‏إظهار الرسائل ذات التسميات إبراهيم البيومى غانم. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات إبراهيم البيومى غانم. إظهار كافة الرسائل

ليالي الإصلاح بمكتبة الإسكندرية

إبراهيم البيومى غانم
في الليلة الأولي (1 مارس الجاري) لمؤتمر الإصلاح العربي السادس بمكتبة الإسكندرية كاد المشاركون في المؤتمر يروحون ضحية وجبة العشاء التي تناولوها في واحد من أفخر فنادق الثغر، إذ يبدو أنها كانت نصف فاسدة، أو بالأقل "كانت بايتة"، فأصيب أغلبهم بتلبك معوي بدرجات متفاوتة، وفي الصباح كان حديث الاضطرابات المعوية هو سيد التعليقات والثرثرات التي لم تنقطع طوال أيام المؤتمر، ولا أحد يعرف ما الذي كان سيحدث لو أن العشاء كان كامل الفساد.
فاق عدد ضيوف المكتبة في هذا المؤتمر الـ 600 شخص- حسب ما أعلنه مدير المكتبة في إحدي كلماته الافتتاحية- جاءوا من عدد كبير من البلدان العربية ومن مصر طبعاً، شيباً وشباناً، رجالاً ونساءً، بعضهم أصحاب رؤي واختيارات فكرية وسياسية (إسلامية، ويسارية، وليبرالية، وقومية). ومنهم موالون للحكومات علي طول الخط، ومنهم معارضون لها علي طول الخط، وآخرون منهم لا إلي هؤلاء ولا إلي هؤلاء، وإنما هم في حكم "عابري السبيل". ووسط هذا الحشد كان لأعضاء لجنة السياسات بالحزب الوطني الديمقراطي حضور بارز، بعضهم التزم الصمت وآثر السكوت، وبعضهم تحدث حتي قال الحاضرون ليته سكت كزملائه ولم يتكلم.
في الليلة الأولي للمؤتمر أيضاً، وبعد محاضرة بارعة لمدير المكتبة- الحق يقال إنها كانت وحدها التي حملت جديداً من الأفكار في كل ما قيل في المؤتمر- أثار الانتباه بقوة ما قاله في الجلسة الافتتاحية الدكتور صبري الشبراوي- وهو شخصية مرموقة في الاقتصاد والإدارة، فضلاً عن عضويته في لجنة السياسات بالحزب الوطني- فقد أدان منهج الحكومة في إدارة البلاد. وكثّف انتقاده في عبارة موجزة وبليغة للغاية وهي أن "الإدارة الحالية هي إدارة للفقر وتوزيعه"، وتساءل: لماذا يتحدثون دوما عن الفقر فقط، ولا يتحدثون عن مصادر الغني والثراء والموارد الطبيعية والبشرية التي تتمتع بها مصر؟. وقال في حسرة: ليس لمصر أي ترتيب في عالم التقدم الصناعي!، وقال: هل يعقل أن تكون مبيعات محلات كارفور السنوية في مصر 78 ملياراً ينفقها 700.000 مستهلك، وأن يكون إجمالي الدخل القومي لمصر كلها أكثر قليلاً من هذا الرقم؟. وكرّر القول: مصر غنية جداً، فلماذا يتحدثون فقط عن الفقر.. وليه ليه؟". وقد سألته في تعليق علي ما قيل في الجلسة- دون انتظار إجابة منه- وليه ما بيسمعوش كلامك يادكتور شبراوي؟!.
في الليلة الثانية أثار الانتباه أيضاً في جلسة عن التفاعلات العربية العربية، ما ورد علي لسان السيد عدنان عمران- الذي شغل سابقاً ولسنوات عديدة منصب الأمين العام المساعد للجامعة العربية- وهو قوله" عملت طويلاً في العمل العربي المشترك، ولكني أكثر الناس جهلاً بهذا الموضوع"!!. وكان واضحاً أن الرجل لا يتحدث حديث التواضع، وإنما حديث الحيرة والغموض ولم يحاول مجرد محاولة، ولم يلمّح ولو بالقليل إلي سر فشل العمل المشترك. وظل كلامه في عموم العموميات، ويبدو أن "العموميات" هي الدرس الأكبر الذي يعيه كبار المسئولين العرب إذا أرادوا أن يظلوا تحت الأضواء- ولو كانت خافتة- بعد خروجهم من مناصبهم.
في ليلتي المؤتمر (أول وثاني مارس) شوهد عدد من أبرز الأساتذة والمفكرين المصريين والعرب وهم يغطون في نوم عميق أثناء الجلسات. من هؤلاء: أستاذ فلسفة شهير بأقدم جامعة عربية (كان ينتبه بين الحين والآخر علي سماع التصفيق للمحاضر، ثم يستأنف النوم)، وأستاذ قانون لا يقل شهرة بجامعة الزقازيق، وأستاذ آخر بطب قصر العيني وعضو في لجنة السياسات (كان دمه زي العسل، إذ كان يجلس بجواري، وواصل النوم دون انقطاع إلي نهاية الجلسة، ولما انتبه في نهايتها سألني: إحنا فين؟ قلت له: مازلنا في المكتبة. فشكرني، وقال لي: يبقي أنت ما نمتش). ونام أيضاً رجل دين كاثوليكي معروف، إضافة إلي عدد آخر من الحضور. وانتهت ليالي الإصلاح!.
صحيح أن شيوع ظاهرة النوم ليست حكراً علي مؤتمرات الإصلاح بمكتبة الإسكندرية، بل هي في أغلب المؤتمرات، وآخرها المؤتمر الحادي والعشرون للمجلس الأعلي للشئون الإسلامية حيث نشرت بعض الصحف المصرية الصادرة (6 مارس الجاري) صورة تجمع شيخ الأزهر وبابا الكنيسة الأرثوذكسية وهما يغطان في نوم عميق أثناء الكلمة التي ألقاها وزير الأوقاف محمود زقزوق في الجلسة الافتتاحية. فهل يعني هذا أن النوم مشروع في المؤتمرات؟ أم أنه لابد من شرطة متخصصة في مطاردة النوم من أعين المشاركين فيها؟، أم أن المطلوب هو إصلاح منهجية المؤتمرات ذاتها؟

لا صوفية ولا صوفيون



من أول السطر
إبراهيم عيسى

حينما يتصارع المتصوفون (أو الذين يقولون عن أنفسهم إنهم كذلك) علي المناصب فمن المفترض أن نسحب منهم الصفة مع المنصب!

من علامات الساعة المصرية هو هذا المشهد الصوفي الحاصل الآن الذي يعبر عن تناقض حاد وفصام عميق بين الصوفية الحقيقية وبين هذا التكالب الذي نراه من وبين مشايخ الصوفيين علي مقعد ومنصب ونفوذ والذي منه.

الصوفية الحقَّة هي التسليم لله والزهد في إغراءات الدنيا والتعفف عن الإقبال علي مكاسبها وامتيازاتها، الصوفية الحقة هي الوصل بين العبد وربه والقطع بين العبد وانجراره لشهوته في المال والنفوذ والجاه والسلطان، الصوفية الحقة هي أبعد ما تكون عن هذه المأساة الدائرة والكاشفة عن تحول الجماعات الصوفية - كما كل المجتمع المصري - إلي أنهم يقولون ما لا يفعلون، كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون، المجتمع يزعم الإيمان والتقوي وتنتشر فيه ظاهرة الحجاب وإطالة اللحي وارتداء النقاب واقتناء «السبح» والحرص علي الطقوس الدينية والإلحاح في الكلام عن الحرام والحلال وإنتاج واستهلاك الفتاوي، والثرثرة حول الأخلاق في الوقت الذي تنتشر فيه الرشوة في كل مكتب ومصلحة في مصر وفي الوقت الذي تسيطر فيه قيم الفهلوة والعشوائية والعمولات والسمسرة والسكوت علي الظلم والقتل الوحشي والتحلل الجنسي، مفهوم أن تعيش المجتمعات أحيانًا في منحني حضاري هابط، لكن المؤسف أن هذا يجري تحت غطاء التدين القشري والإسلام الشكلي والتمسح في الدين والتظاهر بالورع بينما كل هذا دهان ودخان للتغطية علي صعود وتمكن وتمكين أسوأ ما فينا وأسوأ من فينا علي حياتنا وما فيها!

كثير مِمَّن يتمسَّحون بحبهم لآل البيت النبوي الشريف ويدَّعون أنهم من نسل الأشراف تجدهم خدامًا عند معاوية، وضمن خدم الاستبداد، وتجد ممن يمارس التعذيب أو التزوير أو متورط في قضايا فساد سياسي ومالي ينسب نفسه للأشراف أو يزعم حبًا لآل البيت، وهم ساكتون عن الحق متواطئون مع الفسدة ممالئون ومنافقون للسلطة وماسحو جوخ فكيف يكون الصوفي أو محب آل البيت ضمن آلة الديكتاتورية ومنظومة الاستبداد ومن حماة الفساد والفَسَدة بصمتهم أو بتواطئهم أو بتورطهم مع نظام حكم آخر ما يمكن أن نصفه به هو التصوف؟! فإذا كان حاكم من حكامنا يتمتع بذرة من روح المتصوفة لَخَشَع للرحمن وتذلل للواحد القهار والْتزم العدل وخضع قلبه واستغني عن مقعده وعافه وتعفف عنه وبرَّأ أبناءه وأقاربه من ذنب الجلوس علي مقاعد السلطة وصرف المحيطين به عن اكتناز الذهب والفضة وتراكم الثروات. المفارقة المحزنة والمخزية أن يكون الصوفي بلا صوفية وأن يكون الصوفي درعًا حاميًا وجدارًا واقيًا للاستبداد والفساد، الصوفي الحق هو الذي لا يخشي إلا الله ولا يلهث وراء السلطة ولا خلف ذوي السلطة، بل يجعل السلطة امتحانًا ومحنة ويجعل من نفسه ضميرًا رقيبًا حسيبًا علي كل حاكم ومسئول؛ لأن الصوفي الحق - بزهده وتعففه - أقوي من أي سلطة أو سلطان، أهم من أي حاكم أو محكوم، المؤسف أنه في كل مؤتمر سياسي أو انتخابي للحزب الحاكم تجد المحسوبين علي مشايخ الصوفية يتقدمون صفوف المدح والدعم والتأييد والنفاق، وكأن الصوفية قد تم اختطافها لمداهني سلطة وممالئي حاكم ومنافقي حكم، وهي التي تترفع زاهدة وترتفع عالية وترقي محلقة فوق دنايا الدنيا، (قطعًا لا تخلو الحركة الصوفية من روعة شيوخنا من أبي حامد الشاذلي وحتي شيخنا صالح أبو خليل).

الصوفية ليست ملابس خشنة أو مرقعة ولكنها ليست بِدَلاً إيطالية الصنع كذلك، الصوفية سماحة، لكن ليست تهاونا، الصوفية ليست زهدا مطلقا ولكنها تعفف مؤكد، الصوفية تسليم ولكنه تسليم لله وليست استسلاما لسلطان وحاكم، الصوفية ليست حركة معارضة، لكنها ليست حركة منافقة بَكْماء صمَّاء عن الظلم والاستبداد، الصوفية ليست فقرًا وفاقة لكنها ليست ترفًا وسفهًا، الصوفية ليست مجموعات للهروب من الواقع، بل جماعات لمواجهة الواقع بالحب والوجد لله والانتصار للمستضعفين والاستعلاء علي غرائز الدنيا وغواياتها، الصوفية ليست جماعات تأييد ومبايعة، بل جماعات لإطلاق الأمل وإشراق البركات والمدد، إن نافق الكل لا يجب أن ينافق الصوفي؛ فالوصل مع الله يقطع الوصولية مع البشر، وإن استسلم الجميع لا يستسلم الصوفي؛ فهو يعلم أن نصر الله قادم مع مدده، ومهما استحكمت العتْمة فإن نور الله يسطع في قلب الصوفي فلا يضل، هذا هو الصوفي الحقيقي، بينما ما يسود مجتمعنا هو الزور ذاته الذي زيَّف كل شيء حتي الصوفية والتصوف.. هذا البلد في حاجة فعلا إلي المدد!

عمق «موقعة» دافوس بين أردوغان وبيريز



د. إبراهيم البيومى غانم يكتب:
كثير من أوهام «القوة والضعف» شارك في إزاحتها أردوغان وبيريز.. رئيس الوزراء التركي بصدقه وقوة منطقه والرئيس الصهيوني بكذبه وتهافته وتصوير الجاني بصورة الضحية

رئيس الحكومة التركية ظهر ممتلئاً بالثقة وقوة العزيمة مستشعراً ثقل الأمانة وكأن هموم العالم كله فوق رأسه.. وهذه الملامح نفتقدها تماماً في وجوه الحكام والمسئولين العرب الضاحكين في بلاهة رغم المصائب


أول الأوهام التي بددها أردوغان «وهم قوة الرواية الواحدة التي تحتكرها إسرائيل لوصف مجريات الصراع العربي الإسرائيلي وقال للعالم إن الحقيقة لها رواية أخري

ما حدث في دافوس مساء الخميس 29 يناير الماضي بين أردوغان وبيريز سيسجله التاريخ علي أنه «موقعة» بكل ما تحمل هذه الكلمة من معاني، صحيح أنها موقعة سياسية، ولكنها لا تقل في دلالاتها وأبعادها الاستراتيجية عن المواقع الحربية. خرج أردوغان من هذه الموقعة منتصراً بعد أن أزاح كثيراً من الأوهام التي ظلت مهيمنة علي الرأي العام العالمي«الأوروبي والأمريكي تحديداً»، وفضحت مواقف لكثير من الأنظمة العربية، بل ومواقف بعض الحركات الإسلامية من القضية الفلسطينية، وبرهنت علي أن غطرسة القوة العارية من الأخلاق هي كبيت العنكبوت في وهنه وهشاشته.

قال أردوغان ـ مراراً وتكراراً ـ في تعقيبه علي ما جري في دافوس إنه مؤتمن علي كرامة تركيا، ولن يسمح لكائن من كان أن يمسها بسوء لأنها دولة إقليمية كبري، وإنه مضي زمن النظر إليها كدولة تابعة. «أنا رئيس وزراء تركيا، ولست زعيم قبيلة». هذه هي نوعية الخطاب الذي يتحدث به أردوغان، وهذا هو الموقف الذي ألهب مشاعر الجماهير عبر العالم الإسلامي، ولدي أحرار العالم، ودفع عشرات الآلاف من الأتراك للخروج ليلاً رغم شدة البرد لاستقبال رئيس وزراء حكومتهم الذي انتخبوه بإرادتهم الحرة. وهذه هي المرة الأولي التي يخرج فيها الأتراك بعفوية لاستقبال أحد زعمائهم منذ ما يزيد علي أربعمائة سنة عندما توقفت الفتوحات العثمانية في قلب أوروبا.

كثير من أوهام «القوة والضعف» شارك في إزاحتها كل من أردوغان وبيريز. أردوغان بصدقه وقوة منطقه، وبيريز بكذبه وتهافته. كلام بيريز الذي حاول أن يبرر به عدوان الكيان الصهيوني علي غزة جاء بنفس الطريقة التقليدية التي أسستها الدعاية الصهيونية قبل أكثر من قرن من الزمان علي الأكاذيب وقلب الحقائق، وتزوير الواقع، وتصوير الذات الصهيونية الجانية بصورة الضحية، وتصوير المجني عليه «الفلسطيني» بصورة الجاني.

أردوغان ظهر في دافوس ممتلئاً بالثقة، مستعصماً بقوة الحق التي يؤمن بها، وقوة الوعي بهذا الحق، وقوة العزيمة علي الذود عن هذا الحق في حدود مسئوليته كرئيس حكومة منتخب بإرادة شعبية حرة. ظهر قوياً بيقظة ضميره، مستشعراً ثقل الأمانة التي يحمل عبء أدائها، متجهماً كعادته؛ وكأن هموم العالم كله فوق رأسه. هذه الملامح نفتقدها تماماً في وجوه الحكام والمسئولين العرب، ونجدهم علي الدوام مهما كانت المصائب التي يجرونها علينا، نراهم ضاحكين في بلاهة، مبتسمين في بلادة كلما وجدوا كاميرات الإعلام مسلطة علي طلعاتهم البهية !. عمرو موسي ظهر في الصورة يقهقه قبيل بدء الجلسة التي غادرها أردوغان احتجاجاً علي حرمانه من تفنيد مغالطات بيريز.

بيريز ظهر في مشهد دافوس مفلساً في منطقه، غارقاً في الشعور بغطرسة القوة. وبدا منعزلاً في ذات اللحظة عما حدث في العالم من تغيرات عميقة بفعل ثورة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، هذه التغيرات التي جعلت من المستحيل الاستمرار في احتكار الحقيقة، أو إخفائها أو تزييفها. عزلة بيريز علي هذا النحو جعلته يقدم خطاباً تبريريا للعدوان الإجرامي علي غزة معتمداً نفس استراتيجية التضليل والخداع القديمة، والضرب علي عقدة الاضطهاد التي استخدمتها الصهيونية في وخز الضمير الأوروبي والأمريكي باستمرار. ظهر بيريز مطمئناً إلي أن خطابه سيمر بكل ما فيه من مغالطات كما اعتاد أن يمر الخطاب الصهيوني في كل المحافل الدولية دون أن يتصدي له أحد، وأخذته سكرة غطرسة القوة عندما صفق له الحاضرون في قاعة المنتدي.

أول الأوهام التي بددها أردوغان هو «وهم قوة الرواية الواحدة» التي تحتكرها إسرائيل لوصف مجريات الصراع العربي الإسرائيلي. تدخل أردوغان قال للعالم إن الحقيقة لها رواية أخري، أما الرواية الإسرائيلية فزائفة، وكاذبة، وعيب أن يظل العالم أسيراً لها. بيريز رفع صوته أثناء حديثه أكثر من المعتاد، ولاحظ أردوغان أنه ينظر إليه علي نحو غير لائق، فعاجله بعبارات تجعله يفوق من سكرته قائلاً له: «ارتفاع صوتك هو تعبير عن نفسية متهم. عندما يأتي الحديث عن القتل أنتم تعرفون القتل جيداً». أردوغان وحده فقط من بين زعماء العالم وجد في نفسه الجرأة علي قول ذلك، وتوجيه نقده وتوبيخه علناً للجالسين أمامه في القاعة الذين صفقوا لبيريز لأنهم «يصفقون للجرائم الإسرائيلية. صحيح أن مدير الجلسة ـ صحفي يهودي بالواشنطن بوست ـ لم يمكن أردوغان من إتمام روايته لحقيقة ما جري، ولكن رسالته وصلت للعالم كله، وربما بأسرع مما لو كان أكمل روايته، ومن هنا قلنا إن وهم احتكار إسرائيل لرواية مجريات الصراع انتهي، وأصبح جزءاً من الماضي.

الوهم الثاني هو «إمكانية إضعاف المقاومة بعزلها دوليا»، ومن ثم الاستفراد بها، والاستقواء عليها ليس فقط بالحلف الاستعماري الأوروبي الأمريكي ـ فهذا قديم ولا جديد فيه ـ وإنما أيضاً بحلفاء من الأنظمة العربية ومن دول الجوار. هذا الوهم كثف المسئولون الإسرائيليون التأكيد عليه خلال العدوان الأخير علي غزة، تارة بالترويج لمقولة وجود مصلحة مشتركة إسرائيلية ـ مصرية لمواجهة حماس، وأنه لابد من إضعافها لأنها «تهدد الاستقرار في مصر» ـ كما قال عاموس جلعاد ـ وتارة بتأكيد قادة العدو علي أن «الاعتدال العربي يشارك إسرائيل في حربها ضد حماس» «نيوزويك 11/1/2009». صحيح أن هناك ما يدل علي نجاح السياسة الصهيونية في خلق قاعدة مصالح مشتركة مع محور الاستبداد/الاعتدال العربي، بما يعني عزل المقاومة وتشديد الحصار عليها، غير أن قوة التدخل التركي الذي عبر عنه أردوغان في دافوس جاء ليكسر هذه العزلة، ويهدم فكرتها الأساسية وهي: أن المصلحة المشتركة بين دول المنطقة وإسرائيل تعني عزل المقاومة. هذه الفكرة هدمها موقف أردوغان لأن تركيا ليست فقط من دول الاعتدال في المنطقة، وإنما لها علاقات دبلوماسية كاملة ومصالح اقتصادية وعسكرية كبيرة جداً مع إسرائيل، ولكن لم يمنعها ذلك من الوقوف إلي جانب الحق الفلسطيني، وتبني رواية المقاومة. ويشكل هذا الموقف إحراجاً شديداً لدول الاعتدال العربي الأخري التي تسهم في عزل المقاومة، وقد يدفعها للتراجع عن هذا المسار. لم تخرج تركيا فقط من الصف الساعي لعزل المقاومة، وإنما تصر علي التعامل مع اختيار الشعب الفلسطيني الذي أسفرت عنه الانتخابات التشريعية، وهو اختيار المقاومة التي تقودها حماس بأغلبية تشريعية 65%.

الوهم الثالث الذي أسقطه أردوغان في دافوس من يد بيريز هو «فزاعة الإرهاب». بيريز كرر وصف المقاومة بالإرهاب، وأصر علي دمج العدوان الوحشي علي غزة ضمن ما يسمي «الحرب علي الإرهاب». أما أردوغان فقد طالب المجتمعين في دافوس بضرورة التمييز بين المقاومة والإرهاب، وقلب الطاولة علي بيريز بقوله «عندما يأتي الحديث عن القتل فأنتم أعلم الناس بالقتل»، وسبق له أن وصف عملية اغتيال الشيخ أحمد ياسين بأنه «إرهاب دولة» قامت به إسرائيل، ولم يجرؤ حاكم عربي واحد علي قول ذلك. كرر أردوغان القول في دافوس بأنه «يتوجب علي الرئيس أوباما إعادة تعريف الإرهاب والمنظمات الإرهابية، وتأسيس سياسة أمريكية جديدة في المنطقة وفق التعريف الجديد». هذا الكلام يعني أن تركيا ترفض الإذعان لما تقوله أمريكا وإسرائيل بشأن اعتبار المقاومة مرادفاً للإرهاب. الموقف الأردوغاني في نقد المفهوم الأمريكي للإرهاب يكتسب قوة مضافة من كون تركيا داخلة في اتفاق شراكة استراتيجية وقعته سنة 2006 مع أمريكا، ويسهم كذلك في كسر الحواجز النفسية التي ظلت تحول لفترات طويلة دون إدانة إسرائيل علناً. موقف أردوغان يقول إن نقد إسرائيل ليس ممكناً فقط، وإنما هو واجب والتزام أخلاقي قبل أن يكون عملاً سياسياً. أردوغان قال للعالم بموقفه في دافوس: «إن تركيا لن توضع علي مائدة الطعام ليأكلها النظام العالمي بعد اليوم».

ملامح الجيل الرابع للمقاومة الفلسطينية


إبراهيم البيومى غانم
ما هدمته آلة الحرب الإسرائيلية المجرمة من منشآت ومبان سيعاد بناؤه، وما أراقته من دماء الشهداء والجرحي سيرسم ملامح "الجيل الرابع" للمقاومة الفلسطينية الباسلة وهي في طريقها الطويل نحو الحرية والانعتاق من أبغض وأحقر محتل عرفه تاريخ البشرية.
قتل إسرائيل أطفال غزة هو محاولة متعمدة لقتل ثلاث قيم تصنع المستقبل هي: البراءة، والجمال، والحق. فالبراءة أجمل ما في الطفولة، والجمال أرقي ما في البراءة، والحق أسمي معاني الجمال، ولا تملك الطفولة غير هذه الثلاثة: البراءة، والجمال، والحق. ومزيج هذه القيم الثلاث هو الذي يشكل مستقبل أي أمة. وإسرائيل باستهدافها الأطفال بهذه الوحشية تقول للفلسطينيين بصراحة: لا مستقبل لكم لأنني أقتله هكذا كما ترون أطفالكم صرعي أمامكم!
هذا ما أرادته إسرائيل وفعلته في عدوانها الإجرامي علي غزة بقتل 410 من الأطفال، (32% من جملة الشهداء البالغ عددهم حتي وقف العدوان يوم 18 الماضي 3000 شهيد، إلي جانب 5500 جريح أكثر من 35% منهم أطفال أيضاً). ولكن قوانين التاريخ وتجارب حركات التحرر الوطني تقول إن ما أرادته إسرائيل لن يكتب له النجاح، وإن هذا القتل المروع، وبخاصة قتل الأطفال، هو ذاته ما يعيد إنتاج المقاومة في صورة أقوي وأكثر شراسة في الأجيال المقبلة.
لقد استوعبت حركة التحرر الوطني الفلسطيني ثلاثة أجيال نضالية منذ منتصف الثلاثينيات (ثورة الشيخ عز الدين القسام سنة 1935 من القرن الماضي) حتي اليوم بحساب أن العمر السياسي النضالي لكل جيل هو من خمسة وعشرين إلي ثلاثين عاماً. وتغيرت ملامح كل جيل عن الذي تلاه بحسب تغير الظروف والأحوال التي مرت بها القضية الفلسطينية. وكان كل جيل أشد بأساً، وأكثر صلابة وثباتاً وعنفاً في جهاده للعدو المحتل.
الجيل الأول من المقاومة الفلسطينية (1935ـ 1956 تقريباً)، تشكل من مزيج من الشباب ذي النزعة الوطنية الإسلامية بالمعني الواسع. وكان معظم مجاهدي هذا الجيل من أبناء المُهجَّرين الذين شردتهم العصابات الصهيونية. وكانت أدواتهم القتالية عبارة عن أسلحة بسيطة، وبمستوي متواضع جداً من التأهيل والتدريب القتالي، ودون تدريب أصلاً أو استعداد عسكري بمعني الكلمة في بعض الأحيان. ولهذا كانت نتائج معارك جيل المقاومة الأول هذا متواضعة، والذين التحقوا بالمقاومة من صفوف الجيوش، أو كانت لديهم خبرات عسكرية رفيعة، خذلتهم بعض الأنظمة العربية، أو بددت نتائج جهادهم، أو سرقته منهم.
الجيل الثاني من المقاومة (1967ـ 1987 تقريباً) تشكّل علي أثر الهزيمة التي صعقت الجيوش العربية سنة 1967 ودمرتها في ستة أيام. ومارس الاحتلال الإسرائيلي صنوف القمع لأهالي الأراضي المحتلة في فلسطين. ومن رحم المعاناة تشكل الجيل الثاني من أبناء الشتات الفلسطيني، في إطار"منظمة التحرير الفلسطينية"، التي مارست أعمالها النضالية من خارج الأراضي المحتلة، إلي أن عادت إلي الداخل، بعد اجتماعات مدريد، وفي إطار اتفاقيات أوسلو. تمثل المتغير الأبرز في مسيرة هذا الجيل في ارتفاع وتيرة القمع الإسرائيلي في الضفة والقطاع، وكانت النتيجة هي اندلاع الانتفاضة الأولي (انتفاضة الحجارة) سنة 1987، ومن قلب المحنة والمعاناة بدأت طلائع الجيل الثالث للمقاومة في الظهور، وكان البيان الأول لميلاد حركة المقاومة الفلسطينية حماس سنة 1987 .
الجيل الثالث (1987ـ 2008 تقريباً)، هو جيل انتفاضة الحجارة، وما بعدها انتفاضة الأقصي. وهم أبناء الذين عانوا الإجراءات الوحشية التي مارستها قوات الاحتلال، في إطار سياسة تكسير الأيادي لمنع المقاومة من إلقاء الحجارة علي قوات الاحتلال. إلي جانب مختلف أشكال الاضطهاد الأخري. وبروز الأجنحة العسكرية هو من أبرز الملامح المميزة لهذا الجيل الثالث للمقاومة مثل كتائب عز الدين القسام، وسرايا القدس، وشهداء الأقصي..إلخ. وكلها ظهرت بعد سياسة تكسير الأيدي والأرجل في عهد رابين، حيث انتقلت المقاومة من قذف الحجارة في الانتفاضة الأولي، إلي قذف الصواريخ محلية الصنع، وقذائف الهاون في الانتفاضة الثانية.
اغتالت إسرائيل أغلب قادة الصف الأول في حركة حماس، وعلي رأسهم الشيخ أحمد ياسين، والرنتيسي، وحوصرت حكومة إسماعيل هنية من أول يوم لتسلمها السلطة مطلع سنة 2006 . ولم يتوقف مسلسل القهر والاضطهاد والحصار والتجويع، حتي بلغ ذروته في المجزرة البشعة التي ارتكبتها قوات الاحتلال في غزة.
الجيل الرابع للمقاومة تتشكل ملامحه الأولي هذه الأيام من تحت ركام الدمار ومن وسط بحور الدماء التي أراقتها آلة الموت الإسرائيلية. ولا بد أنه ستكون له إضافته المتميزة إلي تراث المقاومة، حتي تصل إلي تحرير أرضها، طال الزمن أم قصر. أول ملامح هذا الجيل ستتمثل في عمق نزعة الإيمانية في نفوس أبنائه، وهم أطفال اليوم الذين روّعتهم مشاهد القتل والدماء الغزيرة، بلا أدني جريرة، الأطفال الذين أزهقت براءتهم. الملمح الثاني لهذا الجيل سيتمثل في الرغبة الشديدة في الانتقام عبر الانضمام لعمل جماعي، بدرجة أكثر تركيزاً مما هي عليه الآن في تنظيمات محكمة كحركة حماس، أو الجهاد الإسلامي، وذلك للتعويض عن الشعور بالعجز المختزن من عهد الطفولة، وعدم القدرة عن حماية الأحباء والأقارب الذين استشهدوا أمام عينيه أيام طفولة الشاب، أي في وقت كان ينظر إليهم كمصادر لقوته وملاذ لأمنه. وهم هنا الآباء والأمهات والأشقاء الأكبر للأطفال الذين مروا بتجربة الحرب الأخيرة علي غزة. ويأتي الملمح الثالث وهو "الاحتراف"، الذي يدفع إليه الشعور الدائم بقرب الخطر منه، وتكرار وقوعه. ويتيح الانتماء للتنظيمات والجماعات المسلحة فرصة الاحتراف التي تنزع إليها نفسية الشاب الذي مر في طفولته بخبرة القتل، ورؤية دماء محبيه مراقة. وينتظر اللحظة المناسبة لتفريغ شحنة الغضب المختزن ضد "الغريم" المتمثل في الاحتلال الإسرائيلي.
هذه أهم ملامح الجيل الرابع للمقاومة الفلسطينية القادمة من منظر التحليل النفسي/السياسي. وهي ملامح ستكون مضافة ـ وليست بديلة ـ لملامح المقاومة الباسلة التي لم تستسلم للعدوان، وصمدت في مواجهة رابع أكبر جيش في العالم أربعة أضعاف المدة التي صمدتها الجيوش العربية في عدوان سنة 1967 <

محنة غزة بين النكبة العربية والنجدة التركية


إبراهيم البيومي غانم أستاذ العلوم السياسية يكتب: محنة غزة بين النكبة العربية والنجدة التركية
فاجأت تركيا عدة أطراف دولية بهجومها الدبلوماسي المكثف علي الشرق العربي منذ اليوم الأول للعدوان النازي الإسرائيلي علي غزة. واستندت تركيا في هجومها هذا إلي عناصر قوة كثيرة تمتلكها، وأهمها: قوة شعبية حكومتها
بدلالة الانتخابات الديمقراطية، وقوة الاستراتيجية التي تتبناها كدولة إقليمية مركزية تدرك مكانتها وتتصرف بحجم هذه المكانة، وقوة علاقاتها بمختلف أطراف الصراع في المنطقة وفقاً لمبدأ «لسنا مع أحدهم ضد الآخر» الذي يعتبر من أهم المبادئ التي وضعها كبير مستشاري رئيس الحكومة التركية أحمد داود أغلو.


أول الأطراف التي فاجأتها الدبلوماسية التركية هو النظام الرسمي العربي، الذي لا يزال يتخبط في حالة مروعة من الهرج والمرج، ويعاني الإفراط في العبث إلي حد يبعث علي الغثيان؛ فمن صدام المبادرات العربية في «قاعات القمم» بين القاهرة، والدوحة، والكويت، والرياض، إلي الكوميديا السوداء، والتصريحات البهلوانية التي مارسها عدد من قادة هذا النظام الرسمي؛ معبرين تارة عن قلة الحيلة، والشعور بالعجز عن فعل شيء، أو متحولين تارة أخري ـ وبقدرة قادر ـ من حكام أصحاب سلطة وقرار، وقادة جيوش، وأصحاب فخامة وجلالة وسمو، إلي تقمص دور المواطن العادي الذي لا حول له ولا قوة، أو في أحسن الأحوال تقمص دور محلل سياسي من الدرجة الثالثة. أحدهم شرح لنا أسباب العدوان علي غزة ورده إلي رفض حماس تمديد التهدئة دون أن يقول لنا تمديدها إلي متي وتحت أي شروط؟ وآخر ذكر إحصائيات بأعداد الشهداء والجرحي وتوقع المزيد، وثالث ولول علي الضحايا من شهداء المحرقة، ورابع تبرع بقطرات من دمه الفاسد لدعم الفلسطينيين الذين تذبحهم إسرائيل بجواره. أما أمين عام الجامعة فقد اختار لغة مسجوعة تنتمي فقط إلي عصر المماليك حيث الركاكة اللغوية المتخمة بالمحسنات البديعية فارغة المعني.

مفاجأة تركيا للنظام الرسمي العربي بهجومها الدبلوماسي لم تفلح في إخراج هذا النظام من حالة الفوضي التي يتخبط فيها، بدليل أنها نأت عن الانغماس أكثر من اللازم في بهلوانيات القمم العربية. ويبدو أن جولة أردوغان الأولي بين دمشق وعمان والقاهرة والرياض كانت لجس نبض هذه العواصم الأمريكية؛ حيث توجد القوة التي يمكن الاعتماد عليها، وهو ما ظهر في تركيز الدبلوماسية التركية عملها مباشرة مع من بيدهم قوة الحل والعقد: حماس، ودمشق، والقاهرة،
وطبعاً تل أبيب. ويبدو أن تركيا ستحتاج إلي وقت أطول كي تمسك بنبض النظام العربي بعد أن فقدته لمدة طويلة قاربت ثمانية عقود بدأت بعد إلغاء الخلافة واستمرت إلي نهاية القرن العشرين.

ثاني الأطراف ـ وثالثها أيضاً ـ التي فاجأها الموقف التركي هو العدو الإسرائيلي والإدارة الأمريكية؛ وهما يرتبطان بعلاقات وثيقة مع تركيا منذ عشرات السنين. صمتت أمريكا علي رد فعل أردوغان صمتاً مريباً حتي الآن. أما إسرائيل فقد حاول بيريز استيعاب الموقف القوي الذي اتخذه أردوغان رداً علي الإهانة التي وجهها رئيس حكومة العدو إليه عندما زار أنقرة واجتمع به قبل خمسة أيام فقط من شن العدوان علي غزة، مؤكداً رغبة إسرائيل في متابعة المفاوضات غير المباشرة مع سوريا؛ دون أن يذكر له أي شيء عن نيته في مهاجمة غزة، فلما وقع الهجوم انتفض أردوغان لإدانته، ونقل القضية إلي برلمانه وعرضها أمام ممثلي شعبه الذي انتخبه، واعتبر أن أولمرت بكذبه وخداعه أهان الشعب التركي بأكمله، وليس شخص أردوغان فقط. خدعه كرئيس أحد أكبر ثلاث دول في الشرق الأوسط. وكأن أردوغان بهذا التأكيد أراد أن يلزم من سيأتي بعده ـ عندما يرحل عن رئاسة الوزراء لأي سبب، نفس سياسته تجاه إسرائيل؛ لأن إسرائيل خدعت تركيا كدولة وليس أردوغان كشخص. هذا ما قصدناه بالقول إن أحد مصادر قوة تركيا في تدخلها في أزمة غزة هو ديمقراطيتها، وقوة رؤيتها الاستراتيجية والتصرف بحجم مكانة الدولة وليس بأقل أو أصغر منها.

توالي التصعيد في الموقف التركي علي لسان أردوغان من تحميل إسرائيل المسئولية الكاملة عن العدوان، وتبرئة
حماس من رفض تجديد التهدئة، إلي المطالبة بتعقب قادة إسرائيل لمحاكمتهم أمام محكمة الجنايات الدولية بتهم ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، والمطالبة أيضاً بفرض عقوبات علي إسرائيل لعدم التزامها بقرارات مجلس الأمن رغم إلزاميتها، وكلها مواقف لم تجرؤ قيادة عربية واحدة علي الاقتراب منها؛ بل إن محمود عباس رفض التوقيع علي إحالة قادة إسرائيل للمحاكمة الجنائية الدولية!!. وتتناثر في الأيام الأخيرة معلومات تفيد أن جهاز الموساد الإسرائيلي يحذر من أن غضبة أردوغان قد لا تقف عند حد التنديد والإدانة الكلامية كما يفعل الحكام العرب، وإنما قد تنتقل إلي تجميد اتفاقية التعاون الاستراتيجي مع إسرائيل، وحرمانها من التسهيلات العسكرية الممنوحة لها بموجب هذه الاتفاقية.

تلويح تركيا لإسرائيل بأنها إزاء مقايضة بين استمرار علاقاتها معها إذا أوقفت العدوان، أو المغامرة بفقدان هذه العلاقات وخسارة المزايا الاستراتيجية العسكرية والاقتصادية إذا استمرت في عدوانها، هذا التلويح لم يدعمه موقف عربي مماثل ومنسجم مع «لغة المصلحة»، أو لغة القوة التي لا تفهم إسرائيل غيرها. وأردوعان لا يهزل، وسبق له أن ألغي اتفاقاً مع إسرائيل لصيانة طائرات إف 4 والدبابات التركية بمبلغ 20 مليار دولار؛ حتي لا تلوي إسرائيل ذراعه، وأحال المهمة لشركة تركية أدت المطلوب بكفاءة أفضل، وبتكلفة أقل.

جاء الموقف العربي الرسمي عبثياً هزلياً وقت الجد. وهذه الفجوة بين الموقف التركي والموقف العربي هي التي أضاعت الكثير من ثمرات الصمود الأسطوري للمقاومة الباسلة في ميدان المعركة لمدة بلغت أربعة أضعاف المدة التي استغرقها جيش العدو الإسرائيلي في تدمير أربعة جيوش عربية في عدوانها سنة 1967.

الخذلان العربي الرسمي لم يثن الدبلوماسية التركية عن الاستمرار في هجومها المكثف، علي طريقة الجولات المكوكية بقيادة أحمد داود أوغلو، الذي يعد بحق كيسنجر السياسة التركية، بل ستثبت السنوات المقبلة أنه يتفوق عليه. ولكن رغم قوة المساعي التركية وتفانيها وتأكيدها أكثر من مرة أنها تأخذ دور أحد، فإن فرص نجاح هذه المساعي ستظل محدودة هذه المرة. وستعمل إسرائيل والولايات المتحدة ـ إلي جانب الخذلان العربي ـ علي عرقلة الدور التركي والالتفاف عليه بكل السبل؛ كي تحرم تركيا من كسب مواقع لها في هذا الصراع، وكي لا تصبح لاعباً يصعب ترويضه فيما بعد، خاصة أن تلميحات أردوغان إلي أجداده العثمانيين ودورهم في حماية اليهود تحمل دلالات كثيرة باتجاه تكريس تركيا كدولة إقليمية كبري يجب أن يحسب حسابها، وأن زمن النظر إليها كعضو في حلف الأطلسي فقط قد ولي.

لا تمسك تركيا إذن بالمفتاح السحري لحل الصراع العربي الإسرائيلي دفعة واحدة، ولكن دخولها علي خط التفاعلات المتطاحنة فيه سيضيف له مذاقاً جديداً. قد يتمخض الدور التركي هذه المرة علي الأرض في صورة رئاستها قوات دولية يجري نشرها علي المعابر، أو علي حدود غزة في إطار ترتيبات العودة للتهدئة، علي غرار ما حصل في لبنان من إرسال قوات دولية بعد عدوان يوليو 2006، ولكن هذا الهجوم الدبلوماسي التركي فتح صفحة جديدة في علاقتها بالمنطقة، وسيكون له تأثيراته في قضاياها العالقة. وفي كل الأحوال فإن هذا التحرك التركي قدم درساً للدول العربية الكبيرة، خاصة مصر، في كيفية التصرف بحجم عمقها الحضاري، وعلي قدر مكانتها الدولية والإقليمية.