب شبه جزيرة سيناء وصارت هي المقر الذي يقابل فيه رجال الدولة ويعقد فيه اجتماعاته مع رؤساء وممثلي الدول الأجنبية وهو مكان عقد فيه ما يسمي بلقاءات القمة وبلغ من اطراد هذا الأمر والاعتياد عليه أن المؤتمر الدولي للاتحاد الأفريقي الذي ينعقد بحضور رؤساء الدول الأفريقية كان انعقاده الأخير السنة الماضية في شرم الشيخ رغم أن شرم الشيخ في آسيا وليست في أفريقيا بما يعني أن مؤتمر قمة الاتحاد الأفريقي لم تجد له حكومة مصر في أرضها الأفريقية الفسيحة مكانا لانعقاده فانعقد في آسيا.

وأن شرم الشيخ التي تمارس فيها وظائف العاصمة هي في الجزء الشرقي من سيناء وهو الجزء منزوع السلاح المصري بنص الاتفاقية المصرية - الإسرائيلية وهي ليست تحت سيطرة القوات المسلحة المصرية فمحظور علي مصر بموجب هذه الاتفاقية أن تتواجد فيها قوة من قوات مصر المسلحة، وهذا يعني أن أقرب القوات المسلحة لشرم الشيخ بحكم التواجد وبحكم إمكان التواجد الدولي المتاح هي القوات المسلحة الإسرائيلية براً وجواً وبحراً وهذا يذكرنا تاريخياً بوضع السلطان «محمد وحيد الدين» سلطان الدولة العثمانية الأخير بعد الحرب العالمية الأولي إذ كانت إقامته في اسطنبول وكانت تحيط به القوات الأجنبية المنتصرة علي تركيا في تلك الحرب وهذا ما من أجله نقل «كمال أتاتورك» العاصمة إلي أنقرة في قلب بلده وفي وسط الأناضول.

إن كان هذا هو شأن المدينة التي تمارس فيها الدولة مهام العاصمة في هذا الوضع الجديد وهي بعيدة عن وادي النيل الذي يسكنه ما جري التعبير عنه بأنه 90% من السكان فما هو شأن التمويل إننا نعلم أن ميزانية الدولة تمول بمصادر إيراد يرد من شئون المصريين كلهم، مما ينتج عن الزراعة في وادي النيل وعن المصانع التي تنتشر علي طول مدن الوادي وأرضه ومن عمل العاملين المصريين عمالاً وموظفين ومهنيين وحرفيين ومن ضرائب استهلاك هؤلاء جميعاً فكيف يمكن الاستغناء «بقدر الإمكان» عن هؤلاء بوصفهم مصادر إنتاج واستهلاك وعمل وغيره، إن تمويل هذه الإدارة الجديدة للدولة في وضعها المصغر يمكن أن يأتي من دخل البترول والغاز وهو مبلغ يدور حول 9 مليارات ودخل قناة السويس وهو يدور 4 مليارات وعوائد المصريين المقيمين بالخارج وهو يدور حول 6 مليارات ثم السياحة وهي تدور حول 8 مليارات وكل هذه الدخول لا تحتاج إلي وادي النيل في مصر وهو موطن أكثر من 90% من السكان ولا تنتج في الأساس عن أنشطة إنتاجية خاصة بسكان هذا الوادي وهم يزيدون علي 90% من السكان وحتي النشاط السياحي صار جزءاً غالباً فيه يرد من سياحة شواطئ البحر الأحمر وليس من أرض الوادي ولا من آثار هذا الوادي.

ونحن هنا أمام مداخيل اقتصادية تتشابه إلي حد ما مع مداخيل إمارات الخليج العربي وأن الاعتماد الأساسي عليها في تشكيل دولة الــ 10% يحيل الدولة إلي إمارة شبه خليجية والفارق أن إمارة شرم الشيخ تقع علي الشاطئ الغربي للجزيرة العربية بينما تقع قريناتها علي الشاطئ الشرقي لشبه الجزيرة وإماراتنا قد تحتاج إلي بعض عمالة تأتيها من وادي النيل، خاصة في شأن الخدمات وفي شأن حفظ الأمن وهذا من الصفات الشبيهة بصفات تجدها في إمارات الخليج التي تعتمد علي عمالة تأتيها من خارجها ولأنها إمارة تعتمد علي الدخل الريعي وليس الدخل الإنتاجي فهي لا تحتاج إلي فلاحين ولا إلي عمال، يكفيها خبراء في الإدارة وموظفين صغار وخدمة كما يكفيها من القوات الحامية لها قوة الشرطة علي أن تكون هذه القوة شديدة البأس صعبة المراس ذات بطش وقسوة.

وأن نظرية الأمن القومي لهذه الإمارة لابد أن تكون مختلفة تماماً عن مثيلاتها الخاصة بمصر التي نعرفها أو بعبارة أخري عن باقي مصر الذي نعرفه وهذا الباقي من مصر الذي يشكل 90% أو أكثر هو أرض وادي النيل والذي لم يعد وطناً مشمولاً بالرعاية وما عليه من بشر هم سكان وليسوا شعباً بالمعني الذي يعرفه القانون الدولي العام، إن ثمة إمارة انسلخت من الدولة الأم وأخذت اسمها ووصفها القانوني ومركزها الدولي وأن أي دولة منسلخة تختلف نظرتها إلي أمنها القومي عن النظرية السائدة لدي الدولة الأم بل هي تكون ضد هذه النظرية لذلك فإن الجزء المنسلخ يعتبر الدولة الأم عدوه الأول والأكبر ومصدر الخطر الدائم عليه ومتي تعين العدو الأول، فقد تعين أيضاً الحليف الأول وهو عدو العدو، والإمارة المنسلخة في هذا التصور لا تجد حليفاً لها إلا من كان يخشاه الوطن الأم ويعتبره خصماً له وخطرا عليه، من هنا نفهم الموقف الأخير الذي كشفت عنه أحداث غزة الأخيرة في ديسمبر 2008، كما نفهم هذه السياسة التي قامت وهي سياسة تمارس وتطبق ضمنا وعلانية وسراً وجهراً وهي أن ثمة تحالفاً استراتيجياً يقوم بين الحكومة الحاضرة والولايات المتحدة الأمريكية وليس من الممكن فهم هذه السياسة إذا نظرنا إلي الأمر بوصفه علاقة بين مصر والولايات المتحدة، لأن الولايات المتحدة ومعها إسرائيل شنت علي هذه المنطقة من الحروب ولا تزال تفعل ما يجعلنا نراها عدوانا مستمراً من الجانب الأمريكي الصهيوني علينا.

إنما يُفهم الأمر إذا نظرنا إليه باعتباره وصفاً للعلاقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وبين الإمارة المنسلخة من مصر، إمارة الــ 10% أو أقل من السكان، من جهة أخري.

أمامنا مهمة كبيرة، أن نعيد مصر إلي الوجود بإذن الله تعالي فنجمع ما تفرق ونركب ما تفكك وأن نرمم أبنيتها الإدارية المتصدعة وأن نجبر ما تكسر من عظامها هذا بالنسبة لأجهزة إدارة الدولة، أما بالنسبة للتنظيمات الشعبية والأهلية فأمامنا مهمة الإعداد الجديد لتنظيمات جديدة علي كل مستويات العمل الشعبي والأهلي النقابي وغير النقابي والجمعيات والاتحادات وغيرها.

شهيدات غزة الأحياء


الكاتبة الكبيرة عايدة العزب موسي تكتب: شهيدات غزة الأحياء
بلغ عدد شهيدات القصف الإسرائيلي علي غزة 104 مناضلات، وكل نساء غزة شهيدات مناضلات، المرأة التي فقدت الابن أو الزوج أو الأب أو الأخ مناضلة شهيدة، فمع قسوة ومرارة الموت والفراق أصبح يقع عليها عبء مسئولية مواصلة الرسالة وبقاء الأسرة بعد فقد العائل.

إن المرأة التي كرَّست حياتها لتلد وتربي وتعلم وهي تدرك تماماً أن وليدها أغلي شيء لديها ستقدمه يوماً قرباناً لبلدها ووقوداً لثورة تحرر وطنها هي مناضلة شهيدة، تقدم ضناها للاستشهاد دون انحياز لفصيل أو لسلطة، فبوصلتها هي فلسطين الوطن،
ولولا المرأة الفلسطينية لما استمرت قضية فلسطين حية، فالفلسطينية الولود هي امرأة مناضلة نذرت نفسها مع كل الظروف القاسية التي تعيشها سواء أكانت في المخيَّمات أو في الشتات، أو داخل الأرض المحتلة كلهن يجمعن علي أمر واحد وهو ضرورة إنجاب العدد الأكبر من الأبناء ليواصلوا مسيرة النضال من أجل الأرض المغتصبة.

كان قدر الحزن والمأساة علي وجه الأم الغزاوية علي شاشات الفضائيات تدمع العيون وتفطر القلوب، ولكنها لم تكن تبكي ولا تولول، كان صوتها المبحوح بالألم يقول فقط: لقد ضاع كل شيء الأهل والبيت، في حين ظهر الرجال يبكون وينتحبون لفقدهم الأعزاء، ولم يكن هذا ضعفاً من الرجال ولا تبلداً أو تحجر قلب من النساء وإنما، لأن المرأة الفلسطينية كانت معدة نفسها لهذا اليوم.

أكثر من ثلاثة أسابيع مدة القصف الصهيوني علي غزة كانت صور الفلسطينيات تملأ الشاشات، ووصل صوتهن إلي أسماع العالم غرباً وشرقاً شمالاً وجنوباً وتعاطف معهن البشر من كل أنحاء القارات ما عدا القادة والمسئولين الذين صموا الآذان، ذكرتني قوة المرأة الغزاوية بواقعة تاريخية أفريقية كانت بطلتها امرأة أفريقية عندما وجدت العجز والخنوع من زعماء قبائل بلادها حملت السلاح وأعلنت حرباً ضروساً تذكر الآن بفخر في تاريخ غانا الحديث.

الحادث وقع في غانا والبطلة هي «ياه اشنتيوا» إحدي بنات قبيلة الأشانتي التي صارت بطلة بين شعبها، واليوم تتداول سيرتها في شعر البطولة والأغاني وتسمي باسمها المدارس والسيدات الأفريقيات الأمريكيات، وحازت لقب البطلة رقم واحد من النساء في تاريخ أفريقيا في الاستفتاءالذي جري عن أهم الشخصيات التاريخية في القارة الأفريقية في القرن العشرين.

كانت غانا تسمي قبل الاستعمار مملكة الأشانتي، ولعبت هذه المملكة دوراً رائعاًفي حماية منطقتها من الطلائع الأولي للمستعمرين ببطولة شهدت لها كتابات القرب ونسجوا حولها الأساطير والحكايات، ففي خلال القرن 19 ناضلت مملكة الأشانتي بقوة ضدالمستعمرين البريطانيين وسببت لهم متاعب باستمرار مقاومتهم لسنوات طويلة، عندما رفضت الخضوع فخاضت سلسلة من الحروب القاسية اشتملت علي العديد من الانتصارات والانتكاسات امتدت من عام 1833 حتي عام 1900 حتي خضع الأشانتي بسبب تفوق أدوات الحرب البريطانية.

كان من أهم هذه الحروب وأشهرها عام 1844 عندما قطع الأشانتي رأس الحاكم البريطاني سير «شارلز مكارثي» بعد هزيمة قواته، وقال الأشانتي وقتها إن الرجل الأبيض أتي بمدافعه إلي الأدغال فوجد الأدغال أقوي من المدافع، بعدها ظلت بريطانيا تسيم الأشانتي كل صنوف القهر والإذلال حتي عام 1900 حين انفجر القتال من جديد بين الأشانتي والبريطانيين، وكان هذه المرة بقيادة امرأة هي «ياه اشنتيوا» التي قادت جيشاً من الرجال حاربت به المستعمر، وبهزيمتها انهارت مملكة الأشانتي وأصبحت أراضيهم محمية بريطانية حتي اشتعلت في مارس سنة 1957 وتولي رئاستها الزعيم الأفريقي الوطني «كوامي نكروما» الذي صار اسمه رمزاً للفكاك من التبعية والانسحاق اللذين عانت منهما الشعوب الأفريقية لعدة عقود.

كان سبب حرب 1900 اعتقال البريطانيين ملك الأشانتي «بربمه الأول» ونفيه إلي جزيرة سيشل مع ثلاثين من الزعماء البارزين والكبار وبينهم أمه وأبوه وأخوه، وفشلت جهود الأشانتي لإعادة ملكهم والزعماءالآخرين، وبينما كان الأشانتي مجتمعين لتدارس الأمر وهم في أشد حالات السخط والخوف من تحدي البريطانيين الذين كانوا يطلقون الرصاص علي كل من يعارضهم، كانت «ياه أشنتيوا» تجلس بينهم تتلفت يميناً ويساراً إلي زعماء الأشانتي، وغيرهم من الرجال، وعندما لم تجد أحداً يتحرك أو مستعداً للتحرك ضد البريطانيين قامت من كرسيها وقالت مخاطبة لهم: «كيف يمكن لشعب شجاع ومعتز بنفسه مثل الأشانتي أن يجلس هكذا ويتفرج في حين أن الرجل الأبيض قبض علي ملككم وزعمائكم ونفاهم إذا كنتم رؤساء الأشانتي تتصرفون كجبناء ولا تحاربون، فاخلعوا ثياب الأسود التي تلبسونها.. أيها الرجال انهضوا وقاوموا الرجل الأبيض الذي هدفه الوحيد في بلادنا هو أن يسرق وأن يدمر، ومن الخير لنا أن نموت مدافعين عن بلادنا بدلاً من أن نعيش عبيداً، إذا لم تستطيعوا يا رجال الأشانتي أن تتقدموا إلي الأمام فأنا ياه اشنتيوا مستعدة ومؤهلة نفسي لقيادتكم للحرب، وبهذا الخطاب أعلنت المناضلة الأفريقية الحرب وقادت جيش الأشانتي ضد البريطانيين، وكانت هذه الحرب الأخيرة بين الأشانتي البريطانيين بدأت في مارس 1900 وانتهت في مايو 1901، وعرفت فيما بعد باسم حرب «ياه اشنتيوا».

ورغم عدم معرفة المناضلة الأفريقية بالتدريب العسكري فإن جيشها استطاع أن يحقق عدداً من الانتصارات مثل محاصرة القلعة التي كانت القوات البريطانية قد سيطرت عليها مما تسبب في المجاعة والأمراض للإنجليز، وأثبت هذا التكتيك فاعليته بحيث إن البريطانيين تركوا الحامية بعد أن تكبدوا خسائر كبيرة، ولكن بنادق البريطانيين أبادتهم وكعقاب لـ«ياه اشنتيوا» فقد وضعت في سفينة أبحرت بها إلي جزر سيشل مع 15 زعيماً من الأشانتي لتلقي هناك الملك بربمه الأول وسائر رؤساء الأشانتي، وماتت هناك بعد عشرين سنة في عام 1921 لم تكن «ياه اشنتيوا» المرأة الوحيدة في تاريخ غانا أو في تاريخ أفريقيا في القرن التاسع عشر، وعلي عكس تقدير الغرب للشعب الأفريقي فإن المؤرخين البريطانيين يذكرون نساء الأشانتي بكل احترام ويصفونهن بأنهن كن من أحسن الدبلوماسيين والمفاوضين في القرن 19، ولكن «ياه اشنتيوا» وانتفاضتها تبقي أمراً خارقاً للعادة.

في مارس عام 2000 أعيد إحياء ذكري «ياه اشنتيوا» وصدرت عملة غانا الوطنية تحمل صورتها ونقل رفاتها إلي بلدها وشهد دفنها موكب جليل كجزء من احتفالات يوم تحرير غانا الذي يوافق 26 مارس 1957، وهو اليوم الذي تعتبره غانا يوم إلغاء العبودية في المستعمرات البريطانية، وكان يوافق مرور مائة عام علي انتفاضة «ياه اشنتيوا» ضد البريطانيين، وقد استمرت الاحتفالات ستة أشهر ولا يوجد شرف يستحق أن يعطي أكثر من أن يستمر الاحتفال بها طوال هذه المدة.

إن الشعوب الأفريقية تلملم الآن تاريخ نضالهم القديم ويحاولون أن يحيوا ذكري أبطال مقاومتهم الوطنية، ويكشفون خبايا ماضيهم المجهول إعلامياً، والمستعمرون أنفسهم يخلدون أسماء قادتهم الغزاة في كتب تاريخهم وأدبياتهم المنشورة وأسماءهؤلاء مسجلة ومحفورة علي حوائط كنائسهم، أليس من واجبنا نحن أيضاً أن نمجد رموزنا؟! ألا تستحق المرأة الفلسطينية «الجندي المعروف لا المجهول» أن يزين أحد ميادين غزة بنصب يرمز لصمودها ونضالها وتضحياتها.

«غزة» في قلب أفريقيا



الكاتبة الكبيرة عايدة العزب موسي تكتب:
الملحمة البطولية لأهالي القطاع ضد الاستطيان تشبه ما حدث في «ناميبيا» قبل قرن كامل.. أساليب الاستعمار لم تتغير والدم البارد أيضاً لم يتغير

الثورة في ناميبيا حدثت بعد قتل جنود الألمان لأحد رؤساء القبيلة لأنه تجرأ وطالب باسترداد أرضه لكن ثورة الأهالي قوبلت بوحشية منقطعة النظير

الملحمة الاستشهادة البطولية لشعب غزة ضد الاستيطان العنصري الإسرائيلي من أجل الأرض والوطن خاصة،
مثلها شعب أفريقي منذ قرن مضي عندما وقع علي شعب ناميبيا أكبر عملية إبادة في التاريخ الحديث، قرن كامل من الزمان وأساليب الاستعمار وأدواته لم تتغير، والأطماع البشرية تتزايد وتتوحش، والشعوب تطحن وتباد، والدم البارد يتجمد في العروق، فلا حمية ولا استنفار ضد المجازر ومرتكبيها.

الفرق بين الحالتين أن ملحمة غزة تعرض الآن علي الملأ ويعرفها القاصي والداني وتجد تعاطفاً وتأييداً، أما ما حدث لشعب ناميبيا فقد ظل في طي الكتمان وأسدل الستار علي المقاومة الباسلة التي أبداها الأهالي، ولم تكشف إلا بعد سنوات، وكان الكشف عنها ليس من ضمير أخلاقي ولا للحق التاريخي بل لصراع قام بين المستعمرين، عندما أرادت بريطانيا أن تنتزع من ألمانيا بعد هزيمتها في الحرب العالمية الأولي أقليم ناميبيا وكان يطلق عليه إقليم جنوب غرب أفريقيا، فأماطت اللثام عن جريمة إبادة الألمان لقبائل الهيريرو، ذلك أنه الحرب التي شنها الألمان علي شعب ناميبيا خلال أعوام 1904 ـ 1908 لم يكن الهدف منها إخضاع الأهالي فقط بل إبادتهم إبادة كاملة، أُبيد فيها 65 ألفاً من الهيريرو وكان يبلغ عددهم حينذاك 80 ألفاً أي ما بقي حياً 15 ألفاً يمثلون 17% فقط وقضي علي 83% منهم.


تبدأ المأساة الحزينة عام 1884 عندما عقد مؤتمر برلين الذي تم فيه تقسيم أفريقيا بين الدول الاستعمارية، وقضت الحدود السياسية التي رسمت علي الورق بأن تلتهم كل دولة استعمارية جزءاً من أفريقيا، وكان إقليم جنوب غرب أفريقيا من نصيب الألمان، وهكذا بجرة قلم ألحق الإقليم بألمانيا، وكان معني الإلحاق انتزاع الأرض والماشية من أهالي البلاد، في حين أن تقاليد الهيريرو وطقوسهم كانت تحتم عليهم أن يمتلكوا الماشية بأكبر قدر ممكن، فالماشية تعني بالنسبة لهم القوة في هذا العالم والخلاص في العالم الآخر لذلك كان مفروضاً عليهم أن يحموها، ورويداً رويداً وجد الهيريرو أن الأرض التي كانوا يتجولون في أنحائها« القبائل لم تعرف الملكية الخاصة بالأرض» وعيون الماء التي كانوا يستخدمونها صارت ملكاً للآخرين، وأدت مصادرة السلطات الألمانية لعدد كبير من الماشية التي وصفت بأنها سرقة بالجملة ودون حياء إلي غضب الهيريرو، وتحول الغضب إلي رغبة جامحة للتمرد فقاموا بانتفاضة عام 1904 استمرت أربع سنوات كبدت الألمان خسائر في الأرواح بلغت خمسة آلاف جندي ومستوطن ألماني.

كان من أسباب الانتفاضة احتلال الألمان لأراضي القبائل والوسائل الوحشية التي صورت للسيطرة عليهم وفقدان الصبر وقسوة حكم البيض، إذ كان قرار احتلال جنوب غرب أفريقيا يعني شيئاً واحداً لألمانيا هو أن تقوم القبائل بتسليم الأرض التي كانت ترعي فيها ماشيتهم، وذلك ليتاح للرجل الأبيض امتلاك الأرض والماشية.

بدأت الثورة علي إثر قتل جنود الألمان لأحد رؤساء القبيلة لأنه تجرأ وطالب باسترداد أرضه، وسرعان ما امتدت نيران الغضب كل مكان، كانت النظرة الألمانية لأهالي الإقليم كما أعلنها الحاكم الألماني أن الحظر الرئيسي من الهيريرو يأتي من كثرة عددهم وأن هذا سيبقي التهديد الحقيقي للمستوطنين البيض، لذلك فإن الشفقة بالأهالي هي في ذاتها قسوة تجاه البيض، وأن المستوطن الألماني الذي يساعد في تقليل عدد الهيريرو يقدم خدمة عامة، فأصدر أمراً بإبادة كل هيريرو سواء من كان معه سلاح أو من لم يكن، وسواء كانت لديه ماشية أو لم تكن.

كان أمر القائد الألماني «لا يلقي رجل ولا امرأة ولا طفل ولا رضيع أي رحمة، اختل كل واحد منهم ولا تقبض علي أسير، إنني أريد أن أتأكد من أنه لن يحدث بعد ذلك قط ثورة من الهيريرو، يجب أن نبيدهم حتي لا تضجرنا الثورات في المستقبل، ونتيجة لهذا الأمر أطلق الجنود النار علي الأهالي بصرف النظر عمن هم، وبعضهم كانوا أناساً مسالمين لم يشتركوا في الانتفاضة وآخرون كانوا نساء أو رجالاً طاعنين في السن ولم يكونوا قد خرجوا من بيوتهم قط، كان الألمان يتبعون كل من يقابلونه ويطلقون عليه الرصاص أو يبقرونه، كانت الغالبية من الأهالي غير مسلحة لم يكونوا مقاتلين كانوا فقط يتخذون طريقهم ليذهبوا بعيداً مع ماشيتهم، وذكرت حادثة مرعبة للقسوة التي لاقاها الأهالي وهو أن جندياً من الألمان وجد طفلاً رضيعاً من الهيريرو لا يتجاوز تسعة أشهر فحمله الجندي وأتي به إلي معسكره، وتجمع الجنود حوله وأخذوا يقذفون الرضيع بينهم من جندي إلي آخر كما لو كان كرة، وبعد أن أخذ منهم التعب من هذا اللعب قذف أحدهم الرضيع في الهواء ثم تلقاه بسنك البندقية الذي اخترق جسده.

ماذا كان يستطيع الهيرير وأن يفعلوا ومعهم نساؤهم وأطفالهم وماشيتهم وهم يواجهون جنود الألمان المدججين بأسلحة متطورة، لم يكن أمامهم إلا أن يقتحموا بلا سلاح ولا ذخيرة خطوط الألمان المجهزة بالبنادق سريعة الطلقات التي سرعان ما أجهزت عليهم، مات من مات وفر من بقي إلي المناطق الجبلية النائية في أراض رملية بلا ماء فحكم عليهم بالموت، وتبعثروا بلا حول ولا قوة وقد تحطمت أطرافهم وخارت قواهم وصار بعضهم جثثاً هامدة، وحتي من استسلم منهم وهم في الرمق الأخير كان الجند يضربونهم بالسياط حتي الموت جزاء لهم علي مقاومتهم، ومن استطاع الهرب من يد الجنود الألمان أبادتهم الصحراء وهلكوا من الجوع والعطش.

أعلن الهيريرو الاستسلام بعد أن فقدوا أرضهم وقطعانهم وحريتهم وحياتهم العائلية وتمزقت وحدتهم القبلية، فاستدع الحاكم الألماني الزعماءالمستسلمين وأمر بإطلاق الرصاص عليهم ليكونوا عبرة لغيرهم من القبائل الأخري، ومن عاش بعد ذلك صار عبداً ولم يسمح لأي فرد منهم بالحصول علي أرض أو ماشية، ووزعوا علي مزارع المستوطنين البيض وأجبرت النساء أن يصرن محظيات للأوروبيين، نعم لقد تخلصوا من رعب التدمير المنظم ليدخلوا في رعب العبودية.

استمر القمع الألماني مدة 25 سنة حتي هزمت ألمانيا في الحرب العالمية الأولي 1914 ـ 1918 واستولت عصبة الأمم علي مستعمراتها فمنحت حكومة جنوب أفريقيا «كانت ذلك الوقت تتبع بريطانيا» حق إدارة الإقليم، وبعد الحرب العالمية الثانية رفضت الحكومة العنصرية لجنوب أفريقيا التخلي عنه وتسليمه إلي مجلس الوصاية التابع للأمم المتحدة الذي صار يشرف علي إقليم الانتداب بل تحدت المنظمة الدولية بمحاولة إدماجه في أراضيها.

أصبحت قضية إقليم جنوب غرب أفريقيا من أشهر القضايا التي تمثل عجز الأمم المتحدة عن تنفيذ قراراتها وقدرة حكومة جنوب أفريقيا علي تحديها، وتنقلت القضية بين محكمة العدل الدولية التي قررت عدم شرعية ضم الإقليم إلي جنوب أفريقيا وإلي الجمعية العمومية التي ألغت الانتداب ورفض جنوب أفريقيا الانسحاب منه.

مع تداول القضية في الأروقة الدولية اتضح للوطنيين أنه لا فائدة ترجي من الإجراءات الدولية، فقامت الحركة التحررية بزعامة منظمة سوابو «حزب منظمة شعوب جنوب غرب أفريقيا» الذي أعلن الكفاح المسلح ضد حكومة جنوب أفريقيا التي كانت سياستها العنصرية لا تقل في بطشها عن الحكم الألماني، وظلت الحركة الوطنية تواصل الكفاح المسلح حتي حصل الإقليم علي استقلاله عام 1990 واندحر الاستطيان العنصري وعادت الأرض إلي أحفاد شعب الهيريرو، فالأرض لابد أن تعود إلي أصحابها مهما طال الزمن.