‏إظهار الرسائل ذات التسميات الصهيونية. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات الصهيونية. إظهار كافة الرسائل

فى السياسات العليا.. والسفلى


الكاتب الكبير محمود عوض يكتب: فى السياسات العليا.. والسفلى

مع أن هناك الكثير الكثير مما فعلته إدارة جورج بوش الذاهبة بمنطقتنا وبالعالم طوال ثمانى سنوات وستنكشف أسراره ودوافعه مستقبلا.. إلا أن مؤرخى المستقبل لابد سيتأملون بعمق الأيام الأخيرة لتلك الإدارة فى السلطة.

فعلى الرغم من أن الثقافة السياسية الأمريكية اعتادت إطلاق توصيف «البطة العرجاء» على كل إدارة تدخل شهورها الأخيرة فى السلطة، إلا أن إدارة جورج بوش الذاهبة سجلت استثناء على تلك القاعدة. ففيما بين الانتخابات وحتى تسلم الرئيس الجديد السلطة رسميا فى 20/1/2009 ،يعنى نحو 11 أسبوعا، كانت إدارة جورج بوش عرجاء فى كل شىء، وعلى كل جبهة، ما عدا المتعلق بإسرائيل تحديدا.

وافقت تلك الإدارة إسرائيل فى حربها المتوحشة ضد أهالى قطاع غزة المحاصرين أصلا من قبلها بثمانية عشر شهرا. ودافعت تلك الإدارة عن الحرب وقامت بحماية إسرائيل من الإدانة فى مشاورات مجلس الأمن. ثم وعدت وزيرة الخارجية أعضاء المجلس بموقف ونفذت غيره عند التصويت.

وخرجت وزيرة خارجية إسرائيل تسيبى ليفنى تنسب لنفسها الفضل فى ذلك التغيير من خلال سبع مكالمات تليفونية قالت إنها أجرتها مع الوزيرة الأمريكية، بعضها بصوت غاضب مرتفع. أما رئيسها إيهود أولمرت فقد صرح بأنه هو الذى تحدث مع الرئيس الأمريكى جورج بوش تليفونيا وأقنعه بأن يأمر وزيرته بعدم التصويت لصالح القرار فى الحالتين، وبرغم إنكار ضعيف من وزارة الخارجية الأمريكية مرة، وإنكار أضعف من البيت الأبيض مرة، لحقت الإهانة الإسرائيلية بالوزيرة الأمريكية وانتهى الأمر.

نفس الوزيرة المهانة هى التى تابعناها تستقبل وزيرة خارجية إسرائيل فى واشنطن، وتوقع معها مذكرة تفاهم بالغة الخطورة يوم 16/1/2009.. يعنى قبل مغادرة الإدارة للسلطة بمجرد أربعة أيام. لماذا الاستعجال؟ وقطع الطريق على سياسات إدارة جديدة تالية جاءت حاملة شعار «التغيير»؟ ولماذا، بعد الإهانة العلنية بأيام قليلة توقع تلك الاتفاقية الأمنية التى تتحمل أمريكا بمقتضاها التزامات جديدة نحو إسرائيل، بل والتزامات أخرى تحملها لحلفائها فى حلف شمال الأطلنطى، وفى منطقة تمتد من غرب البحر الأبيض إلى شرقه إلى البحر الأحمر وشرق أفريقيا جنوبا إلى خليج عدن والمحيط الهندى شرقا؟

ابتلعت كوندوليزا رايس الإهانة إذن ووقعت المذكرة المفاجئة مع وزيرة خارجية إسرائيل. وإذا كان رئيسها جورج بوش قد خذلها مرتين.. فإنها تكون قد شربت من نفس الكأس المرة التى فرضتها سابقا على سلفها كولن باول. فخلال عمله كوزير للخارجية فى الولاية الأولى لجورج بوش حدث ذات مرة من توترات الموقف فى فلسطين أن وقف الرئيس جورج بوش أمام الكاميرات فى البيت الأبيض ليعلن أنه كلف كولن باول وزير خارجيته الواقف إلى جواره بالسفر فى مهمة عاجلة إلى إسرائيل والأراضى الفلسطينية وفوضه من السلطات بما يتطلبه الموقف.

فى الأيام التالية، وفى أرض الواقع، تأرجحت وتناقضت تصريحات كولن باول على مدار الساعة وطوال الأيام التالية بما انتهى بالوزير إلى الفشل الكامل. لم نعرف السر إلا من مذكرات باول المنشورة تاليا، وروى فيها كيف كانت تطلبه يوميا كوندوليزا رايس، وهى وقتها مستشارة الرئيس للأمن القومى، لكى تبلغه امتعاض الرئيس من تصريحاته وتحثه على تغييرها حتى لو كان هذا يعنى شعوره بالمهانة لأنه لم يفعل سوى تنفيذ تعليمات الرئيس له من البداية.

العلاقة الحرجة بين الرئيس ووزير خارجيته فى النظام الأمريكى تصبح أكثر حرجا بين وقت وآخر، خصوصا إذا كانت للرئيس رؤاه الخاصة المحددة فى جوانب من علاقات بلاده الخارجية. ولأن إسرائيل هى زاوية اهتمامنا هنا.. فقد حدث مثلا فى يونيو سنة 1990، وخلال جلسة استماع فى الكونجرس الأمريكى، أن لخص جيمس بيكر وزير الخارجية حينذاك الموقف مع إسرائيل على النحو التالى: «لقد بذلت الولايات المتحدة كل ما تستطيعه للتسوية التفاوضية بين العرب وإسرائيل... بدون جدوى. والآن حينما تقرر إسرائيل أن تكون جادة بشأن السلام فعليها أن تطلب هذا الرقم 4561414 (202) إنه رقم تليفون البيت الأبيض».

بعدها بسبع سنوات، وفى ظل رئيس آخر وإدارة أخرى، سئلت مادلين أولبرايت وزيرة الخارجية الأمريكية: لماذا لم تذهبى بعد إلى الشرق الأوسط؟ فكان ردها: لأن الشرق الأوسط جاء إلينا.

وعلى رغم التشابه التقريبى بين المغزى فى كلمات بيكر وكلمات أولبرايت إلا أن الفارق بينهما كان فى جوهر الموضوع. فى حالة بيكر كانت الرسالة الأمريكية موجهة إلى إسرائيل. أما فى حالة أولبرايت فالرسالة موجهة إلى العرب أساسا. وبينما كانت إسرائيل فى الحالة الأولى هى المطالبة بأن تعطى، أصبح العرب فى الحالة الثانية هم المطالبون بأن يعطوا. وفى حالة بيكر كانت الرسالة الضمنية لإسرائيل هى أنه لا بديل أمامها سوى البيت الأبيض، لكن الوضع تغير فى الحالة الثانية ليصبح العرب هم الذين لم يعد أمامهم بديل سوى وزيرة الخارجية الأمريكية. وحتى فى تلك الحالة يتم تحويل المكالمة بين وقت وآخر إلى أحد مساعديها، دينيس روس مثلا.

أما فى حالة جورج بوش الابن ووزيرة خارجيته كوندوليزا رايس فقد سمحت الإدارة لنفسها فى ربع الساعة الأخير من عمرها السياسى أن تبرم مع إسرائيل اتفاقية أمنية خطيرة بغير أى تشاور مع من سمتهم «دول الجوار». نعرف أن وزير الخارجية فى أى نظام سياسى لا يصنع سياسة وإنما ينفذ سياسة يشارك فيها بصفته المستشار الأول لرئيس الدولة فى الشئون الخارجية. وفى النظام الرئاسى المعمول به فى أمريكا يفوض الدستور الرئيس بسلطات أكثر اتساعا من سلطات الإمبراطور فى روما القديمة. وأعضاء الحكومة لا يسمى أى منهم وزيرا وإنما سكرتيرا.

وحتى نائب الرئيس الذى يتم انتخابه مع الرئيس فى تذكرة انتخابية واحدة، لا يحدد له الدستور أى سلطات حقيقية إلا ما يفوضه به الرئيس. ومن زاوية اهتمامنا هنا فإن وزير الخارجية لكى ينجح فى إدارته لعلاقات بلاده مع الدول الأخرى لا بد أن يكون مدعوما من الرئيس بقوة ووضوح.

لكن فى التاريخ الأمريكى قد يحدث بين وقت وآخر أن يكون الرئيس أكثر احتياجا لوزير خارجيته بأكثر من العكس.. أو قد يحدث التضارب بين مصالح ضيقة للرئيس وبين رؤية وزير الخارجية لمصالح البلاد. هذا يعنى أن على الوزير أن يستقيل أو حتى أن يقيله الرئيس. إنما -ومرة أخرى.. من زاوية اهتمامنا هنا- فى التاريخ الأمريكى القريب جرى مثل هذا التضارب بغير أن يلجأ الرئيس إلى إقالة وزير خارجيته.

تلك الحالة تحديدا يمثلها الجنرال جورج مارشال. وهو الذى جرت تسمية البرنامج الأمريكى لإعادة تعمير أوروبا الغربية بعد الحرب العالمية الثانية باسمه. لكن الأهم أمريكيا من ذلك هو أن جورج مارشال كان رمزا لانتصار أمريكا فى الحرب العالمية الثانية باعتباره رئيسا لهيئة أركان القوات المسلحة الأمريكية ومهندسا للأداء العسكرى الأمريكى فى جبهتى الحرب: أوروبا واليابان.

وتناولى لجورج مارشال هنا سيقتصر على موقفه المبكر من القضية الفلسطينية وصدامه القاطع مع هارى ترومان، الرئيس الذى اختاره وزيرا للخارجية فى يناير 1947 فى لحظة حاسمة بالنسبة للقضية وللمنطقة. لكن الحديث عن جورج مارشال وهارى ترومان يبدأ من الرئيس فرانكلين روزفلت. فبسبب شعبية روزفلت داخليا وزعامته العملاقة عالميا جرى انتخابه لرئاسة أمريكا مرة رابعة (بعدها جرى تعديل الدستور بما يحدد فترتين كحد أقصى لولاية الرئيس). روزفلت فى فترته الرابعة اختار هارى ترومان نائبا له وفائز معه انتخابيا.

لكن حالة روزفلت الصحية سرعان ما تدهورت بما أدى إلى وفاته فى 12/4/1945 فى ظرف بالغ الدقة بالنسبة لأمريكا والعالم. هناك حرب عالمية ثانية متسعة وأمريكا تقود معسكرها من الحلفاء وأهمهم بريطانيا والاتحاد السوفيتى فى مواجهة دول «المحور» وهم ألمانيا وإيطاليا واليابان. فى تلك الحرب لأمريكا وحدها قوات مسلحة تضم 16 مليون رجل وامرأة ولها أيضا أكبر حشد بحرى فى التاريخ من عشر بوارج و27 حاملة طائرات و45 سفينة حربية وطائرات ودبابات ومدافع وأموال وتكنولوجيا أكثر مما كان تحت تصرف أى دولة واحدة بمفردها بامتداد التاريخ.

واعتبارا من الساعة السابعة وتسع دقائق مساء 12/4/1945 ورث هارى ترومان المسئولية عن هذا كله كخليفة لروزفلت لاستكمال مدة ولايته رئيسا للدولة وقائدا أعلى لقواتها المسلحة. والمشكلة الكبرى فى هذا كله كانت هى أن ترومان لم يكن يعرف أى شىء عن مجريات الحرب أو خططها أو مراحلها. لم يكن يعرف أى شىء عن علاقات أمريكا بحلفائها ولا مراسلات روزفلت مع قادتها أو زعماء الدول الأخرى.

وكما ذكر ترومان نفسه لابنته مارجريت فيما بعد فإن الرئيس روزفلت «لم يتحدث معى مطلقا بما يجعلنى مؤتمنا على أسرار الحرب أو شئون السياسات الخارجية أو حتى بما يشغل باله أو يفكر فيه بشأن السلام بعد الحرب».

لم يكن ترومان يعرف أى شىء أيضا عن أهم مشروع علمى/عسكرى تمضى فيه أمريكا سرا منذ سنوات لصناعة أول سلاح نووى فى التاريخ. وباختصار، وكما سجل كاتب سيرة حياة هارى ترومان، فإنه خلال 82 يوما شغل فيها منصب نائب الرئيس لم يقابله الرئيس روزفلت على انفراد سوى مرتين. وبينما سافر روزفلت فى رحلة ممتدة وسرية فى مرحلتها الأولى، ذروتها كانت اجتماع يالتا مع الزعيم السوفيتى جوزيف ستالين ورئيس وزراء بريطانيا ونستون تشرشل.. بقى ترومان فى واشنطن يقضى وقته فى مهام إجرائية كرئاسة جلسات مجلس الشيوخ أو يسلى نفسه بلعب البوكر مع أصدقائه.

وحتى بعد عودة الرئيس روزفلت من مؤتمر يالتا لم يجتمع مع ترومان أو يفضى له بحقيقة اتفاقاته السرية مع جوزيف ستالين ورئيس الوزراء البريطانى ونستون تشرشل. ولا أيضا شرح له خلفيات رحلته الخاطفة إلى مصر والبحيرات المرة فى قناة السويس حيث استقبل ملك السعودية عبد العزيز على متن سفينة حربية أمريكية، ولا أهمية اتفاقه مع الملك السعودى على إعطاء الشركات الأمريكية امتياز استكشاف وإنتاج وتسويق البترول لمدة ستين سنة تالية. اتفاق سال له لعاب الحليف تشرشل الذى كان يسعى إلى مثله وأخفاه عنه روزفلت طوال إقامتهما فى يالتا.

برحيل روزفلت المفاجئ أصبح على ترومان أن يرث مسئولياته الضخمة داخليا ودوليا، وبقدرات ذهنية وسياسية بالغة التواضع. وحينما اتجه إليه أحد المساعدين فى البيت الأبيض بعد دقائق من حلفه اليمين كرئيس ليقول له إن الصحفيين يريدون معرفة هل مؤتمر سان فرانسيسكو الخاص بتأسيس منظمة الأمم المتحدة سينعقد فى موعده بعد 12 يوما كما كان الرئيس روزفلت قد قرر.. أجابه ترومان تلقائيا:نعم.. بالتأكيد سيجرى المؤتمر فى موعده. وكان هذا تلقائيا هو أول قرار رئاسى يتخذه ترومان.

من الصباح التالى مباشرة أصبح على ترومان أن يستذكر بسرعة واجباته المنزلية وأصبح على أعضاء الحكومة أيضا إطلاعه على الملفات العاجلة كل فى اختصاصه، وأولها تقارير هيئة الأركان عن مجريات الحرب وكذلك التقرير بالغ السرية عن «مشروع مانهاتن» لصناعة أول سلاح نووى.كذلك أصبح عليه استقبال رؤساء وفود الدول القادمة لحضور اجتماع سان فرانسيسكو واختاروا المرور أولا بواشنطن، وأهمهم الوفد السوفيتى برئاسة وزير الخارجية مولوتوف ومعه السفير السوفيتى بواشنطن أندريه جروميكو.. إلخ.
وفى اليوم الثامن من تولى ترومان منصب الرئاسة الجمعة 20 إبريل 1945 وصل إلى البيت الأبيض الحاخام ستيفن ويلز الرئيس المناوب لـ «مجلس الطوارئ الصهيونى الأمريكى» لمناقشة الرئيس ترومان فى «مسألة إعادة توطين اللاجئين اليهود فى فلسطين». ولأنه كان قد طلب مسبقا رأى وزارة الخارجية فقد تلقى ترومان تحذيرا مكتوبا من الوزارة بأنه «عليك بالحذر البالغ لأن مشكلة فلسطين بالغة التعقيد».

واختار ترومان أن يختصر زمن المقابلة إلى ربع ساعة، معتذرا بعدها للوسيط الذى رتب للمقابلة. وسيط اسمه إدوارد جاكوبسون، يهودى صهيونى كانت أهميته أنه منذ وقت مبكر كان شريكا لترومان فى محل يمتلكانه لبيع الملابس فى كانساس. لكن هذا الشريك أصبح مؤخرا أهم شخص فى قاموس المنظمات الصهيونية داخل وخارج أمريكا لاعتبارات عديدة، فى مقدمتها أنه من الآن فصاعدا أصبح هو مفتاحهم إلى البيت الأبيض وإلى هارى ترومان شخصيا.

كانت المسألة الفلسطينية تزداد سخونة فى السنوات الأخيرة. فبريطانيا التى أصدرت «وعد بلفور» فى 1917 تعد فيه بالمساعدة فى إقامة وطن قومى لليهود فى فلسطين، هى نفسها التى أصبحت سلطة انتداب على فلسطين بقرار من عصبة الأمم بعد الحرب العالمية الأولى. وبتلك الصفة استخدمت بريطانيا وجودها وكل قدراتها للمساعدة فى تهجير يهود أوروبا إلى فلسطين بما هدد الفلسطينيين أنفسهم فى وطنهم فبدأت الصدامات المتكررة المتصاعدة. واستخدم اليهود الوافدون السلاح ضمن تنظيمات علنية وسرية لردع أصحاب الأرض وقمع ثوراتهم المتتالية.

وعندما لاحت فى الأفق نذر حرب عالمية ثانية أصدرت بريطانيا «الكتاب الأبيض» فى سنة 1939 لتقييد الهجرة اليهودية تهدئة للموقف فى فلسطين. لكن الوكالة اليهودية والمنظمة الصهيونية العالمية وباقى التنظيمات استمرت تعترض على تقييد الهجرة، وزادت من نشاطاتها فى أمريكا بعد أن لاح من حقائق الحرب أن نجمها صاعد بسرعة إلى عرش القوة العالمية.

وفى أرض فلسطين توسعت التنظيمات اليهودية المسلحة فى هجماتها لتشمل القوات البريطانية أيضا فى هجمات إرهابية. لم يذكر كاتب سيرة ترومان قيام منظمة الأرجون فى سنة 1945 باغتيال اللورد موين فى القاهرة، وهو وزير الدولة البريطانى المقيم بالمنطقة. لكنه ذكر مثلا أنه فى سنة 1946 نفذت الجماعات الإرهابية -بنص تعبيره- مذابح شتى، فنسفت جماعة «أرجون» فندق الملك داود فى القدس فقتلت 91 شخصا كلهم من المدنيين. أما فى الولايات المتحدة فكانت جماعات اليهود الأمريكيين تنظم حملاتها الدعائية بتركيز خاص على البيت الأبيض. وفى سنة 1947 وحدها أمطروا البيت الأبيض بأكثر من مائة ألف رسالة وبرقية للمطالبة بدعم إقامة دولة يهودية فى جزء من أرض فلسطين.

أما بالنسبة لهارى ترومان نفسه فقد ارتبط مبكرا بالنشاطات الصهيونية المحلية. وفى سنة 1943 مثلا، وقد كان عضوا فى مجلس الشيوخ، شارك فى اجتماع صهيونى بمدينة شيكاغو أعلن فيه أنه مستعد لعمل أى شىء «ممكن إنسانيا» لتوفير ملجأ ومأوى لليهود الناجين من قمع النازية. ومع توليه الرئاسة خلفا لروزفلت كان طبيعيا أن يصبح شريكه السابق فى بيزنس تجارة الملابس بكانساس سيتى، إدوارد جاكوبسون الذى أشرنا إليه سابقا هو همزة الوصل بين التنظيمات الصهيونية وترومان. وقد رأينا كيف رتب مقابلة لرئيس مجلس الطوارئ الصهيونى مع ترومان فى يومه الثامن كرئيس.

وفى مرة تالية ذهب جاكوبسون نفسه لمقابلة ترومان وقد صحب معه الحاخام من نيويورك آرثر ليلى ونائب رئيس شركة لبيع القمصان اسمه تشارلز كابلان. وبعد المقابلة استفسر منه الصحفيون عن موضوع المقابلة مع الرئيس فقال لهم مازحا «مابلان يبيع القمصان وأنا أبيع الملابس والحاخام يبيع الأفكار والعقائد».

وحسب ديفيد ماكليو، كاتب سيرة حياة ترومان، فإن ترومان كان لصيق الصلة بجاكوبسون ويثق فيه تماما. تلك الثقة الكاملة ستعطى جاكوبسون دورا وأهمية غير عادية مع تلاحق الأحداث. بل إن ترومان نفسه كتب قائلا فيما بعد أن جاكوبسون «كانت له أهمية حاسمة فى صناعة الأحداث» وهى أهمية لم تكن معروفة فى حينها. فقط لمس الجميع دوره الغامض حينما أصبح أول سفير لدولة إسرائيل لدى أمريكا بمجرد الإعلان عن قيامها فى سنة 1948.

لكن الوقت ما يزال مبكرا قبل تلك التطورات. فقط أصبح واضحا من البداية أن التنظيمات الصهيونية تستثمر بشدة فى هارى ترومان ومنصبه. وكما يروى كاتب سيرته فقد حدث ذات يوم أن عقدت مجموعة محدودة من اليهود الصهيونيين الأمريكيين اجتماعا فى مبنى حكومى فيدرالى بواشنطن، دعوا إليه أوسكار تشابمان، مساعد وزير الداخلية. ومن البداية نهض إبراهام فينبيرج، رئيس المجموعة، وهو صاحب مصنع ملابس فى نيويورك ومن كبار رجال المال، وكشف له كمية ضخمة من الأوراق المالية حتى أن جزءا منها تساقط على الأرض.

ثم أشار إلى تلك المبالغ وهو يتطلع إلى تشابمان قائلاً: «انظر.. إذا كان (الرئيس ) ترومان سيفعل شيئا فى شأن (إقامة) إسرائيل.. فحينئذ يمكننا أن نعمل معه «بيزنس كبير». ورد عليه تشابمان: «سأستكشف ذلك».

وتوجه تشابمان إلى البيت الأبيض ليخبر الرئيس ترومان بما جرى.وكان رد الرئيس: «قل لابن الحرام هذا إننى لا آخذ الأموال بمثل هذه الطريقة». وعاد مساعد وزير الداخلية لينقل هذا الرد إلى المجموعة الصهيونية. لكنهم بعدها بثلاثة أسابيع فقط عادوا ليعرضوا الأموال على ترومان نفسه مباشرة وبلا وسيط فقال لهم: اذهبوا إلى الجحيم.

لقد استمر ترومان يتلمس كل السبل الممكنة لمساعدة الصهيونيين. لكنهم مع ذلك واصلوا الضغط عليه بطريقة مهينة. ويذكر كاتب سيرته أنه حدث فى أحد الاجتماعات الوزارية أن شكا الرئيس ترومان نفسه لبعض مساعديه من أن رئيس مجلس الطوارئ الأمريكى الصهيونى كلما قابله تحدث معه بطريقة عاصفة وهو يدق بيده على المكتب.. «بينما لم يكن يجرؤ على بعض ذلك سابقا مع (الرئيس الراحل) روزفلت».

تشومسكي "أبو اللغة".. عاجز عن وصف جرائم إسرائيل


تشومسكي "أبو اللغة".. عاجز عن وصف جرائم إسرائيل

أسامة جاد

"بشاعة العدوان الإسرائيلي على غزة جعلت لساني عاجزا عن وصف دقيق لما يحدث هناك.. بحثت في القاموس عن لفظة تجسد هول مايحدث، فلم أجد.. حتى مفردة (الإرهاب) أو (العدوان) غير معبرة عن حقيقة المأساة".

بهذه الكلمات أدان "ناعوم تشومسكي" عالم اللغويات والمفكر اليهودي الأمريكي الشهير محرقة غزة المتواصلة، واصفا "دعم الولايات المتحدة لإسرائيل في عدوانها بأنه دعم للانحطاط الأخلاقي".

وفي محاضرة بمركز "ستار للدراسات الدولية" بولاية ماساتشوستس الأمريكية الثلاثاء 13-1-2009 انتقد تشومسكي إسرائيل بشدة بسبب استهداف المدنيين في قطاع غزة المحاصر، وانتهاكاتها ضد الشعب الفلسطيني على مدى سنوات الصراع العربي الإسرائيلي.

وشدد تشومسكي على أنه "حتى لو انتصرت آلة الحرب الإسرائيلية على غزة فستبدو إسرائيل كوحش تلطخت يده بالدماء"، بحسب ما ذكرته صحيفة "ذا تيك" الصادرة عن "معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا".

وفي اليوم التاسع عشر من "حرب كسر الإرادة - 3" ارتفع عدد ضحايا العدوان الإسرائيلي إلى نحو 1018 شهيدا و4650 جريحا.

الانحطاط الأخلاقي

وموجها انتقاداته للولايات المتحدة وصف تسشومسكي دعم الإدارة الأمريكية المطلق لإسرائيل بأنه بمثابة "مساعدتها على الإفلات من جرائم الحرب التي ترتكبها بحق الفلسطينيين العزل".

وأضاف قائلا: "إن مؤيدي إسرائيل هم في الواقع مؤيدون لانحطاطها الأخلاقي".

وانتقد تشومسكي عدم دعم إدارة بوش قرار الأمم المتحدة بوقف إطلاق النار في غزة، وأبدى استياءه من "تعاطف الرئيس الأمريكي المنتخب الجديد باراك أوباما مع الإسرائيليين".

وفي هذا السياق دعا تشومسكي الإدارة الأمريكية إلى الانضمام إلى بقية الأسرة الدولية في إدانة إسرائيل على تقوم به من عمليات بحق المدنيين الفلسطينيين.

وبمجرد صعود تشومسكي المعروف بين النخبة السياسية الأمريكية بانتقاداته اللاذعة لإسرائيل ومؤيديها، امتلأت قاعة المحاضرات عن آخرها، واضطر البعض ممن لم يجدوا مكانا لهم إلى متابعة المحاضرة عن طريق شاشات الفيديو خارج القاعة الممتلئة.

وبدا استنكار تشومسكي لأعمال القصف الإسرائيلية على غزة فور بدء حديثه عن أول يوم للهجوم "الأمريكي – الإسرائيلي على الفلسطينيين العزل" في 27-12-2008.

التوقيت مقصود

وشبه العدوان على غزة بحرب لبنان 2006، مشيرا إلى أن الجيش الإسرائيلي استخدم في كلا العدوانين بشكل مفرط وغير متكافئ آلته العسكرية في استهداف المدنيين، بالرغم من ادعاءاتها بأنها تستهدف المسلحين فقط، وهو ما أثار انتقادات واستنكارات في جميع أنحاء العالم.

وعلى صعيد متصل شدد تشومسكي على أن إسرائيل أعدت قبل لشهور لعملية "الرصاص المتدفق" في غزة، مشيرا إلى أنها قصدت أن تنفذ أولى غارات قصفها في وقت كان أطفال غزة فيه عائدين من مدارسهم، وكانت شوارعها ممتلئة بالمارة من كبار السن والنساء.

وفيما يتعلق بالحصار الذى تفرضه إسرائيل على غزة أدان تشومسكي رفض إسرائيل دخول سفن المساعدات الإنسانية إلى القطاع قبل بدء الهجوم عليها، بحجة تقليدية، وهي "خرق هذه السفن لمياهها الإقليمية دون تصريح منها ودون تنسيق مسبق مع السلطات الإسرائيلية؛ مشيرا إلى أن هذه السفن تعني لإسرائيل "خرق الحصار الإجرامي الذي تفرضه على القطاع".

وأضاف تشومسكي: "على الرغم من أن منع دخول سفن المساعدات أسوأ من أعمال القرصنة التي تحدث قبالة السواحل الصومالية، فإن هذا الحدث تغافل عنه الكثيرون ومروا عليه مرور الكرام".

ويعد تشومسكي من أشد المدافعين عن القضايا العربية في الولايات المتحدة الأمريكية، ومن أشد نقاد السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط، ويصف هذه السياسة بأنها ضالة ومضللة، وخادمة وتكيل بمكيالين، وقد تؤدي بالعالم إلى الدمار الكوني؛ لأن الشرق الأوسط من المناطق شديدة الالتهاب في العالم.

ولتشومسكي عدة كتب تنتقد السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط، منها "السلام في الشرق الأوسط" و "مثلث المقادير" و "قراصنة وقياصرة" و "ثقافة الإرهاب" و "أوهام ضرورية" و"الديمقراطية المعوَّقة" وغيرها.

إبراهيم عيسى يكتب : أحضان الرئيس


إبراهيم عيسى يكتب : أحضان الرئيس

لا أعرف كيف سيستقبل الرئيس مبارك رئيس وزراء إسرائيل أولمرت أو غيره خلال الأسابيع المقبلة بالأحضان، كما يفعل دائمًا مع رؤساء ومسئولي إسرائيل؟! لا أعرف كيف سيبتسم ويتبادل القبلات والمصافحات أمام الكاميرات والضحكات التي تظهر في الصور الملتقطة قبيل اللقاء المغلق؟!

سيقول البعض إنها لوازم السياسة وبروتوكول الدبلوماسية، لكن الحقيقة أن أحدًا لم يلتق هتلر بعد ما فعله من حروب وتدمير بهذه الابتسامات والأحضان، ولم يستقبل أحد سلوبودان مليسوفيتش بعد مجازر الصرب ضد المسلمين بالأحضان والقبلات، ثم إن السياسة والدبلوماسية لا تقولان لنا: «احضنوا القتلة وابتسموا للمجرمين وعانقوا السفاحين»، بل السياسة واللياقة والعدالة تقول: «عاقبوهم وقاطعوهم وامنعوهم من دخول أرض مصر لأنهم مجرمو حرب وقتلة أطفال ومرتكبو جرائم ضد الإنسانية».. أتذكر في مباحثات الكيلو 101بين مصر وإسرائيل ـ وهي المفاوضات التي جرت عقب انتهاء حرب أكتوبر ووقف إطلاق النار من أجل الاتفاق علي ترتيبات ما بعد الحرب، فيما يخص تبادل الأسري واعتبارات أخري ـ أن وجه الفريق عبدالغني الجمسي ورفاقه من أبطال أكتوبر الذين يتفاوضون مع الصهاينة كان جادًا وقسماتهم حادة ومعبرة عن حوار مع عدو وليس صديقا نأخذه بالأحضان، لكن التعامل العادي والطبيعي والدبلوماسي مع القتلة أمر غريب ومذهل في إسقاطه لكرامة وكبرياء ودم العرب وشهداء العدوان الإسرئيلي الذي استخدم أسلحة محرَّمة دولياً ومجرَّمة إنسانيًا ضد أطفال ونساء بترن أطرافهم وأحرقت عيونهم وجلودهم.. كيف يسمح لنفسه الرئيس مبارك أن يصافح باسم شعب مصر وباعتباره رئيس هذا البلد (أيا ما كان رأينا في تزوير انتخابات الرئاسة) أن هؤلاء المجرمين؟!
لكن الرئيس فعلها بعد حرب إسرائيل الهمجية والمجرمة علي لبنان وبعد مجزرة قانا في 2006 .. ابتسم مبارك وصافح مرتكب هذه المذبحة مجرم الحرب إيهود أولمرت وعانقه في ابتسام الرضا، ولف مجرم الحرب ذراعه حول كتف رئيسنا، والأغلب أن مبارك لن يلتفت ولا مستشاروه لمشاعر ومواقف العرب والمصريين ولن يمانع في مقابلة ومعانقة مجرمي الحرب، كأن مصر تكافئهم بقبلات رئيسها وحرارة الأحضان علي قتل الأطفال والشيوخ وهدم المساجد، سيحدث ذلك وأكثر، خصوصا أن الحكومة التي رفعت المشانق الإعلامية لحركة حماس بسبب استشهاد ضابط مصري في تبادل إطلاق نار عشوائي أثناء محاولة دخول فلسطينيين إلي رفح المصرية (طبقا للرواية الرسمية الأولي قبل اللعب أو التلاعب الأمني فيها ) هي التي سكتت بإعلامها وطنينه وزنه عن إصابة جنود مصريين علي الحدود مع رفح بإطلاق الصواريخ والمدافع الإسرائيلية، بل وتقرأ نص بيان وزارة أبو الغيط (المعروفة إعلاميا باسم الخارجية المصرية) الذي يقول لا فض فوه إن سفير إسرائيل في القاهرة شالوم كوهين قدم اعتذار بلاده يوم الإثنين لإصابة خمسة مصريين في القصف للمنطقة الحدودية مع غزة يوم الأحد. وقد جاء الاعتذار الإسرائيلي وكان مصدر أمني مصري قد أعلن أن صاروخًا إسرائيليًا آخر سقط يوم الإثنين علي الجانب المصري من الحدود لكنه لم ينفجر.

وكان ثلاثة من رجال الشرطة المصريين وطفلان في الثانية والخامسة من عمريهما قد أصيبوا يوم الأحد بشظايا صواريخ بالقرب من الحدود بين مصر وغزة إثر قصف إسرائيلي استهدف أنفاق التهريب.وقال المتحدث الرسمي باسم وزارة الخارجية المصرية حسام زكي(مش بس حسام لا وكمان زكي !): إن السفير الإسرائيلي بادر بهذا التحرك بتعليمات من حكومته، حيث أعرب للجانب المصري عن اعتذار الحكومة الإسرائيلية عن ذلك موضحًا أن هذا القصف كان المقصود به بعض أهداف عسكرية علي الجانب الفلسطيني(كأن ضرب أهداف فلسطينية أمر مشروع وعادي وفيها إيه يعني الراجل كان بيضرب في فلسطين جت النار في مصريين، نيران صديقة يعني ماتقدش ). وأضاف أن السفير الإسرائيلي قدم كذلك اعتذار حكومته عما حدث من تداعيات علي الجانب المصري! والسؤال: إذا كان السفير الإسرائيلي قد اعتذر فهل قبلت مصر اعتذاره؟.. يا نهار أسود ما هذا الهوان وما هذه الإهانة (كأنك تحصل علي عبوة الهوان فتأخذ عبوة الإهانة مجانا) أهذا ما قدرت عليه مصر، طبعاً سيصرخ صارخ فوراً ويقول يعني عايزنا نحاربهم عشان غلطة مش الحمدلله إنها جاءت علي قد الإصابات والعيلين لم يموتا، والإجابة: لا يا سيدي لا نريد حرباً ولا ضرباً ولا نطلب ولا نطالب هذه الحكومة، إلا بأن تتوقف عن وضع رأسنا في الطين السياسي كما تفعل!.. حيث إن هناك حدوداً دنيا للإهانة والمذلة، لم يقل لكم أحد حاربوا ولا ناضلوا ولا قاوموا ولكن كونوا محترمين.

أليست هناك أي فرصة في أن تتشددوا ويتشدد الحكام العرب معكم قليلا، وأن يفتح الله عليكم وعليهم بكلمتين فيهما بعض الحرارة وسمت الرجولة و رائحة كبرياء، كي يتوقف شلال الضرب والشلاليت والركل في مؤخرة الأمة العربية التي نتلقاها يوميا من قادة إسرائيل وأمريكا، ألا يمكن أن يغامر وزير لا راح ولا جاء من مصر (وما أكثرهم) أو من السعودية أو الأردن ويقول كلاما قويا فيه موقف واضح يرفض التذلل الذي تعيشه التصريحات العربية ويندد بحالة الغرام بالخيار الإستراتيجي الذي تأكله الأمة كل ليلة قبل أن تنام؟! لماذا لا يخرج سياسي رسمي (نظمي) عربي ويصرح بأن الحكومات العربية لم تعد تتحمل الوعود الفارغة التي تطلقها أمريكا لهم ولم تعد تستطيع السكوت عن الهوان أمام إسرائيل وحكامها الذين يتبارون أمام الناخب الإسرائيلي في ارتكاب المذابح ضد الفلسطينيين والعرب لا يهمهم كلام ولا تحذير ولا رجاء من رئيس مصر أو ملك الأردن أو السعودية أو أمير قطر ولا يعيرون تهديدات رئيس سوريا ولا شخط القذافي أي اهتمام ولا أهمية ولا يفرق معهم أي حاكم من حكامنا من أكبر كبير إلي أكبر وريث؟.. كل ما نسمعه من حكامنا وتابعيهم ومنافقيهم هو هذا الكلام السقيم المريض عن السلام والخيار، هذا الإصرار المدمن علي التذلل، وهم أحرار في أنفسهم لكن الذي يدفع الثمن هو الشعب الذي بدأت السجون في أوطانهم تفتح أبوابها لمن يقود المظاهرات ضد إسرائيل وبدأت الشرطة تجرجر زعماء المظاهرات إلي مديريات الأمن والتخشيبة، والنيابات تستدعي رموزهم وصحف عسس الدولة تستعدي الأمن والحاكم عليهم وتتهمهم بالعمالة والخيانة بل وتطلب من إسرائيل أن تلقنهم درساً. الشعوب الآن تري حكامها يهانون من إسرائيل التي تشخط فيهم وتأمرهم وتهددهم، ورغم ذلك فهؤلاء الحكام يتذللون من أجل أن يرضي عنهم أولمرت أو ليفني أو باراك ليجلسوا علي مائدة تفاوض تحت رعاية ودعم ومباركة ومشاركة من الولايات المتحدة الأمريكية التي تحب أن تري حكام العرب في حظائر الطاعة وتحت السيطرة ويعملون محافظين أمريكيين للأقاليم العربية، وتحب أن تري خصوم وأعداء إسرائيل من القوي العربية الوطنية مضروبين و ممزقين ومحبوسين ومنتهين تماما.. و يبدو أنها سوف تري ما تحبه، لكن المشكلة أن الحاكم «حمامة» سلام أمام إسرائيل و«أسد غضنفر» علي شعبه،فالحاكم العربي مقبول أمريكيا ومسنود صهيونيا طالما أنه يطبِّع ويسلِّم ويستسلم لإسرائيل، أما لو كان الحاكم ديمقراطيا ومحترما لحقوق الإنسان ولكنه ضد إسرائيل واحتلالها وعنصريتها فهو حاكم مكروه ومطلوب انكساره ودمه لدي أمريكا، من هنا فما يريده الأمريكان من حكامنا ليس إصلاحا ولا ديمقراطية ولا حرية انتخابات ولا حقوق إنسان، وإنما المطلوب الاستسلام أمام إسرائيل،.. تأمل برقية الشكر والإشادة التي أرسلها جورج بوش إلي مبارك يحييه فيها علي موقفه الحكيم في العدوان الإسرائيلي علي غزة!! كم أن بوش راضٍ عن مبارك وسياسته، فهل مازلت تصدق أنه كان يطالبه بالإصلاح السياسي والديمقراطية؟!.. لتذهب الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان العربي أمام مصالح إسرائيل إلي أقرب مقلب زبالة !!

العالم العربي يدور في دوائر من الكذب السياسي المقيت والسقيم، فهناك منافقون يطبلون ويزمرون لكل حاكم (من يوالي أمريكا ومن يساند إسرائيل ومن يعادي أمريكا ومن يعاند إسرائيل) ويسبحون بحمده ويقدسونه كأنه الولي الصالح أو الإله العادل ويبيعون ضمائرهم وأوطانهم مقابل البقاء في المقاعد والحصول علي الفوائد واكتناز الذهب والفضة، وهناك حكام بلغ بهم الإحساس بالعظمة ومرض السلطة وشهوة الحكم وشراهة الفساد فتخيلوا أنفسهم آلهة وأنبياء ووضعوا لحذاء أولادهم مكانا علي رقبة الوطن يرثون العواصم والخزائن والفساد والاستبداد من بعدهم، والمضحك المبكي أنهم (هم وأبناؤهم) يتحدثون طول الوقت عن ديمقراطيتهم وحريتهم وحرية مواطنيهم في كذب مريع وفصام شخصية ونفاق سياسي مذهل، الأمثلة كثيرة وأكتر من الهم علي القلب في الوطن العربي طولا وعرضا، لكن دعنا نعود إلي مصر ونتأمل ما يردده أصحاب السيادة من السادة المسئولين بالأسطوانة اليومية بتاعة مصلحة مصر وأن تصرفات الحكومة والحكم تجاه العدوان الإسرائيلي علي غزة قال إيه تنبع من مصلحة مصر ( لا أعرف لماذا تتداعي إلي ذهني جملة مصلحة السجون كلما سمعت جملة مصلحة مصر علي لسان مسئول لا يسائله أحد كالعادة !!) ولا نعرف هل هي مصلحة مصر أم مصلحة الحكم والحكومة في طول البقاء والجلوس علي الكراسي أبد الدهر وحتي الموت (موتهم هم وموت الشعب أيهما أقرب !!)؟ هل مثلا يعني مصلحة مصر أن تصبح دولة مرتشية من أجل قروض معونات ( تبددها الدولة كالعادة وتفلسنا كالمعتاد وتسرق منها طبعا وتفسد من خلالها وشييء لزوم الشيء وأبجني تجدني.. وما إلي ذلك ثم ذلك نفسه !!)؟!.. نرتشي بالقروض مقابل أن نبيع رأينا ونتخلي عن شعب لا تملي علينا فقط أوامر الإسلام والمسيحية مناصرته ودعمه والقتال معه بل تملي ذلك أيضاً الإنسانية والقيم الأخلاقية، فلو أن ما يجري في غزة من مذابح ومجازر ليس موجها ضد بشر بل ضد حيوانات لكان واجبا علينا أن نواجه عدوان إسرائيل ضد هذه الحيوانات، آه والله العظيم لو هذه المجازر الإسرائيلية تتم ضد مجموعات وقطعان ماشية لكان واجبا علينا أن نواجه العدوان بكل قوة وصلابة ورجولة فما بالك وهؤلاء ليسوا حيوانات يا قساة ياغلاظ القلب يا عديمي الرحمة والمروءة بل هم بني آدمين من دمنا ومن ديننا، مسلمين ومسيحيين وإخوتنا وبني جلدتنا ولغتنا وثقافتنا وعشرتنا وعشيرتنا. الضمير والواجب بل والمصلحة المصرية المباشرة تحتم علينا مواجهة إسرائيل والتصدي لها حتي لو كانت غزة حديقة حيوان مفتوحة وليست إقليما غاليا وعزيزاً وعظيما يحتشد فيه أعرق الشعوب وأكثرها حضارة، شعب المسجد الأقصي وكنيسة القيامة ومهد المسيح ومسري الرسول محمد صلي الله عليه وعلي آله وسلم، فهل مصلحة مصر أن نبيع أمنها القومي وواجبها العربي والإنساني من أجل رضا أمريكي ومعونات وحتي لا نفقد قرابة اتنين مليار دولار منحا وقروضا سنوية من الولايات المتحدة الأمريكية؟!.. بلا ستين خيبة، رجال الأعمال «السوداء» هربوا وضيعوا أكثر من المعونة الأمريكية سنويا تحت بصركم وربما من خلالكم شخصيا، ثم لو كان مال قارون هل هذا يجعلنا دولة ساكتة ساكنة خائبة كل ما تفعله هو الاتصال التليفوني بكوندوليزا رايس وتسيبي ليفني لنطالبهما بسرعة الانتهاء من ضرب وتدمير غزة واحتلالها لأن هناك عواقب وخيمة علي المنطقة لو قاومت حماس وطالت الحرب؟! طيب بالذمة تسمي هذا الرأي وذلك التصرف إيه في عالم السياسة؟ بلاش السياسة في عالم الأخلاق والكرامة، ثم مصلحة مصر يا حبايب مصر حبايبنا، ليست مصلحة حكام مصر ، ألم تر ماذا فعلت تركيا فهي دولة ديمقراطية حقا، يحدد الشعب التركي مصلحته ومصلحتها بنفسه وليس عبر مجموعة من المستبدين والوارثين الذين يسيطرون علي بلد منذ أكثر من ربع قرن وظنوا أن مصلحة تركيا هي مصلحتهم الشخصية في البقاء علي الحكم أبديا وسرمديا، تركيا رفضت يا حكامنا ستة مليارات دولار منحة كاملة من أمريكا (وليس اتنين مليار قرض بفائدة بنكية زي جماعة) في فترة ضرب العراق ورفضت مرور طيران أمريكي في سمائها، مجرد مرور وعبور طائرات أمريكية سماء تركيا لضرب العراق كان ممنوعا ومرفوضا من تركيا، ثم في الحرب الإسرائيلية القذرة علي غزة كانت تركيا بلدا عظيما شامخا وبكل كبرياء إسلامي يستعيد عظمة ومجد الدولة العثمانية أدانت تل أبيب ولقنتها درسا وهددتها وخرج الشعب التركي في مظاهرات بالملايين وحافظت تركيا علي مكانتها واحترامها وقيمها وإسلامها واستقلالها عن القرار الإسرائيلي والأمريكي، ليه ؟ لأنها بلد ديمقراطي حر ولم تذعن للترغيب ولا للترهيب، فأردوجان لا يريد توريث ابنه ولا ابن أخيه مقعد الحكم، والشعب الذي اختار هناك حكامه اختارهم كي ينفذوا إرادته، وليس ليكونوا أوصياء عليه ويتصرفوا من وحي مصلحتهم الشخصية الضيقة التي يدعون أنها مصلحة بلدهم !! ثم هي بلدهم وليست عزبتهم!!

ضحكت هاكيتس فعلاً


ضحكت هاكيتس فعلاً
بقلم د. أحمد خالد توفيق

يقولون إن صورة واحدة تغني عن ألف كلمة، ويقول الخبثاء: لكنك تحتاج إلي ست كلمات كي تقول هذا ! تذكرت هذه المقولة عندما رأيت رسمًا كاريكاتورًيا رائعًا لفنان موهوب، يمثل إسرائيل غولاً ذا عدة أذرع ينقض بها علي أقزام عرب شكلهم يوحي بالشفقة، والرسم يلخص عدة مقالات كاملة تتكلم عن دولة عصرية تتمتع بعلاقات دولية ذكية وتكنولوجيا وسلاح متطور ونظام ديمقراطي حقًا، فكيف لا تتوقع أن تقهر هذه الدولة ربع مليار عربي يمزقون أنفسهم طيلة الوقت ؟ لا يملك المرء
أن يشعر بإعجاب بهذه الدولة، لأنه كإعجابك بالبعوضة أو بكتريا الطاعون أو فيروس الإيدز.. لا أحد يحب فيروس الإيدز لكنه يبهرك علميًا عندما تدرس تركيبه.. كيف إنه متكيف وانسيابي ومصمم بدقة لمهمة القتل. كيف استطاعت هذه المجموعة من شذاذ الآفاق القادمين من أوروبا، المسلحين بأسطورة أن يصيروا حقيقة تدعمها 300 قنبلة نووية، وأن يظلوا أحياء يومًا آخر وسط ربع مليار عربي يمقتونهم كالجحيم ؟ لابد أن تنبهر بهذه القدرة وتتساءل عن السبب الذي جعل هؤلاء يحركون المنطقة كلها تبعًا لمصالحهم وأجندتهم.

إسرائيل أداة بارعة متقنة، لكن هل تملك القدرة علي البقاء حقًا ؟.. ستون عامًا فقط مرت عليها، تسببت خلالها في عدد لا حصر له من حروب شرسة وبحور من الدماء ومجازر ومآس وثأر لا يسقط بالتقادم، ومن الواضح أنها لا تذوب أبدًا في الوسط الذي غرست فيه ولا تتكيف.. كلما مرت الأيام تفاقم الأمر أكثر وازدادت العداوة.. حتي مع حال العرب الخامل الحالي، فهم مصرون علي رفض هذا النبت السرطاني. هل تقدر إسرائيل فعلاً علي الاستمرار ؟.. لا أعتقد ولا أتصور.. الجسم يطرد العضو الغريب المزروع مهما طالت المدة ما لم تمُتْ المناعة، والظاهر هنا أن المناعة لم تمُت. فلا أعتقد أن يهوديًا في العالم سيحتفل بمرور مائة عام علي قيام دولة إسرائيل.

لست محللاً سياسيًا، بل أعتمد علي معرفتي بطبائع الأشياء، لكنني وجدت في كلمات الراحل العظيم د.عبد الوهاب المسيري ما يؤكد هذا الرأي كثيرًا. عبد الوهاب المسيري ظل حتي آخر لحظة يؤمن بأن نهاية إسرائيل قريبة جدًا.. بل إنه اعتبر أن فترة عشرين عامًا تفصلنا عن تلك النهاية طويلة جدًا، وهي أقرب إلي التفاؤل الصهيوني، ونحن نعرف طبعًا أن الرجل يعرف ما يقول، وأنه كرس أربعين عامًا من حياته لدراسة الصهيونية واليهودية، فلن يدهشني أن يعرف أكثر من الحاخامات أنفسهم. هناك مفكرون يهود كثيرون توقعوا الشيء ذاته، ومنهم الفرنسي (جاك أتالي) الذي كتب مقالاً شهيرًا عن هذا في الإكسبريس الفرنسية.

الاستعمار الاستيطاني الصهيوني لم يقدر علي أن يكون إحلاليًا بالكامل - كما حدث في أمريكا وأستراليا - أي أن يبيد السكان الأصليين ليحل محلهم، وقد نجح في هذا ما بين عامي 1948 و1967، ثم بعد عام 1967 وبعد ما ضم كتلة فلسطينية بشرية ضخمة، بدأ يعتمد علي فكرة المعازل البشرية للسكان الأصليين و الأبارتايد، مع التركيز علي فكرة المستوطنات لخلق واقع جديد علي الأرض بحيث تصير العودة لحدود 1967 مستحيلة. الصراع والتحفز الحربي لفترة ستين عامًا شيء مرهق فعلاً، وقد بدأ هذا يظهر عليهم، لكنهم كذلك غير مستعدين للسلام.. هذا هو المأزق التاريخي الذي وقعت فيه إسرائيل.. تريد سلامًا لكنها كذلك لا تريد إعطاء أي حقوق للعرب ولا تريد التنازل عن حلم الأسطورة التي تعتبر هذا وطنهم الذي وعدهم الله به.. المشروع كما يراه الباحث الكبير مليء بالشروخ، لكنه لا يسقط لأن أسباب بقائه تأتي من الخارج.. أي إن إسرائيل أقرب إلي كوب زجاجي مهشم لا يبقيه سوي يد الغرب التي تمسكه. لا تنس أن السبب في وجودها هو هواية أوروبا لتصدير مشاكلها للخارج.. يومًا ما سوف تتراخي قبضة الغرب عن هذا الكوب المزعج وعندها..

المقاومة مهما كان الثمن الذي تبذله حققت الكثير جدًا، ومنه " فقدان المجتمع الإسرائيلي للثقة بنفسه إلي حد كبير، وانهيار الإجماع علي الاستيطان، وحدوث هجرة معاكسة داخل إسرائيل، وتفكك الوضع الاقتصادي، إضافة إلي معاناة الجيش الإسرائيلي المستمرة".. وللمرة الأولي منذ ميلاد إسرائيل رسمت لنفسها حدودًا بعدما كانت دولة بلا حدود.. إن تطلعاتهم تنكمش..

حتي علي مستوي الأسطورة نفسها فإسرائيل مخالفة للديانة اليهودية، وخطيئة توراتية كبري اسمها «ضحكت هاكيتس» أي «التعجيل بالنهاية»، وهذا يعني أنه تم تغيير العقيدة اليهودية من الداخل من أجل أغراض إمبريالية توسعية.. يجب ألا ننسي أن جماعة «ناطوري كارتا» ما زالت تحرق العلم الإسرائيلي كل عام باعتبار إسرائيل وطن الزنادقة. الأغرب أن المسيحيين الإنجيليين أهم سند للصهيونية يدعون في الواقع إلي تجميع اليهود في فلسطين تمهيداً إما لتنصيرهم أو لإبادتهم. طبعًا لا أحد يذكر هذا الجزء بتاتًا.

يري د. المسيري - أستعمل الفعل المضارع باعتبار كلماته باقية - أن الإسرائيليين يواجهون كمًّا عربياً وكيفاً عربياً، فالإنسان الفلسطيني ينمو ويستوعب العصر، فلم يعد هو مزارع البرتقال البسيط الساذج الذي يرقص الدبكة طيلة اليوم ثم يموت برصاصة في رأسه .. ويقول أستاذ جغرافيا في الجامعة العبرية: «الفلسطينيون سيهزموننا في غرف النوم ومدرجات الجامعة»، فلا تنس أن المرأة اليهودية هي أقل نساء العالم خصوبة، والمرأة الفلسطينية علي العكس تمامًا.

تذكرت هذا كله وأنا أري عصبية الإسرائيليين وتوحشهم في الحرب الحالية.. هناك انفلات أعصاب لا شك فيه، وقد رأيت متحدثهم الرسمي يوشك علي سب مذيعة قناة الجزيرة، ويؤكد في صلف وعنف:«إسرائيل لا تحتاج إلي مبررات ولسوف نضرب المدارس والمساجد لأن إسرائيل دولة قوية جدًا». شيء ما في كلماته ولغته جعلني أشعر بالحقيقة.. هذا رجل خائف فعلاً.. لهذا هو متوحش..

هذه حرب لا تجرؤ إسرائيل علي أن تفكر في خسارتها.. لو خسرتها بعد عامين من هزيمتها في لبنان، ولو هزمت علي يد ميليشيات محاصرة ضعيفة التسليح، فمعني هذا أن هيبتها وقوتها الرادعة انتهت للأبد. ما معني أن تخسر الحرب ؟.. عندما تقضي دولة نووية أسبوعين في محاولة القضاء علي المقاومة أو منع إطلاق الصواريخ فلا تنجح، ويموت جنودها وتسقط الصواريخ - مهما كانت بدائية - علي قواعدها، فهي تخسر فعلاً. عندما لا تجد حلاً سوي قصف البيوت الآمنة وذبح الأطفال، ولا تخجل من كون هذه أحقر حرب خاضتها في تاريخها، فإنها تخسر الحرب أو خسرتها فعلاً، وكما قال صديق لي ساخرًا: «يعني معني كده إنه لو عند حماس دبابة واحدة كانت حتخلّص !!».

إنهم يخسرون بلا توقف.. المظاهرات التي تغلي في العالم كله، والعالم العربي الذي يوشك علي التوحد بمعجزة علي مستوي الشعوب علي الأقل، وحساب الدم الذي يتضخم بلا توقف.. ثم هم يخالفون قاعدة استراتيجية مهمة ذكرها «هيكل» علي لسان أحد قادتهم: «يجب صيد مصر بالحربون وصيد الشام بالشبكة».. أي أنه يجب التعامل مع مصر بعنف وقسوة، بينما يجب التعامل بكياسة جراحية مع أهل الشام. السبب هو أنه لا يجب ترك ثأر دائم مع الجيران.. طبعًا صار لدي كل بيت في فلسطين - والعالم العربي في الواقع - دين دم لابد من سداده يومًا ما.

نعم.. هم يزدادون عصبية وبالتالي توحشًا. الذئب المسعور هائج يضرب رأسه في القفص ويمكن أن يقضم أية يد يجدها أمامه، ولنا أن نتوقع عددًا لا بأس به من المذابح قبل أن تواجه إسرائيل الحقيقة: إنها فشلت مرة أخري.

نعم .. لا أعرف المستقبل، ولا أعرف ما في جعبتهم ولا كم سيكلفنا هذا، لكن النظر لهذا الوضع يقول: إن استمرار إسرائيل مستحيل.. لن تنجح في إبادة الفلسطينيين بالكامل، ولن تمتزج أبدًا بالوسط المعادي المحيط بها الذي يلفظها بلا توقف. أتذكر هنا كلمات أحد مفكريهم الساخرين الذي يوصي آخر من يغادر البلاد أن يطفئ النور ويغلق صنبور الماء قبل أن يركب الطائرة إلي بولندا!
aktowfik@hotmail.comهذا البريد محمى من المتطفلين , تحتاج إلى تشغيل الجافا سكريبت لمشاهدته