‏إظهار الرسائل ذات التسميات هيثم مناع. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات هيثم مناع. إظهار كافة الرسائل

العالمي والغربي في العدوان علي غزة

هيثم مناع
أعاد العدوان علي غزة بهمجيته، وتواطؤ أطراف غربية وعربية بشكل مباشر أو غير مباشر عبر موضوعه "الحرب علي الإرهاب"، وهي المقولة الأكثر خطرا علي الحريات والحقوق منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، أعاد الصراع بين اتجاه عالمي يعتبر الشرعة الدولية لحقوق الإنسان والقانون الإنساني الدولي مرجعه الوحيد، واتجاه غربي مُسيطر عليه بشكل أو بآخر من مجموعات الضغط الصهيونية والمؤسسات الحكومية الغربية.
أبرز هذا العدوان من جديد الصراع بين فكرة إعلام موضوعي يسمع أكثر من صوت، وإعلام موجه يسيطر عليه صوت واحد. بين منظمات غربية النشأة دولية التكوين ومنظمات دولية التصور سواء كان تكوينها دولياً أو إقليمياً. بين الحديث عن السلام وحقوق الإنسان ومأسسة الدعم لعدوان عسكري مفضوح علي شعب مُحاصر، بالتأييد المباشر للمجرم أو بإعاقة جهود إدانة المعتدي. ذلك في تغييب جوهري لما كان في صلب نشأة حقوق الإنسان: واقعة أن المقاومة حق والعدوان جريمة.
مجموعات الضغط الموالية لإسرائيل تعمل بكل الوسائل: فهي تسعي للمشاركة والحضور في عدة مؤسسات لتفرمل العمل، تطالب بمقاطعة العديد من التجمعات بدعوي العداء للسامية أو التطرف الديني، تتحرك لاحتكار وسائل الإعلام والتهديد المباشر أو غير المباشر لكل من يتوجه لإسماع الصوت الفلسطيني أو الحقوقي. ومع اشتداد الحملة الشعبية والمدنية لنصرة الشعب الفلسطيني في غزة، جرت عدة تعديلات في أساليب العمل. فمثلا وفي الوقت الذي تتحدث فيه أكثر من 100 منظمة وكونفدرالية غير حكومية وأكثر من ستين نقابة محامين عن ضرورة تحرك المدّعي العام للمحكمة الجنائية الدولية أوكامبو من تلقاء نفسه، وبطلب من أطراف مصدقة علي ميثاق روما، يتم تحريك أكثر من صهيوني من الأوساط الحقوقية ليقول برفض هكذا مسيرة، ومن الأفضل الذهاب إلي جنيف والحديث أمام مجلس حقوق الإنسان أو الاكتفاء برسالة مفتوحة لتوفر الجهد! وكأن هذا يحُول دون ذاك أو يمنع تعدد المبادرات. لكن الصحافة تأخذ التصريح، فتسمي المنظمات المدنية التطوعية التي تتحرك ضد مجرمي حرب الدولة العبرية "منظمات موالية للفلسطينيين" وتشير لمن يتحرك بالحد الأدني بصفته يمثل منظمة حقوقية متزنة.
هذه المهزلة نفسها نجدها حين يوظف أكثر من صحفي صهيوني وسائل إعلام تابعة للدولة (يدفع المواطن في أوروبا ضريبة الإعلام من مرتبه) بحيث تغدو الإذاعة الفرنسية في خدمة الجيش الإسرائيلي، عبر ما فعله إيفان ليفاي علي راديو "فرانس إنتر" (ثلاثة أيام تضامن مع إسرائيل) أو يفعله فنكلكراوت علي راديو "فرنسا الثقافة" كل يوم سبت. والأنكد، اللجوء إلي ما يسمي بالإضراب السلبي. فحين يزداد القصف علي غزة نجد أكثر من موظف صهيوني في مؤسسة حقوقية يصاب بالمرض لإعاقة بيان أو تحرك، أو يترك العمل لأسباب طارئة. وقد وصلتني شكاوي من عدد من الذين حاولوا إيصال رسالة لمنظمات حقوقية غربية، واعتذرت هذه حتي عن تسلم رسائلهم طالبة إرسالها بالبريد(!). لا يتسع المجال هنا لتعداد مختلف وسائل التحايل والتوظيف والاستعمال من أجل حماية الدولة العبرية. ومع ذلك عندما لا ينجح كل هذا يخرجون آخر سلاح سحري بوجه المطالبين بتحرك تضامني: "ما تقومون به يعزز العداء للسامية في أوروبا"!
لن أنسي في حياتي معركة خضناها كمجموعة من المناضلين الأمميين (ضمت الأمريكي جيمس بول وإرسكين شايلدرز والفرنسي رولان فيل مع أفارقة وأمريكيين لاتينيين)، ضمن نطاق إصلاح ودمقرطة الأمم المتحدة منذ نهاية حرب الخليج الثانية، حول ضرورة توسيع صلاحيات الجمعية العامة، وإلغاء تقليد أصبح يسمي "حق الفيتو" هو ليس بحق في أي مؤسسة تعتبر من وظائفها دمقرطة المؤسسات. وكنت قد طالبتُ في الفيدرالية الدولية لحقوق الإنسان بأن يحتوي بيان الذكري الخمسين للأمم المتحدة هذا المطلب. لكن يومها أعادوني للمأثورة المتداولة "الشرق شرق والغرب غرب، ولن يلتقيا" التي لها في أوساط حقوق الإنسان مدافعون. فقد استنفر أبناء الشمال كلهم باستثناء شخص واحد يحق له التصويت (البريطاني مايكل إيلمان) دفاعا عن حق الفيتو للدول الدائمة العضوية. وتحرك ممثل اللوبي الصهيوني يهمس في أذن هذا ويتمتم لذاك عن خطورة تبني قضية كهذه. وبكل أسف تم التصويت في منظمة لحقوق الإنسان ضد التعرض لحق الفيتو.
نلاحظ أنه يوجد في كل منظمات حقوق الإنسان التي يمسك بمفاصل المسئولية الفعلية فيها عناصر من اللوبي الموالي لإسرائيل، تحفظات أساسية تُذكرنا بالتحفظات البريطانية الأربعة: عدم السماح لأي حملة تمس الدولة العبرية بتجاوز خطوط حمراء، مثل اعتبار الإسرائيلي والفلسطيني في نفس الدرجة كضحية ولكن ليس كطرف سياسي، توزيع المسئولية بين الضحية والجلاد، عدم تقديم مكافأة لفلسطيني دون وضع إسرائيلي بجواره، سد الطريق علي أي تحرك يطالب برفع المنظمات الفلسطينية من قائمة الإرهاب (للعلم هذه النقطة موجودة قبل ولادة حماس وقبل 11 سبتمبر وعانينا منها عندما طالبنا بالتعامل بشكل طبيعي مع الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين التي أسسها الدكتور العلماني واليساري جورج حبش وهو من أسرة مسيحية)، تحجيم الوجود الفلسطيني ما أمكن في المنظمات الدولية (وقد نجحنا في كسر هذه السياسة بفرض انتساب المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان كعضو كامل العضوية في الفيدرالية الدولية مثلا بعد شهرين من تأسيسه وكانت سابقة)، تسليم منطقة الشرق الأوسط لصهيوني أو مسئول تحت السيطرة، وتشويه سمعة كل من يحاول إعطاء الانتهاكات المرتكبة من الدولة العبرية بحق الفلسطينيين والعرب حقها، رفض أي عقوبة بحق الدولة العبرية، فمثلا عندما نطالب بإلغاء الاتفاقية الأوروبية الإسرائيلية الموقعة في 8 ديسمبر 2009 يخرج علينا من يقول: نحن نطالب بعدم وضعها موضع التنفيذ إلا عند وقف إطلاق النار، وآخر يقول لا تعزلوا إسرائيل فالاتفاقية مُفيدة للضغط عليها. ثم تخرج الصحافة بالقول "توجد خلافات عميقة بين راديكاليين يطالبون بإلغاء الاتفاقية أمام المحكمة الأوروبية الابتدائية، وأصوات معتدلة ومتعقلة تتحدث عن تأخير تنفيذها لحين وقف إطلاق النار" (كذا). طبعا، بعد نجاح الإعلام الغربي في شيطنة حماس منذ وصولها إلي السلطة في انتخابات ديمقراطية، أصبح من المعتاد اتهام كل من يدافع عن علاقات طبيعية مع الحكومة الفلسطينية، بما في ذلك حكومة الوحدة الفلسطينية، بالتعامل مع منظمة إرهابية. بل جري التعرض، في منظمة تدعي بأنها للعمل الإنساني الخيري، بالنقد لمن ينسق مع وزير الصحة الفلسطيني في غزة باسم نعيم، لأنه "يطبع مع منظمة إرهابية"!
رغم أن منظمات الجنوب تشكل اليوم الأغلبية الكاسحة في كل ما يسمي بالاتحادات والتجمعات الدولية لحقوق الإنسان، فهي ما زالت للأسف مشتتة الأصوات ومخترقة من عرب الخدمات ومتأثرة بالمكاسب السريعة كمنصب هنا أو مساعدة مالية هناك. لذلك نجدها غير قادرة علي إسماع صوت يعبر عن موقف عالمي يشبه ما يتخذ من مواقف عندما يتعلق الأمر برواندا أو كمبوديا أو روسيا مثلا. وما زالت التنظيمات العربية المنخرطة في هذه التجمعات غير قادرة علي تحديد استراتيجية عمل أممية واضحة، تنطلق من مبادئ حقوق الإنسان ومن معرفتها الدقيقة بالمأساة الفلسطينية والجرائم الإسرائيلية. لذا، لن نسمع صوت التجمعات الدولية في الأزمات الفعلية وسنجدها تُستنفر لاعتقال مواطن إيراني أكثر مما تتحرك لجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في فلسطين <

قِصَر نظر" أوباما أمام اختبار غزة


قِصَر نظر" أوباما أمام اختبار غزة
هيثم مناع
في غمرة العدوان الإسرائيلي على غزة، جرى افتتاح سفارة الولايات المتحدة الاميركية في بغداد، كأكبر سفارة اميركية في العالمين العربي والإسلامي. وقد غادر السفير الاميركي أحد قصور صدام حسين الى مقر عمله الجديد الذي يستوعب من الموظفين والخبراء أكثر من كل البعثات الديبلوماسية العربية في بغداد بمرات عدة. وبهذا العمل الرمزي، تُذكرنا الإدارة الاميركية الراحلة أن الاحتلال هو الاحتلال وانتزاع السيادة ليس أغنية أو قصيدة هجاء. فالإدارة الاميركية لم تدفع ما دفعت من أجل عيون العرب والكورد، وإن كان لأوباما أن يوقف بعض النزيف المادي والمعنوي لبلده في وقت يرث فيه أزمة اقتصادية لا سابق لها واحتلالاً في العراق وآخر في أفغانستان وطريقاً مسدوداً في فلسطين، فإن هذا الرئيس الوسيم الذي بهر العالم بكونه أول ملون يعتلي منصب الرئاسة، لن يكون وفق كل المؤشرات، وأولها اختبار العدوان على غزة، التغيير أو الحلم أو الأمل. بل لعله وفق ما نملك من مؤشرات بما في ذلك فريق عمله التقليدي، بكل المعايير، مجرد رئيس إدارة وقف التدهور ووضع الرتوش والترقيعات الضرورية لإعادة زخرفة الحلم الاميركي.
رغم كل الأهمية التي توليها مراكز القرار الاميركي للعراق والدول النفطية الخليجية، فإن الحليف الأول والمقياس الثابت لكل من دخل البيت الأبيض كان توثيق التعاون والدعم لإسرائيل. من هنا في الرد على السؤال ما إذا كان أوباما مشروع تغيير أو مشروع تجميل، أجاب أحد العرب الاميركيين بجملة بسيطة: "التغيير الاميركي النوعي لا يمكن أن يمر فوق البيت الفلسطيني". فالقضية الفلسطينية كالمارد كلما حاولت الدولة العبرية اختصارها في حلمها اللاواعي (الهنود الحمر)، تعود إليها أكثر حضورا وأكثر قوة. وعوض أن تسمع صوت ثمانية ملايين فلسطيني، ها هي اليوم تسمع أصوات أكثر من مليار إنسان يقولون: كلنا فلسطينيون.
حتى اليوم، كانت إسرائيل قوة إقليمية وحيدة في المشروع الاميركي، وقد اعتبرت عند الجمهوريين والديموقراطيين مربط الفرس لسياسة الولايات المتحدة في المنطقة. طبعا، ومنذ اتفاقات "كمب ديفيد"، لم تعد المشكلة، حتى في البروباغندا الإسرائيلية والصهيونية، تكمن في الدفاع عن حق الدولة العبرية في الحياة، وإنما في توسعها الجيو سياسي والاقتصادي ودورها الأمني والعسكري في المنطقة، بعد تفتيت فرص دولة فلسطينية جديرة بتسمية دولة على الأراضي الفلسطينية المحتلة بعد حرب 1967. لكن إسرائيل ومنذ عام 2000 في حالة تقدم عسكري وتراجع سياسي ومجتمعي معمم، وهي لا تحمل أي فكرة حضارية أو ثقافية مقبولة حتى من مكوناتها التي تنحسر أكثر فأكثر في قراءات غيبية للذات والآخر. "جدار الفصل العنصري" الذي تقوم ببنائه هو الرمز لقطيعتها البشرية والثقافية والسياسية مع المحيط لأنها لا تحمل، رغم غرورها الأعمى، أية أوهام عن إمكان تحولها قوة تفاعل حضاري. وهي تخوض في مشاريع استيطان وفق برامج الأطراف الأكثر عنصرية وتطرفا في الكيان الصهيوني، ويقوم جيشها بمحاصرة وتقطيع أوصال كل ما يجعل الفلسطيني قادراً على العيش بشكل طبيعي، وها هي أمام أنظار العالم تحطم كل ما في طريقها وهي تخوض عدوانا بربريا على قطاع غزة. إن ما انحدرت إليه الدولة العبرية في خطابها الإيديولوجي عن الأمن والديموقراطية ومناهضة الإرهاب يتعرى ببشاعة الممارسات الوحشية التي تجعلها لا تثق بأقل من تغييب الآخر كقوة مادية كشرط لبقائها. الآخر كجسر ومصنع ومدرسة ومزرعة وبئر ماء ومجتمع مدني. بهذا المعنى نستجوب الرئيس الاميركي الجديد، وبهذا المعنى أيضا نذكره بأن "الحقد على الاميركي" رغم كل عمليات التطويع والتركيع لسماسرة حكمٍ وقلمٍ هنا وهناك، ما زال أقوى من كل الخطابات العقلانية عن المجتمع الاميركي. ولا شك في أن أي خطاب أمريكي جديد سيصطدم بالضرورة بحقيقة أن العميل الإقليمي الرسمي (الدولة العبرية) قوة بدون أية حكمة سياسية، تتمتع بتضخم سرطاني عسكري ترافقه حالة استعصاء سياسي، وشعور بالتفوق خالٍ من القيم الأخلاقية والحقوقية الأساسية للعصر، بكلمة أخرى، تل أبيب تجسد كل ما اعتبره العالم شؤما في الإدارة الاميركية الراحلة.
إذن، مهما كان حجم التغيير عن سياسة بوش-تشيني، فإن ميزان حرارة السياسة الجديدة مرتبط بشكل عضوي بالقضية الفلسطينية. لكن هذا الميزان لن يكون محصورا في غزة أو رام الله، فبالنسبة للمجتمعات المدنية على الصعيد العالمي، لا يمكن اختزال مصائب المحافظين الجدد بمواقفهم في فلسطين والعدوان على لبنان. وهناك عشرات الأسئلة المهمة التي تجنب الرئيس الاميركي الإجابة عليها في حملته الانتخابية منها للمثل لا للحصر: هل يقبل بملاحقة الاميركيين المتهمين بجرائم حرب في قوات حفظ السلام؟ هل هو على استعداد لإلغاء أكثر من سبعين اتفاقية ثنائية مع دول صدقت على النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية كي لا تحاكم الاميركيين على أراضيها؟ هل سيطالب بمحاسبة قوات الاحتلال في العراق وأفغانستان في جرائم الحرب؟ هل سيقبل بلجنة دولية للإشراف على الأنترنيت بدل هيمنة دولته عليها؟ هل سيوقف إرهاب الحرب على الإرهاب المتجسد بوضع العمليات في 7800 مؤسسة مصرفية تحت الرقابة وتجميد أموال عشرات المؤسسات الخيرية الإسلامية وتقييد الحقوق الدستورية بقرارات "قراقوشية" اتخذها سلفه مثل إلغاء حق الإحضار habeas corpus والاعتقال بالأدلة السرية والسماح بالضغط على المعتقلين لأخذ المعلومات (التعذيب في اللغة الحقوقية)؟ هل سيستمر في فرض تعهدات على أية جمعية غير حكومية تنال مساعدة أمريكية أهلية أو حكومية بعدم التعامل مع أي طرف تتهمه الإدارة الاميركية بالإرهاب؟ وهل ستستمر السجون السرية ويغلق غوانتنامو لذر الرماد في العيون؟
ومن كل هذه الأسئلة، ثمة سؤال مركزي يتعلق بمستقبل الديموقراطية في العالم، هذا السؤال يعود إلى أكبر انتهاك للحقوق والحريات قامت به إدارة بوش، بإعلانها الأمن معيارا لسياستها الداخلية والخارجية على حساب الحرية. وكما يقول الفيلسوف الإيطالي جيورجيو أغامبن في رده على هذا الزلزال السياسي والإيديولوجي: "لقد أصبح الأمن المعيار الوحيد للشرعية السياسية. فكرة الأمن تحمل في طياتها خطرا أساسيا. إن أية دولة تجعل الأمن غاية أساسية ومصدر شرعية هي مجرد جسم هش، جسم يسمح للتعرض المستمر لتحريض الإرهاب ليصبح بدوره إرهابيا".
قصر نظر أوباما لم يسمح له حتى الآن بإبصار تحول الدولة الأمنية الإسرائيلية إلى دولة إرهابية بكل معاني الكلمة، ولن يسمح له بقراءة ما كتب الأديب الياس خوري في معمعان العدوان على غزة: "لم يعد السلام ممكنا، لأن اسرائيل لا تريد سلاما، بل تريد هيمنة مطلقة وترهيبا متواصلا. لذا فان العقلانية الوحيدة في مواجهة النار والوحشية والدمار هي المقاومة".

الدم الفلسطيني يوم السبت كاشير



الدم الفلسطيني يوم السبت كاشير
هيثم مناع

في الثقافات اليهودية قديمة ومعاصرة، أشكنازية وسفرادية، يوم السبت هو يوم الرب والعبادة، لا يجوز فيه العمل ومحظور فيه البحث عن المنافع الدنيوية الرخيصة. هو يوم الراحة الذي يصبح أكل الحلال فيه أكثر التزاما (في العبرية حلال: كاشير) ويخصص للعبادة والتصدق ويجوز فيه مساعدة محتاج أو نصرة مظلوم. في هذا اليوم، وهو أقدم شعيرة في التاريخ استمرت حتى يومنا لفكرة العطلة الإسبوعية، يراجع اليهودي نفسه فيما فعل ويحاسب نفسه قبل أن يحاسبه الله يوم لا ينفع وساطة أو شفيع. في هذا السبت المقدس 27/12/2008، بين عيد الميلاد ورأس السنة الميلادية، وقبل نهاية العام الستين لتوقيع الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وفي الساعة الحادية عشرة صباحا باشرت خمسون طائرة حربية إسرائيلية قصف نقاط استهداف لخمسين هدف حكومي وأمني في غزة تبعها بعد نصف ساعة هجمات لستين طائرة حربية على ستين هدفا إضافيا. واستمرت الهجمات لكن الساعة الأولى تكفلت وحدها بكسر الأرقام القياسية الإسرائيلية السابقة لكي تبدأ أكبر مجزرة بحق الفلسطينيين انطلقت في ساعة زمنية قياسية منذ حرب 1967.
السبت عبري والدم فلسطيني والقتل حلال (كاشير). وزير الخارجية البريطاني ينسى حرمة السبت ويصبح علمانيا، وكذلك زميله الفرنسي، المؤسسات اليهودية الصهيونية تبحث عن ألف مبرر ومبرر لجعل اختراق حرمة السبت المقدس من صميم الدين عبر شيطنة الفلسطينيين وتصوير غزة بوصفها تورا بورا الإرهاب الدولي. لا تنتظروا من مجلس الأمن إدانةً تسمي جنسية راكب القاذفات المقاتلة، ولا تنتظروا من خليل زاده (وهو بالصدفة أول مسلم يمثل الولايات المتحدة في مجلس الأمن) أن يطالب المعتدي بوقف العدوان، بل لا تنتظروا من العديد من عرب الخدمات في الأوساط الحكومية وأحيانا غير الحكومية، استنكارا لا يذّكر ويقسم الأيمان الغليظة على أنه لم يتوقف عن إدانة قتل المدنيين من أي طرف كان، وأنه إن يطالب بوقف 'إطلاق النار' فقد طالب بالأمس حماس بالتهدئة ولو من طرف واحد.. فحماس هي المجرم وهي القاتل الأول والأخير، ولأن هذا الفلسطيني قد صوّت في انتخابات حرة لحماس، فهو المجرم الثاني.. وأمام المجرمين يصبح 'الحق' في ارتكاب كل الجرائم حلالا في الدين والدنيا!!
ألم تقل لكم ليفني بأنها قد أعلمت كل من يهمه الأمر من المسؤولين العرب والغربيين بما سيفعل جيشها يوم السبت الأسود وبعده؟ وأن المشكلة ليست وقف الصواريخ البدائية بل قلب الأوضاع في غزة؟ أين ذهبت صرخات المطالبة بموقف حضاري ومتمدن التي سمعناها يوم حذاء الزيدي؟ أم أن الحصار حلال والخناق حلال والقتل حلال عندما يتعلق الأمر بالفلسطيني؟ الصمت على الاستيطان والصمت على التسلح الفائق والصمت على هدم ما هو فلسطيني بل حتى الصمت على الترانسفير لعرب 48 كل هذا صار من شروط المدنية والانتماء إلى نادي الاعتدال والمنطق والعقل و'الشرعية الدولية' ؟
قبل انتخاب حماس بخمسة عشر يوما، أصدرت المفوضية الأوروبية تعميما سريا بعد اجتماع في منتصف كانون الأول (ديسمبر) آنذاك يقول بأن نجاح حماس في الانتخابات التشريعية الفلسطينية يعني بشكل اتوماتيكي قطع المساعدات الأوروبية الرسمية عن الشعب الفلسطيني (بالطبع هذا القرار تم اتخاذه سرا من جانب واحد ودون قيد أو شرط). فكيف يمكن أن نصدق مسؤولا أوروبيا يتحدث عن ضرورة دفاع الدولة العبرية عن نفسها من صواريخ القسام وقد حدد معسكره مسبقا.. كل التهدئات كانت تحترم فلسطينيا، أو لنقل بتعبير آخر، كما هو الحال في كل دول العالم، الطرف الأضعف عسكريا يحترم اتفاقيات وقف إطلاق النار أكثر من الطرف الأقوى. كل الحيل على تقديم اعتراف بالمحتل يحمي ماء الوجه للمقاومة الإسلامية تم اللجوء إليها.. كل التنازلات الممكنة من وقف عمليات الاستشهاد الذاتي إلى ضبط المجموعات المسلحة الفلسطينية من الفلسطينيين أنفسهم في غزة والضفة أيضا حدثت.. لكن وكما يقول المثل الشعبي: عنزة ولو طارت.. لا مكان لهذه الحركة السياسية في خارطة المنطقة، لذا مطلوب التخلص منها عاجلا أو آجلا.
يحق للإسرائيلي أن يصوت لنتانياهو وأحزاب الترانسفير والمافيا الجيورجية بل والمومسات الروسيات. وليس من حق الفلسطيني أن يختار في قيادته السياسية إلا من يرضى عنه عدوه. ولأول مرة في التاريخ المعاصر، يعتقل من النواب والوزراء فوق المئة ولا نسمع شكوى أو احتجاج من منظمات مهمتها الدفاع عن منتخبي الشعب وممثليه؟ لأول مرة ترتكب جرائم متتالية بحق الإنسان الفلسطيني ترتقي كلها لجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية والعالم يتحدث عن ضرورة وقف العمليات العسكرية من الطرفين. لأول مرة يقتل زيد عمر فيطالب العالم عمر بوقف العدوان؟ هل يقامر العالم بكل إنجازاته مقابل إرضاء هذه الدولة العدوانية المركبة بقرار من الأمم المتحدة ودعم القوى الكبرى؟
لا يمكن الحديث عن صمود وانتصار أو هزيمة.. فالمعارك العسكرية في الأسلحة الحديثة ليست مبارزة متكافئة.. شعب تحت الحصار منذ انتفاضتين، وتحت الخناق منذ 18 شهرا، 80' منه تحت خط الفقر ومعظم الأدوية الضرورية للجرحى والمرضى غير متوفرة والطاقة الكهربائية تتحطم محطاتها منذ اعتقال الجندي شليط أما المواد الأساسية فتقدم بالقطارة.. فعن أي توازن في القوى يمكن أن نتحدث؟
إن ما يحدث كفيل بزرع كل طاقات الحقد والكراهية الممكنة تجاه قوة تحصل على ما تريد وعندها ما تريد وما لا تريد، مقابل شعب محروم من أبسط عناصر البقاء على قيد الحياة.. زرع هذا الحقد ليس فقط في المنطقة العربية والعالم الإسلامي، بل عند كل ضمير حي في العالم.. ومن المضحك بعد كل عدوان مشابه أن يطرح السؤال: لماذا أنتم ضد التطبيع؟ لماذا أنتم ضد دولة صارت قوة إقليمية وأمرا واقعا؟ إلى متى سيبقى العربي في أوهام فلسطين؟
تعيد أحداث غزة لأوليات كادت تنسى حق الاسترجاع، وتذكر من لا ذاكرة له بأن هذه الدولة المشوهة المسماة إسرائيل لا يمكن أن تتعامل مع الجوار إلا بمنطق القوة، وبالتالي عرض عضلاتها في الهدم والقصف والقتل لكل من لا ترضى عنه. طاحونة العنف هذه تقوم منذ ستين عاما على مبدأ بسيط هو ضرورة قتل الشبيه (أو من جئت مكانه) وفق نظرية رونيه جيرار في 'العنف والمقدس'. فزراعة شعب في أرض لشعب آخر يعني في أية إيديولوجية تفوق أن هناك شعبا زائدا عن الضرورة، وكل وسائل التخلص منه مشروعة. هنا تصبح عملية الإبادة الجماعية باردة بالاستيطان والحواجز والحصار وضرب مقومات الحياة للآخر، وساخنة بالتهجير والقتل والحرمان من أوليات البقاء على قيد الحياة. وفي كل أزمة، يظهر في الوعي واللاوعي الإسرائيلي السائد، هذا المخزون العدواني للفلسطيني ينصب الصهيوني رمزيا فوق فكرة الذنب أو الشعور بأي ذنب تجاه حقيقة أن تحت إسرائيل بلد اسمه فلسطين، وأن ما تبقى من هذه الفلسطين هو الذاكرة التي تمنع تزوير التاريخ والواقع. أليس الصديق العزيز لإسرائيل وأحد أقطاب اللوبي الصهيوني في فرنسا جاك أتالي هو الذي قال: 'بالحرب أو بالسلم، إسرائيل كما هي لا مستقبل لها'.
كاتب سوري مقيم في فرنسا