‏إظهار الرسائل ذات التسميات المقاومة. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات المقاومة. إظهار كافة الرسائل

أسرار حرب «الرصاص المصهور»

أحمد منصور:
الكل حرب أهدافها المعلنة وأهدافها الخفية، وقد أعلنت إسرائيل عن أهدافها من وراء حرب الإبادة الهمجية التي خاضتها في الفترة من السابع والعشرين من ديسمبر من العام الماضي 2008 وحتي السابع عشر من يناير 2009 ضد قطاع غزة، والتي أهلكت فيها الحرث والنسل والجماد والحيوان وكل أشكال الحياة واستخدمت فيها معظم أنواع الأسلحة مع أسلحة جديدة محرمة دوليا لم يكشف عن نوعياتها بعد
ثم أعلنت بعد كل جرائمها أنها قد حققت أهدافها من وراء حملتها، لكنها لم تتعرض علي الإطلاق إلي أن هدفا أساسيا من أهداف هذه الحرب يتعلق بالسيطرة علي الغاز المكتشف علي شواطئ غزة والذي يغطي كما تقول التقارير الخاصة بشركة « بريتش غاز» مكتشفة حقول الغاز في شواطئ غزة حوالي 30% من احتياجات إسرائيل، فإذا كان أحد الأهداف الأساسية للحرب الأمريكية علي العراق هو السيطرة علي منابع النفط وسرقتها كما يحدث الآن فإني أؤكد من خلال هذه الدارسة ـ التي استغرق إعدادها عدة أسابيع ـ أن أبرز أهداف الحرب الإسرائيلية علي قطاع غزة هو السيطرة علي منابع وآبار الغاز التي تتواجد في سواحل غزة والتي لا يعلم عنها كثير من الناس حتي من أهل غزة إلا معلومات قليلة.

تعود جذور القصة إلي شهر نوفمبر من العام 1999 حينما زار ياسر عرفات رئيس السلطة الوطنية الفلسطينية الأسبق لندن، وكشفت بعض المصادر البريطانية وقتها أن دراسات لدي مجموعة «بريتش غاز» البريطانية أكدت وجود كميات كبيرة من الغاز قبالة سواحل غزة، وتدخل توني بلير رئيس الوزراء البريطاني آنذاك لدي عرفات وطلب منه التوقيع مع شركة «بريتش غاز» علي حق التنقيب واستغلال تلك الآبار مقابل خمسين مليون دولار تمنح سنويا لصالح السلطة الفلسطينية توضع في حساب خاص يخضع لمراقبة دولية ـ وقد أخبرتني مصادر خاصة أن هذا الحساب موجود في أحد البنوك في الأردن ـ ولم يتأخر ياسر عرفات المعروف بمجاملاته عن التوقيع الذي تم في 29 نوفمبر من العام 1999 في لندن حيث منح عرفات بصفته رئيسا للسلطة الفلسطينية التي تتبعها سواحل غزة شركة «بريتش غاز» حق التنقيب عن الغاز في سواحل غزة لمدة 25 عاما، لكن لم يمر عام واحد علي هذا التوقيع حتي نجحت بريتش غاز في اكتشاف أول بئرين للغاز قبالة سواحل غزة أطلقت عليهما غزة بحري 1 وغزة بحري 2، وقد أكدت لي مصادر«بريتش غاز» هذه المعلومات خلال اتصالات بيني وبين مقر الشركة الرئيسي في لندن استمرت ما يقرب من شهر بعدما رفض مكتب الشركة في إسرائيل تزويدي بأية معلومات عن الموضوع، وأكد المكتب الرئيسي لبريتش غاز في الرد الذي وصلني علي أن البئر الأولي تم اكتشاف الغاز بها في العام الأول، بينما « البئر الثاني أكد علي اكتشاف غاز جديد ومهم وقد زودوني بصورة لمنصة الحفر للبئر الأول غزة بحري 1 كما زودوني بخريطة توضح موقع البئرين من شواطئ غزة ومن عسقلان.

وكان توني بلير ـ رئيس الوزراء البريطاني ـ قد سعي لدي رئيس الوزراء الإسرائيلي أرييل شارون لإلزامه حصول إسرائيل علي هذه الصفقة التي كانت ستدر عدة مليارات من الدولارات علي شركة «بريتش غاز» وعلي الإسرائيليين كمستفيد أول ووحيد من وراء هذا الغاز مقابل الفتات الذي كان سيحصل عليه عرفات والسلطة كل عام تحت رقابة دولية، إلا أن قيام الانتفاضة في العام 2000 واضطراب الأمور في غزة أجل تنفيذ الصفقة، كما أن سعي شارون للحصول علي الغاز من الحكومة المصرية بسعر أقل من سعر بريتش غاز جعله يضغط من أجل الحصول علي الغاز المصري بسعر أقل وامتيازات أفضل، علي ألا يساعد في وصول أية مبالغ للسلطة الفلسطينية، وبالفعل نشرت صحيفة «الأندبندنت» البريطانية تقريرا عن تلك الصفقة في 19 أغسطس من العام 2003 قالت فيه: «إن رئيس الوزراء الإسرائيلي أرييل شارون قد أعلن عن معارضته لصفقة غاز غزة متعللا باضطراب الأوضاع في قطاع غزة، وأن عائدات الأموال يمكن أن تستخدم في شراء سلاح يمكن أن يستخدم بعد ذلك ضد الإسرائيليين»، وهو يرفض إدخال أموال إلي خزانة السلطة الفلسطينية دون أن يعرف فيما سيتم استخدامها، لكن السبب الأبرز ـ كما أوضح شارون ـ هو أن الحكومة المصرية قد وعدته ببيع الغاز لإسرائيل مقابل أسعار رمزية وكانت المفاوضات جارية آنذاك للتوقيع مع الحكومة المصرية، ورغم أن جون فيلد ـ المدير العام لمجموعة بريتش غاز في إسرائيل ـ قال في تصريحات نشرتها الأندبندنت البريطانية في 19 أغسطس 2003 أن شركة «بريتش غاز» تأمل أن يعيد شارون التفكير في خياراته فإن شارون مضي في مفاوضاته مع الحكومة المصرية.

وبالفعل بعد مفاوضات مطولة تم التوقيع في القاهرة في 30 يونيو من العام 2005 علي صفقة طويلة الأجل بين الحكومة المصرية وإسرائيل مدتها خمسة عشر عاما قابلة للتجديد خمس سنوات إضافية، وقد وقع عن الجانب المصري وزير النفط سامح فهمي، وعن الجانب الإسرائيلي وزير البنية التحتية بنيامين بن أليازر الذي كان قد التقي الرئيس المصري حسني مبارك قبل التوقيع، ونصت الصفقة علي أن تبيع مصر لإسرائيل من الغاز 7.1 مليار متر مكعب سنويا اعتبارا من أكتوبر من العام 2006 بإجمالي مقداره 25 مليار متر مكعب من الغاز ـ وذلك حسب المصادر الإسرائيلية ـ، وأعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي أرييل شارون آنذاك أنه فضل «شراء الغاز من مصر علي شرائه من شركة بريطانية ـ فلسطينية مشتركة خشية استفادة المسلحين الفلسطينيين من عائداته».

وكانت إسرائيل قد اضطرت للتوقيع علي الصفقة مع مصر التي بدأ التفاوض عليها قبل عشر سنوات من توقيعها بعد فشل جهود شركة «إسرامكو» الإسرائيلية في تطوير آبار للغاز اكتشفتها بالاشتراك مع شركة «بريتش غاز» قبالة سواحل عسقلان، حيث طلبت هذه الشركات من الحكومة الإسرائيلية في 29 يناير من العام 2000 وفق تقرير بثته وكالة الأنباء الفرنسية بالتمهل في توقيع العقد مع المصريين حتي يتم التثبت من جدوي تطوير الحقول قبالة سواحل عسقلان، لكن إسرائيل حصلت علي أكثر مما تريده من الحكومة المصرية بعد ذلك حيث حصلت إسرائيل علي الغاز المصري بأسعار أرخص من استخراجه من قبالة سواحل عسقلان، وهذا ما دفع مجموعة من الناشطين المصريين علي رأسهم السفير السابق إبراهيم يسري إلي رفع دعوي قضائية أمام محكمة القضاء الإداري في القاهرة التي أصدرت حكمها في 18 نوفمبر من العام 2008 بوقف تصدير الغاز المصري إلي إسرائيل، وبطلان الاتفاقية لأنها لم تعرض علي مجلس الشعب المصري وقالت المحكمة إن قرارا كهذا يجب التصويت عليه في البرلمان «لأن الموارد الطبيعية الوطنية هي ملك للشعب المصري والأجيال اللاحقة ولذلك علي السلطة التنفيذية أن تحظي بموافقة السلطة التشريعية قبل اتخاذ قرار كهذا».

ورغم صدور حكم في الأول من إبريل من العام 2009 من محكمة الأمور المستعجلة في القاهرة بوقف تنفيذ حكم محكمة القضاء الإداري فإن ذلك لم ينه المعركة القضائية حول الموضوع، ومن ثم حرصت إسرائيل علي إحياء مشروع الحصول علي الغاز من آبار سواحل غزة مرة أخري خوفا من أي عوامل يمكن أن تؤدي إلي منع تدفق الغاز المصري إلي إسرائيل، ولأن غزة تقع منذ العام 2006 تحت سلطة حكومة حركة حماس فإنه يجب التخطيط ـ وفق المنظور الإسرائيلي ـ لكيفية الاستيلاء علي آبار الغاز دون الحاجة للتفاوض مع حكومة حماس أو الرجوع إليها بل يجب القضاء عليها وإزالة وجودها من غزة ومن ثم يتم تحقيق أهداف كثيرة فيما يختفي هدف الحرب من أجل الغاز وراء مجموعة من الأهداف المعلنة التي تشترك فيها بعض دول المنطقة المتحالفة مع إسرائيل.

أما فيما يتعلق بغاز غزة وجدواه فقد أعلنت شركة «بريتش غاز» بعد اكتشافها الغاز في سواحل غزة في العام 2000 في تقرير نشرته صحيفة «التايمز» البريطانية في 23 مايو من العام 2007 أنها تقدر احتياطيات الحقل المكتشف في العام 2000 بأنها تزيد علي تريليون قدم مكعب من الغاز أي ما يساوي 150 مليون برميل من النفط، وفي تقرير الأندبندنت الذي نشر في 19 أغسطس من العام 2003 أعلنت بريتش غاز أنها يمكن أن تضخ من حقل غزة إلي إسرائيل بين 5،1 إلي 2 مليار متر مكعب من الغاز سنويا وهو ما يعادل ثلث الاحتياجات الإسرائيلية من الغاز.

وبعد شعور إسرائيل أن هناك عقبات داخلية تواجهها الحكومة المصرية قد تضطرها إلي التوقف عن تصدير الغاز لإسرائيل أحيت مشروع غاز غزة مرة أخري ونشرت صحيفة «التايمز البريطانية» في تقريرها المشار إليه في 23 مايو من العام 2008 أن مجموعة «بريتش غاز» علي وشك الاتفاق علي شروط صفقة تاريخية تقدر بأربعة مليارات دولار لتوصيل الغاز الفلسطيني إلي إسرائيل من الحقول المكتشفة علي سواحل غزة، وأن اجتماعا قرر في نهاية مايو من العام 2008 بين ممثلي الشركة البريطانية وممثلين للحكومة الإسرائيلية لدراسة عقد مدته خمسة عشر عاما وأكدت وزارة الخارجية الإسرائيلية أنها تود إبرام الصفقة في «أقرب وقت ممكن» حيث اعترفت الحكومة الإسرائيلية أنها بحاجة إلي مصادر جديدة من الطاقة لمواجهة احتياجات الاقتصاد الإسرائيلي المتزايدة.

وقد أكدت لي بريتش غاز ردا علي أسئلة أرسلتها إليهم علي طلب الحكومة الإسرائيلية تقديم مقترحات لتزويد شركة الكهرباء الإسرائيلية بالغاز وهي الشركة الوطنية لتوفير الكهرباء التي تمتلكها الدولة، وقامت مجموعة بريتش غاز بالفعل بتقديم اقتراح للحكومة الإسرائيلية لتوفير الغاز من حقل غزة البحري، وأكدت بريتش غاز في جوابها علي أسئلتي أنها استأنفت بالفعل المباحثات مع الحكومة الإسرائيلية بعد أن أعلنت عن نيتها علي شراء الغاز من حقل غزة البحري وذلك من أجل سد العجز المتوقع في إمدادات الغاز بعد العام 2011.

هذا العقد وهذه الصفقة المليئة بالشبهات القانونية والجنائية هي التي جعلت إسرائيل تعجل بحربها علي قطاع غزة لأسباب كثيرة معلنة وسبب رئيسي غير معلن هو إنهاء وجود حماس في غزة وإعادة السلطة أو أي طرف يمثل الشعب الفلسطيني يساعدها في السيطرة علي غاز غزة بثمن بخس وعبر اتفاق يتم إضفاء الشرعية عليه دون أن تبدو العملية كما هي قائمة الآن عملية سطو علي مقدرات الشعب الفلسطيني وثرواته حيث سعي شارون بالفعل لإلغاء العقد الموقع بين عرفات وبريتش غاز عام 1999 وصرح في العام 2001 بأن احتياطات غزة البحرية من الغاز تمتلكها إسرائيل.

ومن هنا بدأت إسرائيل مخططها لشن حرب الغاز علي غزة في العملية التي عرفت باسم «الرصاص المنصهر» في شهر يونيو من العام الماضي 2008 وذلك وفقا لمصادر صحيفة «هاآرتس الإسرائيلية» في عددها الصادر في 27 ديسمبر الماضي 2008، وهذا يعني أن قرار شن الحرب جاء بعد أيام من عودة التفاوض بين بريتش غاز والحكومة الإسرائيلية الذي أشارت له صحيفة «التايمز» وأكدته لي بريتش غاز كذلك بشكل غير مباشر في ردها علي أسئلتي، وهذا يفسر أيضا سر أن وزيرة الخارجية الإسرائيلية السابقة تسيبي ليفني كانت أحد الصقور التي تقود الحرب لأن وزارتها هي التي أعلنت أنها يجب أن تبرم الصفقة في أقرب وقت ممكن.

وقد أشار مايكل تشوسديفسكي في مقال نشره في 8 يناير 2009 علي موقع «جلوبال ريسرش» نقلا عن «جلوبس في 13 نوفمبر 2008» أنه في الوقت الذي انتهت فيه إسرائيل من وضع خطة حربها علي غزة المعروفة باسم «الرصاص المسكوب» كانت تتفاوض مع شركة «بريتش غاز» حيث بدأت مفاوضات جدية في شهر أكتوبر من العام 2008، وفي نوفمبر من العام 2008 أمرت وزارة المالية ووزارة البنية التحتية الإسرائيليتان شركة كهرباء إسرائيل بالدخول في مفاوضات مع شركة بريتش غاز لشراء غاز طبيعي من الحقل البحري لمجموعة بريتش غاز البريطانية، وبالفعل وافق مجلس إدارة شركة كهرباء إسرائيل بقيادة موتي فريدمان علي مبادئ الإطار المقترح منذ أسابيع أي بداية التفاوض في شهر مايو كما أشارت التايمز.

كل هذه المعطيات تؤكد علي أن الحرب علي غزة كانت بالدرجة الأولي من أجل الغاز مع تحقيق أهداف أخري كثيرة كانت هي المعلنة، ومع نهاية الحرب وإعلان إسرائيل عن انسحابها من أراضي غزة بشكل شبه كامل صبيحة تولي الرئيس الأمريكي الجديد باراك أوباما مقاليد الرئاسة في العشرين من يناير من العام 2009 وبعد اثنين وعشرين يوما من الحرب المدمرة، إلا أنها بقيت تحتل سواحلها ويبدو أنها لن تغادرها لأن بها الثروة التي يمكن أن توفر 30% من احتياجات إسرائيل من الغاز، وبالتالي نحن أمام عملية معقدة من الناحية القانونية والأخلاقية تشترك فيها بريتش غاز مع إسرائيل وربما أطراف أخري متواطئة لأنها تتعلق بثروات الشعب الفلسطيني ومقدراته، وبالتالي يجب أن يتحرك المدافعون عن حقوق الشعب الفلسطيني ورجال القانون الذين يمثلون الشعب الفلسطيني علي جميع المستويات السياسية والقانونية الدولية لإيقاف هذه الجريمة الكبري التي لا تقل عن الجرائم التي ارتكبت في غزة طوال ثلاثة وعشرين يوما من الحرب.

عمق «موقعة» دافوس بين أردوغان وبيريز



د. إبراهيم البيومى غانم يكتب:
كثير من أوهام «القوة والضعف» شارك في إزاحتها أردوغان وبيريز.. رئيس الوزراء التركي بصدقه وقوة منطقه والرئيس الصهيوني بكذبه وتهافته وتصوير الجاني بصورة الضحية

رئيس الحكومة التركية ظهر ممتلئاً بالثقة وقوة العزيمة مستشعراً ثقل الأمانة وكأن هموم العالم كله فوق رأسه.. وهذه الملامح نفتقدها تماماً في وجوه الحكام والمسئولين العرب الضاحكين في بلاهة رغم المصائب


أول الأوهام التي بددها أردوغان «وهم قوة الرواية الواحدة التي تحتكرها إسرائيل لوصف مجريات الصراع العربي الإسرائيلي وقال للعالم إن الحقيقة لها رواية أخري

ما حدث في دافوس مساء الخميس 29 يناير الماضي بين أردوغان وبيريز سيسجله التاريخ علي أنه «موقعة» بكل ما تحمل هذه الكلمة من معاني، صحيح أنها موقعة سياسية، ولكنها لا تقل في دلالاتها وأبعادها الاستراتيجية عن المواقع الحربية. خرج أردوغان من هذه الموقعة منتصراً بعد أن أزاح كثيراً من الأوهام التي ظلت مهيمنة علي الرأي العام العالمي«الأوروبي والأمريكي تحديداً»، وفضحت مواقف لكثير من الأنظمة العربية، بل ومواقف بعض الحركات الإسلامية من القضية الفلسطينية، وبرهنت علي أن غطرسة القوة العارية من الأخلاق هي كبيت العنكبوت في وهنه وهشاشته.

قال أردوغان ـ مراراً وتكراراً ـ في تعقيبه علي ما جري في دافوس إنه مؤتمن علي كرامة تركيا، ولن يسمح لكائن من كان أن يمسها بسوء لأنها دولة إقليمية كبري، وإنه مضي زمن النظر إليها كدولة تابعة. «أنا رئيس وزراء تركيا، ولست زعيم قبيلة». هذه هي نوعية الخطاب الذي يتحدث به أردوغان، وهذا هو الموقف الذي ألهب مشاعر الجماهير عبر العالم الإسلامي، ولدي أحرار العالم، ودفع عشرات الآلاف من الأتراك للخروج ليلاً رغم شدة البرد لاستقبال رئيس وزراء حكومتهم الذي انتخبوه بإرادتهم الحرة. وهذه هي المرة الأولي التي يخرج فيها الأتراك بعفوية لاستقبال أحد زعمائهم منذ ما يزيد علي أربعمائة سنة عندما توقفت الفتوحات العثمانية في قلب أوروبا.

كثير من أوهام «القوة والضعف» شارك في إزاحتها كل من أردوغان وبيريز. أردوغان بصدقه وقوة منطقه، وبيريز بكذبه وتهافته. كلام بيريز الذي حاول أن يبرر به عدوان الكيان الصهيوني علي غزة جاء بنفس الطريقة التقليدية التي أسستها الدعاية الصهيونية قبل أكثر من قرن من الزمان علي الأكاذيب وقلب الحقائق، وتزوير الواقع، وتصوير الذات الصهيونية الجانية بصورة الضحية، وتصوير المجني عليه «الفلسطيني» بصورة الجاني.

أردوغان ظهر في دافوس ممتلئاً بالثقة، مستعصماً بقوة الحق التي يؤمن بها، وقوة الوعي بهذا الحق، وقوة العزيمة علي الذود عن هذا الحق في حدود مسئوليته كرئيس حكومة منتخب بإرادة شعبية حرة. ظهر قوياً بيقظة ضميره، مستشعراً ثقل الأمانة التي يحمل عبء أدائها، متجهماً كعادته؛ وكأن هموم العالم كله فوق رأسه. هذه الملامح نفتقدها تماماً في وجوه الحكام والمسئولين العرب، ونجدهم علي الدوام مهما كانت المصائب التي يجرونها علينا، نراهم ضاحكين في بلاهة، مبتسمين في بلادة كلما وجدوا كاميرات الإعلام مسلطة علي طلعاتهم البهية !. عمرو موسي ظهر في الصورة يقهقه قبيل بدء الجلسة التي غادرها أردوغان احتجاجاً علي حرمانه من تفنيد مغالطات بيريز.

بيريز ظهر في مشهد دافوس مفلساً في منطقه، غارقاً في الشعور بغطرسة القوة. وبدا منعزلاً في ذات اللحظة عما حدث في العالم من تغيرات عميقة بفعل ثورة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، هذه التغيرات التي جعلت من المستحيل الاستمرار في احتكار الحقيقة، أو إخفائها أو تزييفها. عزلة بيريز علي هذا النحو جعلته يقدم خطاباً تبريريا للعدوان الإجرامي علي غزة معتمداً نفس استراتيجية التضليل والخداع القديمة، والضرب علي عقدة الاضطهاد التي استخدمتها الصهيونية في وخز الضمير الأوروبي والأمريكي باستمرار. ظهر بيريز مطمئناً إلي أن خطابه سيمر بكل ما فيه من مغالطات كما اعتاد أن يمر الخطاب الصهيوني في كل المحافل الدولية دون أن يتصدي له أحد، وأخذته سكرة غطرسة القوة عندما صفق له الحاضرون في قاعة المنتدي.

أول الأوهام التي بددها أردوغان هو «وهم قوة الرواية الواحدة» التي تحتكرها إسرائيل لوصف مجريات الصراع العربي الإسرائيلي. تدخل أردوغان قال للعالم إن الحقيقة لها رواية أخري، أما الرواية الإسرائيلية فزائفة، وكاذبة، وعيب أن يظل العالم أسيراً لها. بيريز رفع صوته أثناء حديثه أكثر من المعتاد، ولاحظ أردوغان أنه ينظر إليه علي نحو غير لائق، فعاجله بعبارات تجعله يفوق من سكرته قائلاً له: «ارتفاع صوتك هو تعبير عن نفسية متهم. عندما يأتي الحديث عن القتل أنتم تعرفون القتل جيداً». أردوغان وحده فقط من بين زعماء العالم وجد في نفسه الجرأة علي قول ذلك، وتوجيه نقده وتوبيخه علناً للجالسين أمامه في القاعة الذين صفقوا لبيريز لأنهم «يصفقون للجرائم الإسرائيلية. صحيح أن مدير الجلسة ـ صحفي يهودي بالواشنطن بوست ـ لم يمكن أردوغان من إتمام روايته لحقيقة ما جري، ولكن رسالته وصلت للعالم كله، وربما بأسرع مما لو كان أكمل روايته، ومن هنا قلنا إن وهم احتكار إسرائيل لرواية مجريات الصراع انتهي، وأصبح جزءاً من الماضي.

الوهم الثاني هو «إمكانية إضعاف المقاومة بعزلها دوليا»، ومن ثم الاستفراد بها، والاستقواء عليها ليس فقط بالحلف الاستعماري الأوروبي الأمريكي ـ فهذا قديم ولا جديد فيه ـ وإنما أيضاً بحلفاء من الأنظمة العربية ومن دول الجوار. هذا الوهم كثف المسئولون الإسرائيليون التأكيد عليه خلال العدوان الأخير علي غزة، تارة بالترويج لمقولة وجود مصلحة مشتركة إسرائيلية ـ مصرية لمواجهة حماس، وأنه لابد من إضعافها لأنها «تهدد الاستقرار في مصر» ـ كما قال عاموس جلعاد ـ وتارة بتأكيد قادة العدو علي أن «الاعتدال العربي يشارك إسرائيل في حربها ضد حماس» «نيوزويك 11/1/2009». صحيح أن هناك ما يدل علي نجاح السياسة الصهيونية في خلق قاعدة مصالح مشتركة مع محور الاستبداد/الاعتدال العربي، بما يعني عزل المقاومة وتشديد الحصار عليها، غير أن قوة التدخل التركي الذي عبر عنه أردوغان في دافوس جاء ليكسر هذه العزلة، ويهدم فكرتها الأساسية وهي: أن المصلحة المشتركة بين دول المنطقة وإسرائيل تعني عزل المقاومة. هذه الفكرة هدمها موقف أردوغان لأن تركيا ليست فقط من دول الاعتدال في المنطقة، وإنما لها علاقات دبلوماسية كاملة ومصالح اقتصادية وعسكرية كبيرة جداً مع إسرائيل، ولكن لم يمنعها ذلك من الوقوف إلي جانب الحق الفلسطيني، وتبني رواية المقاومة. ويشكل هذا الموقف إحراجاً شديداً لدول الاعتدال العربي الأخري التي تسهم في عزل المقاومة، وقد يدفعها للتراجع عن هذا المسار. لم تخرج تركيا فقط من الصف الساعي لعزل المقاومة، وإنما تصر علي التعامل مع اختيار الشعب الفلسطيني الذي أسفرت عنه الانتخابات التشريعية، وهو اختيار المقاومة التي تقودها حماس بأغلبية تشريعية 65%.

الوهم الثالث الذي أسقطه أردوغان في دافوس من يد بيريز هو «فزاعة الإرهاب». بيريز كرر وصف المقاومة بالإرهاب، وأصر علي دمج العدوان الوحشي علي غزة ضمن ما يسمي «الحرب علي الإرهاب». أما أردوغان فقد طالب المجتمعين في دافوس بضرورة التمييز بين المقاومة والإرهاب، وقلب الطاولة علي بيريز بقوله «عندما يأتي الحديث عن القتل فأنتم أعلم الناس بالقتل»، وسبق له أن وصف عملية اغتيال الشيخ أحمد ياسين بأنه «إرهاب دولة» قامت به إسرائيل، ولم يجرؤ حاكم عربي واحد علي قول ذلك. كرر أردوغان القول في دافوس بأنه «يتوجب علي الرئيس أوباما إعادة تعريف الإرهاب والمنظمات الإرهابية، وتأسيس سياسة أمريكية جديدة في المنطقة وفق التعريف الجديد». هذا الكلام يعني أن تركيا ترفض الإذعان لما تقوله أمريكا وإسرائيل بشأن اعتبار المقاومة مرادفاً للإرهاب. الموقف الأردوغاني في نقد المفهوم الأمريكي للإرهاب يكتسب قوة مضافة من كون تركيا داخلة في اتفاق شراكة استراتيجية وقعته سنة 2006 مع أمريكا، ويسهم كذلك في كسر الحواجز النفسية التي ظلت تحول لفترات طويلة دون إدانة إسرائيل علناً. موقف أردوغان يقول إن نقد إسرائيل ليس ممكناً فقط، وإنما هو واجب والتزام أخلاقي قبل أن يكون عملاً سياسياً. أردوغان قال للعالم بموقفه في دافوس: «إن تركيا لن توضع علي مائدة الطعام ليأكلها النظام العالمي بعد اليوم».

"صفعة عثمانية" من أردوغان لشيمون بيريز في دافوس


انسحب رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان غاضبا من إحدى جلسات منتدى دافوس الاقتصادي العالمي في سويسرا احتجاجا على عدم إعطائه الفرصة للرد على كلمة مطولة للرئيس الإسرائيلي شيمون بيريز برر فيها المجزرة الإسرائيلية في قطاع غزة.

ففي جلسة حول غزة بالمنتدى دافوس مساء الخميس، تحدث في البداية أردوغان لمدة 12 دقيقة موجها كلامه للرئيس الإسرائيلي قائلا "ما دمت تقوم بإلقاء القنابل وتتعلل بالصواريخ و(حركة المقاومة الإسلامية) حماس، ماذا فعلت خلال مدة ستة أشهر من التهدئة غير قتل 28 فلسطينيا وقطع الكهرباء والطعام".

وأضاف "نحن كبشر يجب علينا التفكير في هذه المواقف، وأؤكد على عدم وجود أي توجه غير إنساني لموقفي في دعم الناس في غزة، فأنا لست ضد السامية ولا ضد أي دين كان، وذكركم بأنكم تؤخرون المساعدات الإنسانية للهلال الأحمر التركي على المعابر".

وحول اعتقال البرلمانين والوزراء الفلسطينيين، قال أردوغان "طلبت من أولمرت إطلاق سراح البرلمانيين والوزراء, فرد قائلا آنذاك "عباس يغضب لو فعلنا هذا", فقلت له إذن أطلق الأسرى العاديين فقال: إذا تركتهم تعرض محمود عباس لأزمة ثم وجدت بعد هذا اللقاء قتل الناس بدون هوادة في غزة".

كما أعرب عن دهشته من المقارنة بين قوة إسرائيل والفلسطينيين, قائلا "هل هناك أسلحة لدى الفلسطينيين مماثلة لما هو موجود لدى إسرائيل بما فيها أسلحة الدمار الشامل؟ بالطبع الجواب لا، حتى أنهم يضربون مراكز الأمم المتحدة والمدارس والمساجد بالصواريخ والقنابل".

بدوره، تحدث الرئيس الإسرائيلي شيمون بيريز لمدة 25 دقيقة شرع خلالها في عرض مبررات وذرائع للعدوان الإسرائيلي على غزة قائلا: إن حماس هي من دفعت إسرائيل لهذه الحرب، بعد أن أطلقت صواريخها على البلدات الإسرائيلية، وكان بيريز يتكلم بحدة وينظر إلى أردوغان مباشرة بين الحين والآخر.

وحين صفق بعض الحضور بقوة لبيريز على كلمته، بدت علامات الغضب الشديد على وجه أردوغان، فقاطع بيريز وقال بحدة : موجها كلامه للحضور: "عار عليكم أن تصفقوا على عملية أسفرت عن سقوط آلاف الأطفال والنساء على يد الجيش الإسرائيلي في غزة".

"أنتم أدرى الناس بالقتل"

وأضاف رئيس الوزراء التركي موجها كلامه هذه المرة لبيريز: "السيد بيريز، أنت أكبر مني سنا وقد استخدم لغة قوية، وهذا يعنى وجود أزمة نفسية لديك"، وتابع موجها حديثه إلى بيريز بحزم: "أتذكر الأطفال الذين قتلوا على الشاطئ ولم يكن هناك صواريخ تطلق منها.. عندما يتعلق الأمر بالقتل فأنتم أدرى الناس بالقتل".

بينما رد عليه بيريز مشيرا إليه بأصبعهً: "كانوا سيقومون بمثل ما نقوم به لو كانت الصواريخ تسقط على إستانبول"، في إشارة إلى الصواريخ التي تطلقها المقاومة الفلسطينية على البلدات الإسرائيلية دون أن تحدث خسائر تذكر.

واستدرك أردوغان قائلا "أذكرك أن التوراة تمنع القتل وكثير من يهود العالم شجبوا كل هذا القتل واستخدام القوة المفرط".

تدخل أمريكي!

وهنا تدخل منسق الجلسة، ديفد إيغناتيوس، كاتب العمود الشهير بصحيفة واشنطن بوست الأميركية، والمعروف بتوجهاته الداعمة لإسرائيل، ليقاطع أردوغان قائلا إن الوقت انتهى، ثم قاطعه بيديه مرة ثانية فحاول أردوغان الرد عليه بطلب عدم مقاطعته لمنحه فرصه للرد، خصوصا وأن الوقت الذي استغرقته مداخلته (12 دقيقة) لم يكن متوازنا مع الوقت الممنوح لبيريز (25 دقيقة).

وبعد أن وجد أردوغان نفسه في موقف الممنوع من الحديث، انتفض غضبا وجمع أوراقه قائلا: "شكرا أنتم لا تتركون لي فرصة كي أتحدث.. لقد تحدثت نصف مدة بيريز فحسب.. لن أحضر إلى دافوس مرة أخرى".

وبينما قام أردوغان ليغادر القاعة بدا على الرئيس الإسرائيلي الارتباك ملتفتا حوله دون أن ينطق بأي تعليق.

ووقف الأمين العام لجامعة الدول العربية عمرو موسى وصفق بحرارة لأردوغان قبل أن يصافحه فيما غادر أردوغان القاعة وسط تصفيق من بعض الحضور.

وعقب مغادرة أردوغان وقف موسى يتلفت يمينا ويسارا، فأشار له الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون بالجلوس، فأخذ مكانه في الندوة مرة أخرى.

وقال أردوغان خلال موتمر صحفي عقب الندوة مبررا موقفه: "بيريز تحدث لمدة 25 دقيقة، وكان يتكلم بشكل يغلب عليه الحدة وينظر إلي مباشرة بطريقة لا تتلاءم مع الحرية العامة".

وعلق مراقبون أتراك على الواقعة قائلين أن أردوغان وجه "صفعة عثمانية" إلى بيريز، مستندين إلى ما هو معروف في التراث العثماني، فحين يفحم شخص آخر مستندا إلى المنطق والعقل، فيقال أنه وجه إليه "صفعة عثمانية". وتم تكريم أردوغان في ندوة سبقت الجلسة التي شهدت الواقعة بالمنتدى الاقتصادي أمس الخميس، باعتباره أفضل دبلوماسي.


"زاد الطين بلة"

وفي تعليقه على الحادثة أشاد ليث شبيلات، رئيس جمعية مناهضة الصهيونية بالعاصمة الأدرنية عمان، بموقف رئيس الوزراء التركي، قائلا إن: "موقف أردوغان ينبئ بتقدم نحو المواقف المستقلة عن الإرث التركي العلماني".

كما انتقد شبيلات بشدة حضور الأمين العام لجامعة الدول العربية الندوة مع الرئيس الإسرائيلي.

وقال: "كيف يسمح العرب بأن يجلس عمرو موسى هذه الجلسة مع قادة إسرائيل"، مضيفا أن جلوس عمرو موسى بعد خروج أردوغان "زاد الطين بلة"، وقال متحدثا عن الساسة والحكام العرب: "هؤلاء لا يدرون ماذا يفعلون".

وكان أردوغان قد هاجم في وقت سابق أمس الأربعاء العدوان الإسرائيلي على غزة، واعترض على تصنيف حركة المقاومة الإسلامية "حماس" ضمن قائمة "المنظمات الإرهابية"، داعيا في الوقت نفسه الرئيس الأمريكي باراك أوباما إلى إعادة النظر في تعريف المنظمات الموجودة في الشرق الأوسط تحديدا.

شعب الجبارين


فهمي هويدي
أشهد أن أهل غزة يستحقون منا الحفاوة والإكبار، بأكثر مما يستحقون من الرثاء أو الإعذار.


(1)

أدري أننا مسكونون هذه الأيام بمشاعر اللوعة والحزن، جراء ما شاهدناه علي شاشات التليفزيون من صور سجلت بشاعة البربرية الإسرائيلية التي فتكت بالبشر، وحولت القطاع إلي خرائب وأنقاض. كأن ما جري لم يكن اجتياحاً عسكرياً، وإنما كان حملة انتقام وترويع استهدفت تدمير القطاع، وذبح أهله والتمثيل بهم، حتي يكونوا أمثولة وعبرة لغيرهم ممن يتحدون العجرفة والاستعلاء الإسرائيليين.
أدري أيضًا أن الجرح أكبر من أن يلتئم لأجيال مقبلة. وأن شعورنا بالخزي والعار لا يمكن إنكاره، سواء لأننا لم نستطع إغاثة الفلسطينيين وهم يذبحون، في حين وقفت أنظمتنا متفرجة عليهم، أو لأن بعضنا كان عليهم وليس معهم أو لهم.

ذلك كله صحيح لا ريب. لكن من الصحيح أيضاً أن دماء فلسطينيي غزة التي نزفت وأشلاءهم التي تناثرت وصرخات أطفالهم التي ألهبت ضمائرنا ومازالت أصداؤها تجلجل في أعماقنا، هذه كلها إذا كانت قد سجلت أسطر المأساة، إلا أن وقفة الشعب، وصموده الرائع ومقاومته الباسلة، هذه أيضاً سجلت صفحات مضيئة في تاريخ أمتنا لا ينبغي أن نبخسها حقها. يكفي أن شعب الجبارين هذا رغم كل ما تعرض له من حمم أمطرته بها آلة الحرب الإسرائيلية بكل جبروت وقسوة، ظل رافضاً للركوع والتسليم، وها هو سيل الشهادات التي سمعناها بعد وقف المذبحة علي ألسنة الأطفال والنساء والشيوخ، كلها تجمع علي أن طائر الفينيق التي تحدثت عنه الأسطورة، ذلك الذي يخرج حياً من تحت الرماد، ثبتت رؤيته في غزة.

لأنهم لم يركعوا ولم يرفعوا رايات التسليم فإنهم نجحوا وأفشلوا خطة عدوهم. صحيح أن هذا كلام لا يروق لبعض الساسة والمثقفين من بني جلدتنا ممن يرون أن شرف الأمة لا يستحق أن يموت المرء من أجل الدفاع عنه، إلا أن المعلومة تظل صحيحة، أعجبت أصحابنا هؤلاء أم لا تعجبهم. تشهد بذلك كتابات أغلب المعلقين الإسرائيليين، التي سجلها تقرير نشرته صحيفة «الشرق الأوسط» في 19/1، تضمن خلاصة لتلك الكتابات. منها مثلاً أن رون بن بشاي - المعلق العسكري لصحيفة «يديعوت أحرونوت» - ذكر في النسخة العبرية للصحيفة في (18/1)، أن إسرائيل فشلت بشكل واضح في تحقيق الهدف الرئيسي المعلن للحرب، المتمثل في تغيير البيئة الأمنية في جنوب إسرائيل، وهو ما لم يتحقق حين تبين أن حركة حماس مستمرة في إطلاق صواريخها. وهو المعني نفسه الذي أكده المعلق السياسي الوف بن، وكرره جاكي كوخي - معلق الشئون العربية في صحيفة «معاريف» - الذي قال إن إسرائيل فشلت في توفير صورة النصر في معركة غزة، وأن ما تبقي من هذه الحرب هو صور الأطفال والنساء والقتلي، التي أوصلت إلي عشرات الملايين في العالم رسالة أكدت تدني الحس لدي الجيش الإسرائيلي. منها أيضاً ما قاله يوسي ساريد - الرئيس السابق لحركة ميرتس في مقال نشرته صحيفة «هاآرتس» - أن عملية القتل البشعة التي أنهت بها إسرائيل مهمتها في غزة تدل علي أنها هزمت في هذه المعركة ولم تنتصر. أما المعلق عوفر شيلح فقد ذكر أن القيادة الإسرائيلية حين قررت تدمير غزة فانها تاثرت في ذلك بالنهج الذي اتبعه رئيس الوزراء الروسي فلاديمير بوتين مع شيشينا وجورجيا، ثم أضاف: «إذا كنا نريد أن نظهر كمنتصرين باستخدام هذا النهج، فويل لنا».

(2)

صحيح أن المقاومة لم تستطع أن تفعل شيئاً يذكر أمام الغارات التي أطلقت فيها إسرائيل أقوي طائراتها النفاثة لأسباب مفهومة، إلا أن معركتها الحقيقة كانت علي الأرض، حيث فاجأت المقاومة خلالها إسرائيل بما لم تتوقعه.

لم تهزم المقاومة القوات الإسرائيلية، لكن كل الشواهد دلت علي أنها صمدت أمام تلك القوات، ووجهت إليها ضربات موجعة، أسهمت في إفشال مهمتها. ولا تنس أن يوفال ديكسين - رئيس المخابرات الداخلية الإسرائيلية - كان قد توقع أن يسقط القطاع خلال 36 ساعة، ولكن بسالة المقاومة أطالت من أجل الحرب، حتي اضطرت إسرائيل إلي وقف إطلاق النار من جانبها في اليوم الثاني والعشرين.

ليلة الاثنين 12/1، والاجتياح في أسبوعه الثاني، فوجئ الجنرال يو آف بيليد - قائد لواء الصفوة (جولاني) - والعشرات من جنوده بأن النيران فتحت عليهم عندما كانوا يقومون بتمشيط المنطقة الريفية التي تقع شرق مخيم «جباليا» للاجئين شمال قطاع غزة. فما كان منه إلا أن اندفع مع جنوده للاحتماء ببيت أحد الفلسطينيين في المنطقة، كان قد تم إخلاؤه من سكانه. لكن ما إن تجمع الجنود والضباط في قلب المنزل، حتي دوي انفجار كبير انهار علي أثره المنزل؛ فقتل ثلاثة جنود وجرح 24 منهم بيليد نفسه، وعرف أن ستة من الجرحي في حالة ميئوس منها. وكانت تلك إحدي صور الاستدراج التي لجأت إليها المقاومة؛ ذلك أن إطلاق النار أريد به دفع الجنود للاحتماء بالمنزل الذي تم تفخيخه بالمتفجرات في وقت سابق.

موقع صحيفة «يديعوت أحرونوت» علي الانترنت تحدث باقتضاب عن قصة ضابط آخر هو الرائد ميكي شربيط، الذي يرقد في أحد المستشفيات للعلاج من إصابته في اشتباك مع رجال المقاومة الفلسطينية في شمال القطاع. هذا الضابط الذي خدم كقائد سرية بسلاح المدرعات في حرب لبنان الثانية، استهجن تجاهل الإعلام الإسرائيلي الإشارة إلي شراسة المقاومة التي واجهتها القوات الإسرائيلية. وفي الحديث الذي أدلي به إلي النسخة العبرية لموقع الصحيفة وصف الحرب الدائرة وقتذاك بأنها «حرب أشباح لا نري فيها مقاتلين بالعين المجردة، لكنهم سرعان ما يندفعون صوبنا من باطن الأرض. لقد كنا نتحرك في الشوارع ونحن ندرك أن أسفل منا مدينة خفية تعج بالشياطين».

فوجئ الإسرائيليون بكل ذلك. واعترف روني دانئيل - المعلق العسكري لقناة التلفزة الإسرائيلية الثانية - بأن قوات الجيش الزاحفة واجهت مقاتلين أشداء، وقال علي الهواء إن الإبداع العسكري الذي يواجه به نشطاء حماس الجيش الإسرائيلي فاجأ قادته بشكل صاعق، ونوّه إلي أنه محظور عليه التحدث عن المفاجآت التي تعرض لها الجنود الإسرائيليون في غزة، التي تفسر عدم قدرة هؤلاء الجنود علي التقدم في كل القطاعات رغم مضي 19 يوماً علي الحملة، ورغم إلقاء الطائرات الإسرائيلية مئات الأطنان من القنابل الفتاكة لتقليص قدرة المقاتلين الفلسطينيين علي المقاومة.

في هذا السياق نقل أليكس فيشمان - المعلق العسكري لصحيفة «يديعوت أحرونوت» - عن عدد من الجنود في ساحة المعركة أن الهاجس الذي سيطر عليهم طول الوقت هو الخوف من الوقوع في الأسر. وأشار هؤلاء إلي أن مقاتلي حماس أعدوا شبكة من الأنفاق للمساعدة في محاولات أسر الجنود.

(3)

هؤلاء المقاومون البواسل لم يهبطوا علي غزة من السماء، ولكنهم أحفاد وأبناء شعب الجبارين، الذي لايزال منذ مائة عام متشبثاً بأرضه التي رواها بدمه. لقد راقبت أبناء غزة الذين ظهروا علي شاشات التليفزيون طوال المذبحة وبعدها، فلم أسمع واحداً منهم أعلن تمرده أو سخطه علي الأوضاع في القطاع. كانوا جميعاً ودون استثناء أكثر نضجاً ونزاهة من كل الأصوات التي حاولت تمييع الموقف وإلقاء تبعة ما جري علي وقف التهدئة تارة أو علي حكومة القطاع تارة أخري. لم يروا إلا عدواً واحداً ومجرماً واحداً هو إسرائيل. وانعقد إجماعهم علي أن حماس ليست الهدف، وإنما رأس المقاومة هو المطلوب وتركيع الفلسطينيين هو الهدف.

رغم الجحيم الذي عاشوا في ظله والمآسي التي لحقت بهم، فإنهم لم يفقدوا صبرهم الأسطوري. وكشفت محنتهم عن معدنهم الحقيقي، بالتحامهم وتكافلهم وإصرارهم علي الاستمرار والثبات علي الأرض. القصص التي تروي عن المدي الذي بلغه الالتحام والتكافل لا تكاد تصدق، وكلها تثير الدهشة والإعجاب، يتحدث القادمون عن الموسرين الذين كانوا يشترون شاحنات الخضار وأكياس الدقيق ويوزعونها علي المعوزين. يتحدثون أيضاً عن البيوت التي فتحت لمن دمرت مساكنهم، وعن الثياب والبطانيات التي جمعت لتوزع علي الذين لاذوا بالخيام احتماء من البرد، وعن السيدات اللاتي أصبحن يخبزن يومياً مئات الأرغفة لجيرانهم، وأخريات كن يتناوبن طبخ العدس والبقول ويبعثن بالوجبات الساخنة إلي أماكن تجمعات الفارين من الجحيم. يتحدثون أيضاً عن الكيروسين الذي كانوا يتقاسمونه فيما بينهم يوماً بيوم، لإشعال المصابيح والمواقد البدائية التي أصبحت تهرب من مصر، بعدما اختفت هناك منذ عقود... إلخ.

الذي لا يقل إدهاشا عن ذلك هو حالة الانضباط الشديد التي مر بها القطاع، فقد كانت أجهزة السلطة تتولي طول الوقت الإشراف علي توزيع الخبز والبطانيات والكيروسين. ورغم أن الدوائر كانت معطلة، فإن رواتب الموظفين كانت تصل إليهم في بيوتهم. ورغم أن القصف المكثف كان يمكن أن يدفع ألوف البشر إلي الاتجاه صوب الحدود المصرية ومحاولة عبورها هرباً من الموت، فإن ذلك لم يحدث، ووقفت شرطة القطاع تحرس الحدود وتؤمنها. وفور إعلان وقف إطلاق النار، سجلت الفضائيات كيف تحركت الأجهزة لضبط المرور وإزالة ركام الأبنية المدمرة، والتخلص من النفايات. وقبل هذا وبعده، رفع الأنقاض بحثاً عن الأحياء وانتشال بقايا الجثث. لقد دبت الحياة في طائر الفينيق.

(4)

لقد كان المقاومون يعرفون جيداً أنهم سيواجهون العدو في واحدة من معارك كسر العظم، لذلك أطلقت كتائب عز الدين القسام علي المعركة اسم «الفرقان»، باعتبارها اشتباكاً مصيرياً يفرق بين الحق والباطل. وحسب مصادر الحركة، فإن المقاومة لم تخسر أكثر من 10% من مقاتليها، في حين أن قدرتها التسليحية مازالت جيدة، وبوسعها أن تواصل إطلاق صواريخها التي تكدر حياة العدو لشهر آخر علي الأقل. بل إنها لم تستخدم الطاقة القصوي لمدي الصواريخ، لأنها أرادت أن تحتفظ به للتوقيت الذي تختاره. وأغلب الظن أن إسرائيل أدركت ذلك جيداً، وذلك هو التفسير الوحيد للوثة التي أصابتها وهي تستنفر أمريكا وأوروبا وبعض العرب لكي يهبوا جميعاً لأجل وقف تهريب السلاح إلي غزة.

غزة لم تهزم، وما حدث في القطاع ليس مأساة ولكنه ملحمة. لكن الهزيمة الحقيقية والمأساة التي يَنْدَي لها جبين الشرفاء، هي من نصيب الواقفين علي الضفة الأخري من المنسوبين إلي الأمة العربية، الذين تقاعسوا وولوا الأدبار حين جد الجد. وهم الذين وصفهم القرآن بأنهم: «يحلفون بالله إنهم لمنكم، وما هم منكم، ولكنهم قوم يَفْرَقوُن».

بيان وقف إطلاق النار..

بيان وقف إطلاق النار../ د.عزمي بشارة
* وقف إطلاق النار (لم يستخدم أولمرت في خطابه عبارة "هفسقات إيش" (وقف إطلاق النار) " بل استخدم مصطلح "نتسيرت إيش" أي بمعنى ما لجمها وكبحها، والمقصود هو "وقف مؤقت" لإطلاق النار، وقف مرحلي) الذي أعلن ليلة السابع عشر من كانون الثاني\ يناير 2008 هو تعبير عن عدم قدرة إسرائيل على الاستمرار بالحرب، وذلك في حملة برية لاحتلال غزة بأسرها. لقد فحص جيش الاحتلال ذلك عمليا باقتحامات شتى ووجهت بمقاومة شرسة. وقلّب قادته الأمر، فوجدوه مكلفا غير مضمون العواقب. ولكن اقتصار الحرب على القصف الجوي والمدفعي لا يحسم المعركة. صحيح أنه يدمر ويقتل ويحرق دون تمييز، وصحيح أنه يكلف المجتمع الفلسطيني ثمنا باهظا، ولكنه لا يحسم المعركة. ومن ناحية أخرى لم يتمكن مبعوثو المخابرات والرئاسة المصرية من فرض الشروط السياسية الإسرائيلية على حركات المقاومة. وهي تتلخص بالتعهد بوقف المقاومة ونزع سلاحها. لقد كان المطلوب هو توقيع المقاومة على "منع تهريب السلاح" وعلى "تهدئة" دائمة أو طويلة المدى. فما كان من إسرائيل ان أوقفت النار من طرف واحد مدعية انها أنجزت الأهداف من الحملة. ولكنها لم تنجزها.

* كانت رايس جاهزة لمنح ليفني أية ورقة تمكِّنها من العودة إلى المجتمع الإسرائيلي بإنجاز ما، ودون انتظار تحقق الإملاءات المصرية على حماس ناهيك بتفاهمات معها.

لا نعرف تفاصيل الاتفاق، وأقصد عدا الأمور العامة المتعلقة بتجند الولايات المتحدة لمنع وصول السلاح إلى حماس. وطبعا سوف يتعلق الأمر بمدى استعداد إدارة أوباما لمتابعة التنفيذ ومدى تعاون مصر معهم في ذلك. وبالمجمل، هذه اتفاقيات غير ممكنة التنفيذ دون تعاون عربي.

* ما هي الأهداف التي حققتها إسرائيل من حربها على غزة؟ هل هي مدارس وكالة الغوث "الأونروا"؟ هل هو حرق البشر بالفوسفور؟ هل انتصرت الإف 15 على من هم في سن الـ15 عاما مستعيدة هيبة الردع، أو الرعد أو الرعب؟

ردعت إسرائيل الأطفال في غزة وفي كافة منازل الوطن العربي. مرحى مرحى مرحى، هورا هورا هورا. لتستمر مقاهي تل أبيب (المدينة دون توقف كما يحبون تسميتها هناك) باحتضان الطيارين الشباب والفنانين والصحفيين الذين يروون النكات عن غزة، وعن أطفال ونساء غزة. فهذا لا يثير انطباعا عند من انطبعت الصور في أذهانهم. كل شيء هنا توقف غير تلك الصور في الأذهان، وكل شيء هنا يتوقف على إنجاز مهمة واحدة، أن يعود التاريخ إلى نفسه في المنطقة العربية وهو لا يشمل إسرائيل. إنه لا يشمل تل أبيب ولا بطرها من حروب قليلة الضحايا عند من يملك الطائرات، ولا فائض سخريتها ممن لا يملكها.

* إن ما يحتاج إلى دراسة هو تحول قتل المدنيين، والتباهي باستهدافهم إلى مركب في الثقافة الإسرائيلية.

هنالك ميل سادي كولونيالي واضح لدى الشباب الإسرائيلي على مر الحروب لتحويل عذاب الفلسطينيين إلى تسلية. أما رسم الابتسامات وعلامات النصر من قبل الجنود العائدين من المجزرة إلى الحضارة، ومن قتل العائلات إلى عائلاتهم ومن التنكيل بالمدنيين إلى الحياة المدنية. فهو ليس فرح الجبناء فحسب بل طقوس العبور لتشكل الرجولة في مجتمع المستوطنين المستعمرين العابرين.

* إذا كان المقصود بتحقيق الأهداف هو الأهداف المعلنة في بداية الحرب، فليس صحيحا ما أعلنه رئيس الحكومة الإسرائيلي من تحقيق الأهداف. فلم تحقق الحرب الأهداف العلنية المتعلقة بتغيير الوضع الأمني في "جنوب إسرائيل". أما إذا كان الهدف الذي تحقق هو اغتيال قيادات في المقاومة، فقد بات هذا من مسلمات المقاومة. ليس ذلك إنجازا، لأن قيادات المقاومة بحكم تعريفها تتوقع الاغتيال في أي وقت.

* توحدت الأمة العربية مع المقاومة، وتوحدت الشعوب معها، إلا في لبنان حيث ينقسم الشعب، ولكن ليس إلى مواقف، بل إلى طوائف.

* وانقسم النظام الرسمي العربي إلى اثنين لكل منهما هوامش ما زالت تتقاطع. ويمكن تمييزها باختصار شديد بما يلي: يعتبر الموقف الأول الاحتلال هو المشكلة وهو سبب الحرب، في حين يعتبر الموقف الثاني مقاومة الاحتلال هي المشكلة ويحملها مسؤولية الحرب.

* ومن هذه الزاوية فإن القمة العربية في الدوحة هي استجابة بالحد الأدنى ليس للانقسام الرسمي، بل للرأي العام العربي. والأمر الأهم الذي أنجزته هو كونها أول مراجعة رسمية لخط التسوية. لأول مرة تحصل انعطافة في الخطاب الرسمي العربي منذ أن سيطر عليه خطاب التسويات المنفردة مع إسرائيل.

* إعلان رئيس الحكومة الإسرائيلي المتأخر أن وقف إطلاق النار هو استجابة لطلب الرئيس المصري هو محاولة لإنقاذ المعتدلين العرب. فمن مصلحة إسرائيل أن يبدو المعتدلون شركاء يحظون ببعض المصداقية. لقد كان ضحية القصف الأولى هم المدنيون الفلسطينيون، أما الضحية الثانية فهو التسوية وجماعة عملية السلام.

* كان غضب مبارك وأبو الغيط (الذي سعد لدقائق أن تتطلب الوظيفة مرة واحدة تقمص شخصية تشي جيفارا) غضبا تكتيكيا. حماس لم تقبل بشروط المخابرات المسماة أفكارا مصرية، وإسرائيل لم تنتظر. وقد أوقفت إطلاق النار مستغنية عن الجهد المصري. كما كانت هنالك قمة الدوحة التي أثارت غضبا غير تكتيكي إذ طرحت أفكارا أخرى غير المبادرة المصرية، وشاركت فيها أنظمة رسمية متجاوبة بالحد الأدنى مع رأيها العام. كان لا بد من إنقاذ مبارك بتصريح مفاده أن وقف إطلاق النار هو استجابة لطلب مبارك. ولكن هذا التصريح الإسرائيلي تحول إلى إهانة وإساءة لمصر. فإذا كان بوسع مبارك وقف إطلاق النار وإذا كانت إسرائيل تصغي له، فلماذا لم يطلب فيستجاب طلبه قبل عشرين يوما؟

* حين ظهر هذا الخطاب المصري الجديد من وقف إطلاق النار الفوري وغير المشروط وحتى الانسحاب، واصل ممثلو السياسة الخارجية استخدام نفس النبرة واللهجة القديمة في حديثهم مع ممثلي حماس في القاهرة، أي واصلوا مطالبتهم بالتعهد بوقف تهريب السلاح وبتهدئة طويلة المدى والعودة إلى اتفاق عام 2005 بشأن معبر رفح. كان ذلك خطابا للاستهلاك المحلي. * يوم 18 التالي لوقف إطلاق النار تنادت بسرعة فائقة دول متفاجئة من استدعائها على عجل. لقد اجتمعت في شرم الشيخ نفس القوى التي بررت وأيدت قتل الأطفال والنساء في فلسطين، والتي تعتبر قتل الأطفال دفاعا عن النفس وقتل الجنود إرهابا.

اجتمعت القوى التي تعتبر مصير جندي مثل شاليط جاء لقصف المدنيين من دبابة أكثر أهمية من مصير أهل غزة. دعاهم رئيس عربي يشاركهم تقدير حياة شاليط، ويتعامل مع حياة أبناء شعبه في قطار محترق وعبّارة تغرق وبنايات تنهار باحتقار أشد حتى من احتقاره لأهل غزة.

* وما اجتماع القوى الاستعمارية الكهلة في شرم الشيخ سوى إخراج لوقف إطلاق النار، لكي يبدو كأنه نزول عند رغبة مبارك والدول الأوروبية وعملية السلام، وغير ذلك من الكلام الفارغ. وقد جرى إخراج وقف إطلاق النار بعد أن اتخذ القرار في هذه المسرحية لمصلحة إسرائيل والرئيس المصري. اتخذ القرار من طرف واحد، وتبعه إخراج من هذا النوع.

قمة شرم الشيخ هي عبارة عن مساندة لدور الرئيس المصري الذي تضرر في هذه المرحلة داخليا وخارجيا. فهو إخراج لوقف إطلاق النار في إطار قوى التسوية ليظهر وكأنه "إنجاز لها"، وليس رغما عن هذه القوى.

فنحن لم نر هذه القوى أو نسمع بها طيلة الحرب. لم تحاول تكبيل أيدي إسرائيل أو إدانة قتلها للأطفال، ولم تبد حرصا على حياة المدنيين. وحين يئست إسرائيل من تحقيق أهدافها وتوقفت، تقدمت هي لتقطف وقف إطلاق النار كأنه نتيجة لتحركاتها وليس كنتيجة لصمود المقاومة والمجتمع الفلسطينيين في غزة.

* للبنان حدود مع سوريا وإسرائيل والبحر، وتحد غزة مصر وإسرائيل وبحر مغلق. وهذا هو الفرق كل الفرق. إن كان ذلك بالنسبة للمدنيين، وإن كان ذلك بالنسبة للمقاومة. وقد جرت الحرب على أساس هذا الفرق. الدولة العربية المجاورة لم تكتف بعدم دعم المقاومة بل أرادات تلقينها درسا قاسيا. لقنت إسرائيل الدرس القاسي للمواطنين ولم تحقق أهدافها وتوقف إطلاق النار.

* وبعد وقف إطلاق النار يدرك المجتمع ما جرى له وما حل به وهو يضمد الجراح ويتفقد الأنقاض. سيبدأ الضغط من أجل المساعدات ومعالجة الجرحى وإعادة الإعمار. ويبدو أن إلإغلاق المستمر للمعبر في رفح، وإمكانيات الدخول والخروج عبر مصر سوف تستخدم للاستمرار في ابتزاز المقاومة لقبول الشروط بعد وقف إطلاق النار.

* لذلك فالمهم الآن هو الضغط لفتح المعبر للإغاثة وإعادة البناء، وعدم السماح لإسرائيل أن تتملص بجريمتها، وأن يرفع الحصار. ويجب عدم التسامح مع الأنظمة التي صمتت أو تواطأت، وما زالت، يجب عدم التوقف الآن عن الحملة لفضحها، وذلك لأن هذه السياسة مستمرة ولم تتأثر. فما يقال في الخطابات شيء وما ينفذ على أرض الواقع شيء آخر تماما. ولن يصح أي تعهد تتخذه الدول العربية أو غيرها للمساعدة في إعادة الإعمار، إذا لم يفتح المعبر ولم تصل المساعدات لغزة.

* جمع الأموال لإعادة الإعمار يجب ألا ينسي الدول والمؤسسات التي أعلنت نيتها التقدم بدعاوى مطالبة إسرائيل بدفع التعويضات على ما لحق بالناس. لم نسمع عن محاكمات لإسرائيل عن ما اقترفته أيديها في لبنان عام 2006، ونأمل ألا تؤول التهديدات الحالية إلى المصير ذاته.

* أما سياسيا فإن المرحلة هي مرحلة وقف توسع خطاب التسوية والتطبيع مع إسرائيل ورده على أعقابه وبدء صعود خطاب سياسي جديد. وهذه عملية بدأت في الدوحة ويجب أن تستمر وتندفع وأن يدافع عنها في الكويت بقوة.

* من أهم إنجازات المقاومة في هذه الحرب أن إسرائيل لم تعد خارج القطاع من طرف واحد كنوع من إعادة الانتشار. لقد خرجت في العام 2005 بخيارها كي تجتاحها متى شاءت. وها هي تدرك الحقيقة المرة. لقد تغيرت الأمور خلال عامين. وهي مضطرة أن تحارب كي تعود. فعودتها إلى غزة يعني حربا، وهي حرب غير محمودة العواقب. لم يتحرر قطاع غزة عام 2005، بل تحرر الآن من الاحتلال. لأول مرة منذ عام 1967 لا تجتاح إسرائيل المناطق التي احتلت عام 1967 بسهولة كنوع من إعادة الانتشار، بل تضطر أن تحارب لاجتياحها

* وبقيت قوات إسرائيلية في غزة. ليس لهذا الغرض تصح المقاومة، بل لأن فلسطين كلها محتلة، القدس محتلة والضفة محتلة. وطالما هنالك احتلال هنالك حق بمقاومته. وفلسطين وطن واحد، وقضى الحال والتجربة أنه يمكن مقاومة احتلال غزة من القدس، ومقاومة احتلال القدس من غزة.

* ليست غزة دولة مستقلة، ولا شعبا ولا كيانا. ويجب أن تتوقف النبرة التي تتعامل معها كذلك، (وهي نبرة قائمة حتى عند أوساط قليلة في حركة حماس). وهي تقاوم احتلال فلسطين وليس احتلالها وحدها. ولكن غزة لا تستطيع أن تحمل وحدها قضية فلسطين، فهي في ظل الحصار بالكاد "تحمل حالها". ولذلك لا يجوز أن تبقى بقية جوالي الشعب الفلسطيني في الشتات والضفة خارج إطار التنظيم الوطني الذي يجب أن يقود المقاومة. وهو أوسع من حماس.

لقد آن الأوان أن تفكر حماس والجهاد والجبهة وغيرهم من طاقات وقوى الشعب الفلسطيني بتشكيل إطار تحرر وطني موحد مقاوم في كافة أماكن تواجد الشعب الفلسطيني، يحمل برنامجا وخطابا مؤهلا لقيادة الشعب الفلسطيني. وجود هذا الإطار وهذا الخطاب هو الذي سوف يشكل القوة الضاغطة والرافعة لإعادة بناء منظمة التحرير.

في هذه الحرب أدرك الجميع ما معنى دور الأجهزة الأمنية في الضفة، وما معنى تغييب منظمة التحرير حتى في الشتات وتهميشها من قبل السلطة. ولذلك فإن المهمة أعلاه مهمة تنظيم وتأطير بقية مناطق تواجد الشعب الفلسطيني، هي مهمة لا تحتمل التأجيل. فليست مهمة غزة أن تقاوم عن كل الشعب الفلسطيني، ولا مهمة الآخرين أن يتضامنوا.

* لقد قاومت بقية الجاليات الفلسطينية في الماضي، وواصلت الضفة الانتفاضة في حينه حتى حين حوصرت في غزة. فهي ليست جديدة على الموضوع. وما تغير هو قيام السلطة وتهميش الشتات وقيام جيل من الأجهزة الأمنية يقمع شعبه من يناضل ضد إسرائيل وينكل به. وهذا أمر لا يجوز تجاهله عند استخلاص النتائج وإعادة بناء المؤسسات على ضوء ما جرى في هذه الحرب.

* لا مشروعية لأية تسوية. ليس الجميع قادرا أو مضطرا للمقاومة، ولكن الجميع قادر على رفض التسوية غير العادلة، وعلى استنباط وسائل للحياة دون تسوية مع إسرائيل والصهيونية.



علمه عند أولمرت


علمه عند أولمرت
عزت القمحاوى



الإجرام فاق كل التوقعات. بعد أن تأكدت إسرائيل أنها اللاعب الوحيد في مجتمع دولي صامت، ونظام عربي متداع، بلبه ولبابه. واللب لم يكن يوماً معطوباً بهذا القدر، وجاءت هذه المحنة لتقشر وتكشف عن لونه ورائحته.
منذ ولدت القضية الفلسطينية صار التغيير في مصر مرتبطاً بنتائج المواجهة مع العصابة الصهيونية.
لكنها المرة الثانية بعد النكبة التي تتشابك فيها خطوط الإحباط على الجبهة الفلسطينية مع الإحباط الداخلي، في مجتمع يشبه مجتمع عشية النكبة (مجتمع النصف في المئة).
بدا الربط واضحاً لدى كثير من المعلقين كتابة وشفاهة، من خلال مقارنتين أساسيتين، أولاهما مقارنة عدد شهداء 'الحرب' على غزة بعدد شهداء العباّرة 'السلام' التي راح ضحيتها 1030 مصرياً. أما الثانية فتتعلق بمقارنة مساحة غزة بمساحة الأرض التي أهدتها الدولة لأقل من عشرة أفراد أبرزهم هشام طلعت مصطفى، المحبوس بتهمة قتل سوزان تميم.
والمقارنتان الموجعتان تردان في سياقات مختلفة، في إطار الجدل حول مسؤولية حماس، أو الجدل حول الفساد الذي صار أقسى من الاحتلال، لتنتهي المناقشة في صالح المقاومة، حيث بالإمكان تحمل مثل هذه الخسائر في حرب وطنية، مادام العدد نفسه يروح عبثاً من دون حرب.
المقارنتان تؤكدان على وعي الغاضبين بحقيقة تشابك الفساد الداخلي مع الهزيمة الخارجية وتقلص خيارات الدولة المصرية على الجبهة القومية.
وعلى الرغم من أن مسيرة تقليص العدالة في المجتمع المصري قد بدأت في منتصف السبعينيات، إلا أن الحجم المحدود للمشروعات التي ولدت على أيدي الانفتاحيين الأوائل ومستويات الفساد في ذلك الوقت، وكفاءة الأداء في جهاز الدولة وحجم الخدمات التي تقدمها للأغلبية، كل هذا لم يصل بالمجتمع المصري إلى الانقسام الحاد الذي تجسد في الثماني سنوات الأخيرة، من بداية الألفية الثالثة.
كانت أشهر محاكمات ما بعد عصر السادات، هي محاكمة شقيقه عصمت بتهمة الإتجار في الحشيش. وهي تهمة تثير الشفقة اليوم، لأن تجارة الحشيش عمل شاق، ويتضمن الكثير من الهدر، بما يصل بالربح إلى ما فوق ربح البقالة بقليل، بينما استقرت في السنوات الأخيرة عادة منح آلاف الأفدنة لشخص واحد، تترجم إلى مليارات في يديه فوراً. وعندما يتهم في جريمة قتل، يقال إنها محاولة لتدمير 'إمبراطورية اقتصادية'.. متى بنيت هذه الامبراطورية وكيف، لا أحد يعلم!
هذا التوزيع المجاني للثروة جرى من قبل في بدايات القرن الثامن عشر على يدي محمد علي، لكن ضمن فلسفة بناء دولة، فأقطع شيوخ قبائل البدو لتوطينهم وعائلات الريف مساحات من الأرض الزراعية المستصلحة لضمان ولائهم.
أي كانت هناك استراتيجية لبناء تماسك الدولة، وزيادة الإنتاج الزراعي، وقد شكلت هذه العائلات فيما بعد القوة الاقتصادية لبرجوازية مصرية، رفعت مشروع طلعت حرب الاقتصادي في مواجهة استغلال البنوك الأجنبية والأرستقراطية التركية، بينما تركزت منح هذا العصر على أراضي البناء.
وقد حولت هذه المنح المجانية بضعة شباب أو رجال عاديين، بلا مواهب خارقة أو ماض اقتصادي إلى مليارديريين في لمح البصر. ولم تؤد فقط إلى حالة الاحتقان والإحباط لدى ملايين العاطلين، بل إن هذه الثروة التي هبطت دون فطنة أو خيال خاص، بقيت كما هي عديمة الخيال، محصورة في الاستثمار العقاري الفاخر، لا تزرع أو تحصد أو تساهم في صناعة، ولو فانوس رمضان الذي تستورده مصر من الصين!
ثروات فجة، لم تساهم في توفير فرص عمل متنوعة، ولم تعمق فقط الانفصال بين بناتها وبقية الشعب فقط، بل عمقت الانفصال الاجتماعي، بين أغلبية تسكن المدن الرثة، وقلة تسكن معازل مسورة في تجمعات ترابض على حدود العاصمة والمدن الكبرى، مثل ثكنات جيش يستعد للاقتحام!
تزامن التسارع في بناء ثكنات الغزاة مع تدهور آلة الدولة، التي اختار رموزها سكن المنتجعات بدلاً من الحفاظ على كفاءة النقل والمرور وسائر الخدمات بالعاصمة.
نادت المنتجعات سكانها من المسؤولين وكبار الصحافيين الذين تلقوا بيوتهم في شكل هبات أحياناً، بالإضافة إلى عدد من المستخدمين لدى النصف بالمئة المتحكم، مع بعض التكنوقراط ممن أفنوا أعمارهم في بلاد عربية، ويسمعون عن توحش الفقر والعنف والتلوث بالمدن، ويبحثون عن مختتم هادئ لحياتهم يستحقونه، أو عن إقامة مريحة للأسرة في غيابهم.
هذا الانفصال العمراني، جعل عزلة مجتمع 'النصف في المائة' مضاعفة إذا ما قيست بعزلة الطبقة نفسها إبان النكبة، حيث كانت أحياء الأغنياء (الزمالك وجاردن سيتي والمعادي) امتداداً طبيعياً لفضاء المدينة، تستطيع الطبقات الأخرى التنزه فيها بحرية.
كما كانت ثروة الطبقة الأرستقراطية قبل الثروة معتقة، بنيت على مدى أكثر من جيل من الأسرة الواحدة ونسيت مصادرها الفاسدة، مما يقلل الإحساس بالظلم، بعكس ثروات اليوم الواحد، حيث يتخرج شابان في ذات الكلية، وينامان ذات ليلة ليستيقظ أحدهما مليارديراً والآخر أجيراً لا يجد قوت يومه!
واليوم يتغذى سخط الانفـــصال التام في مصر من الموت الزؤام في غزة، فما أسوأ اليوم عن البارحة، لأن الحرب لم تكن متلفزة كما هي اليوم، وهذه الجموع التي تبكي على غزة بعين وعلى مصر بالأخرى، إلى متى ستلتزم بأدب البكاء؟ الجواب بيد أولمرت.

لماذا انتصرنا؟ لماذا انهزمنا؟


لماذا انتصرنا؟ لماذا انهزمنا؟
عائض القرنى

انتصرنا فيما سبق من الزمان، يوم كان شعارنا لا إله إلا الله، يوم كان جنودنا يعفّرون وجوههم سجداً لله قبل المعركة، يوم كان جيشنا يكبر في الأرض فتكبر الملائكة في السماء فتهتز الجبال وتنخلع قلوب الأعداء ويحل النصر ويحصل الظفر، يقول محمد إقبال:

* نحـن الذيـن إذا دُعوا لصلاتهم ـ والحرب تسقي الأرض جاماً أحمرا

* جعلوا الوجوه إلى الحجاز فكبروا ـ في مسمع الـروح الأمـين فكبرا.

يوم حضر خالد بن الوليد معركة اليرموك، وكان جيش الروم كالبحر الهائج فقال أحد المرجفين لخالد: اليوم يا خالد: نفّر إلى جبل سلمى وآجى، قال خالد وقد رفع سبابته ونظره إلى السماء: لا والله لا نفّر إلى جبل سلمى وآجى لكن إلى الله الملتجى، فحصل الفتح المبين، ولما حاصر قتيبة بن مسلم كابل رفع أحد العباد أصبعه يقول: يا حي يا قيوم، فقال له قتيبة: والله إن أصبعك هذه أقوى عندي من مائة ألف شاب طرير، ومن مائة ألف سيف شهير، ولما حضر صلاح الدين في حطين انتظر حتى صعد خطباء الجمعة على المنابر لتكون ساعة إجابة، ولما حضر قطز عين جالوت صرخ في الجيش: «وإسلاماه»، وسجد نور الدين محمود عند فتح عكا، وسأل الله أن يحشره من بطون السباع وحواصل الطير، ويوم قال عبد العزيز بن عبد الرحمن لأحد عماله: إذا كان الله معك فمن تخاف؟ وإذا الله كان ضدك فمن ترجو؟ انتصرنا يوم كان الحاكم والمحكوم على قلب رجل واحد، انتصرنا يوم صاح عمر على المنبر عام الرمادة، قائلاً: والله لا أشبع حتى يشبع أطفال المسلمين، انتصرنا يوم نصرنا المستضعفين، وكفلنا الأيتام ورحمنا المساكين وواسينا الفقراء، انتصرنا يوم حملنا القرآن في قلوبنا والعزة في أنوفنا والهمة في رؤوسنا، انتصرنا يوم انتصر العدل على الظلم والحرية على الاستبداد ورأي الأمة على رأي الفرد، انتصرنا يوم شيّدنا صروح المعرفة ومنارات العلم فقدمنا للعالمَ الشافعي وابن تيمية وابن خلدون وابن سينا وابن رشد وألوفاً أمثالهم، انتصرنا يوم قادنا عمر وسعد وخالد وطارق وقتيبة بكتاب الله وسنة رسوله (صلى الله عليه وسلم).

ثم انهزمنا يوم ألغى بعض حكامنا الإسلام جهاراً نهاراً ووضع مكان الله الواحد الحزب الواحد، وألغى لا إله إلا الله ورفع مكانها أمة عربية واحدة ذات رسالة خالدة ويوم رفض بعضنا السجود لله وسجد للشيطان والصنم والطاغوت، وانهزمنا يوم أكلنا الربا والسحت وكذبنا على أنفسنا والناس وغدر بعضنا ببعض وسفك سفهاؤنا دماء عقلائنا، وطففنا الكيل والوزن، وهجرنا القراءة والكتاب والصناعة والإبداع وتشاغلنا باللهو والرقصات الشعبية، والنعرات القبلية والشعارات العنصرية، والهتافات الحزبية، والغناء والغثاء والهذيان والفراغ مع البطالة، وانهزمنا يوم كُسر القلم الحر، وكُمّم الفم الصادق، وصودرت حقوق الناس وسجن الأبرياء وجلد الشرفاء، واغتيلت حرية الرأي، ولُعب بالمال العام، وعذّبت الشعوب بسياط الاستبداد والاستعباد ونصبت محاكم التفتيش، وصارت كثير من الدول العربية سجوناً كبيرة لمواطنيها، وصار الإسلام تهمة، والمسجد مهجورا، والمصحف مجلة، والمصنع باره، وهجرنا الاكتشاف والاختراع والعمل والإبداع ورضينا بالذل وآثرنا الخمول وعشقنا النوم وغلبنا الكسل، انهزمنا يوم تفرقنا واختلفنا وانقسمنا إلى طوائف وفرق وأحزاب ومنظمات وجماعات كل فئة تلعن الأخرى وتكفرها وتستحل دماءها، وصار بعض العلماء والكتاب والمفكرين يتبادلون التهم والتخوين والتكفير، ونسينا مهمتنا في الحياة، بعدما كنا خير أمة لأعظم رسالة وأجلّ دعوة في أقدس بقعة لأشرف هدف، بأحسن منهج وأكمل شريعة وأنبل قيادة وأكرم جيل وأصفى منهج وأروع حضارة وأطهر إنسانية، فإلى الله المشتكى وعليه التكلان وهو المستعان وبه المستغاث وإليه الملجأ ومنه الرشد، وحسبنا الله ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

فيديو قنص كتائب القسام لجندي صهيوني على دبابته في معركة الفرقان

فيديو قنص كتائب القسام لجندي صهيوني على دبابته في معركة الفرقان

السيد نصر الله: سيكون تموز نزهة امام ما اعددنا للعدوان

السيد نصر الله: سيكون تموز نزهة امام ما اعددنا للعدوان
اكد الامين العام لحزب الله سماحة السيد حسن نصر الله ان احداث قطاع غزة كما تجربة تموز اثبتت افضلية خيار المقاومة لافتا الى عجز مجلس الامن في وقف العدوان داعيا العرب الى مساعدة المقاومة لا الضغط عليها، مؤكدا الجهوزية في لبنان لمجابهة اي عدوان بشكل يجعل من حرب تموز نزهة اذا ما قيست امام ما اعددناه للعدو.
ففي خطابه في ختام مسيرة العاشر من محرم في ضاحية بيروت الجنوبية اكد السيد نصر الله ان تجربة حرب تموز وتجربة المقاومة الفلسطينية في غزة حتى الان من خلال الثبات الاعجازي الذي يقدمونه قد حسمتا ويجب ان تحسما كل نقاش حول استراتيجية دفاعية هنا او هناك. واضاف هذا الجيش الجبار يقف عاجزا عن تحقيق اهدافه امام مقاومة متواضعة الامكانيات وعظيمة الارادة ما يؤكد ان خيار المقاومة الشعبية المسلحة المستندة الى الايمان والعزم هي الخيار الاقوى والافضل لمواجهة اعتى الجيوش في العالم اذا مما ارادت احتلال بلد ما.
وسأل السيد نصر الله هل يحتاج مجلس الامن الى اكثر من 650 شهيدا و2500 جريحا ليحسم امره ويتصرف بمسؤولية. وقال ان مجلس الامن الذي يعجز عن ادانة مجازر الصهاينة كيف سينصف قضية؟
وحول المسؤولية العربية قال سماحته ان مسؤوليات الحكومات العربية اليوم أن تكون الى جانب المقاومة في فلسطين وتساعد المقاومة على تحقيق هدفها بوقف العدوان وفك الحصار لا بالضغط على المقاومة للقبول بشروط اسرائيل المذلة. وسأل هل يحتاج النظام المصري لاكثر من ذلك ليفتح معبر رفح بشكل حقيقي ونهائي لمساعدة اهل غزة على الصمود والانتصار؟ كل ما يطلب منك فتح معبر لا فتح جبهة واعلان حرب.
وقال "إن حماة اسرائيل في أميركا والعالم يريدون من أمتنا وحكوماتنا أن تعطي الشرعية لاسرائيل ولو بالحديد والنار لكن الغالبية الساحقة من أمتنا ترفض ذلك. واكد ان ما يجري اليوم من حرب مدمرة على أهلنا في غزة يجب أن تكون دافعا قويا لرفض الاعتراف باسرائيل. وراى ان قطع العلاقات مع اسرائيل وإيقاف التطبيع معها هو من أبسط الحقوق والواجبات على الحكام في هذه المرحلة. اضاف بالأمس قام (الرئيس الفنزويلي هوغو) شافيز بطرد السفير الاسرائيلي تضامنا منه مع الشعب الفلسطيني، فشافيز انطلاقا من انسانيته وحسه الانساني صفع وجوه أولئك الذين يستضيفون سفراء اسرائيل في عواصمهم ولا يجرؤون أن يفكروا في طردهم. اليوم يجب أن يتعلم حكامنا من رجل في أميركا كيفية التعامل مع اسرائيل".

وحول رفع دعوى مصريه ضده قال اعلمني البعض امس ان مجموعة من ازلام النظام المصري قد رفعوا علي دعوى شخصيا الى المحكمة الجنائية الدولية بسبب خطابي في الليلة الاولى حين طلبت من مصر فتح معبر رفح، واعتبر هذا دعوة الى الانقلاب، لكن في كل الاحوال انا اعتز بهذه الدعوى خصوصا ممن لم تهتز مشاعرهم لكل المجازر الاسرائيلية في كل مكان، عندما ترفع علي دعوى وانها بسبب موقف تضامني مع المظلومين في غزة هذا فخر لي في الدنيا والاخرة. لكن اود ان اقول بصراحة، لم نخاصم ونعادي من تواطأ علينا من العرب في تموز ومن اساء الينا لكننا سنخاصم ونعادي من يتواطأ على غزة واهلها.
ودعا سماحته الى التنبه والجهوزية في لبنان واكد ان ما يجري الان يعنينا جميعا ونحن جميعا في مرحلة تاريخية دقيقة وحساسة. واضاف لا نعرف حجم الموضوع وحجم التواطؤ ويجب ان نتصرف على اساس ان كل الاحتمالات مفتوحة ويجب ان نكون حذرين وجاهزين لكل طارئ.
ورد سماحته على تهديد رئيس الوزراء الصهيوني لحزب الله وقال بالامس قال اولمرت اليوم حماس وغدا حزب الله وانا اقول لاولمرت الفاشل والخائب والمهزوم في لبنان لن تستطيع القضاء على حماس ولن تستطيع القضاء على حزب الله.
واضاف نحن مستعدون لكل احتمال ومتجهزون لكل عدوان. لو جئتم الى ارضنا وقرانا واحيائنا وبيوتنا اقول لكم بكلمة بسيطة وعابرة سيكتشف الصهاينة ان حربهم في تموز هي نزهة اذا قيست امام ما اعددناه لهم في اي عدوان جديد.
وقال لن نترك الساح ولن نسقط السلاح وستبقى المقاومة عنوانا لتاريخنا وتضحيات شهدائنا، وكنت امل من كل الاصوات التي انطلقت من لبنان لطمانة اسرائيل وحلفاء اسرائيل ان اسمع صوتا واحدا يرد على تهديدات اسرائيل للبنان وحزب الله بالتحديد، واصفا ذلك بالطمانة المجانية في الوقت الذي يذبح اهلنا في غزة ويهدد اهلنا في لبنان.

مسيرة العاشر من محرم المركزية التي ينظمها حزب الله في ضاحية بيروت الجنوبية وكما كل عام ضمت مئات الالاف من المواطنين. وعقب تلاوة المصرع الحسيني في مجمع سيد الشهداء عليه السلام انطلقت الجموع في مسيرة مهيبة غصت بها شوارع الضاحية على وقع النداءات والشعارات الحسينية واللطميات والهتافات بالنصرة للمقاومة في فلسطين وتجديد العهد، وصولا الى التجمع في ملعب الراية حيث القى السيد نصرالله خطابه عبر شاشة عملاقة.




نص كلمة السيد نصر الله:

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم, بسم الله الرحمن الرحيم والحمد الله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا, شفيع ذنوبنا وحبيب قلوبنا خاتم النبيين أبي القاسم محمد بن عبد الله وعلى آله الطيبين الطاهرين وأصحابه الأخيار المنتجبين وعلى جميع الأنبياء والمرسلين.السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته، أحسن الله لك العزاء في ولدك الحسين عليه السلام, السلام عليك يا أبا الحسن يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته أحسن الله لك العزاء في ولدك الحسين عليه السلام, السلام عليك يا فاطمة يا بنت رسول رب العالمين ورحمة الله وبركاته, أحسن الله لك العزاء بولدك الحسين عليه السلام , السلام عليك يا أبا محمد الحسن ورحمة الله وبركاته أحسن الله لك العزاء في أخيك الحسين عليه السلام, السلام عليك يا بقية الله في الأرض ورحمة الله وبركاته أحسن الله لك العزاء بجدك الحسين عليه السلام ,السلام على أرواح المؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات ورحمة الله وبركاته أحسن الله لهم العزاء في مولاهم الحسين عليه السلام ,وأنتم أيها المحبون والصادقون والأوفياء السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وأحسن الله لكم العزاء في سيدكم ومولاكم أبي عبد الله الحسين عليه السلام.

في يوم العاشر من محرم نتقدم بالعزاء إلى صاحب العزاء إلى بقية الله في الأراضين حفيد الحسين وصاحب الزمان عجل الله تعالى فرجه الشريف ومن جميع مراجعنا وفقهائنا لاسيما سماحة آية الله العظمى الإمام السيد علي الخامنئي دام ظله ومن جميع المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات في يوم شهادة حفيد رسول الله .

في مثل هذا اليوم خط الحسين عليه السلام للأجيال طوال التاريخ طريقاً للجهاد الماضي في أمتنا إلى يوم القيامة وفتح باباً للاستشهاد الموصل إلى الله تعالى من أقصر الطرق، وتبقى كلماته وكلمات أصحابه مدويةً في الآذن والقلوب والعقول تثبت مدرسة الإسلام المحمدي الأصيل، من ذلك الشاب علي الأكبر وقوله السنا على الحق, إذاً لا نبالي أوقعنا على الموت أم وقع الموت علينا، إلى أولئك الأصحاب الذين رفضوا أن يتخذوا الليل جملا وقالوا له أنبقى بعدك, لا طيب الله العيش بعدك يا حسين وكلن منهم يقول له لوددت أني أقتل ثم احرق ثم أنشر في الهواء ثم أحيا ثم اقتل ثم احرق ثم انشر في الهواء يُفعل بي ذلك ألف مرة ما تركتك يا حسين.

إلى تلك السيدة العظيمة التي فقدت إخوتها وأحبتها وأولادها وأبناء إخوتها في ساعات قليلة ولكنها بقلب راض وصابر ومحتسب جلست عند جسد سيدها وحبيبها الحسين ولم يكن لها سوى كلمات الرضا وطلب القبول من الله,السيدة زينب عليها السلام بعد ساعات من مثل هذا اليوم تجلس عند الجسد المقطع المدمى وتنظر إلى السماء وتقول اللهم تقبل منا هذا القربان, إلى سيدهم إلى سيد الشهداء عليه السلام وكلماته الخالدة والله لا أعطيكم بيدي إعطاء الذليل ولا أقر لكم إقرار العبيد ,إني لا أرى الموت إلا سعادة والحياة مع الظالمين إلا برما,ألا وإن الدعي ابن الدعي قد ركز بين اثنتين بين السلة و الذلة وهيهات منا الذلة, يأبى الله لنا ذلك ورسوله والمؤمنون وحجورٌ طابت وطهرت وأنوفٌ حمية ونفوسٌ أبية من أن نؤثر طاعة اللئام عل مصارع الكرام. هذه الكلمات من كربلاء من القائد من المرأة السيدة الجليلة من الشباب الصغار ومن الأصحاب والرجال,هي مدرستنا الإسلامية الأصيلة التي ننتمي إليها في فكرنا وثقافتنا ووعينا ووجداننا والتزامنا وجهادنا وعشقنا للشهادة.

أيها الإخوة والأخوات إن كل هذا القتل يوم عاشوراء والذي استمعتم إليه صبيحة اليوم,لأن الحسين عليه السلام أبى أن يعطي الشرعية لسلطانٍ قاتل ومجرم يسفك الدماء وينتهك حدود الله ولا يرقب في دين الله ولا في أمة محمد صلى الله عليه وآله إلاً ولا ذمة وكل ما كان مطلوباً من الحسين وموقعه الكبير في الأمة أن يعطي هذه الشرعية لهذا السلطان عبر البيعة في كلمات صغيرة وقليلة ولكن الحسين عليه السلام رفض ذلك كي لا يكون شريكاً في الجريمة والطغيان وآثر الشهادة لأنه كان يعلم أن دمائه الزكية ودماء أهل بيته وأصحابه الأطهار ستزلزل عرش الطاغية وستؤسس للثورات المتتابعة التي لن تسمح لطواغيت آل أمية من تثبيت ملكهم وسلطانهم على حساب دين محمد وأمة محمد صلى الله عليه وآله وهذا ما حصل بالفعل وباسم الحسين عليه السلام قامت الثورات سريعاً في أكثر من قطرٍ من أقطار المسلمين وصولاً إلى ثورة العباسيين وبمعزلٍ عن خلفيتها الحقيقية إلا أنها حملت اسم الحسين ودم الحسين وشعار الحسين ولبست السواد على الحسين وأسقطت ملكاً ما ظن أصحابه انه يمكن أن يزول.

أيها الإخوة والأخوات ونحن اليوم أمام هذا الكيان الصهيوني القائم على اغتصاب الأرض وانتهاك المقدسات وسفك الدماء وقتل الأطفال وبقر بطون الحوامل وارتكاب المجازر إن أقل واجب علينا جميعاً أن لا نعترف بشرعية هذا الكيان وأن لا نعطيه الشرعية التي يطلبها أياً تكن العواقب والتبعات والتضحيات. إن حماة هذا الكيان المجرم في أمريكا وعلى امتداد العالم يريدون من أمتنا من شعوبنا من حكومتنا أن تعترف بوجود إسرائيل وان تعطي الشرعية لهذا الوجود ولو بالحديد والنار، ولكن الغالبية الساحقة من أمتنا مازالت ترفض ذلك وسترفض ذلك.

ان ما يجري اليوم من حرب مجرمة على أهلنا في غزة والتي تؤكد الحقيقة المتوحشة والعدوانية والعنصرية لإسرائيل، يجب ان تكون دافعا قويا وإضافيا لرفض الاعتراف بهذا الكيان.

أيها الإخوة والأخوات ان قطع العلاقات مع إسرائيل ووقف كل أشكال التطبيع معها وإعطاء الوصف الحقيقي لما ترتكبه من مجازر اليوم في غزة هو من ابسط وأوضح الواجبات على الحكام والشعوب في هذه المرحلة. بالأمس قام الزعيم الفنزويلي تشافيز بطرد السفير الإسرائيلي تضامنا مع الشعب الفلسطيني، وفنزويلا في جوار أميركا وقريبة من أميركا، فعل ذلك تشافيز انطلاقا من إنسانيته ومن حسه الثوري الكبير ليصفع بذلك ايضا وجوه كل أولئك الذين يستضيفون سفراء لإسرائيل في عواصمهم، ولا يجرؤون حتى على التفكير في طرد هؤلاء السفراء. اليوم مطلوب من بعض حكام العرب ان يتعلموا من زعيم في أميركا اللاتينية كيفية التضامن وحجم التضامن مع شعب فلسطين.

أيها الإخوة والأخوات ان هذا الكيان المجرم يجب ان يُعاقب على جرائمه ، لا ان يكافئ وان تقدم له المكاسب والهدايا في مقابل من من ذبحهم من أطفال ونساء وأهل غزة. وأؤكد لكم ان شعوب امتنا ستعاقب هذا الكيان وقادة هذا الكيان على جرائمه. لطالما تسامح الحكام مع إسرائيل ولكن شعوبنا لا يمكن ان تتسامح مع إسرائيل. ان مسؤوليات الحكومات العربية اليوم ان تكون الى جانب الشعب والمقاومة في فلسطين، وليس وسيطا بينها وبين الاحتلال،وان تساعد المقاومة على تحقيق هدفها في وقف العدوان وفك الحصار لا في الضغط على المقاومة للقبول بشروط إسرائيل المذلة. بالأمس قال مسؤول مصري كلاما جيدا هل يحتاج مجلس الأمن (يعني انه كان يحتج على مجلس الأمن)، قال هل يحتاج مجلس الأمن الى أكثر من 650 شهيدا و2500 جريحا ليحسم أمره و يتصرف بمسؤولية؟ كلام جيد. وأنا اسأل هذا المسؤول المصري وهل يحتاج النظام المصري الى أكثر من 650 شهيدا و2500 جريحا ليفتح معبر رفح بشكل حقيقي ونهائي لمساعدة أهل غزة على الصمود والانتصار؟ نفس السؤال الذي تسأله لمجلس الأمن ، نسألك إياه. وكل ما يُطلب منك فتح معبر وليس فتح جبهة ولا إعلان حرب. لقد ابلغني بعض الإخوة بالأمس ان مجموعة من المحامين المصرين من ازلام النظام قد رفعوا دعوى عليّ شخصيا الى المحكمة الجنائية الدولية، ابلغوني ان هؤلاء قد رفعوا عليّ دعوى شخصية الى المحكمة الجنائية الدولية بسبب خطابي في الليلة الأولى عندما طلبت من القيادة المصرية ان تفتح المعبر، ومن شعبها الأبي وجيشها الباسل ان يفرضوا عليها ذلك، واُعتبر هذا ظلما دعوة الى انقلاب، وهو بتواضع دعوة الى فتح معبر لكن في كل الأحوال أنا اعتز بهذه الدعوى القضائية، وخصوصا من أولئك الذين لم تهتز مشاعرهم لكل المجازر الإسرائيلية في لبنان ، في قانا ، وفي جباليا ، وفي فلسطين وحتى مجازر الصهاينة بحق الجنود المصريين البواسل الأسرى. عندما تُرفع عليّ دعوى ويسجل ان هذه الدعوى بسبب موقف تضامني مع المظلومين والمقتولين والمضطهدين في غزة، هذه مسألة افتخر بها في الدنيا واعتز بها في الآخرة بين يدي الله سبحانه وتعالى. ولكن أنا أود أن أقول لكم بصراحة نحن لم نخاصم ولم نعاد من تواطأ علينا من العرب في حرب تموز، ومن اتهمنا وأساء إلينا وشارك في دمائنا، ولكننا سنخاصم ونعادي من يتواطأ على غزة وأهلها. لكننا سنخاصم ونعادي من يتواطأ على غزة وعلى أهلها وعلى مقاومتها، وعلى من يشارك في دماءها ويسد عليها أبواب الحياة والخلاص.

أيها الإخوة والأخوات ما سمعناه ايضا بالأمس (بالأمس كان هناك الكثير من الكلام يعني) ما سمعناه من بولتن الصهيوني في الإدارة الأميركية العازف يأسا وإحباطا يشير بوضوح الى الهدف الحقيقي للأمريكيين والصهاينة، وهو تصفية القضية الفلسطينية من خلال الفصل نهائيا بين قطاع غزة والضفة الغربية، والحديث عن انتهاء مقولة الدولتين من خلال تثبيت دولة إسرائيل، تسليم قطاع غزة لمصر، وتسليم أجزاء من الضفة الغربية التي يسمح بها كرم الصهاينة الى الأردن. وأنا أقول لكم هذا هو المشروع الأميركي الصهيوني الحقيقي. كل الحديث السابق عن دولتين هو سراب واحتيال وخداع، لأنهم عندما يأتون الى تشخيص الدولة الفلسطينية لا يعطون الفلسطينيين أرضا يمكن ان تقام عليها دولة. ثم يأتون ليقولوا لا يمكن إقامة دولتين، فالحل إذن هو في تصفية القضية الفلسطينية وإنهاءها. هذا يتطلب بالدرجة الأولى تجديدا للدعوة الى الوحدة الوطنية الفلسطينية بكل فصائلها حماس وفتح والجهاد وكل الفصائل لأن قضيتهم ومشروعهم جميعا هو في دائر التصفية الذي يصفى اليوم، أو يعمل على تصفيته، ولن يصفى إنشاء الله، ليس حكومة حماس أو حكومة فتح أو مقاومة هذا الفصيل أو ذاك الفصيل، وإنما القضية الفلسطينية.وهذا يتطلب تجديد الدعوة لكل أشكال المساندة الممكنة للمقاومة والصمود في غزة.

ايها الاخوة والاخوات، ان تجربة حرب تموز 2006 وتجربة المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة حتى الآن من خلال الاسطورة والثبات الاعجازي الذي يقدمونه. اعتقد ان هاتين التجربتين قد حسمتا ويجب ان تحسما كل نقاش حول استراتيجية دفاعية هنا او هناك. فهذا الجيش الجبار، احد اقوى جيوش العالم، ويمتلك اقوى سلاح جو في المنطقة، يقف عاجزا عن تحقيق اهدافه امام مقاومة متواضعة الامكانيات ولكنها عظيمة الايمان والارداة في بقعة جغرافية ضيقة ومحاصرة. مما يؤكد ان خيار المقاومة الشعبية المسلحة والمستندة الى الايمان والعزم والى الاحتضان الشعبي هي الخيار الاقوى والافضل لمواجهة اعتى الجيوش في العالم اذا ما ارادت ان تحتل ارض بلد ما. هذا الامر يزيدنا بصيرة ووضوحا في رؤيتنا وفي طريقنا.

انظروا ايها الاخوة والاخوات، حتى مجلس الامن والقرارات الدولية والمجتمع الدولي، ليس هو فقط عاجز عن حماية الشعب الفلسطيني في غزة، هو عاجز عن ادانة مجزرة ارتكبت في مدرسة تابعة لاحدى هيئات الامم المتحدة. كما هو عجز في الماضي عن ادانة مجزرة قانا التي قتل فيها اكثر من مائة شهيد في مقر للامم المتحدة، وكان عاجزا عن ادانة مجزرة قانا الثانية. مجلس الامن الذي يعجز عن ادانة المجازر التي يرتكبها الصهاينة بحق النساء والاطفال كيف يمكن ان يحمي شعبا وكيف يمكن ان ينصف قضية ؟ .

ايها الاخوة والاخوات، ان ما يجري اليوم يعنينا جميعا، وانا اعرف ان عيون الداخل تتوجه اليكم في لبنان، وعيون المنطقة تتوجه اليكم. ونحن جميعا في مرحلة تاريخية دقيقة وحساسة، اقول لكم اننا لا نعرف حتى الآن حجم المشروع وابعاده وحجم التواطؤ القائم، ويجب ان نتصرف على قاعدة ان كل الاحتمالات قائمة ومفتوحة، ويجب ان نكون جميعا دائما واعين وحذرين ونراقب الاوضاع بدقة وجاهزين لاي طارىء. بالامس ايضا نقل عن اولمرت انه قال للرئيس الفرنسي: اليوم حماس وغدا حزب الله. وانا اقول لاولمرت الفاشل والخائب والمهزوم في لبنان: لن تستطيع القضاء على حماس ولن تستطيع القضاء على حزب الله.
منذ ايام ومنذ اسابيع، وقبل العدوان على غزة وبعد العدوان على غزة، ونحن نسمع التهديدات، هذا يريد ان يدمرنا في ايام وذاك يريد ان يدمرنا في ساعات، وهذا يهددنا فوق الطاولة وهذا يهددنا تحت الطاولة. وانا اقول لهم، نحن هنا لا يمكن ان نضعف ولا يمكن ان نخاف ولا يمكن ان نستسلم. لن ترعبنا طائراتكم ولن تخيفنا تهديداتكم. نحن هنا مستعدون لكل احتمال وجاهزون لكل عدوان ، ولن اكرر ما قلته في السابق، لو جئتم الى ارضنا، الى قرانا، الى احيائنا ، الى بيوتنا، اقول لكم بكلمة بسيطة وعابرة جدا، سيكتشف الصهاينة ان حربهم في تموز هي نزهة اذا ما قيست بما اعددناه لهم امام أي عدوان جديد.

نحن هنا لن نترك الساح ولن نسقط السلاح وستبقى مقاومتنا عنوانا لتاريخنا وتضحياتنا ودماء شهدائنا، وكنت آمل من كل الاصوات التي انطلقت من لبنان لطمأنة اسرائيل او الوسطاء مع اسرائيل حول الحدود مع لبنان، كنت اتمنى ان اسمع صوتا واحدا يرد على تهديدات اسرائيل للبنان وللمقاومة في لبنان ولحزب الله بالتحديد. لماذا عندما ينطق الصهاينة لا نسمع جوابا؟ ولكن عندما يتحدث البعض عن احتمالات يسارع الكثيرون لتقديم طمأنة مجانية في الزمن الذي يذبح الصهاينة اهلنا في غزة ويهددون اهلنا في لبنان.

ايها الاخوة والاخوات، في يوم العاشر من المحرم وامام كل هذه التحديات، نحن بحاجة الى روح الحسين، الى بصيرة الحسين، الى حكمة الحسين، الى رضا الحسين برضا الله، والى صبره على قضاء الله ، والى ثباته وصموده وجهاده وعشقه للشهادة. ونحن كما كنا على مر العقود الماضية، كنا مع الحسين في كل موقع، وكنا مستعدين لنقدم انفسنا وارواحنا كما قدم اخواننا وقادتنا انفسهم شهداء. ومستعدين لنقدم ابناءنا واحبتنا شهداء في سبيل ما نؤمن به، وفي الدفاع عن حياة كريمة شريفة عزيزة، بعد كل هذه السنين التي اثبتت فيها التجارب صوابية طريقنا ومنطقنا وصدقية خياراتنا، نضم التجربة الى الانتماء والواقع الى الوجدان، ونقول ان شعبا وان اجيالا وان نساء ورجالا يرددون في كل يوم ونهار شعارهم المعروف لا يمكن ان يهزموا ولا يمكن ان يخيفهم أي تهديد طالما ان اصواتهم تلهج بنداء التلبية: لبيك ياحسين.

إسرائيل هي عدونا وعدو أمتنا وستبقى العدو ولو صالحها البعض، وأمريكا صانعة إسرائيل وحاميتها هي العدو وعدو أمتنا وستبقى عدونا ولو صالحها البعض.
اليوم نختم وقفتنا هذه، وأنا أشكركم مجدداً على كل هذا الحضور الكبير والمخلص والمؤمن والمجاهد ونسمع صوتنا لعدونا ليعرف أننا الأمة وسنبقى الأمة التي لو وضعت بين خيارين بين السلة والذلة فمنطقها وفكرها وسلوكها وموقفها وشعارها: هيهات منّا الذلة.

سقطة 'الوسيط' ساركوزي!


سقطة 'الوسيط' ساركوزي!
عبد الباري عطوان
خيّب الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي آمال مئات الملايين من العرب والمسلمين يوم امس عندما كشف عن انحيازه الكامل للمجازر الاسرائيلية المتواصلة في قطاع غزة حيث وجه اللوم الى الضحية، واعفى الجلاد الاسرائيلي من اي نقد حقيقي.
الرئيس ساركوزي اكد في تصريحاته التي ادلى بها امس، اثناء توقفه في رام الله، في بداية جولته الحالية، السقوط الاخلاقي لهذا الغرب الحضاري الديمقراطي، عندما لم يتردد لحظة في تحميل حركة حماس المسؤولية عما يحدث حاليا في قطاع غزة بقوله 'انها تصرفت بشكل غير مسؤول لا يغتفر بقرارها رفض تمديد التهدئة، واستئناف اطلاق الصواريخ على الدولة العبرية'.
امر مخجل ان يسقط الرئيس الفرنسي الذي يمثل دولة الحريات وقيم الانتصار للعدالة والضعفاء، هذه السقطة، في وقت تنقل الينا عدسات التلفزة العالمية صور عشرات الاطفال وقد مزقت اجسادهم الصواريخ الاسرائيلية.
الرئيس ساركوزي لم يذهب الى المنطقة في مهمة سلام، او لوقف اطلاق النار، مثلما ادعى، وانما لكي يعطي اسرائيل غطاء اوروبيا لاكمال 'الهولوكوست' الذي بدأته قبل عشرة ايام ضد اناس محاصرين مجوّعين وعزل.
فصول المؤامرة تتضح يوما بعد يوم، فبعد الصمت الغربي المريب، ومنع مجلس الامن الدولي من قبل امريكا والدول الاوروبية دائمة العضوية فيه من اصدار اي قرار يدين العدوان الاسرائيلي ويطالب بوقفه، ها هو الرئيس الفرنسي يختار منبر السلطة الفلسطينية في رام الله ليعلن ان حركة حماس 'تتحمل مسؤولية كبيرة عن معاناة الفلسطينيين في غزة' ،وهو صك براءة من زعيم احدى دول التحالف الغربي لاسرائيل، لاعفائها من اي مسؤولية او لوم، وصك ادانة للضحايا.. هذا هو النفاق الغربي الذي اوصل العالم الى هذا الوضع المأسوي الذي يعيشه، بدءا من تصاعد اعمال العنف والارهاب وانتهاء بالانهيار الاقتصادي الشامل.

من الواضح ان الحكومة الفرنسية تؤيد هذه المجازر الاسرائيلية، بعد ان اطلعت على الاهداف التي تسعى حكومة تل ابيب لتحقيقها اثناء زيارة السيدة تسيبي ليفني وزيرة الخارجية الاسرائيلية الى فرنسا يوم الخميس الماضي. فبعد هذه الزيارة الخاطفة تغير الموقف الرسمي الفرنسي كليا، وانقلبت جولة ساركوزي من مهمة سلام ووقف الحرب، الى مباركة لها واعطاء الحكومة الاسرائيلية كل الوقت والدعم للمضي قدما فيها، حتى تحقق اهدافها كاملة.
الهدف الاساسي من هذا العدوان ليس وقف اطلاق الصواريخ، وانما 'تغيير النظام' في قطاع غزة، اي اطاحة حكومة 'حماس' واعادة القطاع برمته الى بيت طاعة السلطة في رام الله.
اسرائيل تسير على خطى معلمها الامريكي، فطالما ان ادارة الرئيس بوش نجحت في تغيير نظامي العراق وافغانستان، تحت ذريعة انهما نظامان دكتاتوريان، فما المانع ان تغير اسرائيل حكومة منتخبة بصورة ديمقراطية في اقتراع حر في قطاع غزة؟
الحكومة الاسرائيلية اتخذت من اطلاق الصواريخ ذريعة للاقدام على هذه الخطوة، بتضخيم حجم اضرارها، لانه لا توجد لديها اي ذرائع اخرى، فلا توجد مقابر جماعية في قطاع غزة، ولا يوجد اي تنسيق بين حركة 'حماس' وتنظيم القاعدة، ولم تستطع المخابرات الامريكية او نظيرتها الاسرائيلية فبركة اي علاقة بينها وبين احداث الحادي عشر من ايلول (سبتمبر).
اسرائيل استخدمت اساليب الحصار والتجويع لتركيع أهل القطاع، ودفعهم الى الثورة ضد الحكومة، وعندما فشل هذا الاسلوب اللا اخلاقي المعيب، لجأت الى الهجوم الجوي، وعندما فشل هذا الهجوم في ترويع قادة حماس، وحركات المقاومة الاخرى ودفعها الى الاستسلام ورفع الرايات البيضاء تمّ اللجوء الى الغزو البري.

تغيير النظامين في العراق وأفغانستان لم يحقق النصر للادارة الامريكية والتحالف الغربي الذي دعم حروبها، بل اوقعهم في حرب استنزاف مادية وبشرية لا أحد يتنبأ كيف ستنتهي. وتغيير النظام في قطاع غزة ان تم بالقوة العسكرية، وعلى جثث المئات، وربما الآلاف من الاطفال والمدنيين، وهذا ما نشك فيه، فانه لن يحلّ مشكلة الصواريخ، ولن يوقف المقاومة، بل ربما يجعلها اكثر شراسة، تماماً مثلما حصل في العراق وافغانستان، وسيجعل اسرائيل تغرق في مستنقع غزة وبحرب دموية استنزافية، ستهرب منها مهزومة ورافعة الراية البيضاء.
تجارب الحروب الاسرائيلية الاخيرة، سواء ضد منظمة التحرير (اجتياح عام 1982) او ضد حزب الله (صيف 2006) وقبلها (حرب الحزام الامني) كشفت ان اسرائيل تخرج دائماً من هذه الحروب اضعف سياسياً وعسكرياً في الوقت نفسه، ومحاولة قلب هذه المعادلة في الهجوم على قطاع غزة 'الخاصرة' الاضعف في 'تحالف الشر'، حسب التوصيف الامريكي، مقامرة كبيرة قد تأتي بخسائر غير محسوبة بل وغير متوقعة.
احتلال غزة أمر مكلف.. والبقاء فيها امر اكثر خطورة، وعودة سلطة رام الله على ظهر الدبابات الامريكية امر مستبعد، ونفى ذلك السيد محمود عباس صراحة في مؤتمره الصحافي امس، اللهم إلا اذا كانت هذه السلطة تريد ان تستعيد تجربة 'حكومة فيشي' التي نصبها النازيون لحكم فرنسا تحت احتلالهم، ولن نستبعد ان يحاول السيد ساركوزي تسويق هذه الفكرة اثناء توقفه في رام الله بايعاز اسرائيلي.

اسرائيل ربما تكسب عسكرياً، لأنها تخوض حرباً من طريق في اتجاه واحد وضد عدو ضعيف جداً، محاصر ومعزول ومقطوعة كل طرق امداداته، حتى الطبية منها. ولكنها تخسر دبلوماسياً واخلاقياً وسياسياً. فقد بات العالم يشاهد جرائمها في صور الشهداء الاطفال وأجسادهم الممزقة.
التعتيم الاعلامي الاسرائيلي، ومنع الصحافيين من دخول قطاع غزة لتغطية الوقائع على الأرض، وهو امر لم يحدث في عهد صدام حسين الذي يتهمه الغرب بالديكتاتورية، لن يحول دون وصول الحقائق الى الرأي العام العالمي. وما يؤلمنا ان هذا الاعلام الغربي الذي يعطينا دروساً في المصداقية والموضوعية الصحافية يصمت على هذه الاهانة، بل وينحاز في معظمه الى هذه 'الدولة الديمقراطية' (من منظورهم) التي تمارس المنع لاخفاء مجازرها.
خيبة أمل كبرى أخرى تتمثل في موقف الرئيس الامريكي المنتخب باراك اوباما الذي صمت عن المجازر الاسرائيلية، بحجة الالتزام بالبروتوكول، وتكرار القول انه لن يعلق على أحداث غزة لأنه يوجد رئيس واحد في امريكا. اوباما نسي انه خرج عن هذه القاعدة عندما لم يتردد في ادانة الهجوم الدموي في مومباي بأكثر العبارات شدة. كل القواعد تتغيير عندما يكون الجلاد اسرائيلياً ويكون الضحية عربيا او مسلما.
اسرائيل لن تنجح في تغيير النظام في غزة، اللهم الا اذا غيرت الشعب الفلسطيني من سكان قطاع غزة، واستبداله بشعب آخر، ويبدو انها بدأت هذه المهمة بحرب الابادة والتطهير العرقي التي تشنها حالياً.

السيد نصر الله: منطق الحق والثبات سيؤدي الى الانتصار


السيد نصر الله: منطق الحق والثبات سيؤدي الى الانتصار

اعتبر الامين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله ان ما يجري الان في غزة هو توغلات وليس عمليات برية وهذا ما حصل خلال حرب تموز، مشيرا الى ان هذه التوغلات تستفيد من الفرصة التي اعطيت لاسرائيل قبل اتخاذ قرار في مجلس الامن وايجاد وقائع جديدة لفرضها في المجلس خاصة وان هناك حديث يدور عن فشل ثاني لاولمرت. وفي كلمة له في المجلس العاشورائي المركزي اكد سماحته ان الاخوة في فلسطين يعرفون ما يحصل وان الاصل هو الحاق اكبر قدر ممكن من الخسائر في صوف العدو، وان التوغل هنا او هناك كما حصل في تموز لا يحسم المعركة، طالما هناك مقاومة تلحق خسائر بالعدو، وهذا ما سيؤثر على المعركة ويقلب السحر على الساحر. كما اكد ان التوكل على الله، ومنطق الحق وارادة المجاهدين والثبات والصمود سيؤدي الى الانتصار وسنكون امام ملحمة جديده من انتصار الدم على السيف.

السيد نصر الله دعا لعدم الخوف من انتصار المقاومة والمقاومين بل الخوف من هزيمتهم، وقال انه مشتبه من يتصور ان الحاق الهزيمة سينهي المقاومة بل هذا سيدفع الى المزيد من المقاومة التي قد لا تقف عند ضوابط او موانع، ودعا سماحته الجميع للتضامن مع المقاومة من اجل الانتصار او على الاقل ان تخرس الالسن التي تحبط العزائم وتحول الصراع الى صراع اقليمي بين محور هنا وهناك، مشيرا الى ان ما يجري هو دفاع عن فلسطين ومقدسات العرب والمسلمين، وليس دفاعا لا عن ايران ولا سوريا ولا عن محور من المحاور الموجوده في العالم، حتى يبرر البعض لانفسهم هذا التواطؤ، واصفا هذه التبريرات بالواهية التي لا تنفع لا في الدنيا ولا في الاخرة.


ومما جاء في كلمة السيد نصر الله:

كما في كل ليلة في مواكبتنا للأحداث، عندما نكرر ونقول تموز تموز تموز ، هذا ما يجري الآن. لا حديث الآن عن عملية برية واسعة، ولكن عن توغلات برية في بعض أماكن القطاع في محاولة لتقطيع أوصال قطاع غزة كما فعلوا في جنوب لبنان، قصف الجسور، قصف الطرقات، قطع المناطق عن بعضها البعض، وهذا حصل أيضاً في حرب تموز والإخوة في المقاومة في غزة استفادوا أيضاً من هذه العبر، وهذه التوغلات هي تستفيد من الفرصة الزمنية التي أُعطيت لإسرائيل لتحدث تغييراً ما على الأرض قبل اتخاذ قرار في مجلس الأمن في محاولة لتحسين الشروط. وأنا أشبّه ما يجري الآن في هذه الساعات أو قد يجري خلال الساعات القليلة المقبلة بما جرى في الأيام الأخيرة من حرب تموز في محاولة حكومة أولمرت بإيجاد وقائع جديدة ميدانية لفرضها في قرار دولي، وإن كانت وسائل الإعلام الأميركية بدأت تتحدث عن الفشل الثاني لأولمرت ولحكومة أولمرت.

كما في حرب تموز، الإخوة في المقاومة في فلسطين يعرفون جيداً أنه الأصل في المواجهة البرية هو إلحاق أكبر قدر ممكن من الخسائر في صفوف العدو الإسرائيلي، هذا هو الذي يحسم معركة. الدخول هنا أو هناك، التوغل هنا أو هناك، كما حصل في حرب تموز، ليس هو الذي يحسم معركة، طالما هناك مقاومة على الأرض تلحق الخسائر بالعدو، تقتل جنود العدو، تدمر دبابات العدو كما أعلم إن شاء الله وأتوقع إن شاء الله أن يحصل في مواجهة أي عمليات برية، هذا هو الذي سيؤثر على مسار المعركة ويقلب السحر على الساحر.

في المجمل ومن خلال كل العرض الذي تقدمت به في البداية، أردت أن أؤكد على الروحية العامة التالية: الروحية العامة التي تقول: المهم أن نتمسك بحقنا وأن ندافع عن هذا الحق، وكل ما يقال حولنا من أضاليل ومن توجيهات ومن إساءات، الأسف الشديد، أنا شاهدت في بعض الصحافة العربية، بعض من يعتبرون أنفسهم كتّاب كبار عندما يناقشون قيادة حماس أو قادة حماس أو قادة الجهاد وبقية الفصائل لا يناقشونهم نقاش علمي، البعض يستعمل عبارات "الحيوانات" وعبارات الشتائم، هذا دليل الضحالة، هؤلاء الذين يوجهون الشتائم نحن لا نطلب منهم أي نصرة ولا نطلب منهم أي عون، وحتى لو تكلموا فإن كلامهم لن يقدّم أو يؤخر شيئاً في عزيمة المجاهدين وإنما نأسى لحالهم.

أنا في هذه الأيام واللحظات الصعبة والمصيرية أريد أن أذكّر بشيء قلته في حرب تموز، مع أنني أعتقد كما كنت أعتقد في حرب تموز، أراهن على المقاومة، على إرادة المقاومين وصدقهم وثباتهم، ولكن في حرب تموز قلت للذين كانوا يراهنون على هزيمتنا أو خسارتنا أو فشلنا ويخافون من انتصارنا كنت أقول لهم يجب أن تخافوا من فشلنا أو خسارتنا أكثر مما تخافوا من انتصارنا ومن فوزنا. مشتبه من يتصور أن إلحاق الهزيمة أو الفشل بالمقاومة سيقضي على المقاومة، سينهي المقاومة، بل سيدفع إلى المزيد من المقاومة التي قد لا تقف عند ضوابط أو عند حواجز أو عند موانع.

يجب في هذه اللحظات المصيرية أن تتضامن الأمة كلها مع هذه المقاومة لتتمكن هذه المقاومة من الانتصار، وفي الحد الأدنى أن تخرس تلك الألسن وتلك الأقلام التي تثبط العزائم وتثير الشكوك من هنا وهناك وتحول دائماً الصراع من صراع أهل حق مع معتدين إلى صراع لخدمة محاور إقليمية أو صراع إقليمي بين محور هنا أو محور هناك. ما يجري في غزة هو دفاع عن غزة، عن فلسطين، عن مقدسات فلسطين، عن مقدسات العرب من مسلمين ومسيحيين، عن مقدسات المسيحيين جميعاً وليس دفاعاً لا عن إيران ولا عن سوريا ولا عن محور من المحاور الموجودة في العالم حتى يبرر البعض لأنفسهم هذا التواطؤ أو هذا التخاذل بأن مساعدة المقاومة في غزة هو مساعدة لمحور إقليمي آخر، هذه تبريرات واهية لن تنفع لا في الدنيا ولا في الأخرة. اليوم توكلنا على الله، ورهاننا هو على هذا المنطق، منطق الحق وإرادة المجاهدين والمقاومين والاستعداد العالي للتضحية والثبات والصمود الذي سيؤدي إلى الانتصار إن شاء الله، وسنكون أمام ملحمة جديدة من انتصار الدم على السيف.

هجوم بري.. ماذا تبقى لدى باراك؟


هجوم بري.. ماذا تبقى لدى باراك؟ 
بقلم عبد الباري عطوان

حرب غزة هي اهم امتحان اخلاقي للغرب المتحضر، ومن المؤكد ان هذا الغرب وزعاماته وقيمه واعلامه (مع بعض الاستثناءات القليلة) قد سقط سقوطا كبيرا ومدويا.

فعندما يؤيد الرئيس الامريكي جورج دبليو بوش هذه الحرب الدموية على قطاع غزة المحاصر، وعندما تقول جمهورية التشيك، رئيسة الاتحاد الاوروبي ان اسرائيل تخوض حربا "دفاعية" وليست هجومية، وعندما تتردد معظم وسائل الاعلام في نشر صور اشلاء الاطفال الذين مزقت اجسادهم الطاهرة الصواريخ الاسرائيلية وتسهب في نقل آثار صواريخ "حماس" على بعض البيوت الاسرائيلية، فإن هذا هو قمة السقوط الاخلاقي والديني والانساني.

انه سقوط انعكس بشكل فاضح على الامم المتحدة التي تخضع لسيطرة هذا الغرب، وتلكئها في اتخاذ خطوات عملية سريعة لوقف مجازر القطاع والجرائم النازية التي تجري بين اروقة مدنه واحيائه الضيقة الفقيرة المعدمة، وتحصد ارواح الأبرياء.

الامم المتحدة اُستخدمت بشكل مخجل لإشعال فتيل الحروب في العراق وافغانستان، وقتل الملايين ولكنها عجزت، او تم منعها عن اصدار اي قرارات ملزمة لوقف هذا العدوان، ولم نر اي تحرك عربي رسمي لإصلاح هذا الخلل المزري، ولو بالتهديد بمقاطعة جلساتها، ناهيك عن التهديد بالانسحاب منها احتجاجا على انحيازها للقتل والعدوان.

نحن هنا لا نتحدث عن السقوط الرسمي العربي، سقوط الحكام العرب، في كل الامتحانات الاخلاقية والدينية والقومية، فهؤلاء اصبحوا خارج دائرة الفعل، لا قيمة لهم على الاطلاق، ومن المفضل عدم اضاعة الوقت، او المساحة للحديث عنهم، او تعداد جوانب سقوطهم.

انهم، اي الحكام العرب، يراهنون على اسرائيل لتخليصهم من اشرف ظاهرة في تاريخ هذه الأمة، وهي ظاهرة المقاومة، وينسون ان جميع الذين راهنوا على اسرائيل من قبلهم، مثل انطوان لحد، ومعاوية ولد سيدي الطايع (موريتانيا) والرئيس السابق محمد انور السادات، وزعماء روابط القرى الفلسطينية كلهم يحتلون مكانا بارزا في سلة قمامة التاريخ.

مجازر غزة فضحت نفاق العالم الغربي مرة اخرى، وبشكل اقوى وأعمق، فالرئيس بوش الذي ينحاز الى العدوان على المحاصرين المجوعين المرتجفين بردا فوق ركام منازلهم، كان اول من سارع الى ادانة "العدوان الروسي" على اوسيتيا الجنوبية في روسيا، وكاد ان يخوض حربا نووية للتصدي له، وهو يعلم جيدا ان جورجيا هي المعتدية، ورئيسها هو الذي اشعل فتيل الحرب وارتكب المجازر.

هذا الرئيس المتحضر لم يتردد، وحكومته، لحظة في مساندة سرقة اوكرانيا للغاز الروسي، وتبريره بأن هؤلاء محقون في الإقدام على هذه السرقة لمواجهة الصقيع، بعد ان قطعت عنهم الحكومة الروسية امداداته.

انها اول حرب في التاريخ الحديث، تتم ضد اناس معتقلين خلف القضبان، ومحرومين من اي امدادات انسانية او عسكرية، وممنوع عليهم النجاة بأرواحهم. في جميع الحروب الأخرى، يتم ترك منافذ لخروج الابرياء الى مناطق آمنة خارج نطاق المعارك الحربية، الا في قطاع غزة، فقد جرى اغلاق جميع المعابر ووضعت كل من حكومتي مصر واسرائيل قوات لاطلاق النار على اي انسان يعبر الحدود للنجاة بحياته واطفاله من جراء القصف الجوي والبري والبحري الذي يستهدفهم.

قبل الهجوم الامريكي الهمجي على العراق المحاصر عام 2003 اقامت الولايات المتحدة، والمنظمة الدولية، معسكرات لإيواء اللاجئين داخل الحدود السورية والاردنية، والشيء نفسه حصل في باكستان لاستيعاب اللاجئين الافغان، ولكن عندما يكون الضحايا هم من العرب الفلسطينيين، ويكون الجلاد اسرائيليا، فالملام هو الضحية، وعليه الموت جوعا وتمزيقا وقهرا.

اسرائيل القت عشرات الآلاف من المناشير تطالب فيها اهالي قطاع غزة بمغادرة منازلهم، ولم تقل لهم الى اين؟ هل ستفتح الحدود لهم لإيوائهم؟ أم ستطلب من حليفتها حكومة مصر القيام بهذه المهمة؟

يقولون ان حركة "حماس" وفصائل المقاومة الفلسطينية الاخرى تنصب صواريخها بين المدنيين، لاستخدامهم كدروع بشرية. هذا كلام مغلوط، فقطاع غزة لا يوجد فيه غير اكوام من اللحم، حيث هناك متر مربع لكل سبعة اشخاص. واينما ذهبت لن تجد غير الاطفال والمدنيين، فلا توجد غابات ولا جبال ولا وديان، مجرد كتل من الاسمنت، ومخيمات اللاجئين المهترئة. وحتى اذا افترضنا ان ما تقوله اسرائيل حقيقة، فلماذا لا تفتح حدودها للمدنيين الفلسطينيين وتستقبلهم على ارضها، التي هي ارضهم في الأساس، وتقدم لهم كل المعونات وكرم الضيافة طالما انها تدعي الحرص على حياتهم، مثلما يردد المسؤولون الاسرائيليون في لقاءاتهم مع القنوات العربية والأجنبية.

اسرائيل لا تريد الا ذبح المدنيين، والأطفال منهم بالذات، حتى تطمئن الى عدم وجود اجيال قادمة ترفع راية المقاومة، وتواصل ما بدأته الاجيال الحالية والسابقة، وهذا ما يفسر وحشية العدوان والقصف المستمر على الجامعات والمدارس والاحياء المدنية ليل نهار.

نبشّر الاسرائيليين بان الفلسطينيين لن يغادروا منازلهم، وسيصمدون في مواجهة العدوان، لانهم قرروا المقاومة والشهادة على ارضهم في مخيماتهم، ومساجدهم. فقد امتصوا صدمة الغارات الجوية التي استمرت لسبعة ايام ولم تنجح في ترويعهم، وها هم يمتصون "صدمة" العدوان البري، ويتأهبون لخوض اشرف المواجهات رغم الفارق الكبير في التسليح والعتاد.

الحرب الاسرائيلية على قطاع غزة هي امتداد للحروب الامريكية على العراق وافغانستان، وقبلها على جنوب لبنان، ومثلما خسرت امريكا وحلفاؤها الاسرائيليون جميع الحروب السابقة، ولم تنتصر في اي منها، فمن المؤكد ان هذه الحرب لن تكون استثناء.

اسرائيل ابتزت العالم بأسره من خلال المحرقة النازية (الهولوكوست) واعمت زعماء الغرب وشعوبه عن رؤية بشاعة الجرائم التي ترتكبها في حق الفلسطينيين ضحايا محارقها على مدى الستين عاما الماضية، ولكن هذا الابتزاز بدأ يتآكل ويعطي نتائج عكسية تماما، فقد ظهرت معالم الصحوة، وعبرت عن نفسها في هذه المظاهرات الغاضبة التي تجتاح العواصم الغربية.

الغربيون يتظاهرون ليس دفاعا عن الفلسطينيين فقط، وانما عن امنهم الذي باتت اسرائيل تعرضه للخطر، وعن اقتصادهم الذي انهار بفعل الحروب التي خيضت دفاعا عن اسرائيل، ولإبقائها القوة الأعظم في المنطقة.

الغرب يطالب بتقديم الرئيس السوداني عمر البشير لمحاكم جرائم الحرب بسبب دارفور، ويجب الآن ان نطالب بتقديم كل الزعماء الاسرائيليين المتورطين في محرقة غزة الى المحاكم نفسها، ودفع التعويضات لكل ضحايا العرب في العراق وفلسطين ولبنان.

اسرائيل بهجومها البري، وارسال دباباتها الى قطاع غزة افرغت كل ما في جعبتها من اسلحة وخطط، ولم يبق لها سوى ان تضرب قطاع غزة بقنابلها النووية اذا ارادت حسم هذه الحرب لمصلحتها بسرعة. فقد تورطت مع اشرس شعوب الارض واكثرهم عنادا في الحق، والدفاع عن كرامة هذه الأمة وعقيدتها وعزتها، وهي حتما ستدفع ثمنا غاليا بسقوطها في مصيدة هؤلاء.

غزة ستغير وجه التاريخ، وستفضح كل اكاذيب حقوق الانسان والعدالة الغربية، وستخلق عالما جديدا تماما، مثلما فعلت شقيقتها "عكا"، ففي عكا كانت نهاية الحملة الفرنسية، ومن غزة سيبدأ العد العكسي لإمبراطورية الشر الاسرائيلية ـ الامريكية المشتركة.