‏إظهار الرسائل ذات التسميات فهمى هويدى. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات فهمى هويدى. إظهار كافة الرسائل

شعب الجبارين


فهمي هويدي
أشهد أن أهل غزة يستحقون منا الحفاوة والإكبار، بأكثر مما يستحقون من الرثاء أو الإعذار.


(1)

أدري أننا مسكونون هذه الأيام بمشاعر اللوعة والحزن، جراء ما شاهدناه علي شاشات التليفزيون من صور سجلت بشاعة البربرية الإسرائيلية التي فتكت بالبشر، وحولت القطاع إلي خرائب وأنقاض. كأن ما جري لم يكن اجتياحاً عسكرياً، وإنما كان حملة انتقام وترويع استهدفت تدمير القطاع، وذبح أهله والتمثيل بهم، حتي يكونوا أمثولة وعبرة لغيرهم ممن يتحدون العجرفة والاستعلاء الإسرائيليين.
أدري أيضًا أن الجرح أكبر من أن يلتئم لأجيال مقبلة. وأن شعورنا بالخزي والعار لا يمكن إنكاره، سواء لأننا لم نستطع إغاثة الفلسطينيين وهم يذبحون، في حين وقفت أنظمتنا متفرجة عليهم، أو لأن بعضنا كان عليهم وليس معهم أو لهم.

ذلك كله صحيح لا ريب. لكن من الصحيح أيضاً أن دماء فلسطينيي غزة التي نزفت وأشلاءهم التي تناثرت وصرخات أطفالهم التي ألهبت ضمائرنا ومازالت أصداؤها تجلجل في أعماقنا، هذه كلها إذا كانت قد سجلت أسطر المأساة، إلا أن وقفة الشعب، وصموده الرائع ومقاومته الباسلة، هذه أيضاً سجلت صفحات مضيئة في تاريخ أمتنا لا ينبغي أن نبخسها حقها. يكفي أن شعب الجبارين هذا رغم كل ما تعرض له من حمم أمطرته بها آلة الحرب الإسرائيلية بكل جبروت وقسوة، ظل رافضاً للركوع والتسليم، وها هو سيل الشهادات التي سمعناها بعد وقف المذبحة علي ألسنة الأطفال والنساء والشيوخ، كلها تجمع علي أن طائر الفينيق التي تحدثت عنه الأسطورة، ذلك الذي يخرج حياً من تحت الرماد، ثبتت رؤيته في غزة.

لأنهم لم يركعوا ولم يرفعوا رايات التسليم فإنهم نجحوا وأفشلوا خطة عدوهم. صحيح أن هذا كلام لا يروق لبعض الساسة والمثقفين من بني جلدتنا ممن يرون أن شرف الأمة لا يستحق أن يموت المرء من أجل الدفاع عنه، إلا أن المعلومة تظل صحيحة، أعجبت أصحابنا هؤلاء أم لا تعجبهم. تشهد بذلك كتابات أغلب المعلقين الإسرائيليين، التي سجلها تقرير نشرته صحيفة «الشرق الأوسط» في 19/1، تضمن خلاصة لتلك الكتابات. منها مثلاً أن رون بن بشاي - المعلق العسكري لصحيفة «يديعوت أحرونوت» - ذكر في النسخة العبرية للصحيفة في (18/1)، أن إسرائيل فشلت بشكل واضح في تحقيق الهدف الرئيسي المعلن للحرب، المتمثل في تغيير البيئة الأمنية في جنوب إسرائيل، وهو ما لم يتحقق حين تبين أن حركة حماس مستمرة في إطلاق صواريخها. وهو المعني نفسه الذي أكده المعلق السياسي الوف بن، وكرره جاكي كوخي - معلق الشئون العربية في صحيفة «معاريف» - الذي قال إن إسرائيل فشلت في توفير صورة النصر في معركة غزة، وأن ما تبقي من هذه الحرب هو صور الأطفال والنساء والقتلي، التي أوصلت إلي عشرات الملايين في العالم رسالة أكدت تدني الحس لدي الجيش الإسرائيلي. منها أيضاً ما قاله يوسي ساريد - الرئيس السابق لحركة ميرتس في مقال نشرته صحيفة «هاآرتس» - أن عملية القتل البشعة التي أنهت بها إسرائيل مهمتها في غزة تدل علي أنها هزمت في هذه المعركة ولم تنتصر. أما المعلق عوفر شيلح فقد ذكر أن القيادة الإسرائيلية حين قررت تدمير غزة فانها تاثرت في ذلك بالنهج الذي اتبعه رئيس الوزراء الروسي فلاديمير بوتين مع شيشينا وجورجيا، ثم أضاف: «إذا كنا نريد أن نظهر كمنتصرين باستخدام هذا النهج، فويل لنا».

(2)

صحيح أن المقاومة لم تستطع أن تفعل شيئاً يذكر أمام الغارات التي أطلقت فيها إسرائيل أقوي طائراتها النفاثة لأسباب مفهومة، إلا أن معركتها الحقيقة كانت علي الأرض، حيث فاجأت المقاومة خلالها إسرائيل بما لم تتوقعه.

لم تهزم المقاومة القوات الإسرائيلية، لكن كل الشواهد دلت علي أنها صمدت أمام تلك القوات، ووجهت إليها ضربات موجعة، أسهمت في إفشال مهمتها. ولا تنس أن يوفال ديكسين - رئيس المخابرات الداخلية الإسرائيلية - كان قد توقع أن يسقط القطاع خلال 36 ساعة، ولكن بسالة المقاومة أطالت من أجل الحرب، حتي اضطرت إسرائيل إلي وقف إطلاق النار من جانبها في اليوم الثاني والعشرين.

ليلة الاثنين 12/1، والاجتياح في أسبوعه الثاني، فوجئ الجنرال يو آف بيليد - قائد لواء الصفوة (جولاني) - والعشرات من جنوده بأن النيران فتحت عليهم عندما كانوا يقومون بتمشيط المنطقة الريفية التي تقع شرق مخيم «جباليا» للاجئين شمال قطاع غزة. فما كان منه إلا أن اندفع مع جنوده للاحتماء ببيت أحد الفلسطينيين في المنطقة، كان قد تم إخلاؤه من سكانه. لكن ما إن تجمع الجنود والضباط في قلب المنزل، حتي دوي انفجار كبير انهار علي أثره المنزل؛ فقتل ثلاثة جنود وجرح 24 منهم بيليد نفسه، وعرف أن ستة من الجرحي في حالة ميئوس منها. وكانت تلك إحدي صور الاستدراج التي لجأت إليها المقاومة؛ ذلك أن إطلاق النار أريد به دفع الجنود للاحتماء بالمنزل الذي تم تفخيخه بالمتفجرات في وقت سابق.

موقع صحيفة «يديعوت أحرونوت» علي الانترنت تحدث باقتضاب عن قصة ضابط آخر هو الرائد ميكي شربيط، الذي يرقد في أحد المستشفيات للعلاج من إصابته في اشتباك مع رجال المقاومة الفلسطينية في شمال القطاع. هذا الضابط الذي خدم كقائد سرية بسلاح المدرعات في حرب لبنان الثانية، استهجن تجاهل الإعلام الإسرائيلي الإشارة إلي شراسة المقاومة التي واجهتها القوات الإسرائيلية. وفي الحديث الذي أدلي به إلي النسخة العبرية لموقع الصحيفة وصف الحرب الدائرة وقتذاك بأنها «حرب أشباح لا نري فيها مقاتلين بالعين المجردة، لكنهم سرعان ما يندفعون صوبنا من باطن الأرض. لقد كنا نتحرك في الشوارع ونحن ندرك أن أسفل منا مدينة خفية تعج بالشياطين».

فوجئ الإسرائيليون بكل ذلك. واعترف روني دانئيل - المعلق العسكري لقناة التلفزة الإسرائيلية الثانية - بأن قوات الجيش الزاحفة واجهت مقاتلين أشداء، وقال علي الهواء إن الإبداع العسكري الذي يواجه به نشطاء حماس الجيش الإسرائيلي فاجأ قادته بشكل صاعق، ونوّه إلي أنه محظور عليه التحدث عن المفاجآت التي تعرض لها الجنود الإسرائيليون في غزة، التي تفسر عدم قدرة هؤلاء الجنود علي التقدم في كل القطاعات رغم مضي 19 يوماً علي الحملة، ورغم إلقاء الطائرات الإسرائيلية مئات الأطنان من القنابل الفتاكة لتقليص قدرة المقاتلين الفلسطينيين علي المقاومة.

في هذا السياق نقل أليكس فيشمان - المعلق العسكري لصحيفة «يديعوت أحرونوت» - عن عدد من الجنود في ساحة المعركة أن الهاجس الذي سيطر عليهم طول الوقت هو الخوف من الوقوع في الأسر. وأشار هؤلاء إلي أن مقاتلي حماس أعدوا شبكة من الأنفاق للمساعدة في محاولات أسر الجنود.

(3)

هؤلاء المقاومون البواسل لم يهبطوا علي غزة من السماء، ولكنهم أحفاد وأبناء شعب الجبارين، الذي لايزال منذ مائة عام متشبثاً بأرضه التي رواها بدمه. لقد راقبت أبناء غزة الذين ظهروا علي شاشات التليفزيون طوال المذبحة وبعدها، فلم أسمع واحداً منهم أعلن تمرده أو سخطه علي الأوضاع في القطاع. كانوا جميعاً ودون استثناء أكثر نضجاً ونزاهة من كل الأصوات التي حاولت تمييع الموقف وإلقاء تبعة ما جري علي وقف التهدئة تارة أو علي حكومة القطاع تارة أخري. لم يروا إلا عدواً واحداً ومجرماً واحداً هو إسرائيل. وانعقد إجماعهم علي أن حماس ليست الهدف، وإنما رأس المقاومة هو المطلوب وتركيع الفلسطينيين هو الهدف.

رغم الجحيم الذي عاشوا في ظله والمآسي التي لحقت بهم، فإنهم لم يفقدوا صبرهم الأسطوري. وكشفت محنتهم عن معدنهم الحقيقي، بالتحامهم وتكافلهم وإصرارهم علي الاستمرار والثبات علي الأرض. القصص التي تروي عن المدي الذي بلغه الالتحام والتكافل لا تكاد تصدق، وكلها تثير الدهشة والإعجاب، يتحدث القادمون عن الموسرين الذين كانوا يشترون شاحنات الخضار وأكياس الدقيق ويوزعونها علي المعوزين. يتحدثون أيضاً عن البيوت التي فتحت لمن دمرت مساكنهم، وعن الثياب والبطانيات التي جمعت لتوزع علي الذين لاذوا بالخيام احتماء من البرد، وعن السيدات اللاتي أصبحن يخبزن يومياً مئات الأرغفة لجيرانهم، وأخريات كن يتناوبن طبخ العدس والبقول ويبعثن بالوجبات الساخنة إلي أماكن تجمعات الفارين من الجحيم. يتحدثون أيضاً عن الكيروسين الذي كانوا يتقاسمونه فيما بينهم يوماً بيوم، لإشعال المصابيح والمواقد البدائية التي أصبحت تهرب من مصر، بعدما اختفت هناك منذ عقود... إلخ.

الذي لا يقل إدهاشا عن ذلك هو حالة الانضباط الشديد التي مر بها القطاع، فقد كانت أجهزة السلطة تتولي طول الوقت الإشراف علي توزيع الخبز والبطانيات والكيروسين. ورغم أن الدوائر كانت معطلة، فإن رواتب الموظفين كانت تصل إليهم في بيوتهم. ورغم أن القصف المكثف كان يمكن أن يدفع ألوف البشر إلي الاتجاه صوب الحدود المصرية ومحاولة عبورها هرباً من الموت، فإن ذلك لم يحدث، ووقفت شرطة القطاع تحرس الحدود وتؤمنها. وفور إعلان وقف إطلاق النار، سجلت الفضائيات كيف تحركت الأجهزة لضبط المرور وإزالة ركام الأبنية المدمرة، والتخلص من النفايات. وقبل هذا وبعده، رفع الأنقاض بحثاً عن الأحياء وانتشال بقايا الجثث. لقد دبت الحياة في طائر الفينيق.

(4)

لقد كان المقاومون يعرفون جيداً أنهم سيواجهون العدو في واحدة من معارك كسر العظم، لذلك أطلقت كتائب عز الدين القسام علي المعركة اسم «الفرقان»، باعتبارها اشتباكاً مصيرياً يفرق بين الحق والباطل. وحسب مصادر الحركة، فإن المقاومة لم تخسر أكثر من 10% من مقاتليها، في حين أن قدرتها التسليحية مازالت جيدة، وبوسعها أن تواصل إطلاق صواريخها التي تكدر حياة العدو لشهر آخر علي الأقل. بل إنها لم تستخدم الطاقة القصوي لمدي الصواريخ، لأنها أرادت أن تحتفظ به للتوقيت الذي تختاره. وأغلب الظن أن إسرائيل أدركت ذلك جيداً، وذلك هو التفسير الوحيد للوثة التي أصابتها وهي تستنفر أمريكا وأوروبا وبعض العرب لكي يهبوا جميعاً لأجل وقف تهريب السلاح إلي غزة.

غزة لم تهزم، وما حدث في القطاع ليس مأساة ولكنه ملحمة. لكن الهزيمة الحقيقية والمأساة التي يَنْدَي لها جبين الشرفاء، هي من نصيب الواقفين علي الضفة الأخري من المنسوبين إلي الأمة العربية، الذين تقاعسوا وولوا الأدبار حين جد الجد. وهم الذين وصفهم القرآن بأنهم: «يحلفون بالله إنهم لمنكم، وما هم منكم، ولكنهم قوم يَفْرَقوُن».

في انتظار أوباما

في انتظار أوباما
فهمى هويدى



هذه المبالغة من جانبنا في تعليق الآمال علي قدوم الرئيس الأمريكي الجديد «باراك أوباما» لا تفسير لها سوي أنها تعبير عن اليأس والعجز.. من حق الأمريكيين أن يحتفوا به وأن يروا فيه مُخلِّصا من وطأة السنوات العجاف التي خلَّفها له سلفه، لكنه بالنسبة لنا له فضيلة واحدة حتي الآن، هي أنه ليس جورج بوش. ولعلي أذهب إلي أن أحد أسباب الترحيب بالرئيس الأمريكي الجديد في العالم العربي أن الناس في بلادنا كرهوا السيد بوش إلي حد جعلهم مقتنعين بأن أي شخص آخر يأتي إلي البيت الأبيض سيكون أفضل منه.

صحيح أن الرئيس أوباما بعث إلينا في خطاب تنصيبه رسالة أراحت كثيرين منا، حين تذكر العالم الإسلامي، وقال إنه في تعامله معنا سوف يتبني خطاباً جديداً يرتكز علي المصلحة المشتركة والاحترام المتبادل، وهو كلام طيب لا ريب، لكنه يظل كلاماً يُقدر ولا ينبغي أن نحكم عليه إلا بعد أن يُختبر.

لقد تلقيت أكثر من اتصال هاتفي من بعض الزملاء الصحفيين في أعقاب إذاعة كلمة الرئيس الأمريكي وطلبوا مني تعليقاً حول إشارته الإيجابية إلي العالم الإسلامي. ومن الأسئلة التي سمعتها أدركت أننا فهمنا الرسالة خطأ، وحملّناها بأكثر مما تحتمل. وكان تحليلي أن اليأس والإحباط تمكنا منا، بحيث أصبحنا ننتظر مُخلّصاً من خارج بلادنا، بعدما فقدنا الأمل في أن يأتينا الخلاص علي يد أحد من القائمين علي أمرنا. وإضافة إلي أن أوباما ليس بوش. فإنه حين عبّر عن احترامه لنا، يبدو أنه لمس وتراً حساساً ورفع من سقف توقعاتنا منه لأننا بالخبرة لاحظنا أن كلمة الاحترام لم تكن واردة في قاموس العلاقات العربية الأمريكية.

في كل حوار دار حول الموضوع كنت أركز علي النقاط التالية:

> إن الولايات المتحدة بلد كبير له مؤسساته القوية ومراكز الضغط المتعددة، وهي ليست مما تتغير سياساته بسهولة إذا ما تغير الرئيس.

> إن مشكلات الشرق الأوسط ليست من أولويات الرئيس الجديد، لكنه معني أولاً بالأزمة الاقتصادية في بلاده، وبانسحاب القوات الأمريكية من العراق.

> إن الانحياز إلي إسرائيل هو أحد ثوابت السياسة الأمريكية، في الأجل المنتظر علي الأقل. وهذا ما عبّر عنه صراحة بعض أعضاء فريقه للسياسة الخارجية الذين زاروا المنطقة قبل انتخابه، ومما قالته السيدة مادلين أولبرايت - وزيرة الخارجية الأسبق - التي كانت ضمن الفريق: انتظروا منه أي شيء إلا في الموضوع الإسرائيلي، بالتالي فلا تتوقعوا منه تغييراً في الموقف الأساسي «النوع» ولكنه قد يغير من الأسلوب والدرجة فقط.

> في هذه الحالة فإن أوباما سيقترب من ملف الشرق الأوسط بالقدر الذي تفرضه المصالح الإسرائيلية، الأمر الذي سيدفعه إلي الاهتمام بمعالجة الملف النووي الإيراني، الذي هو مطلب إسرائيلي بالأساس.

> إن أي رئيس أمريكي يظل في ولايته الأولي حريصاً علي كسب تأييد إسرائيل وأنصارها الأقوياء في الولايات المتحدة، لأن عينه ستظل مصوبة نحو أمله في الاستمرار للولاية الثانية.

> إن اختياره لوزير الدفاع السابق جيتس لينضم إلي إدارته وللسيدة هيلاري كلينتون للخارجية يعني أنه سلّم الملفين إلي شخصيتين قويتين لكي يركز اهتمامه علي الشأن الداخلي. وهو ما يعني أنه لن يكون هناك تغيير جوهري في السياسة الدفاعية وأن موقفه بخصوص الشرق الأوسط سيكون امتداداً للسياسة التي اتبعها الرئيس الأسبق كلينتون.

> إن كلامه الإيجابي عن العالم الإسلامي لن يعني سوي أنه قد يغير من الوسائل لكن الأهداف والاستراتيجية ستظل كما هي بغير تغيير.

> إن العالم العربي يمكن أن يشهد وضعاً أفضل في حالة واحدة، هي ما إذا استخدم عناصر قوته في الدفاع عن قضاياه ومصالحه العليا، لكن أغلب نظمه الآن تفضّل التجاوب مع السياسة الأمريكية علي التجاوب مع أشواق شعوبها، ونموذج غزة ماثل تحت أعيننا، فإذا كانت الدول العربية المؤثرة تنفذ بالضبط ما تريده الولايات المتحدة وإسرائيل فكيف يمكن أن نطالب الرئيس الأمريكي الجديد بتغيير سياسة بلده إزاءها؟!

روزاليوسف أكثر الصحف انتهاكاً لقواعد المهنة





كتبت سهام الباشا

"حرب البسوس"، هو عنوان التقرير الصادر عن مشروع "عين على الصحافة"، الذى أعده مركز الأندلس، يوصف فيه التجاوزات التى يمارسها الصحفيون ضد بعضهم البعض، والتى تتركز معظمها على اختلاف التوجهات الفكرية لكل منهم.

يتضح من عملية رصد ما احتوت عليه الصحافة المصرية من انتهاكات لبعض الصحفيين ضد زملائهم، أن مهنة البحث عن الحقيقة تحولت إلى التراشق بالألفاظ والهجوم على أشخاص الكتاب، على اختلاف تياراتهم وأطيافهم الأيديولوجية والسياسية، بدلاً من التحاور ونقد الأفكار للأشخاص. كما أن النقد غير الموضوعى تسرب للغة الصحافة، بالرغم من مسئوليتها فى توجيه المجتمع نحو الرقى والتحاور، عن طريق العقل ومواجهة الفكر بالفكر، ورصد التقرير أن نسبة التحيز والتعصب كانت الأعلى بين أنواع الانتهاكات التى تم رصدها ومارستها الصحف فى مواجهة بعضها البعض.

تصدرت جريدة روزاليوسف المركز الأول، بين الصحف التى رصد بها انتهاكات ضد الصحف الخاصة والمعارضة، وذلك بنسبة 35.6%، تأتى بعدها جريدة الوطنى اليوم بنسبة 13.6%، بينما جاءت أقل الصحف تجاوزاً بحق الصحفيين هى مجلة المصور، وجريدة الكرامة، فى حين لم يتم رصد أى انتهاكات ضد الصحفيين فى صحيفتى الخميس ووطنى ومجلة الشباب، كما أظهر التقرير.

وحصل الشكل الصحفى "مقالات رئيس التحرير" على النسبة الأعلى بين الأشكال الصحفية التى ورد بها انتهاكات، حيث وصلت نسبة الانتهاكات إلى 41.3%، وحصل رئيس تحرير جريدة روزاليوسف "عبد الله كمال" على النسبة الأعلى من التجاوزات التى وصلت إلى 26.1% من بين الكتاب الصحفيين، فى حين احتل رئيس تحرير الأهرام أسامة سرايا أقل ترتيب فى الانتهاكات.

ويرصد التقرير الانتهاكات التى وجهها الصحفيون لبعضهم البعض من خلال تصنيفهم فى فئات محددة، والتى بلغت 12 فئة، وذلك فى الفترة من شهر فبراير 2007 حتى شهر يناير 2008. وجاء محمد حسنين هيكل كفئة خاصة احتل فيها المركز الأول بنسبة 17.5% من إجمالى مساحة التجاوزات التى تعرض لها الصحفيون، بسبب أفكاره وآرائه التى يعبر عنها، وكانت أكثر الصحف تجاوزاً ضده هى جريدة روزاليوسف.

فى حين حصلت الصحف الخاصة على المرتبة الثانية من مساحة التجاوزات الصحفية نتيجة لتعرضها للتشهير من قبل بعض الصحف القومية، التى تتهمها بالتلفيق والكذب نتيجة للتعميم وانتقائية موضوعات معينة، بالإضافة إلى اتهام بعض الصحف القومية بعض الصحف الخاصة وبالترويج للفتنة وإشاعة الفوضى فى المجتمع، بل واتهامها بالعمالة وتحقيق أجندة خارجية.

واعتبر التقرير كلاً من جريدتى الدستور والمصرى اليوم، فئتين مستقلتين عن الصحف الخاصة بسبب حصولهما على انتهاكات كبيرة، حيث جاءت الدستور فى المركز الثالث والمصرى اليوم فى المركز السادس، واحتلت الصحف المعارضة خاصة الحزبية المركز الرابع.

كما احتل إبراهيم عيسى رئيس تحرير جريدة الدستور، المركز الخامس من بين الصحفيين المعرضين لانتهاكات، وذلك على خلفية قضية صحة الرئيس، والتى كانت سبباً فى تعرض الصحف الخاصة لانتهاكات من قبل الصحف القومية.

كما كان لعادل حمودة رئيس تحرير جريدة الفجر، نصيب من التجاوزات، حيث أكد التقرير على احتلاله المركز السابع فى الانتهاكات التى تعرض لها بسبب موقفه وآرائه. فى حين احتلت الصحف القومية نسبة قليلة من الانتهاكات من قبل الصحف الخاصة والمعارضة، مما جعلها فى المركز الثامن.

فهمى هويدى من الكتاب الذين تعرضوا لتجاوزات من بعض الصحفيين الذين انتقدوه بسبب أفكاره، التى يعبر عنها فى مقالاته الصحفية، مما جعله فى المركز التاسع، جاء بعده مجدى الجلاد رئيس تحرير المصرى اليوم، والذى انحصرت الانتهاكات ضده فى جريدتى روزاليوسف والوفد.

أما عبد الله كمال فقد جاء فى المركز الحادى عشر، حيث تعرض لانتهاكات من قبل أربع جرائد على رأسها المصرى اليوم، كما وضع التقرير عدداً من الصحفيين فى المركز الثانى عشر، لأن نسبة التجاوزات ضدهم كانت ضئيلة مقارنة بما سبق.

وأكد التقرير على أن مشكلة الصحافة المصرية تكمن فى ندرة المعلومات، وغياب تداولها، الأمر الذى أدى إلى فتح باب الاجتهادات الشخصية لدى الصحفيين، مما أدى إلى تضارب المعلومات عند القارئ، بالإضافة إلى تحول الصحف إلى ساحة للصراعات بين القوى السياسية.

كما أكد مركز الأندلس لدراسات التسامح مناهضة العنف، على أهمية التزام الصحفيين بميثاق الشرف الصحفى، ومحاسبة النقابة كل من يخالف الميثاق من الصحفيين.

حصدنا ما زرعناه

فهمي هويدي يكتب: حصدنا ما زرعناه
حين فشلوا في تركيع غزة بالسلاح، لجأ الإسرائيليون إلي التدليس، لكي يحققوا بالحيلة والخداع ما عجزت عن بلوغه طائرات إف 16 والقنابل الفسفورية والانشطارية.


(1)

في البدء قالوا إن معركتهم ضد حماس وليست ضد مقاومة الشعب الفلسطيني واستعصائه علي الإخضاع؛ إذ تصور خبراء وحدة الحرب النفسية في المخابرات العسكرية الإسرائيلية التي يشار إليها باسم (أمان) أن الدس والتحريض ضد حركة حماس يمكن أن يؤدي إلي إعلان التمرد عليها وإسقاط سلطتها، لذلك أصبح المتابعون لفضائية الأقصي التابعة للحركة يفاجأون بين الحين والآخر باختراق ترددها وبث مواد دعائية ضد قيادات حماس، تخلع عليهم مختلف الصفات السلبية، وتتهمهم بالجبن والاختفاء عن الأنظار في الوقت الذي تتعرض فيه غزة للقصف. وذكر زميلنا صالح النعامي الصحفي الفلسطيني في رسالة بعث بها من داخل غزة في الأسبوع الماضي أن خبراء الحرب النفسية في الجيش الإسرائيلي لجأوا - فضلاً عن ذلك - إلي دس مواد دعائية لتثبيط معنويات مشاهدي فضائية الأقصي، منها مثلا صورة مرسومة لأحد مقاتلي القسام وهو يرتجف من الخوف والفزع، ثم يفر هارباً من ساحة المعركة، كما لجأوا إلي استخدام تفوقهم التقني لاختراق إذاعة «صوت الأقصي» التابعة لحماس، وتقديم مواد إذاعية أخري تتهم الحركة بأنها «إرهابية»، لا تعنيها مصلحة الشعب الفلسطيني وأنها أداة في يد إيران وعدوة للسلام.

إلي جانب عمليات اختراق البث المرئي والمسموع، قام الجيش الإسرائيلي بإنزال عشرات الآلاف من المنشورات والبيانات المكتوبة باللغة العربية علي التجمعات السكانية الفلسطينية، وتحديداً المناطق التي تشهد مواجهات في بلدتي بيت لاهيا وبيت حانون ومخيم جباليا، والضواحي الشرقية والجنوبية لمدينة غزة... إلخ. هذه المنشورات دعت الفلسطينيين إلي عدم التعاون مع حركة حماس، وعدم مساعدة أو إيواء مقاتليها. بعض تلك المنشورات ركزت علي الحجة التي تلح عليها إسرائيل في مختلف وسائل الإعلام، والتي تدعي فيها أن حماس هي العقبة الحقيقية في سبيل تحقيق السلام الآن، وأنه لولاها لكان حلم إقامة الدولتين قد تحقق، ولكان قطاع غزة قد أصبح يرفل الآن في الازدهار الاقتصادي.

في الوقت نفسه فإن إسرائيل لجأت إلي استخدام وسائل إعلامها الرسمية الناطقة باللغة العربية والتي يتم التقاطها في الضفة الغربية وقطاع غزة وبعض الدول العربية في محاولة تشويه حركة حماس، فالتليفزيون والإذاعة الإسرائيلية باللغة العربية عادة ما يمنحان معلقين يهود يتحدثون اللغة العربية بطلاقة مساحة كبيرة لمهاجمتها ويتهمون قيادتها بأنها تتخذ من مستشفي «دار الشفاء» في غزة ملجأ لها وأن مقاتلي حماس يرتدون زي العاملين في القطاع الطبي، وأن كثيراً من الوحدات في «كتائب القسام» انهارت، وأن نشطاء «الكتائب» خلعوا زيهم العسكري وباتوا يختبئون وسط الناس.

(2)

ليس جديداً ذلك الأسلوب في الحرب النفسية الذي يسعي إلي إثارة الفتنة وتهوين العزائم، ومع ذلك لم تتردد إسرائيل في استخدامه إلي جانب وسائلها الأخري، التي كان من أحدثها الإعلان علي الملأ عن أنها أوقفت الحرب من جانب واحد، وهو إعلان خبيث أرادت به إسرائيل أن تضرب أكثر من عصفور بحجر واحد. فمن ناحية هي أرادت امتصاص الغضب والسخط الذي شاع في مختلف عواصم العالم بعدما ظهرت صور الجرائم البشعة التي ارتكبتها وهتكت بها كل الأعراف والقوانين، الأمر الذي فجر مظاهرات التنديد العارمة، وأدي إلي تراجع صورة إسرائيل وفضح حقيقتها التي ظلت طوال الوقت تحاول إخفاءها تحت أقنعة عدة. وتمثل هذه الخطوة احتيالاً من جانب إسرائيل يحاول أن يعطي انطباعاً بأنها ليست راغبة في استمرار الحرب وساعية إلي إحلال السلام.

من ناحية ثانية فإنها أرادت أن توقف مسلسلاً طال منها أكثر مما قدرت، ولا تكاد تري له نهاية؛ ذلك أن التقارير الإسرائيلية تجمع علي أن الخطة العسكرية الإسرائيلية بنيت علي تقدير يعطي استسلام غزة فترة تتراوح بين ثلاثة وعشرة أيام. وكانت المفاجأة أن الاشتباك استمر طوال ثلاثة أسابيع، ظلت صواريخ المقاومة تطلق خلالها كل يوم علي المستوطنات الإسرائيلية، وظلت عناصر المقاومة تتحدي علي الأرض محاولات التقدم والاختراق، وهو ما أقنع القيادة الإسرائيلية بأن الحرب يمكن أن تطول بما قد يرهقهم ويحملهم أعباء لم تكن في حسبانهم (تكلفهم 200 مليون دولار يومياً) مثل استدعاء الألوف من قوات الاحتياط، وتوفير الذخيرة والعتاد اللازمين لحرب طويلة لم تعتد عليها. إضافة إلي ذلك، فإن إسرائيل أرادت حسم الأمر وفرض واقع جديد قبل أن تباشر الإدارة الأمريكية الجديدة مهامها؛ حيث يفترض أن يتولي الرئيس أوباما منصبه رسمياً من اليوم (الثلاثاء 1/20). ثم لا تنس أن ثمة انتخابات إسرائيلية في العاشر من شهر فبراير المقبل، ويريد القادة الإسرائيليون الذين سيخوضون تلك الانتخابات (ليفني وباراك اللذان يمثلان حزبي كاديما والعمل) أن يجنوا ثمار المعركة التي رفعت من أسهمهم في مواجهة منافسهم الذي يزايد عليهم في قمع الفلسطينيين وسحقهم (بنيامين نتنياهو مرشح الليكود).

وجه الخبث في القرار الإسرائيلي أنه في حين يحاول امتصاص الغضب في الخارج فإنه ينصب كميناً للمقاومة الفلسطينية في الداخل ويظل شاهراً سيف الاحتلال فوق رقابها، ذلك أن وقف إطلاق النار لم يقترن بانسحاب القوات الإسرائيلية من القطاع. وهو ما يعني أن هذه القوات ستظل قابعة في مواقعها داخل القطاع، الأمر الذي يجعل الوضع الراهن أسوأ مما كان عليه قبل الاجتياح حين كانت القوات ترابط خارج القطاع. ولأن قرار وقف إطلاق النار لم يتم بالاتفاق مع الطرف الآخر (الفلسطيني)، فليس فيه أي إلزام، بمعني أن الذي أوقف الإطلاق بإرادته يستطيع أن يستأنف الحرب في أي لحظة بقرار يصدره من جانبه.

من ناحية أخري فوجود قوات الاحتلال داخل القطاع يسبب حرجاً للمقاومة ويشكل مصيدة لعناصرها. فهي إذا مارست حقها في الدفاع الشرعي واشتبكت مع تلك القوات فسيقال علي الفور إنها بادرت إلي خرق قرار وقف إطلاق النار، الأمر الذي يوفر للإسرائيليين ذريعة للقيام بعمليات القمع والتأديب، ومواصلة «الهولوكوست» الفلسطيني، وإذا ما ظهرت عناصر المقاومة في ظل وقف إطلاق النار فإن ذلك سيكشف أمرها ويسهل رصدها، وبالتالي يمكن الإسرائيليين من تصفيتهم واحداً تلو الآخر.

بسبب من كل ذلك فإن إعلان إسرائيل للقرار من شأنه أن يحقق لها مكاسب متعددة، ويضع المقاومة في موقف حرج، ولا يقل عن ذلك أهمية أنه يؤدي عمليا إلي الإطاحة بالمبادرة المصرية وتجاوزها، رغم إعلان رئيس الوزراء الإسرائيلي أن القرار «يتجاوب» مع المبادرة، وهو تجاوب لا يخلو من خبث؛ لأنها دعت حقاً إلي وقف إطلاق النار، لكنها اشترطت بعد ذلك الانسحاب الكامل من القطاع، وعلي طريقة «لا تقربوا الصلاة»، فإن القرار الإسرائيلي، تجاوب مع الدعوة إلي وقف إطلاق النار، إلا أنه أبقي علي قوات الاحتلال في المواقع التي تمركزت فيها داخل القطاع.

(3)

بعدما فشلت إسرائيل في القضاء علي المقاومة وإسكات صواريخها، فإنها لجأت إلي محاولة تعجيزها وتجفيف منابع قوتها، من خلال الاتفاق الذي وقعته في 1/16 مع الولايات المتحدة لمنع تهريب السلاح إلي غزة. وهو من أغرب الاتفاقات التي يمكن أن توقع بين الدول. ذلك أن موضوعه الأساسي هو كيفية تجنيد الإمكانيات الأمريكية والأوروبية لمنع تسلح المقاومة في بلد واقع تحت الاحتلال. الأمر الذي يعني شيئاً واحداً هو أن إسرائيل أرادت حشد الأمريكيين والأوربيين إلي جانب بعض الدول الإقليمية ليس لضمان أمن إسرائيل المدججة بمائتي قنبلة ذرية، ولكن لضمان استمرار احتلالها القطاع بتكبيل المقاومة وشل قدرتها علي الحركة، وهي حالة غير مسبوقة في التاريخ المعاصر.

غرائب الاتفاقية لا تنتهي، فطرفاها هما إسرائيل والولايات المتحدة، لكن موضوعها يتعلق بشأن مصري فلسطيني، حيث ذكرت الديباجة أن السيطرة علي حدود غزة أمر لا يمكن الإستغناء عنه لضمان وقف القتال في القطاع، ولتهدئة خاطر مصر وتمرير هذه النقطة عليها، فإن الديˆاجة عبرت عن التقدير لموقف الرئيس مبارك - (ولىس الحكومة المصرية) - الذي تمسك فيه بتأمين حدود غزة (اàمقصود التزامه بإغaاق معبر رفح).

من�غرائب الاتفاقية أيضاً أنها <صت في ديباجتها علي أن تسلح المقاومة في القطاع هو السبب المباشر لاجتياحه بواسطة الجيش ا،إسرائيلي، معتبرة أن الحرب جاءت رداً طلي «الإرهاب» الفلسطيني. وبناء علي ذلك التشخيص رأي الطرفان أنه لا سبيل إلي حل مشكلة «الإرهاب» إلا بسد منافذ تهريب السàاح إ،ي القطاع بكل السبل المتاحة. وبعد أن قلب الوضع علي هذه الصورة، واعتبار الاحتلال هو الوضع الذي يحتاج إلي استقرار وتأمين، وأن مقاومته هي المشكلة التي ينبغي القضاء عليها قرر الطرفان ما يلي: > أن يتعاون الأمريكيون والإسرائيليون مع الجيران ومع المجتمع الدولي، أي أن يستنفر العالم بأسره، لمنع السلاح عن المنظمات الإرهابية (منظمات المقاومة)، خصوصاً حركة حماس.

> إلي جانب التوافق علي هذا الموقف فإن الطرفين الأمريكي والإسرائيلي، سيعملان بالاشتراك مع حلف الأطلنطي (الناتو) علي مراقبة وضبط كل مظان توصيل السلاح إلي فلسطينيي القطاع عبر البحر، سواء في مياه البحر المتوسط وخليج عدن والبحر الأحمر وشرق أفريقيا.

> تبادل المعلومات الخاصة بتهريب السلاح للمقاومة من خلال التنسيق بين أجهزة المخابرات التابعة لدول المنطقة وبين أجهزة ومؤسسات الحكومة الأمريكية، وفي م^دمتها القيادة المركزية وقيادة القطاع الأوروبي، إلي جانب قيادة أفريقيا وقيادة التمليات الخاصة.

> تلتزم الولايات المتحدة بت^ديم كافة ُور اàدعم المعلوماتي والفني لإسرائيل، كما تلتزم بتدريب الطواقم الفنية التي ستشارك بها الحكومات المحلية في العملية -(الحكومات لم تحدد)-.

> فيما يخص التعاون العسكري بين البلدين لتنفيذ التزامات الاتفاق فإن مجموعة مكافحة الإرهاب الأمريكية الإسرائيلية ستنهض به، و"ذلك المجموعة السياسية العسكرية المشتركة، كما أنه سيخضع للتقييم السنوي في الاجتماعات العسكرية التي تعقد بين الطرفين لبحث مختلف الأمور التي تهم كلاً منها.

(4)

ما فعلناه بأنفسنا في التعامل مع المذبحة لا يقل تعاسة عما فعلوه بنا؛ ذلك أن أبواقنا السياسية والإڑلامية فشلت في�تشخيص المشهح منذ اللحظة الأولي، فتجاهلت علي نحو كارثي حقيقة استهداف المقاومة والسعي الإسرائيلي لإخضاع القطاع وتركيعه، حتي أستحيي أن أقول إن المنشورات التحريضية التي ألقتها الطائرات الإسرائيلية علي أهالي قطاع غزة، تبنت الخطاب نفسه الذي عبرت عنه كتابات عديدة ظهرت في الصحف المصرية والعربية الصادرة في لندن، وهي التي شغلت باتهام حماس وتصفية الحسابات معها عبر تحميلها المسئولية عما جري، ولم تنشغل بتبصير الرأي العام بحقيقة أن المقاومة هي المستهدفة، والمحتل هو الجاني وهو العدو. ولا أريد هنا أن أستعيد تصريحات مخجلة صدرت عن بعض كبار المسئولين وأعلنت أن حماس لم تستمع إلي النصيحة، وتستحق ما جري لها، في تجريم مدهش للضحية وتبرير مقز’ للعدوان. صحيح أن هذا الكلام المسموم تراجع - (خجلاً ربما) - حين صمدت المقاومة ولم تتعرض للانهيار الذي توقعه المعتدون - (تماماً كما حدث مع حزب الله في حرب لبنان عام 2006م) - وحين تكشفت حقيقة الجرائم البشعة التي ارتكبها الإسرائيليون، حيث حولوا القطاع إلي شلال من الدماء تطفو فوقه�جثث وأشلاء الفلسطينيين.

لقد خذلنا المقاومة منذ ‡للحظات الأولي للاجتياح، وإذا ادعي بعض المسئولين أنهم لم يكونوا ضدها، فالقدر الثابت الذي لا يستطيع أحد أن ينكره أنهم لم يكونوا مطها. كمأ أن أغلب أنظمتنا خذلت شعوبنا أيضاً، حين تقاعست عن إعلان موقف حازم ضد العدوان منذ بدايته، الأمر الذي اعتبره الإسرائيليون ضوءاً أخضر يسمح لهم بمواصلة المذبحة، حتي شجع السيدة ليفني - وزيرة خارجية «العدو» - علي أن تعلن صراحة أنها الآن «تمثل العرب المعتدلين»(!!) - (نيوزويك العدد الأخير الصادر في 20/1).

لقد احتموا بالتقاعس العربي، وفي الفراغ العربي تقدموا وعربدوا كيفما شاءوا، حتي أهانوا أصدقاءهم المعتدلين بوقف إطلاق النار الذي فصلوه علي هواهم، وذهبوا في الاستهانة إلي حد أنهم اتفقوا علي ترتيبات لخنق المقاومة علي حدودنا. ولا تثريب عليهم في ذلك؛ لأننا حصدنا ما زرعناه.

جريمة المحرقة لن تمر

جريمة المحرقة لن تمر
فهمي هويدي


ما حدث قبل ستين عاماً في أيام النكبة يتكرر الآن في غزة.. لكن السلوك الإسرائيلي اختلف في الدرجة في حين أن الموقف العربي اختلف في النوع

بعض الحكومات العربية بدت في التعامل مع العدوان أكثر توافقاً وتناغماً مع الدول الغربية، منها مع شقيقاتها العربيات. وكان ذلك أوضح ما يكون في أصداء قرار مجلس الأمن الأخير بخصوص وقف العدوان علي غزة.


إحدي الخلاصات التي نخرج بها من متابعة المشهد في غزة أنه لا شيء تغير في إسرائيل، لكن العرب هم الذين تغيروا.

(1)

«قتلت ما بين 80 إلي مائة فلسطيني، من النساء والأطفال. الأطفال كانوا يقتلون بتحطيم رؤوسهم بالعصي. لم يكن هناك منزل واحد بلا جثث. أجبر الرجال والنساء علي البقاء في بيوتهم بلا طعام أو ماء. ثم جاء الجنود لكي يفجروا المنازل بالديناميت. أمر قائدنا أحد الجنود بإحضار امرأتين إلي المنزل الذي كان علي وشك تفجيره».. جندي آخر افتخر بأنه اغتصب امرأة عربية قبل إطلاق النار عليها وقتلها. أمر الجنود امرأة عربية أخري معها جنينها بتنظيف المكان لمدة يومين، وبعد ذلك أطلقوا النار عليها وعلي طفلها. القادة المتعلمون من ذوي الأخلاق الحسنة، الذين كانوا يعدون «أفضل الرجال» تحولوا إلي قتلة في معارك الطرد والإبادة التي انطلقت من الاقتناع بأنه كلما كان هناك عرب أقل، كان ذلك أفضل لإسرائيل.

«كان علينا أن نهاجم اللاجئين الفلسطينيين، انقسمنا إلي ثلاث مجموعات، كل واحدة ضمت أربعة أشخاص. شاهدت مع زميل لي عربياً يقف عند منحدر التل. قال لي زميلي جبيلـي: هار، جهز سكينك. زحفنا نحو الرجل الذي كان يردد لحناً عربياً، فسارع جبيلي إلي الإمساك به، وأنا أغمدت السكين في عمق ظهره. رأيت الدماء تتدفق علي قميصه القطني المخطط. ودون أن أضيع أية ثانية، تصرفت تصرفاً غريزياً وقمت بطعنه مرة أخري بالسكين، تأوه الرجل وتمايل ثم سقط مضرجًا في دمائه».

هذان النّصان لا يصفان شيئاً مما يحدث في غزة هذه الأيام، ولكن الأول منهما جزء من شهادة جندي شارك في احتلال قرية الدوليمه الفلسطينية عام 1948، نشرتها صحيفة «دافار» الإسرائيلية في 9/6/1979، أما الثاني فهو مقتبس من يوميات جندي اسمه مائير هارتزيون، تحدث فيها عن تجربته مع الجيش الإسرائيلي في بداية الخمسينيات، التي نشرت في تل أبيب عام 1969، وكانت صحفية «هاآرتس» قد سألته حينذاك عما إذا كان يشعر بوخز الضمير من جراء ما فعل، فنفي ذلك، وقال إن طعن العدو بالسكين «شيء رائع» يمنحك إحساسًا بأنك رجل حقاً. ( القصتان وردتا في ثنايا كتاب صدر مؤخراً عن دار الشروق الدولية حول « إرهاب إسرائيل المقدس»).

(2)

هذا الذي حدث قبل ستين عاماً يتكرر الآن في غزة. لكن السلوك الإسرائيلي اختلف في الدرجة، في حين أن الموقف العربي اختلف في النوع. فإسرائيل ظلت علي موقفها في الفتك بالفلسطينيين واستباحة دمائهم. في الأربعينيات أرادت تهجيرهم والآن تريد تركيعهم. ووقتذاك استخدمت السلاح والآن أضافت إليه الحصار. وما فعله النازيون معهم حين وضعوا اليهود في معسكرات الاعتقال ثم ساقتهم إلي غرف الغاز، فإن الإسرائيليين حولوا غزة بالحصار إلي معسكر للاعتقال، وأقامت لهم محرقة بأسلوب آخر، حيث عمدت إلي قصفهم ودك بيوتهم فوق رؤوسهم من الجو والبر والبحر. بل لم يتورعوا عن ضرب مقرات المنظمات الدولية (الصليب الأحمر ووكالة غوث للاجئين) وقصف سيارات الإسعاف وتصفية المسعفين. الأمر الذي يعني أنهم ضاعفوا من وحشيتهم واستهتارهم وتنكيلهم بالفلسطينيين.

أما اختلاف الموقف العربي في النوع، فيظهر جليًا حين نلاحظ أنه في الأربعينيات كان هناك توافق بين الحكومات والشعوب العربية علي ضرورة مواجهة العدوان الصهيوني. الذي أسفر عن وجهه في منتصف الثلاثينيات، الأمر الذي وفر مناخاً مواتياً لفتح الباب واسعاً لتطوع المجاهدين من أنحاء العالم العربي والاسلامي، ولإشراف الجامعة العربية علي جمع المال والسلاح لمقاومة تقدم العصابات الصهيونية. وهو ما انتهي بإعلان الحكومات العربية في عام 1948 - من خلال اللجنة السياسية بالجامعة - زحف الجيوش المصرية والسعودية واللبنانية والعراقية والأردنية لمساندة شعب فلسطين « لأن أمن فلسطين وديعة مقدسة في عنق الدول العربية»، كما ذكر البيان الذي صدر بهذا الخصوص.

لست هنا بصدد تقييم النتائج التي يعرفها الجميع، لأن ما يعنيني في اللحظة الراهنة هو المدي الذي بلغه اختلاف الموقف العربي علي الصعيد النوعي. فلا الحكومات العربية اتفقت مع بعضها البعض علي مواجهة العدوان، بل عجزت حتي عن أن تعقد قمة لاتخاذ موقف موحد. ولا توافقت تلك الحكومات مع شعوبها، التي مازالت أغلبيتها الساحقة علي الأقل ثابتة علي موقفها الذي عبرت عنه في عام 1948.

الأدهي من ذلك والأمر، أن بعض الحكومات العربية بدت في التعامل مع العدوان أكثر توافقاً وتناغماً مع الدول الغربية، منها مع شقيقاتها العربيات. وكان ذلك أوضح ما يكون في أصداء قرار مجلس الأمن الأخير بخصوص وقف العدوان علي غزة. ناهيك عن اللغط المثار حول الموقف من العدوان ذاته ومن حصار القطاع بوجه عام.

ومادمنا بصدد المقارنة، فإننا لا نستطيع أن نتجاهل في رصد الموقف الغربي، الذي أفزعته الممارسات النازية الألمانية بحق اليهود في أربعينيات القرن الماضي، هو ذاته الذي يقف الآن متفرجاً - بعضه يشجع ويبارك - المحرقة النازية الإسرائيلية بحق الفلسطينيين.

(3)

رغم أن أي تقييم لنتائج المحرقة لا يزال مبكراً، إلا أن ثمة أمورًا برزت في الأفق الآن، بحيث يمكن التعامل معها كمؤشرات مقطوع بها، أو مرجحة عند الحد الأدني. من ذلك مثلاً أن ما جري في غزة لن يمر بسلام، لا عربياً ولا فلسطينياً. وفي هذا الصدد ينبغي أن ننتبه باستمرار إلي أن الشارع العربي يعيش الحدث في غزة يوماً بيوم بل ساعة بساعة. وأذكر في هذا الصدد بأنه إذا كانت إسرائيل تمارس الآن بدرجة أعلي ذات الجرائم التي ارتكبتها في فلسطين، فإن تفصيلات تلك الجرائم لم يتعرف عليها العرب والمسلمون إلا بعد سنوات من وقوعها، وأن الإعلام كان ضعيفاً في أربعينيات القرن الماضي. لكن الأمر اختلف الآن تماماً، لأن الناس أصبحوا يتابعون ما يجري في غزة ساعة بساعة، وفي أحيان كثيرة فإن مشاهد المحرقة تنقل إليهم مباشرة عبر بعض الفضائيات، ولا ينبغي أن يستهان بهذه التعبئة المستمرة التي شحنت الشارع العربي بمختلف مشاعر السخط والغضب. ليس علي إسرائيل وما تفعله، ولكن علي العجز الذي ظهر في مواقف الأنظمة العربية ذاتها. وهذا وجه الخطر في الموضوع.

ذلك أن مواقف الأنظمة العربية، التي وضعت أغلبها موضع الاتهام إما بالتقاعس أو بما هو أبعد من ذلك وأسوأ، أحدثت أزمة ثقة عميقة بين الجماهير وبين تلك الأنظمة. صحيح أن ثمة فجوة تقليدية بين الأنظمة والشعوب في العالم العربي بسبب احتكار السلطة وشيوع الفساد وغياب الديمقراطية، لكن الاتهامات التي أصبحت توجه إلي تلك الأنظمة في ظروف الحرب الراهنة، سواء بالتقاعس أو بالموالاة للطرف الآخر، لم تعمق من تلك الفجوة فحسب، وإنما أفقدتها رصيد الثقة والاحترام. وفي غياب الشفافية وإزاء استمرار التشنج الإعلامي الراهن، لم يتح للناس أن يتبينوا الحقائق. الأمر الذي وسع من نطاق الشبهات وأبقي علي بعض الدول في قفص الاتهام.

لا ينكر في هذا الصدد أن المقدمات التي تعرف عليها الناس كانت عنصراً مساعداً علي تثبيت الاتهامات وإثارة الشكوك. ذلك أن اشتراك بعض الدول العربية في حصار الفلسطينيين بالقطاع، ومنعها إيصال المعونات والمواد الاغاثية إليهم، والتلكؤ حتي في السماح للأطباء المتطوعين بدخول القطاع للمشاركة في علاج المصابين، إضافة إلي التصريحات السياسية البائسة التي عبرت عن التحامل علي الفلسطينيين، وتبرير قيام الإسرائيليين بالمذبحة. هذه العوامل وغيرها أسمهت في تعزيز الشكوك والشبهات. يكفي أنها أثارت عند كثيرين تساؤلات حائرة عن حقيقة مواقف تلك الأنظمة، وهل هي تعبر عن شعوبها حقاً، أم أنها تقف في الاتجاه المعاكس وتعبر عن مصالح ومواقف الأطراف الأخري.

لا أظن أننا عشنا زمناً تعمقت فيه أزمة الثقة في بعض الأنظمة العربية، ولا أثيرت حولها الشكوك والشبهات، كهذا الزمن الذي نعيشه الآن. وذلك وجه الخطورة في الموضوع. ذلك أن شعوبنا التي احتملت في السابق ممارسات كثيرة من الأنظمة المختلفة، يصعب عليها ويهينها ويجرح كرامتها، أن تحتمل طويلاً أوضاعاً من هذا القبيل الذي استجد. لا أعرف بالضبط ما الذي يمكن أن يحدث، لكني فقط أقول أن الممارسات المخزية الراهنة، التي تشعر شعوبنا بالذل والعار، أصبحت تفوق طاقة الصبر عند الناس، خصوصاً أولئك الذين لديهم بالأساس ما يكفيهم من المرارات والأوجاع. وليت الأمر وقف عند حدود المهانة وجرح الكبرياء، لأن المشهد لم يخل من «فضية أيضاً، بعد أن وجدنا فنزويلا تطرد سفير إسرائيل لديها، وموريتانيا تستدعي سفيرها في تل أبيب، وتركيا تعلق اتصالاتها مع إسرائيل، ومهاتير محمد يدعو من ماليزيا إلي مقاطعة البضائع الأمريكية، في حين يسود الخرس عواصمنا، ويخيم عليها «صمت الحملان»!

(4)

هل يمكن بعد الذي جري أن يتحدث أحد عن السلام مع إسرائيل؟ - أرجو ألا يسارع أحد إلي المزايدة علي قائلاً أنني أدعو إلي الحرب، التي لم تستبعدها إسرائيل وتتحسب لها باستمرار، لأن ما أدعو إليه حقاً هو سلام مشرف لا يشترط علينا الركوع أو الانبطاح مقدماً. ذلك أن الجنون الذي مارسته إسرائيل في ممارساتها الوحشية في غزة، لم يهدم فقط بيوت القطاع لكنه أيضاً هدم كل ما حاولت إسرائيل أن تبنيه من أوهام السلام طوال الثلاثين عاماً الأخيرة. وقد شاءت المقادير أن تقدم إسرائيل علي محرقة غزة في العام الثلاثين لتوقيع معاهدة السلام مع مصر (عام 1979)، لتطوي صفحتها وتجهز علي ما بقي لها من آثار، خصوصاً بعدما أصبح السؤال المركزي في العالم العربي: هو أليس من العار رغم الذي جري، أن تحتفظ أي دولة عربية بعلاقات من أي نوع مع إسرائيل؟ - بسبب من ذلك، فلعلي لا أبالغ إذا قلت أن نكسة شديدة أصابت أوهام السلام التي حاولت أن تروج لها إسرائيل. أعادتها خطوات بعيدة إلي الوراء، حتي أزعم أن إسرائيل قد تحتاج إلي عشر سنوات أخري لكي تعود إلي فتح ذات الملف مرة أخري.

الملاحظة الأخيرة في هذا الصدد أن إسرائيل حين أرادت أن تحرق غزة فإنها حرقت أصدقاءها معها، وفي المقدمة منهم أبو مازن وجماعته الذين كان غاية جهدهم منذ وقعت الواقعة، أنهم جلسوا إلي جوار الهواتف يناشدون الآخرين ويستعطفونه، حتي إن أبو مازن لم يجرؤ علي الاحتجاج والإعلان عن قطع مفاوضاته مع إسرائيل. الأهم من ذلك أن الجريمة أعادت اللحمة إلي الصف الوطني الفلسطيني الذي عاني من التصدعات والانقسام. وهي لحمة يمكن أن تنتقل بالوضع الفلسطيني إلي طور مغاير تماماً إذا ما استمرت مقاومة غزة في صمودها الأسطوري. لأن ذلك الصمود إذا ما تحقق فإنه لن يختلف في أثره عن عصا موسي، التي ذكر القرآن الكريم أنه حين ألقاها «فإذا هي تلقف ما يأفكون».


أين أنتم أيها المنافقون


أين أنتم أيها المنافقون
أين غيرة الأكاديميين وشجاعتهم في مواجهة قصف الجامعة الإسلامية بغزة؟ لست صاحب السؤال ولكنه صدر عن اثنين من الباحثين الإسرائيليين المحترمين، أحدهما هو نيف جوردون ـ رئيس قسم العلوم السياسية بجامعة بن جوريون ـ والثاني هو جيف هالبر ـ الذي يقود حركة إسرائيلية ترفض هدم منازل الفلسطينيين ـ وكان السؤال عنواناً لمقالة نشرت في اليوم الأول من شهر يناير الحالي، علي موقع إحدي المجلات الأكاديمية المحترمة التي تصدر في واشنطن باسم «سجل التعليم العالي» ـ «ذا كرونيكال أوف هاي أديوكيشان».

في المقالة التي وجهت إلي الأكاديميين الأمريكيين قالا ما يلي: لم نسمع صوتاً لأحد من رؤساء 450 جامعة في الولايات المتحدة احتج علي قصف القوات الإسرائيلية للجامعة الإسلامية في غزة، في حين أن هؤلاء انتقدوا وأدانوا بشدة قرار أساتذة الجامعات البريطانية، الذي أصدروه في عام 2007 ودعوا فيه إلي مقاطعة الجامعات الإسرائيلية، لقد استنفر هؤلاء بشدة فعقدوا المؤتمرات والفعاليات وقدموا عديداً من العرائض الاحتجاجية، حين أعلن الأكاديميون البريطانيون قرارهم الذي اعتبروه متعارضاً ومهدداً للحريات الأكاديمية، لكنهم سكتوا وأغمضوا أعينهم وصموا آذانهم، حين انهالت الصواريخ علي مباني جامعة غزة.

وأضافا: أين أنتم أيها المنافقون الآن؟ لماذا سكتم وسكت معكم ألف أستاذ جامعي في مختلف أنحاء العالم، ممن وقفوا ضد قرار الجامعات البريطانية في الوقت الذي قصفت فيه الجامعة الإسلامية بغزة ست مرات؛ وانتقدا وسائل الإعلام التي لم تسلط الضوء علي تلك الجريمة البشعة، خصوصاً أن جامعة غزة لها أهمية خاصة تكمن في أن إسرائيل تمنع أبناء غزة من تلقي العلم في الضفة الغربية، وهو ما يعني أن تدمير الجامعة سيمنعهم من مواصلة تعليمهم العالي، واستشهدا في ذلك بواقعة منع إسرائيل لسبعة دارسين من غزة رشحتهم مؤسسة فوليرايت للدراسة في الولايات المتحدة، وبعد وساطة السيدة كوندوليزا رايس ـ وزيرة الخارجية الأمريكية ـ تم السماح لأربعة فقط منهم بالسفر، الأمر الذي يكشف المدي الذي ذهبت إليه سلطة الاحتلال الإسرائيلي في حرمان أهل غزة من متابعة تعليمهم العالي.

دحض الرجلان مزاعم إسرائيل التي ادعت أن الجامعة تستخدم معاملها في تحضير المتفجرات، وقالا إنه حتي إذا صح ذلك فإن جامعات أمريكا وإسرائيل أيضاً تعمل لصالح المجهود الحربي وتطوير التطبيقات العسكرية ويتم تمويلها من البنتاجون والشركات الحربية ووزارة الدفاع، وذهبا إلي أبعد في القول إن أغلب جامعات العالم للأسف تشارك في المجهود الحربي والأبحاث العسكرية بتطوير الأسلحة وإنتاجها، وليس هذا مبرراً أبداً للقيام بقصف الجامعات.

في خطابها الموجه إلي رؤساء الجامعات الأمريكية قال الأستاذ نيف جوردون وجيف هالبر: نرجو منكم عدم توجيه أي حديث بشأن تدمير الجامعة الإسلامية إلي رؤساء الجامعات المصرية لأن مسألة الحريات الأكاديمية تمثل خطاً أحمر عندهم، وأكثرهم يستهجنها، كما أن بعضهم لا يتفهمونها، وربما كان بعض هؤلاء أكثر تجاوباً معكم لو أنكم طلبتم منهم التوقيع علي عريضة الاحتجاج علي مقاطعة إسرائيل أكاديمياً، كما نرجو منكم ألا تطلبوا منهم أي إدانة لقصف الجامعة الإسلامية بغزة، لأن ذلك خارج عن التفويض الممنوح لهم من الأمن، أضافا في هذا الصدد: أنكم يجب أن تحمدوا الله لأنكم لا تعملون في الجامعات المصرية، وإلا لتعقبكم الأمن وفتحت لكم الملفات في لاظوغلي «مقر أمن الدولة»، وإذا تحدثتم في مسألة الحريات الأكاديمية فسوف يتم إبلاغ مكتب المخابرات المركزية والأمريكية والموساد بأسمائكم.

كما ننصحكم بألا تتحدثوا في موضوع الجامعة الإسلامية مع السيد أبوالغيط والنظام الذي يعمل له لأنه سيعتبر كلامكم عبثياً وأنكم حمساويون تعملون ضد مصالح مصر وتحالفها مع السيد أولمرت وعباس، وسيقنعكم بأن من واجبكم كإسرائيليين ألا تدافعوا عن حماس التي يعرف جيداً أنها المتسبب الوحيد في كل ما يحدث!

فى زمن الفتنة


في زمن الفتنة
فهمي هويدي

لا يفاجئنا الاجتياح الإسرائيلي، بقدر ما يصدمنا التفسخ العربي الذي يستدرجنا إلي فتنة لا قبل لنا بها، والوهن الذي كشف عن تناقضات تجعل الحليم حيراناً.

(1)

هل يعقل مثلاً أن تنقض إسرائيل علي غزة لتسحقها، وفي ذات الوقت ينطلق القصف الإعلامي العربي العربي، حتي يقول أحد المعلقين الإسرائيليين (زفاي باريل في هاآرتس 29 ديسمبر) إن من يتابع الإعلام المصري يخيل إليه أن المعركة بين مصر وحماس، وليس بين إسرائيل وحماس. لقد فطن أبو مازن إلي هذه المفارقة، فاصدر قراره بوقف الحملات الإعلامية بين فتح وحماس، بعد خمسة أيام من التراشق العبثي،

الذي تبنت فيه بعض الأبواق في رام الله نفس مقولة السيدة تسيبي ليفني - وزير خارجية إسرائيل - وكوندوليزا رايس - الوزيرة الأمريكية - التي ما برحت تؤكد أن حماس هي المسئولة عما جري. قرار أبومازن كان عاقلاً، وإن جاء متأخراً خمسة أيام، وإن احتاج إلي تكملة تتمثل في وقف الحملات الأمنية أيضا وإطلاق أكثر من 600 معتقل لديه.

ما حدث في الساحة الفلسطينية يستحق أن يحتذي به في بعض الدول العربية الأخري، وبوجه أخص في مصر والسعودية. وأرجو في هذا الصدد أن نلاحظ أمرين، الأول أن الانقضاض الإسرائيلي الراهن وإن أعلن عَّرابوه أنه موجه ضد حماس، إلا أنه يستهدف فكرة المقاومة في أساسها. آية ذلك أن إسرائيل قبل أن تحاول قتل قادة حماس، حرصت علي أن تشيع أكبر قدر من الدمار والترويع بين سكان القطاع. ناهيك عن أنها قبل الحملة العسكرية واصلت حصارها الإجرامي لغزة، لتجويع أهلها وتركيعهم، وإقناعهم بأن في المقاومة مقتلهم وليس حلمهم أو عزتهم.

الأمر الثاني المهم أن مظاهرات الغضب التي خرجت في أنحاء العالم العربي والإسلامي تظل علامة صحة وعافية وأن تخللتها تجاوزات تفهم في سياق الانفعال والحماس الزائد. وحين أصاب الموقف المصري بعض رذاذ ذلك الانفعال، فإنه ينبغي أن يستقبل من جانب القاهرة -شأنها في ذلك شأن كل الكبار- بتفهم ورحابة صدر. علما بأنه يمكن تصويب التجاوزات بأسلوب مهذب ورصين يصوب ولا يصعد. ويحتوي ولا يشتبك. وللعلم فإن الانتقادات التي وجهت إلي الموقف المصري يتردد أكثرها في الصحف المصرية المستقلة والمعارضة، لكنها تقابل بصبر مقدَّر.

ومن الأمور التي تلفت النظر في هذا السياق، أن نقد الموقف أو السياسة من جانب بعض المتظاهرين في الخارج، اعتبره البعض إساءة إلي مصر. وهو أمر يستحق إعادة النظر لكي يعطي حجمه الطبيعي. إذ لا ينبغي أن يختزل الوطن في قرار أو أشخاص بذواتهم، لأن مصر الباقية أكبر من كل ذلك. والذين يطوفون بأرجاء العالم العربي ويحتكون بالمشاعر العربية في كل مكان، يعون هذه الحقيقة جيدا. وكما أن هناك في مصر من ينتقد أوضاعًا بذاتها في البلد، في حين لا يتردد في أن يفدي البلد بحياته، فإن نفس الشئ حاصل في العالم العربي، حيث يقف محبو مصر والغيورون عليها في مقدمة ناقدي بعض أوضاعها، منطلقين في ذلك من أملهم في أن تستعيد عافيتها ودورها في تجسيد حلم الوطنيين العرب، الذين يستشعرون اليتم في غيابها.

إن السياسة الأمريكية في عهد الرئيس جورج بوش لقيت من النقد والتجريح ما لم يحدث في أي مرحلة اخري، وبوش شخصيًا تعرض للضرب بالحذاء في بغداد، ولم يقل أحد أن شيئًا من ذلك إهانة للولايات المتحدة، بل إن كثيرًا من المثقفين الأمريكيين اعتبروا ممارسات بوش أكبر إساءة لأمريكا - وما حدث مع بوش يسري بذات القدر مع نيكولا ساركوزي في فرنسا وجوردن براون في إنجلترا وغيرهما من زعماء الدول الديمقراطية، التي تعتبر الإهانة الحقيقية أن يختزل الوطن في شخص أو سياسة بعينها.

(2)

خذ أيضًا ذلك الفصام المدهش الذي يعيش في ظله العالم العربي الآن. فالجماهير العربية تقف كلها الآن في صف الغضب والنقمة علي إسرائيل وما ترتكبه من جرائم يومية. بينما الأغلبية الساحقة في القمم العربية تعيش في واد آخر، يخيم عليه الهدوء والدعة، الأمر الذي يعطي انطباعًا قويًا بأن المسافة شاسعة للغاية بين الجسم والرأس في العالم العربي، وأن التحام الاثنين بات ضرورة ملحة، حتي لا يبدو أحدهما غريبًا عن الآخر.

لقد سئلت أكثر من مرة في الفترة الأخيرة، لماذا لم يؤد الغضب العارم الذي يجتاح العالم العربي إلي تحريك السكون في بحر العرب الراكد. وكان ردي من شقين، أولهما أنغضب الشارع العربي والأصوات العالية التي تتردد فيه، اخترقت ذلك السكون، فأوصلت صوت الشارع الي مسامع القادة العرب، كما أنه كان ولا يزال لذلك الصوت صداه في العالم الإسلامي، فضلا عن العالم الخارجي. والصور التي نشاهدها علي شاشات التلفزيون صباح مساء - شكرا لقناة الجزيرة- دالة علي أن صوت الغضب العربي لم يذهب سدي، وأن هناك من يتسلم الرسالة فينتبه وينتفض متضامنًا مع شعب غزة الصابر والصامد.

ولئن قيل أن الغضب لم يغير شيئا في المواقف العربية المعلنة - فإن هذه الملحوظة تبدو صائبة تمامًا، ولكنها تكشف عن حقيقة أخري يتعين الانتباه إليها، تشكل الشق الثاني في إجابتي عن السؤال سابق الذكر. هذه الحقيقة تتمثل في أن المجتمعات العربية ما زالت أضعف من أن تؤثر في القرارات السياسية التي تتعلق بمصيرها. ان شئت فقل إنها باتت عالية الصوت وقليلة الفاعلية. فهي تُحدث ضجيجًا ولا تغير واقعًا. صحيح أن ذلك الضجيج يختزن في أعماق الإدراك العربي، لكن ذلك المخزون قد يستغرق وقتًا طويلاً لكي يتحول من فكر إلي فعل. وهذه الثغرة لا سبيل إلي علاجها إلا من خلال الحل الديمقراطي الذي يفتح الأبواب لتقوية المجتمع بما يجعله شريكًا في القرار وقوة ضغط حقيقية تعلق عليها آمال الإصلاح والتغيير، ذلك أن المناخ الديمقراطي الذي يفتح الأبواب واسعة لتنامي دور القوي السياسية والمؤسسات المدنية والمنظمات الاهلية. يوفر للمجتمع تلقائيًا «العضلات» التي تمكنه من فرض إرادته، بحيث يصبح شريكًا لا تابعًا وفاعلاً لا خانعًا.

(3)

خذ كذلك ما جري حين أراد العرب أن يتواصلوا فيما بينهم لاتخاذ موقف إزاء المذبحة الإسرائيلية، فأدركوا أنه لا سبيل الي تحقيق ذلك إلا إذا تمت الاستعانة «بصديق» من غير العرب. في الوقت ذاته اكتشفنا نحن «المشاهدون» العرب أن الأطراف الفاعلة التي تتحرك علي المسرح السياسي العربي، كلها من غير العرب. إذ فوجئنا حين وقعت الواقعة أن ثمة فراغًا عربيًا هائلاً، وأن اللاعبين الحقيقيين في تلك الساحة الفارغة هم الجيران الأتراك والإيرانيون والإسرائيليون، إضافة إلي القوي الغربية بمختلف مسمياتها.

لقد دعا الأتراك لإصلاح ذات البين بين المتخاصمين العرب، وحمل الدعوة التي فوجئت بها أنقرة السيد أحمد أبوالغيط - وزير الخارجية المصري - الذي قدم إليها أفكارا للتعامل مع الأزمة الراهنة، التي لم تكن تركيا طرفًا فيها. وكان يمكن أن تنتقل هذه الأفكار مباشرة إلي دمشق وإلي قيادة المقاومة الفلسطينية، ولكن مصر وجدت نفسها أمام لحظة استثنائية لم تستطع فيها أن تخاطب تلك الأطراف العربية، فلجأت الي الوسيط التركي، الذي لا سابق خبرة له بالتناقضات العربية العربية، وانحصرت خبرته فيما حققه من نجاح في حل الصراعات التركية مع الجيران بمن فيهم سوريا والعراق وإيران.

إنني هنا أسجل المفارقة فقط، منبهًا إلي أنني لست ضد الوساطة التركية، لاقتناعي بأن الوسيط التركي سيكون أكثر نزاهة واستقامة من وسطاء آخرين أخفوا تحيزاتهم عن الأعين، فأفسدوا أكثر مما أصلحوا. ومن ثم أصبحوا جزءًا من المشكلة وليسوا جزءًا من الحل. لقد تمنيت أن تتم الوساطة التركية في ظروف أفضل، ومع ذلك ادعو إلي تشجعيها والتجاوب معها، لكن لا أعول عليها كثيرًا، لأن الأمور أشد تعقيدًا وتركيا حديثة الخبرة بالخرائط والصراعات العربية-العربية.

(4)

التناقضات ظهرت بصورة أشد وضوحًا حين طرحت فكرة عقد القمة العربية للبحث فيما يمكن أن يفعله القادة العرب في مواجهة المذبحة الإسرائيلية. ذلك أن صيغة المحاور ظهرت علي الفور في الأفق، ولاحت بوادرها أثناء اجتماع القمة الخليجية التي تمت في مسقط. ففي حين تحمس بعض القادة لانعقاد القمة العربية، فإن آخرين عارضوا الاقتراح. وفيما علمت من بعض من شاركوا الاجتماع فإن المؤيدين تطلعوا إلي أن يتوافق الزعماء العرب علي خطوات عملية في مواجهة العدوان، وتردد أن أحدهم راودته فكرة التلويح بسلاح النفط، من خلال اقتراح تخفيض إنتاجه أسوة بما جري في عام 1973، حيت ذهب الملك فيصل رحمه الله إلي أبعد، وقاد حملة وقف إنتاج النفط وتصديره إلي الدول الغربية، تعبيرًا عن التضامن مع الرئيس أنور السادات.

الذين عارضوا الاقتراح انتقدوا رفض استمرار التهدئة، وحملوا حركة حماس بالمسئولية عما جري. وذهب أحدهم إلي أنها وحزب الله يتحركان في إطار المشروع الإيراني. بل إن أحد وزراء الخارجية انفعل أثناء المناقشة ووصف المقاومين في حركة حماس بأنهم «شرذمة» لا تتوقف عن إثارة القلاقل في المنطقة.

فيما علمت أيضًا فإنه حين تصاعد الخلاف بين الطرفين، طرح اقتراح دعا إلي الاسترشاد برأي أحد الزعماء العرب في الموضوع. ورشحت شخصية خليجية من مؤيدي عقد القمة للقيام بالتشاور المطلوب. وحين تمت الاتصالات التمهيدية للقيام بالمهمة، فإن الرد جاء سلبياً، فلم يعقد اللقاء، وصرف النظر عن الاقتراح.

في تلك الأثناء كانت الدعوة قد أطلقت لعقد اجتماع طارئ لوزراء الخارجية العرب ولم يكن باعثًا علي التفاؤل في البداية أن يتحدد موعد الاجتماع بعد مضي أربعة أيام من وقع المذبحة (بدأت يوم السبت والاجتماع عقد يوم الأربعاء)- وكانت وجوه بعض الوزراء الخارجيين في ختام الاجتماع، وعلامات خيبة الأمل التي ظهرت عليها معبرة بشكل كاف عما دار في الجلسة المغلقة. ذلك أن الحوار الذي دار كان صورة مكبرة لما حدث في قمة مجلس التعاون الخليجي. ومن طريف ما حدث بعد الاجتماع أن أحد وزراء الخارجية العرب أجري اتصالاً هاتفيًا بإحدي القنوات الفضائية لكي يعلن علي شاشتها براءته من البيان الذي صدر باسم الوزراء.

أسوأ ما في البيان الذي خيب آمال الذين أحسنوا الظن بالاجتماع، خصوصًا في أعقاب الخطبة العصماء التي ألقاها السيد عمرو موسي في بدايته، أن وزراء الخارجية نفضوا أيديهم من المشكلة وأجهضوا فكرة اجتماع القمة العربية. وكانت وسيلتهم إلي ذلك أنهم قرروا الاحتكام إلي مجلس الأمن أولاً، وقالوا في بيانهم إنهم إذا فشلوا فإنهم سيتشاورون في مسألة القمة بعد ذلك. وهم أكثر العارفين بأن مهمتهم فاشلة، لأن الفيتو الأمريكي يتربص بإيقاف أي محاولة للتعبير المتوازن عن مظلومية الشعب الفلسطيني، وهو ما حدث بالفعل.

كانت النتيجة أن العرب عجزوا عن أن يخاطبوا بعضهم البعض فوسّطوا تركيا. وتنصلوا من عقد القمة العربية بإحالة الأمر إلي مجلس الامن. ثم راحوا يلومون المجلس لأنه تباطأ أو سّوف في اتخاذ القرار الذي يريدونه، في حين أن المجلس اقتدي بهم، ولم يكن موقفه أفضل من موقفهم هم.

المصالحة العربية قبل الفلسطينية



المصالحة العربية قبل الفلسطينية

كتب : فهمى هويدى  30/12/2008

لا يستطيع المرء أن يخفي قلقًا مضاعفًا علي مصر في العام الجديد. مرة بسبب الهم الاقتصادي الذي نسأل الله أن يلطف بنا فيه. ومرة بسبب تداعيات الانفعالات التي نتمني علي أهل السياسة أن يكبحوا جماحها ويسعوا إلي ترشيدها. وإذا كان العالم يشهد الآن مراجعات أساسية لقواعد الأداء الاقتصادي بعد صدمة الانهيار الذي شهده سوق المال في الولايات المتحدة. فأحسب أننا بحاجة إلي إجراء مراجعة مماثلة لمسار الأداء السياسي بعد الانقضاض الإسرائيلي الوحشي علي غزة.

أدري أن البعض في مصر يئسوا من إجراء تلك المراجعة المنشودة لأسباب أتفهمها، لكنني أنبه إلي أن الأداء السياسي المصري خلال العام الذي نودعه لم يخل من بعض الومضات التي تفسح المجال للأمل في إمكانية إصلاح العطب الذي أصاب بوصلة التحرك السياسي. تمثلت تلك الومضات في مؤشرات الحضور السياسي المصري علي الصعيد الإقليمي، في لبنان والسودان ومسعي المصالحة الوطنية الفلسطينية (الذي لم يحالفه التوفيق) والدعوة إلي اجتماع الدول المطلة علي البحر الأحمر للنظر في مكافحة القرصنة التي نشطت علي الحدود الصومالية.

 

هذا النشاط المحدود أثار انتباه بعض المعلقين، خصوصًا أولئك الذين يفتقدون دور مصر ويتمنون أن تستعيد دورها ومكانتها. من هؤلاء كان الأستاذ «رغيد الصلح» المثقف اللبناني البارز الذي نشرت له صحيفة «الحياة» الللندنية في 27/11 مقالاً تحت عنوان: «كيف تستطيع مصر استعادة ثقلها العربي؟»، في هذا المقال قال الكاتب: إنه إذا كان من الصعب أن تسترد مكانة حازت عليها خلال القرن الفائت، عندما كانت أولي دول المنطقة في الثروة والنظام الديمقراطي البرلماني والتحرر الوطني والريادة الثقافية والفكرية، أي علي كل صعيد من أصعدة التقدم، فإنه ليس هناك ما يحول دون تنمية مكانتها العربية، بحيث تكون علي الأقل أولي بين متساويين. وذكر أن القوة الإقليمية التي ينبغي أن تسعي اليها مصر هي تلك التي تستمد من دعم دول المنطقة وشعوبها وتضامنها معها، وتعبر عن مواقفها ومصالحها في المجتمع الدولي. وبعد أن استعرض الكاتب بعضًا من معالم التحرك المصري الإقليمي علي مدار العالم تساءل عما إذا كان التحرك مجرد ممارسات محكومة بأوانها، أم أنها تعبر عن استراتيجية واضحة المعالم والأهداف؟


2

خلال الشهر الذي أعقب نشر المقال شهدت الساحة المصرية تطورات شككت في الإجابة عن السؤال، إذ بدت القاهرة منفعلة ومتجهة إلي التصعيد والتسخين علي ثلاث جبهات هي: حماس وحكومة غزة، وسوريا وإيران. وهذا التسخين عبر عنه الإعلام الرسمي والصحف القومية بصورة خرجت علي المألوف. وبصرف النظر عن تقييم مواقف تلك الأطراف، فإن الحوار النقدي الذي عبرت عنه وسائل الإعلام الرسمية وشبه الرسمية في مصر - ولا يجادل أحد في أنه صدي للموقف السياسي- بدا واضحًا فيه أنه متجه إلي الصدام والقطع، وليس إلي التصويب والوصل- وللأسف فإن الأسلوب الذي استخدمته بعض الأقلام المحسوبة علي السلطة لم يهبط بمستوي الحوار النقدي فحسب، وإنما أساء إلي صورة بلد كبير كمصر يتوقع الآخرون منه حواراً أرقي، ورؤية أكثر نضجاً تتحري المصالح العليا، وتفرق بين العدو والشقيق أو الصديق، وبين تناقضات أساسية ينبغي الانتباه إليها، وتناقضات ثانوية ينبغي تجاوزها والاستعلاء فوقها.

إن أخطر ما في المبالغات التي عبر عنها الإعلام الرسمي والقومي في مصر، أنها صورت الاختلاف في المواقف والاجتهادات السياسية مع هذه الأطراف الثلاثة بحسبانه تناقضاً أساسياً، وتجاهلت أن التناقض الأساسي الحقيقي هو بين هذه الأطراف جميعاً وبين إسرائيل بالدرجة الأولي. الأمر الذي أوقع بعض المشاركين في حملة التحريض والتهييج في أخطاء مشينة، كان من بينها مثلا أن أحدهم اعتبر أن حصار غزة مسئولية إيرانية وسورية بأكثر منه مسئولية إسرائيلية.

ولا أريد أن أسترسل في عرض أمثال تلك النماذج المخجلة، حتي لا يظن أنها تعبر عن مواقف المثقفين المصريين، لأنها في حقيقة الأمر لا تعبر إلا عن مواقف الذين اختارتهم السلطة بمواصفات معينة ليكونوا أبواقاً لها في ظرف تاريخي خاص.

المدهش في الأمر أن الإعلام المصري يصعِّد الاشتباك مع هذه الأطراف الثلاثة، في حين يزداد التعاطف الأوروبي مع المحاصرين في غزة، وتتحدث الإدارة الأمريكية الجديدة عن حوار مباشر مع إيران وسوريا. وتمد فرنسا جسورها مع سوريا بما مكنها من أن تقوم بدور الوساطة بينها وبين لبنان. أما الغريب وما يتعذر تصديقه، فهو ما نشرته صحيفة «الحياة» اللندنية في العناوين الرئيسية للصفحة الأولي من عدد 25/12، من أن الرئيس مبارك أبدي تحفظاً علي الوساطة الفرنسية بين سوريا ولبنان. ونقلت عن مصدر تابع زيارة رئيس الوزراء الفرنسي فرنسوا فيون لمصر، أن الرئيس مبارك قال له إن فرنسا تخطئ إذا اعتقدت أن سوريا تسعي لاستقرار لبنان، لأنها تريد السيطرة عليه. ورغم خطورة التصريح الذي تشتم منه رائحة التحريض المصري علي سوريا، فإن أحداً لم يكذبه من القاهرة.


3

سألت أكثر من واحد من الدبلوماسيين المخضرمين والخبراء في مصر: إلي أين يذهب هذا التصعيد؟!، ووجدت أن حيرتهم لا تختلف كثيراً عن حيرتي، إذ لم يستطع أحد منهم أن يتنبأ بنهاية ذلك المطاف. لكن واحداً فقط قال إنه يمكن أن ينتهي بوضع خطوط فاصلة بين معسكري «الاعتدال» والتطرف في العالم العربي، بحيث يصطف الموالون لأمريكا وإسرائيل في جانب والمعارضون في جانب آخر. ومعروف أن وزيرة الخارجية الأمريكية كوندوليزا رايس كانت قد أطلقت هذا التصنيف لأول مرة في شهادة لها أمام الكونجرس عام 2007، ثم اختبرت الفكرة بنجاح نسبي في عام 2008، وقد تدخل حيز التنفيذ بحيث تصبح جزءاً من الخريطة السياسية للمنطقة في العام الجديد (2009).

الآخرون أبدوا تحفظاً علي تأييد هذا التقييم، ومنهم من حذر من استباق الأحداث قائلاً بأنه من الحكمة انتظار وضوح موقف الإدارة الأمريكية الجديدة، التي تبني رئيسها فكرة الحوار المباشر مع إيران وسوريا (لتأمين الانسحاب من العراق) الأمر الذي إذا تحقق فقد يسفر عن نتائج تغير من الخرائط المطروحة في الوقت الراهن.

رغم الحيرة في التنبؤ بمصير التصعيد الراهن، فالقدر الثابت أن الأمور وصلت إلي درجة تورث شعوراً قوياً بالخزي والخجل. ذلك أن الجسور تقطعت في العالم العربي، والمعايير انقلبت بحيث أصبح من السهل أن تجئ تسيبي ليفني وزيرة الخارجية الإسرائيلية إلي القاهرة وتطلق منها تهديداً بتدمير الفلسطينيين (لا يعلق عليه وزير الخارجية المصري!)، في حين يبدو من الصعب في ظل التسخين الراهن أن يتبادل وزيرًا الخارجية المصري والسعودي الزيارات مع وزير الخارجية السوري.

هذه اللقطة الأخيرة تستدعي إلي أذهاننا مشهداً مماثلاً في الساحة الفلسطينية. ذلك أن السيد أبو مازن له خطوطه المفتوحة ولقاءاته المستمرة مع القادة الإسرائيليين، لكنه لا يزال يرفض بشدة أن يجتمع مع قادة حركة حماس الذين انتخبهم الشعب الفلسطيني. ولا يبدو أن مثل هذا اللقاء بين الإخوة الأعداء يمكن أن يتم في الأجل القريب.

إذا دققت في الحالتين فستجد أن الموقف فيهما واحد، بمقتضاه انقلبت الآية، بحيث أصبح الغريب قريباً والقريب غريباً، ولم يخل الأمر من الاستعانة بالغريب علي القريب. وهي حالة ليست شاذة في التاريخ العربي والإسلامي. فقد شهدت بلاد الشام والأندلس قبل سقوطهما تقاطعات بين الولاة المسلمين أوصلت بعضهم إلي الاستعانة بالصليبيين والفرنجة ضد إخوانهم المسلمين، الأمر الذي انتهي بهزيمة الجميع واندثارهم.


4

في أكثر من خطبة ألقاها الرئيس مبارك هذا الشهر تكرر نداؤه للفلسطينيين داعياً إياهم إلي التصالح وإنهاء الانقسام فيما بينهم. كما أن الخطاب السياسي العربي باختلاف مصادره ما برح يردد هذه الدعوة، حتي قال أمين الجامعة العربية السيد عمرو موسي وأكثر من مسئول ومعلق عربي بأن الانقسام الراهن من شأنه أن يصيب القضية في مقتل، بما يؤدي إلي تصفيتها في نهاية المطاف. رغم أن أحداً لا يستطيع أن يعبر عن سعادته بالانقسام - باستثناء الإسرائيليين وغيرهم من المنتفعين به بطبيعة الحال- إلا أنني أزعم بأن ما يهدد القضية الفلسطينية حقاً هو الانقسام العربي قبل الانقسام الفلسطيني، وأن العواصم والأصوات العربية التي ما برحت تصيح منددة بالانقسام الفلسطيني وخطره علي القضية يريد بعضها علي الأقل أن يغطي بعلو الصوت الانسحاب من القضية والتفريط فيها.

إن الانقسام وارد دائماً في صفوف الحركات الوطنية وحركات المقاومة بوجه أخص. والصراع بين الأجنحة المنقسمة له تاريخ طويل في أوساط المناضلين والساحة الفلسطينية ليست استثناء في ذلك، إذ عرفت الانقسام منذ الثلاثينيات في مواجهة الاحتلال البريطاني، خصوصاً بين جماعة النشاشيبي والحسيني. بل إن أسرة النشاشيبي شكلت وقتذاك جناحاً مسلحاً باسم «فصائل السلام»، كانت تلاحق الثوار من أتباع الحسيني وتسلمهم إلي الإنجليز، بمقتضي «التنسيق الأمني» معهم، إذا استخدمنا مصطلحات هذا الزمن!. ومن ذلك الحين تتابعت الانشقاقات التي أفرزت في السبعينيات حالة دموية مثلها صبري البنا (أبونضال) الذي قتل العشرات من الشخصيات الفلسطينية.

طوال تلك التقلبات ظلت حرمة القضية مصونة لا تمس لسبب جوهري، هو أنه كان هناك سياج عربي ظل مسانداً للتحرير والمقاومة طوال الوقت. صحيح أنه كان هناك تمايز في المواقف والاجتهادات، لكن أياً منها لم يمس صلب القضية وثوابتها، حتي في ظل هزيمة يونيو عام 67، ومنذ وقعت اتفاقية كامب ديفيد بين مصر وإسرائيل في عام 1979حدث أول اختراق في السياج العربي، الذي كان بداية لانفراط الإجماع حول القضية، وانفتاح الأبواب حول الاجتهاد حتي في ثوابتها، حتي وجدنا قيادة فلسطينية تصف العمليات الاستشهادية بأنها «حقيرة»، ووجدنا آخرين يساومون علي الأرض وعلي حق العودة. كما وجدنا دولاً عربية تسهم في بناء الجدار العازل وتوفر النفط والغاز لآلة الحرب الإسرائيلية، التي تسحق الفلسطينيين.

حين انهار السياج العربي انهار البيت الفلسطيني وأصبح التفريط في ثوابت القضية والمساومة عليها يتم جهاراً نهاراً أمام كل الأعين. الذي لا يقل أهمية عن ذلك وخطورة أن الشقاق العربي صار سنداً للتشرذم الفلسطيني ونقطة الضعف الحقيقية في ملف القضية. الأمر الذي يدعونا إلي القول بأن الانقسام الفلسطيني لن يلتئم عقده إلا إذا تصالح العرب أولاً، خصوصاً محور «القاهرة - الرياض - دمشق»، وهو المثلث الذهبي الذي باتصال أضلاعه يؤمن السياج للقضية، وبانفصالها تصبح القضية في مهب الريح، وذلك هو الحاصل الآن.