‏إظهار الرسائل ذات التسميات القمة العربية. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات القمة العربية. إظهار كافة الرسائل

انقلاب عربي يصعب تصديقه


انقلاب عربي يصعب تصديقه
عبد الباري عطوان
ما حدث في قمة الكويت الاقتصادية من مصالحات بين اطراف متنافرة، بل ومتصادمة، جاء مفاجئاً للكثيرين، فحروب القمم العربية، التي اشتعل اوارها طيلة الايام القليلة الماضية، وما شهدته المنطقة من مقاطعات واستقطابات واصطفافات رسخ انطباعا بأن الشروخ التي اصابت الجسم الرسمي العربي باتت اصعب من ان يتم التئامها، وأنها بصدد الاتساع.
فمن كان يصدق منظر العاهل السعودي الملك عبد الله بن عبد العزيز وهو يسير متشابك الأيدي مع الرئيس السوري بشار الأسد، ومن كان يتوقع ان يرى امير قطر الشيخ حمد بن خليفة يجلس جنباً الى جنب مع الرئيس المصري حسني مبارك بعد المعارك الاعلامية الطاحنة، يتبادلان الابتسامات والأحاديث الودية وكأن شيئاً لم يحدث؟
مشهد صعب هضمه، ناهيك عن تفسيره، يعكس لوغاريتمات السياسة العربية، والطبيعة الغريبة، واحيانا غير المنطقية، لمواقف اقطاب النظام الرسمي العربي، وطريقة تفكيرهم، ومواصفات خلافاتهم او تحالفاتهم، الامر الذي يدفعنا الى طرح العديد من الاسئلة حول اسباب هذا الانقلاب المفاجئ، ومدى جديته، وما يمكن ان يترتب عليه من خطوات عملية في اتجاهات عديدة، وعلى الصعد كافة.
هل هي دماء أطفال غزة التي حققت هذه المعجزة، ام انها العربدة الاسرائيلية التي فاقت كل التصورات في تغولها ووحشيتها، ام هو الصمت الامريكي والغربي، ام هو الهوان العربي، ام انها جميع العوامل هذه مجتمعة حتمت هذا التحول؟
لا نستطيع ان نغرق كثيراً في التفاؤل، لأن خيباتنا من النظام الرسمي العربي ورموزه لا تعد ولا تحصى، فقد شبعنا من الخطابات الرنانة، والكلمات النارية، وعبارات 'العين بالعين، والسن بالسن' وتكرار الجمل الخالدة مثل 'ما أخذ بالقوة لا يسترد بغيرها'، دون ان نرى غير اعتداءات اسرائيلية مهينة ومتواصلة، وقادة عرب يديرون الخد الأيسر لمن يصفع خدهم الأيمن.
هل ما حدث أمر جدي فعلاً، ومؤشر على بداية مرحلة جديدة من العمل العربي المشترك تضع حداً لمسلسل الاهانات الاسرائيلية، والازدراء الامريكي، والاحتقار العالمي لكل ما هو عربي؟ اما انه حدث طارئ لامتصاص حالة غضب شعبي عبّرت عن نفسها بقوة في شوارع المدن والعواصم العربية والاسلامية؟

خطاب العاهل السعودي كان نقطة التحول الرئيسية خلف كل التداعيات التي اطلت برأسها في قمة الكويت، وانعكست في المصالحات التاريخية، في توقيت عربي وعالمي حساس، حيث يقف العالم بأسره امام مرحلة جديدة ومختلفة تنبئ بالكثير من التغييرات، الامر الذي قد يوحي بان المملكة العربية استعادت زمام المبادرة الذي فقدته طوال سنوات التيه السابقة ومنذ مطلع هذا القرن على وجه التحديد، مما قزّم دورها، وصنّفها في خنادق تتناقض مع تطلعات شعبها.
هناك مجموعة من النقاط يمكن استخلاصها من القراءة السريعة لبعض الوقائع التي تبلورت على المسرح العربي، والقمم العربية الاخيرة، والكويتية منها على وجه الخصوص:
اولا: ادرك النظام الرسمي العربي انه يقف امام تحد اسرائيلي شرس ينسف كل الآمال بجدوى التعامل السياسي السلمي معه، مما يعني ان الاستمرار في استجداء السلام بدأ يعطي نتائج عكسية تماما.
ثانيا: اكدت الاتفاقات الامنية الامريكية ـ الاسرائيلية لمراقبة الحدود المصرية مع قطاع غزة لمنع تهريب الاسلحة، ودون دعوة القيادة المصرية او حتى التشاور معها، ان العلاقة الامريكية مع دول محور الاعتدال العربي، ليست علاقة تحالفية وانما 'خدمية' حيث ترى واشنطن العرب كمجموعة من التابعين باتت وظيفتهم محصورة في خدمة حروبها، وحماية اسرائيل. والشيء نفسه يقال ايضا عن تجاهل اسرائيل للمبادرة المصرية لوقف اطلاق النار، وانهاء الحرب من طرف واحد ودون التشاور مع الوسيط المصري.
ثالثا: نجح الرأي العام العربي المغيّب في فرض نفسه على النظام الرسمي العربي، من خلال مظاهراته الاحتجاجية الصاخبة والمستمرة، الامر الذي اعطى ثماره في اجبار الانظمة على وقف نظرتها الازدرائية غير المبالية للشارع العربي.
رابعا: صمود اهل قطاع غزة الاسطوري لأكثر من ثلاثة اسابيع في وجه العدوان الاسرائيلي، ودون اي دعم رسمي عربي، عسكري او سياسي، وفشل كل الرهانات على رضوخهم للابتزاز الارهابي الاسرائيلي والانقلاب على المقاومة وفصائلها وثقافتها.
خامسا: تعاظم المعارضة لحال الخنوع العربي الراهنة، واقدام دول على خطوات عملية للمرة الاولى لتبرئة نفسها من تهم التواطؤ مع الاحتلال، وتبلور حالة من الفرز في اوساط الانظمة، بين من يريد ان يفعل شيئا عمليا كرد على الاذلال الاسرائيلي ـ الامريكي، ومن يتحلى بفضيلة الصمت، واعطاء اسرائيل فرصة لانهاء المقاومة. ورأينا قطع علاقات مع اسرائيل، ومطالبة قوية بسحب مبادرة السلام العربية، والتلويح بخطوات اخرى قادمة.
سادسا: مساء اليوم تنتهي فترة حكم اكثر الزعماء الامريكيين كراهية للعرب والمسلمين، وصداقة وتأييدا للاسرائيليين ومشاريعهم وحروبهم ضد العرب والفلسطينيين خاصة، وتبدأ فترة ادارة جديدة تعد بالتغيير، وتقليص الاعتماد على العرب ونفطهم، وفرض احترام قيم حقوق الانسان والديمقراطية، الامر الذي يفرض على النظام العربي، او رموزه الاساسية اعادة ترتيب اوضاعها، والتخلي عن بعض جوانب غطرستها وجنوحها، ومحاولة اصلاح الجسور مع انظمة اخرى اختلفت معها، وعادتها لاسباب شخصية محضة، وليست استراتيجية.
سابعا: لعب الاعلام العربي، والشريف منه على وجه الخصوص، دورا فاعلا في تعرية المتواطئين مع العدوان، والمتدثرين بعجز مفتعل عن مواجهته لاسباب غير وجيهة، علاوة على كونها غير مقنعة، سواء من خلال ابراز الوحشية الاسرائيلية في قطاع غزة، ومظاهر الصمود الاعجازية للثكالى والاطفال المقطعة اوصالهم، او الاطباء الذين يعملون ببطولة لانقاذ المصابين، او تحريض الشارع العربي ضد الانظمة، وتعبئته خلف عملية التغيير على مستوى القمة.

لعلها 'صحوة'، او بوادر حراك في اتجاه صحيح، وفق بوصلة جديدة، ترتكز قاعدتها على معجزة مساحتها مئة وخمسون ميلا مربعا اسمها قطاع غزة، تضم شعبا من الجبارين فعلا، قد تكون حلما كاذبا يدفعنا الى التريث والحذر لاننا لدغنا كشعوب في مرات سابقة، وانخدعنا بخطابات نارية مماثلة، وقد تكون 'انتفاضة' حقيقية وجدية تؤشر لمرحلة جديدة.
نفضل التريث قليلا، وانتظار الايام المقبلة، حيث سيهدأ غبار قمة الكويت، ويعود الزعماء العرب الى بطانتهم وقصورهم، بعدها سنرى الحقائق على الارض، واضحة للعيان، ونأمل ان تكون شكوكنا وحذرنا وعلامات استفهامنا في غير محلها.
ختاما نقول ان اي مصالحة عربية ـ عربية، او فلسطينية ـ فلسطينية لا تستند الى ارضية مقاومة المشروع الاسرائيلي هي مصالحة مغشوشة، ستصطدم حتما بالشارع العربي، ولن تنقذ النظام الرسمي العربي.

بيان وقف إطلاق النار..

بيان وقف إطلاق النار../ د.عزمي بشارة
* وقف إطلاق النار (لم يستخدم أولمرت في خطابه عبارة "هفسقات إيش" (وقف إطلاق النار) " بل استخدم مصطلح "نتسيرت إيش" أي بمعنى ما لجمها وكبحها، والمقصود هو "وقف مؤقت" لإطلاق النار، وقف مرحلي) الذي أعلن ليلة السابع عشر من كانون الثاني\ يناير 2008 هو تعبير عن عدم قدرة إسرائيل على الاستمرار بالحرب، وذلك في حملة برية لاحتلال غزة بأسرها. لقد فحص جيش الاحتلال ذلك عمليا باقتحامات شتى ووجهت بمقاومة شرسة. وقلّب قادته الأمر، فوجدوه مكلفا غير مضمون العواقب. ولكن اقتصار الحرب على القصف الجوي والمدفعي لا يحسم المعركة. صحيح أنه يدمر ويقتل ويحرق دون تمييز، وصحيح أنه يكلف المجتمع الفلسطيني ثمنا باهظا، ولكنه لا يحسم المعركة. ومن ناحية أخرى لم يتمكن مبعوثو المخابرات والرئاسة المصرية من فرض الشروط السياسية الإسرائيلية على حركات المقاومة. وهي تتلخص بالتعهد بوقف المقاومة ونزع سلاحها. لقد كان المطلوب هو توقيع المقاومة على "منع تهريب السلاح" وعلى "تهدئة" دائمة أو طويلة المدى. فما كان من إسرائيل ان أوقفت النار من طرف واحد مدعية انها أنجزت الأهداف من الحملة. ولكنها لم تنجزها.

* كانت رايس جاهزة لمنح ليفني أية ورقة تمكِّنها من العودة إلى المجتمع الإسرائيلي بإنجاز ما، ودون انتظار تحقق الإملاءات المصرية على حماس ناهيك بتفاهمات معها.

لا نعرف تفاصيل الاتفاق، وأقصد عدا الأمور العامة المتعلقة بتجند الولايات المتحدة لمنع وصول السلاح إلى حماس. وطبعا سوف يتعلق الأمر بمدى استعداد إدارة أوباما لمتابعة التنفيذ ومدى تعاون مصر معهم في ذلك. وبالمجمل، هذه اتفاقيات غير ممكنة التنفيذ دون تعاون عربي.

* ما هي الأهداف التي حققتها إسرائيل من حربها على غزة؟ هل هي مدارس وكالة الغوث "الأونروا"؟ هل هو حرق البشر بالفوسفور؟ هل انتصرت الإف 15 على من هم في سن الـ15 عاما مستعيدة هيبة الردع، أو الرعد أو الرعب؟

ردعت إسرائيل الأطفال في غزة وفي كافة منازل الوطن العربي. مرحى مرحى مرحى، هورا هورا هورا. لتستمر مقاهي تل أبيب (المدينة دون توقف كما يحبون تسميتها هناك) باحتضان الطيارين الشباب والفنانين والصحفيين الذين يروون النكات عن غزة، وعن أطفال ونساء غزة. فهذا لا يثير انطباعا عند من انطبعت الصور في أذهانهم. كل شيء هنا توقف غير تلك الصور في الأذهان، وكل شيء هنا يتوقف على إنجاز مهمة واحدة، أن يعود التاريخ إلى نفسه في المنطقة العربية وهو لا يشمل إسرائيل. إنه لا يشمل تل أبيب ولا بطرها من حروب قليلة الضحايا عند من يملك الطائرات، ولا فائض سخريتها ممن لا يملكها.

* إن ما يحتاج إلى دراسة هو تحول قتل المدنيين، والتباهي باستهدافهم إلى مركب في الثقافة الإسرائيلية.

هنالك ميل سادي كولونيالي واضح لدى الشباب الإسرائيلي على مر الحروب لتحويل عذاب الفلسطينيين إلى تسلية. أما رسم الابتسامات وعلامات النصر من قبل الجنود العائدين من المجزرة إلى الحضارة، ومن قتل العائلات إلى عائلاتهم ومن التنكيل بالمدنيين إلى الحياة المدنية. فهو ليس فرح الجبناء فحسب بل طقوس العبور لتشكل الرجولة في مجتمع المستوطنين المستعمرين العابرين.

* إذا كان المقصود بتحقيق الأهداف هو الأهداف المعلنة في بداية الحرب، فليس صحيحا ما أعلنه رئيس الحكومة الإسرائيلي من تحقيق الأهداف. فلم تحقق الحرب الأهداف العلنية المتعلقة بتغيير الوضع الأمني في "جنوب إسرائيل". أما إذا كان الهدف الذي تحقق هو اغتيال قيادات في المقاومة، فقد بات هذا من مسلمات المقاومة. ليس ذلك إنجازا، لأن قيادات المقاومة بحكم تعريفها تتوقع الاغتيال في أي وقت.

* توحدت الأمة العربية مع المقاومة، وتوحدت الشعوب معها، إلا في لبنان حيث ينقسم الشعب، ولكن ليس إلى مواقف، بل إلى طوائف.

* وانقسم النظام الرسمي العربي إلى اثنين لكل منهما هوامش ما زالت تتقاطع. ويمكن تمييزها باختصار شديد بما يلي: يعتبر الموقف الأول الاحتلال هو المشكلة وهو سبب الحرب، في حين يعتبر الموقف الثاني مقاومة الاحتلال هي المشكلة ويحملها مسؤولية الحرب.

* ومن هذه الزاوية فإن القمة العربية في الدوحة هي استجابة بالحد الأدنى ليس للانقسام الرسمي، بل للرأي العام العربي. والأمر الأهم الذي أنجزته هو كونها أول مراجعة رسمية لخط التسوية. لأول مرة تحصل انعطافة في الخطاب الرسمي العربي منذ أن سيطر عليه خطاب التسويات المنفردة مع إسرائيل.

* إعلان رئيس الحكومة الإسرائيلي المتأخر أن وقف إطلاق النار هو استجابة لطلب الرئيس المصري هو محاولة لإنقاذ المعتدلين العرب. فمن مصلحة إسرائيل أن يبدو المعتدلون شركاء يحظون ببعض المصداقية. لقد كان ضحية القصف الأولى هم المدنيون الفلسطينيون، أما الضحية الثانية فهو التسوية وجماعة عملية السلام.

* كان غضب مبارك وأبو الغيط (الذي سعد لدقائق أن تتطلب الوظيفة مرة واحدة تقمص شخصية تشي جيفارا) غضبا تكتيكيا. حماس لم تقبل بشروط المخابرات المسماة أفكارا مصرية، وإسرائيل لم تنتظر. وقد أوقفت إطلاق النار مستغنية عن الجهد المصري. كما كانت هنالك قمة الدوحة التي أثارت غضبا غير تكتيكي إذ طرحت أفكارا أخرى غير المبادرة المصرية، وشاركت فيها أنظمة رسمية متجاوبة بالحد الأدنى مع رأيها العام. كان لا بد من إنقاذ مبارك بتصريح مفاده أن وقف إطلاق النار هو استجابة لطلب مبارك. ولكن هذا التصريح الإسرائيلي تحول إلى إهانة وإساءة لمصر. فإذا كان بوسع مبارك وقف إطلاق النار وإذا كانت إسرائيل تصغي له، فلماذا لم يطلب فيستجاب طلبه قبل عشرين يوما؟

* حين ظهر هذا الخطاب المصري الجديد من وقف إطلاق النار الفوري وغير المشروط وحتى الانسحاب، واصل ممثلو السياسة الخارجية استخدام نفس النبرة واللهجة القديمة في حديثهم مع ممثلي حماس في القاهرة، أي واصلوا مطالبتهم بالتعهد بوقف تهريب السلاح وبتهدئة طويلة المدى والعودة إلى اتفاق عام 2005 بشأن معبر رفح. كان ذلك خطابا للاستهلاك المحلي. * يوم 18 التالي لوقف إطلاق النار تنادت بسرعة فائقة دول متفاجئة من استدعائها على عجل. لقد اجتمعت في شرم الشيخ نفس القوى التي بررت وأيدت قتل الأطفال والنساء في فلسطين، والتي تعتبر قتل الأطفال دفاعا عن النفس وقتل الجنود إرهابا.

اجتمعت القوى التي تعتبر مصير جندي مثل شاليط جاء لقصف المدنيين من دبابة أكثر أهمية من مصير أهل غزة. دعاهم رئيس عربي يشاركهم تقدير حياة شاليط، ويتعامل مع حياة أبناء شعبه في قطار محترق وعبّارة تغرق وبنايات تنهار باحتقار أشد حتى من احتقاره لأهل غزة.

* وما اجتماع القوى الاستعمارية الكهلة في شرم الشيخ سوى إخراج لوقف إطلاق النار، لكي يبدو كأنه نزول عند رغبة مبارك والدول الأوروبية وعملية السلام، وغير ذلك من الكلام الفارغ. وقد جرى إخراج وقف إطلاق النار بعد أن اتخذ القرار في هذه المسرحية لمصلحة إسرائيل والرئيس المصري. اتخذ القرار من طرف واحد، وتبعه إخراج من هذا النوع.

قمة شرم الشيخ هي عبارة عن مساندة لدور الرئيس المصري الذي تضرر في هذه المرحلة داخليا وخارجيا. فهو إخراج لوقف إطلاق النار في إطار قوى التسوية ليظهر وكأنه "إنجاز لها"، وليس رغما عن هذه القوى.

فنحن لم نر هذه القوى أو نسمع بها طيلة الحرب. لم تحاول تكبيل أيدي إسرائيل أو إدانة قتلها للأطفال، ولم تبد حرصا على حياة المدنيين. وحين يئست إسرائيل من تحقيق أهدافها وتوقفت، تقدمت هي لتقطف وقف إطلاق النار كأنه نتيجة لتحركاتها وليس كنتيجة لصمود المقاومة والمجتمع الفلسطينيين في غزة.

* للبنان حدود مع سوريا وإسرائيل والبحر، وتحد غزة مصر وإسرائيل وبحر مغلق. وهذا هو الفرق كل الفرق. إن كان ذلك بالنسبة للمدنيين، وإن كان ذلك بالنسبة للمقاومة. وقد جرت الحرب على أساس هذا الفرق. الدولة العربية المجاورة لم تكتف بعدم دعم المقاومة بل أرادات تلقينها درسا قاسيا. لقنت إسرائيل الدرس القاسي للمواطنين ولم تحقق أهدافها وتوقف إطلاق النار.

* وبعد وقف إطلاق النار يدرك المجتمع ما جرى له وما حل به وهو يضمد الجراح ويتفقد الأنقاض. سيبدأ الضغط من أجل المساعدات ومعالجة الجرحى وإعادة الإعمار. ويبدو أن إلإغلاق المستمر للمعبر في رفح، وإمكانيات الدخول والخروج عبر مصر سوف تستخدم للاستمرار في ابتزاز المقاومة لقبول الشروط بعد وقف إطلاق النار.

* لذلك فالمهم الآن هو الضغط لفتح المعبر للإغاثة وإعادة البناء، وعدم السماح لإسرائيل أن تتملص بجريمتها، وأن يرفع الحصار. ويجب عدم التسامح مع الأنظمة التي صمتت أو تواطأت، وما زالت، يجب عدم التوقف الآن عن الحملة لفضحها، وذلك لأن هذه السياسة مستمرة ولم تتأثر. فما يقال في الخطابات شيء وما ينفذ على أرض الواقع شيء آخر تماما. ولن يصح أي تعهد تتخذه الدول العربية أو غيرها للمساعدة في إعادة الإعمار، إذا لم يفتح المعبر ولم تصل المساعدات لغزة.

* جمع الأموال لإعادة الإعمار يجب ألا ينسي الدول والمؤسسات التي أعلنت نيتها التقدم بدعاوى مطالبة إسرائيل بدفع التعويضات على ما لحق بالناس. لم نسمع عن محاكمات لإسرائيل عن ما اقترفته أيديها في لبنان عام 2006، ونأمل ألا تؤول التهديدات الحالية إلى المصير ذاته.

* أما سياسيا فإن المرحلة هي مرحلة وقف توسع خطاب التسوية والتطبيع مع إسرائيل ورده على أعقابه وبدء صعود خطاب سياسي جديد. وهذه عملية بدأت في الدوحة ويجب أن تستمر وتندفع وأن يدافع عنها في الكويت بقوة.

* من أهم إنجازات المقاومة في هذه الحرب أن إسرائيل لم تعد خارج القطاع من طرف واحد كنوع من إعادة الانتشار. لقد خرجت في العام 2005 بخيارها كي تجتاحها متى شاءت. وها هي تدرك الحقيقة المرة. لقد تغيرت الأمور خلال عامين. وهي مضطرة أن تحارب كي تعود. فعودتها إلى غزة يعني حربا، وهي حرب غير محمودة العواقب. لم يتحرر قطاع غزة عام 2005، بل تحرر الآن من الاحتلال. لأول مرة منذ عام 1967 لا تجتاح إسرائيل المناطق التي احتلت عام 1967 بسهولة كنوع من إعادة الانتشار، بل تضطر أن تحارب لاجتياحها

* وبقيت قوات إسرائيلية في غزة. ليس لهذا الغرض تصح المقاومة، بل لأن فلسطين كلها محتلة، القدس محتلة والضفة محتلة. وطالما هنالك احتلال هنالك حق بمقاومته. وفلسطين وطن واحد، وقضى الحال والتجربة أنه يمكن مقاومة احتلال غزة من القدس، ومقاومة احتلال القدس من غزة.

* ليست غزة دولة مستقلة، ولا شعبا ولا كيانا. ويجب أن تتوقف النبرة التي تتعامل معها كذلك، (وهي نبرة قائمة حتى عند أوساط قليلة في حركة حماس). وهي تقاوم احتلال فلسطين وليس احتلالها وحدها. ولكن غزة لا تستطيع أن تحمل وحدها قضية فلسطين، فهي في ظل الحصار بالكاد "تحمل حالها". ولذلك لا يجوز أن تبقى بقية جوالي الشعب الفلسطيني في الشتات والضفة خارج إطار التنظيم الوطني الذي يجب أن يقود المقاومة. وهو أوسع من حماس.

لقد آن الأوان أن تفكر حماس والجهاد والجبهة وغيرهم من طاقات وقوى الشعب الفلسطيني بتشكيل إطار تحرر وطني موحد مقاوم في كافة أماكن تواجد الشعب الفلسطيني، يحمل برنامجا وخطابا مؤهلا لقيادة الشعب الفلسطيني. وجود هذا الإطار وهذا الخطاب هو الذي سوف يشكل القوة الضاغطة والرافعة لإعادة بناء منظمة التحرير.

في هذه الحرب أدرك الجميع ما معنى دور الأجهزة الأمنية في الضفة، وما معنى تغييب منظمة التحرير حتى في الشتات وتهميشها من قبل السلطة. ولذلك فإن المهمة أعلاه مهمة تنظيم وتأطير بقية مناطق تواجد الشعب الفلسطيني، هي مهمة لا تحتمل التأجيل. فليست مهمة غزة أن تقاوم عن كل الشعب الفلسطيني، ولا مهمة الآخرين أن يتضامنوا.

* لقد قاومت بقية الجاليات الفلسطينية في الماضي، وواصلت الضفة الانتفاضة في حينه حتى حين حوصرت في غزة. فهي ليست جديدة على الموضوع. وما تغير هو قيام السلطة وتهميش الشتات وقيام جيل من الأجهزة الأمنية يقمع شعبه من يناضل ضد إسرائيل وينكل به. وهذا أمر لا يجوز تجاهله عند استخلاص النتائج وإعادة بناء المؤسسات على ضوء ما جرى في هذه الحرب.

* لا مشروعية لأية تسوية. ليس الجميع قادرا أو مضطرا للمقاومة، ولكن الجميع قادر على رفض التسوية غير العادلة، وعلى استنباط وسائل للحياة دون تسوية مع إسرائيل والصهيونية.



حماس توقف إطلاق النار وتمهل إسرائيل أسبوعا للانسحاب



عباس يطالب قمة شرم الشيخ بقوات دولية لحماية الفلسطينيين
غزة- قال أيمن طه المسؤول الكبير بحركة المقاومة الإسلامية الفلسطينية حماس لرويترز إن حماس أعلنت وقفا فوريا لإطلاق النار من جانب نشطائها والفصائل المتحالفة معها في قطاع غزة الأحد، مضيفا أن الحركة الإٍسلامية أمهلت إسرائيل أسبوعا لسحب قواتها من القطاع.

وكانت كتائب عز الدين القسام الذراع المسلح لحركة حماس قد أعلنت عن قصف بلدتين إسرائيليتين بأربعة صواريخ وتجمع وموقع عسكري بأربع قذائف هاون.

وقالت القسام في بيان لها تلقت يونايتد برس انترناشونال نسخة منه إنها قصفت مدينة المجدل الإسرائيلية بصاروخي قسام محلي الصنع، ومدينة كريات غات بصاروخي غراد.

وذكرت أنها قصفت في وقت سابق تجمع العين الثالثة وموقع الإرسال العسكري المحاذيين لجنوب قطاع غزة بخمسة قذائف هاون.

واعتبرت أن ذلك في إطار معركة الفرقان التي تخوضها تصدياً للحرب التي يشنها العدو الصهيوني ضد قطاع غزة الأبية الصامده ورداً على المجازر المتواصلة.

وكانت إسرائيل أعلنت وقف إطلاق نار من جانب واحد بدأ عند الثانية فجر الاحد دون أن يوقف ذلك إطلاق النار من القوات الإسرائيلية التي قتلت شاب فلسطيني وطفلة وأصابت آخرين خلال محاولتهم تفقد منازلهم جنوب وشمال القطاع، ودون أن يوقف استمرار إطلاق الصواريخ أيضاً تجاه البلدات الإسرائيلية.

وفي غضون ذلك قال أحد المسئولين في السلطة الوطنية الفلسطينية بأن الرئيس محمود عباس سيطالب الأحد بقوات دولية لحماية الشعب الفلسطيني وحسب القيادي في السلطة نبيل عمرو سيصر عباس على هذا الطلب على هامش مشاركته في قمة شرم الشيخ 

رجال غزة لا يريدون فتاتكم


رجال غزة لا يريدون فتاتكم 
عبد الباري عطوان
لا نعرف كم من الاطفال والنساء تحتاج اسرائيل الى قتلهم وتمزيق اجسادهم بقذائف دباباتها وصواريخ طائراتها حتى تروي ظمأها، وتوقف عدوانها الوحشي الحالي على قطاع غزة. فيبدو ان تجاوز رقم الضحايا حاجز الألف شهيد، وخمسة آلاف جريح ليس كافيا، فهناك تعطش للمزيد.
ولا نعرف ايضا كم سيحتاج الزعماء العرب من الوقت حتى يتحركوا من اجل انقاذ كرامتهم، او ما تبقى منها، هذا اذا تبقى شيء، قبل الاستجابة لنداءات الثكالى، وأنين الجرحى، وصراخ الاطفال المرعوبين من القصف الاسرائيلي المتواصل.. ثلاثون يوما، اربعون يوما، ام عدة اشهر؟
عشرون يوما، والحكومة المصرية تتفاوض مع نظيرتها الاسرائيلية على مبادرة مهينة، تحقق للمعتدي كل ما يتطلع اليه من اهداف، ومع ذلك يتدلل، ويطلب المزيد من التنازلات والدماء.
كنا نتطلع الى قمة عربية حاسمة، تعكس تحركا عربيا رسميا يوظّف إمكانات هذه الامة، وهي كثيرة ومؤثرة، لوقف هذا العدوان، فانتهينا بثلاث قمم، هبطت علينا دفعة واحدة، اولها خليجية انعقدت فعلا في الرياض امس، والثانية طارئة بايعاز من معسكر دول الممانعة، جرى اجهاضها بشكل مؤسف، وكان من المقرر ان تبدأ اعمالها اليوم، وثالثة قادمة ستكون الكويت مسرحها يوم الاثنين المقبل.
دول ليست لها علاقة بالعروبة، ولا تنتمي الى العقيدة الاسلامية انتصرت لاستغاثات الضحايا في قطاع غزة، وبادرت الى قطع علاقاتها فورا مع الدولة العبرية (فنزويلا وبوليفيا)، بينما ما زالت الاعلام الاسرائيلية ترفرف، في استفزاز غير مسبوق، في اكثر من عاصمة عربية.
من يريد ان يتحرك لا يحتاج الى انعقاد قمم عربية، عادية او طارئة، فقط يبادر باتخاذ خطوات عملية، كل قدر امكانياته، حتى يترجم اقواله الى افعال، ويبرئ نفسه، امام الله ومواطنيه، من تهمة التواطؤ مع هذه المجازر التي نتابع تفاصيلها الدقيقة، ساعة بساعة، عبر شاشات التلفزة.
اعتقدنا ان ضخامة الفجيعة في غزة ستكون عامل توحيد للعرب والمسلمين، وكم كنا متفائلين سذج، فقد استخدمها البعض بطريقة بشعة لتعزيز هذا المحور في مواجهة ذاك، او العكس تماما، الامر الذي شجع اسرائيل وآلتها الدموية الجبارة على مواصلة عمليات التصفية والتطهير العرقي دون رادع.

السيدة تسيبي ليفني وزيرة خارجية اسرائيل قالت انها تخوض هذه الحرب نيابة عن معسكر المعتدلين العرب، ولخدمة اهدافهم في التخلص من 'ارهاب' حركة 'حماس' والفصائل الاخرى، ويبدو انها اصابت في اقوالها هذه، لان هذا المعسكر هو الذي يعرقل اي تحرك عربي فاعل، ويقوم بعضه بدور الوسيط المنحاز ضد بني قومه.
اهالي قطاع غزة الصامدون لا يريدون اكفانا يرسلها اليهم اشقاؤهم في عواصمهم المترفة، ولا خبزا، او حفنة ادوية، وانما الاسلحة، والمواقف العملية الرجولية، فماذا سيفعل هؤلاء بالخبز وهم يواجهون الموت في اي لحظة، ويهيم اطفالهم وسط انقاض البيوت المدمرة يبحثون عن امهاتهم بين ركامها ؟ .
الحكام العرب يفضلون شد الرحال الى قمة الكويت الاقتصادية، للاتفاق حول كيفية استثمار اموالهم وفوائضهم بشكل اكثر ربحية، وتنسيق المواقف لضمان اسعار افضل لنفوطهم، اما دماء اطفال غزة فتحتل مرتبة متدنية على جدول اولوياتهم، هذه هي الحقيقة المخجلة التي يبتعد الكثيرون عن ذكرها.
العالم الغربي الذي يدعم اسرائيل، ويوفر الغطاء الشرعي لعدوانها المتواصل، لا يفهم الا لغة المصالح. ومصالحه تنحصر في امرين اساسيين هما أمنه وجيبه، ومن المؤسف انه لا يوجد اي تحرك عربي او اسلامي، يهدد أيا منهما، لا من دول الممانعة ولا من دول الاعتدال، فقد تساوى الجميع في حالة العجز المزرية التي نراها حاليا بأم اعيننا.

السيد احمدي نجاد رئيس الجمهورية الاسلامية الايرانية ينتقد عجز الزعماء العرب المعتدلين، مثلنا تماما ككتاب ومعلقين، ولكننا لا نملك غواصات وصواريخ وحرسا ثوريا مثله، ولا نستطيع اغلاق مضيق هرمز في وجه الملاحة الدولية، فلماذا لا يفعل السيد نجاد وحلفاؤه شيئاً عملياً لتخفيف العدوان على أهل غزة؟ نستجديهم ان يقدموا على أي خطوات عملية، تثبت لنا انهم مختلفون عن الحكام العرب الآخرين المتواطئين مع العدوان الاسرائيلي.
ندرك جيداً انهم مستهدفون، وان العدوان على غزة هو مقدمة لعدوان قادم عليهم، ولا نريدهم ان يقعوا في مصيدة الاستفزاز الاسرائيلي، ولكن لا بد ان هناك اوراقاً في ايديهم يمكن استخدامها بفاعلية لاظهار تميزهم، وتأكيد مشاعرهم الوطنية الطيبة في دعم المقاومة وفصائلها المتعددة في هذه الحرب المصيرية.
من حقنا ان نسأل العاهل السعودي الملك عبد الله بن عبد العزيز ما اذا كان يشاهد اشلاء اجساد الأطفال في قطاع غزة مثلنا عبر شاشات التلفزة، واذا كان يشاهدها فماذا ينتظر، وهو خادم الحرمين الشريفين، والحليف الأوثق للولايات المتحدة والغرب، وصاحب مبادرة السلام العربية، وحوار الأديان؟
نوجه السؤال نفسه الى الرئيس المصري حسني مبارك الذي نعتقد انه على قناعة تامة بأن دور الوسيط الذي يمارسه حالياً هو افضل ما في جعبته، ونسي وهو قائد سلاح الطيران اثناء حرب اكتوبر المجيدة، ان دور مصر هو اشرف وأكبر من ذلك بكثير، ولكن يبدو انه لا يريد احدا ان يذكره بأبسط واجباته كعربي ومسلم، بل وكإنسان، فقد سدّ اذنيه واغمض عينيه عن كل هذه المناظر والصور التي تزعج حياته، وتنغّص عليه استمتاعه بها فيما تبقى له من سنوات العمر.

اما السلطة الوطنية في رام الله فقد باتت تتصرف وكأنها احد كانتونات النظام العنصري السابق في جنوب افريقيا، تراقب الامور من بعيد، وتكتفي بارسال المعونات الغذائية والطبية الى القطاع، ومساندة المبادرة المصرية لوقف الحرب. سلطة لم تمارس اي نوع من الضغط على اصدقائها في اسرائيل، بل على العكس من ذلك سهلت مهمة عدوانهم بقمعها للمظاهرات الاحتجاجية في مدن الضفة الغربية.
يتحدثون في رام الله عن معارضتهم لفصل الضفة عن القطاع، ويؤكدون انهم لن يعودوا الى غزة على ظهور الدبابات الاسرائيلية، فليثبتوا هذا عملياً، وليقدموا على خطوات فعلية تؤكد نواياهم، وليكونوا القدوة الصالحة للعرب الآخرين، من حيث حل هذه السلطة واعلان موت العملية السلمية التي يراهنون عليها، والعودة الى خيار المقاومة.
قطاع غزة وقع تحت الاحتلال الاسرائيلي مرتين، وهذه هي المحاولة الثالثة، وقدم الآلاف من الضحايا والشهداء، وخرج في كل مرة قوياً، منتصراً وعنيداً في تمسكه بالمقاومة وثوابته الوطنية، ومن المفارقة ان 'حماس' لم تكن موجودة في المرتين الأوليين، وانما الادارة المصرية التي آمنت بوحدة المصير، ورفضت الرضوخ للمشروع الاستعماري الاسرائيلي الغربي، واختارت الانحياز للشهامة والكرامة والقيم العربية والاسلامية العريقة.
الاجيال الفلسطينية المقبلة التي ستنهض من ركام هذا الدمار قطعاً ستكون مختلفة، وقد لا تقبل بما يقبل به الجيل الحالي، وتسعى للانتقام من كل الذين خذلوا آباءها، وتواطأوا مع العدوان، وتتعامل مع هؤلاء تماماً مثلما ستتعامل مع المعتدين، ان لم يكن اكثر. وعلينا ان نتذكر حلم وأمنية اسحق رابين بان يصحو يوما من النوم ليجد غزة وقدغرقت في البحر واختفت كلياً.

هل سينجح 'التمرد' ضد هيمنة النظامين المصري والسعودي على اليات العمل العربي؟




هل سينجح 'التمرد' ضد هيمنة النظامين المصري والسعودي على اليات العمل العربي؟ 
خالد الشامي
 كانت الضبابية مازالت تخيم امس على ما بدت وكأنها 'حرب قمم عربية' لاتقل في شراستها عن العدوان الاسرائيلي على غزة. وكانت الشكوك تتراكم حول اذا ما كانت اي من القمم ستنجح في اتخاذ القرارات القادرة على انقاذ اهل غزة من الثور الاسرائيلي الهائج. 
وبين قمة الكويت الاقتصادية المقررة الاثنين، وقمة الدوحة الطارئة من اجل غزة المقررة الجمعة، وقمة الرياض الخليجية الطارئة المخصصة لغزة المقررة اليوم، تزدهر بورصة التكهنات والتوقعات، ولسان الحال لدى البعض يقول: تعددت القمم والعجز العربي واحد. 
فهل قمة الرياض تهدف لمساعدة غزة حقا ام الى اجهاض قمة الدوحة؟ وما الجديد الذي ستقدمه لغزة هذه المرة، ولم تقدمه في اجتماعها الاخير؟ وهل ستنجح قمة الدوحة في حال انعقادها بمن حضر في اتخاذ قرارات عملية، ام انها ليست الا فرصة للانقلاب على هيمنة النظامين المصري والسعودي على آليات العمل العربي الرسمي؟ واين كل هذه القمم بينما كان اهل غزة يتعرضون للذبح طوال العشرين يوما الماضية؟ وهل سيؤدي جرح غزة الى تعميق الانقسام العربي بين محوري مصر ـ السعودية / قطر ـ سورية بدلا من ان تساعد في تقليصه؟ ام ان صراخ الضحايا في غزة ليس سوى دليل على المخاض الصعب الذي سيؤدي الى ولادة نظام عربي جديد، لايحتكره قادة ما يسمى بمحور الاعتدال؟
تبدو الاسئلة اكثر من الاجابات الا ان مجرد دعوة الدوحة للقمة الطارئة نجح دون شك في وضع ضغوط قوية على القاهرة والرياض اثمرت في الحالة الاولى عن تعديل الخطاب الرسمي المصري تجاه موقف حماس من مـــبادرة الرئيس مبارك بهدف التوصل الى وقف العدوان قبل يوم الجمعة مما سيؤدي عمليا الى افـــراغ قمة الدوحة من مغزاها، وفي الحالة الثـــانية اجبرت السعودية على الدعوة الى قمة 'استبــاقية' بهدف حرمان قطر من شرف السبق لعقد قمة من اجل غزة. 
انه صراع قديم/ جديد يتجاوز السياسة الى الاعلام ولا تقصه الابعاد الاقليمية، لكنه يبدو عند هذه النقطة يصل الى ذروة غير مسبوقة، قد لا يخرج النظام العربي منها بأي قدر من المصداقية على اي حال. 
ويرى مراقبون ان العدوان على غزة وما يصاحبه من تقلصات وحروب داخل النظام العربي تؤكد مجددا حاجته الى اعادة انتاج نفسه في مواجهة عالم واقليم متحولين. 
ويبدو ان الانظمة العربية التي تقود ما يمكن وصفه بتحدي هيمنة المحور المصري السعودي لا تقتصر على اولئك المحسوبين على ما يعرف بالمحور الايراني، بل تشمل زعامات شابة عديدة ترى ان الوقت حان لاعادة النظر في فاعلية عمل النظام العربي عبر تطويرميثاق الجامعة العربية الذي مازال يشـــترط الاجماع لاتخاذ القرارات، ناهيك عن افتقاره الى آليات لتنفيذ القرارات الضرورية للحفاظ على القدر الادنى من المصــداقية. وكان الامين العام للجامعة العربية عمرو موسى اقر ضمنيا بمدى 'الاهتراء والهوان' في العمل العربي، ما اعتبره البعض خطاب نعي للنظام العربي الرسمي التقليدي دون ان تتضح ملامح نظام جديد، ما يترك الجميع في حالة من الفراغ او الفوضى بين مرحلتين.
ولا شك ان قادة النظام العربي 'القديم' اصبحوا يشعرون بمدى التهديد الذي يواجهونه، ما دفعهم الى حملة دبلوماسية واسعة لمنع النصاب المطلوب لقمة الدوحة من الاكتمال، الا انهم لن يستطيعوا تفادي الضرر الذي سيلحق بهم، حتى اذا كان ما ستشهده الدوحة مجرد اجتماع بمن حضر وليس قمة رسمية برعاية الجامعة العربية. وسيرى كثيرون في الشارع العربي ان نظامي مصر والسعودية يتحملان مسؤولية تكريس الانقسام العربي، ناهيك عن التقاعس عن انجاز تحرك عربي ملموس لانقاذ غزة. 
وفي القاهرة التي اصبحت مركزا اساسياً للتحركات الدبلوماسية خلال الايام الماضية، بدا وزير الخارجية احمد ابو الغيظ مستاء من الدعوة لقمة الدوحة، معللا مقاطعة مصر بانها تهدف الى'حماية قمة الكويت'، كما انه لم يتورع عن تسمية الدول الرافضة للحضور في تجاوز للاعراف الدبلوماسية التي تقتضي ان تعلن تلك الدول مواقفها بنفسها.
الا ان مصدرا دبلوماسيا اكد ان الموقف من قمة الدوحة تمليه عوامل لا علاقة لها بقمة الكويت، وهي:
ـ ان القاهرة تعتبر ان قمة الدوحة ستنفذ جدول اعمال ايرانيا يقضي بالضغط على مصر بشأن معبر رفح وقطع العلاقات مع اسرائيل.
- ان القاهرة تشعر باستياء من اي دعوة لقمة عربية طارئة لا تتم بالتشاور معها باعتبار انها دولة المقر، وترى فيها محاولة لعزلها.
- ان القاهرة تحمل القيادة القطرية مسؤولية ما ترى انها حملة اعلامية قادتها قناة الجزيرة ضد الموقف المصري منذ بداية الازمة.
الا ان ما لا يتحدث عنه المسؤولون المصريون والسعويون هو انهم غاضبون مما يعتبرونه 'تغولا' من قطر على مجالات نفوذهم الطبيعية وخاصة في السودان، والصــــومال، ولبنان واليمن وغيرها. وهكذا يبدو ان غزة تدفع ثمن تراث ثقيل من التعقيدات والخلافات العربية العربية. وليس من الواقعي تصور امكانية تجاوزها بين ليلة وضحاها.
ولا يساعد كون سورية الرئيس الحالي للقمة العربية على حضور مصر والسعودية لاي اجتماع برئاستها. بل ان معلومات تسربت في القاهرة تشير الى ان التمثـــل المصري للقمة الاعتيـــادية التي ستستضيفها قطر في نهــاية شهر آذار (مارس) المقبل سيكون في ادنى مستوى ممكن، ما سيطرح اسئلة حول ان كان النظام العربي قابل للاصلاح اصلا في صيغته الحالية ام ان العرب يحتاجون مؤسسة حديثة قادرة على تأمين مصالحهم في القرن الواحد والعشرين.
وهكذا اصبح حضور القمم العربية من عدمه او مستوى التمثيل فيها سلاحا سياسيا في العلاقات العربية العربية. وتشير دعاية تلفزيونية انتجتها حكومة الكويت حول القمة المقررة الاثنين المقبل الى ان الاهمية الدعائية للقمم العربية ربما اصبحت تفوق ما دون سواها. اما ما يمكن ان تتمخض عنه القمم فسيبقى غالبا محل تندر وسخرية في العالم العربي حتى اشعار اخر.

تغوّل 'التواطؤ' العربي


تغوّل 'التواطؤ' العربي

عبد الباري عطوان
تشهد العواصم العربية هذه الايام حربا اكثر ضراوة من العدوان الاسرائيلي على قطاع غزة. هدف هذه الحرب هو كيفية منع انعقاد قمة عربية طارئة في مدينة الدوحة، يكون زمام المبادرة فيها لدول مثل سورية والسودان والجزائر وقطر واليمن.
فالمملكة العربية السعودية ومصر، قطبا هذه الحرب الرئيسيان، يريدان مسح سورية كليا من الخريطة السياسية، وإحكام العزلة العربية عليها، ولهذا مارستا ضغوطا شرسة، مرفقة بتهديدات مبطنة للأطراف القوية، واغراءات مالية علنية لمن هو بحاجة اليها، للحيلولة دون تحقيق النصاب الذي يسمح بانعقاد هذه القمة التي قررتا مقاطعتها مسبقا، تحت ذريعة تقويضها لقمة الكويت الاقتصادية التي جرى الاعداد لها جيدا على مدى عام كامل.
ست عشرة دولة عربية وافقت على انعقاد القمة الطارئة، ثم بدأت الضغوط تعطي ثمارها: انسحابات متتالية او على شكل مساومات تشترط ان تأتي القرارات 'مائعة' او 'غير ثورية'، مقابل المشاركة في القمة.
وهكذا فإن الهمّ الاساسي لقادة محور الاعتدال العربي لم يعد التصدي للعدوان الاسرائيلي، وايقاف المجازر في قطاع غزة، وانما التصدي لاي دول من المحور الآخر تريد ان تنتصر للضحايا، وتتماهى مع الشارع العربي ومطالبه الملحة في ضرورة التحرك واتخاذ اجراء ما للخروج من حال الهوان الرسمي المخجلة. اما ابناء قطاع غزة فليذهبوا الى الجحيم ولتحصدهم الصواريخ الاسرائيلية.
لنفترض ان المحور السعودي ـ المصري حقق الانتصار الكبير الذي يقاتل حاليا من اجله، اي افشال قمة الدوحة، فماذا هو فاعل بعد ذلك ، هل سنراه يأخذ زمام المبادرة ويدفع باتجاه خطوات عملية تظهر مدى جدية العرب في الدفاع عن كرامتهم المهدورة في قطاع غزة؟
قمة الكويت التي ستعقد يوم الاثنين المقبل هي قمة اقتصادية، ستخصص جزءا من وقتها لاجراء مشاورات بين الزعماء المشاركين فيها لبحث الاوضاع في قطاع غزة، وكيفية وقف اطلاق النار، والوصول الى صيغة جديدة تؤدي الى فتح المعابر، وانهاء الحصار المفروض على مليون ونصف المليون فلسطيني، جميعهم من العرب، نقولها للتذكير فقط.
المنطق يقول ان تبحث هذه القمة، طالما انها تصدرت، وبسبب ضغوط قمة الدوحة الموؤودة (حتى الان) لاتخاذ زمام المبادرة لانهاء الحرب الاسرائيلية على القطاع، كيفية استخدام الاقتصاد كورقة ضغط للوصول الى هذا الهدف، جنبا الى جنب مع اوراق سياسية اخرى.
بمعنى آخر، هل سيلوح الزعماء المشاركون فيها، والعاهل السعودي الملك عبدالله بن عبدالعزيز على وجه الخصوص، بسلاح النفط في وجه امريكا والدول الغربية الداعمة لهذا العدوان الاسرائيلي، والمعرقلة لتطبيق قرار مجلس الامن الدولي المطالب بوقف فوري لاطلاق النار؟ ام ان هؤلاء سيستخدمون ارصدتهم المالية الضخمة كورقة ضغط، من حيث رفض التجاوب مع طلبات الادارة الامريكية وحكومات اوروبية اخرى لانقاذ النظام الرأسمالي الغربي من حال الانهيار التي يعيشها حاليا؟

فإذا كان استخدام سلاح النفط غير وارد، مثلما اكد الامير سعود الفيصل وزير الخارجية السعودي في مؤتمر صحافي عقده في نيويورك قبل اسبوع، لان الشعب السعودي بحاجة الى عوائده المالية، فهل نرى قمة الكويت تتخذ قرارا بتجميد عضوية دولها في الامم المتحدة بسبب ازدواجية معاييرها، وعدم جعلها القرارات الصادرة عن مجلس امنها بحق الصراع العربي ـ الاسرائيلي الزامية، على اساس البند السابع من ميثاق المنظمة الدولية، على غرار قرارات مماثلة صدرت بشأن تغيير النظامين في العراق وافغانستان.
لا نعتقد ان زعماء محور الاعتدال سيترجمون انتصارهم المظفر في افشال قمة الدوحة على شكل اجراءات عملية تلقن اسرائيل درسا موجعا عقابا لها على عدوانها. كما اننا لا نتوقع توظيف الاقتصاد بأذرعه المالية والتجارية والنفطية كسلاح في مواجهة الدول الغربية الداعمة للعدوان، لان هؤلاء لا يريدون الحاق اي اذى باسرائيل، الحليف المحتمل في اي حرب قادمة ضد ايران لتدمير مفاعلاتها النووية، والحد من قوتها العسكرية ونفوذها السياسي المتنامي في المنطقة.
فكيف يمكن تفسير هذا الصمت السعودي الرسمي تجاه العدوان الاسرائيلي الحالي، وتحريم القيام بالمظاهرات تعاطفا مع الضحايا العرب المسلمين في قطاع غزة، وجميعهم سنّة بالمناسبة، وكيف يمكن فهم الدور الرسمي المصري الحالي في إحكام الحصار والاكتفاء بدور 'ساعي البريد' لنقل الشروط الاسرائيلية في وقف اطلاق النار الى حركة 'حماس'، والضغط بكل الوسائل من اجل تمريرها؟
رجب طيب اردوغان ليس زعيما عربيا، ويملك كل الحق في ادارة ظهره الى الغرب بعد ان طعن العرب بلاده في الظهر بخنجر مسموم عندما تحالفوا مع القوى الغربية، وثاروا ضد الامبراطورية العثمانية بتحريض بريطاني، ولكنه لم يفعل ذلك، ووقف في البرلمان التركي يدين العدوان الاسرائيلي على القطاع بأقسى الكلمات، ويصفه بأنه بقعة سوداء في تاريخ البشرية، ويرد على بعض منتقديه بالقول بأن كلماته هذه ليست اقوى من قنابل الفوسفور الابيض التي تحرق اطفال غزة.
كنا نتمنى لو صدرت مثل هذه الكلمات عن المسؤولين السعوديين والمصريين، والملك عبدالله بن عبدالعزيز خادم الحرمين الشريفين، والرئيس حسني مبارك على وجه التحديد، ولكن امنياتنا لم تكن في مكانها للأسف الشديد. وهذا ما يشجع اسرائيل على المضي قدما في عدوانها ومجازرها وهي مطمئنة الى غياب اي مواقف عربية لايقافها.
هذا الانقسام العربي الذي نراه حاليا في ابشع صورة هو 'رحمة'، لانه يكشف عن مواقف الانظمة الحقيقية، والهوة المتسعة بينها وبين شعوبها. فلا نريد تضامنا عربيا على ارضية الخنوع لاسرائيل، واستجداء عطفها من خلال مبادرات سلام متخمة بالتنازلات، او حوار اديان يخفي نوايا متأججة نحو التطبيع المجاني.

تسيبي ليفني وعدت بتغيير المعادلة السياسية في قطاع غزة بالقوة العسكرية، ونجحت في تحقيق ذلك فعلا، فقد توجت فصائل المقاومة على عرش التمثيل الفلسطيني، وانهت العملية السلمية باطلاق رصاصة الرحمة عليها، وجعلت من حركة 'حماس' الطرف الفلسطيني الأقوى، تماماً مثلما أدى انتصار المقاومة في معركة الكرامة في آذار (مارس) عام 1968 إلى تتويج ياسر عرفات رئيساً لمنظمة التحرير الفلسطينية، وابعاد يحيى حمودة إلى زاوية النسيان.
ولعل التطور الأهم الذي كرسته هذه الحرب هو جعل حركة 'حماس' بمثابة الذراع العسكرية للحركات الاسلامية السنية، والاخوان المسلمين بشكل خاص، في موازاة 'حزب الله' كذراع عسكرية للحركات الاسلامية الشيعية على الحدود مع الدولة العبرية.
وهذا بلا شك انقلاب كبير في المعادلات السياسية العربية والاسلامية، يفسر حجم العداء المتنامي والسافر لهذه الحركة، أي 'حماس'، في دول عربية مؤثرة مثل مصر والمملكة العربية السعودية.
نحن الآن في انتظار قمة الكويت الاقتصادية، وما يمكن ان يتخذه فرسانها من قرارات، ولا نعلم كم من الأطفال والنساء والمدنيين ستسحق عظامهم صواريخ الدبابات والطائرات الاسرائيلية حتى موعد انعقادها يوم الاثنين المقبل، ولكن ما نعلمه ان ابطال المقاومة لن يرفعوا الرايات البيضاء مطلقاً حتى يثبتوا للأمتين العربية والاسلامية انهم ليسوا من طينة هؤلاء الزعماء المتواطئين المتخاذلين.
نصيحتنا للزعماء 'الموؤودة' قمتهم الطارئة ان يتداعوا إلى اجتماع تشاوري في الدوحة، يدعون إليه شرفاء الانسانية والكرامة، من أمثال هوغو تشافيز، ورجب طيب أردوغان، وأحمدي نجاد، ويصدرون بيانا يحددون فيه مواقفهم بكل صراحة ووضوح، ويشرحون كل ملابسات التخاذل، وتفاصيل الضغوط الارهابية التي تعرض لها البعض حتى لا يشارك في القمة الطارئة، ويعلنون سحب أو تجميد مساندتهم او اعترافهم بمبادرة السلام العربية، ويذهبون بعد ذلك إلى قمة الكويت على أرضية المواجهة وفرز المواقف، والتبرؤ من المتواطئين مع العدوان.

قمة 'الفرز' العربي


قمة 'الفرز' العربي
عبد الباري عطوان
بات من المؤكد، ان قمــــة عربيـــة طارئـــة ستعقد في الدوحة بعد غد الجمعة، رغم قرار غياب بعض قادة دول محور الاعتدال العربي عنها، وبالذات الرئيس المصري حسني مبارك والعاهل السعودي عبدالله بن عبدالعزيز.
انعقاد القمة هذه، بعد فشل محاولة وزراء الخارجية العرب تصدير ازمة المجازر الاسرائيلية في قطاع غزة الى الامم المتحدة، واستجداء وقف لاطلاق النار من حلفائهم الامريكان والغربيين، بات ضروريا حتى يتعرف المواطن العربي على مواقف زعمائه الحقيقية من هذا التغول الهمجي الاسرائيلي، والخطوات التي يمكن ان يتخذوها في مواجهته، بعد ان طفح الكيل، واتضحت حرب الابادة الاسرائيلية لمليون ونصف المليون فلسطيني في ابشع صورها.
هذه القمة ستحدث 'فرزا' في المواقف العربية، وستظهر للعيان من هو مع العدوان الاسرائيلي على قطاع غزة، ومن هو ضده، من يريد ان يعمل على وقفه، ومن يريد له الاستمرار حتى يحقق اهدافه كاملة في ترويض المقاومة، ونزع سلاحها، وكسر شوكتها، واعادة القطاع الى بيت الاستسلام العربي.
هذا الفرز مطلوب، بل هو حتمي، لتمزيق حالة النفاق، ونزع الأقنعة عن الوجوه المتواطئة مع العدوان، الداعمة للجلاد، بصورة مباشرة او غير مباشرة، ضد الضحية التي تسحق عظامها الصواريخ الاسرائيلية من كل الاتجاهات برا وبحرا وجوا.
من حق اطفال قطاع غزة الذين تحرق طفولتهم البريئة، واجسادهم الطرية، القنابل الفسفورية الاسرائيلية ان يعرفوا من هو معهم ومن هو مع العدو، الذي يقذف بحممه من كل الاحجام والاوزان ضدهم ويأسرهم في مركز الاعتقال الذي اسمه غزة، الذي هو اسوأ واكثر بشاعة من نظيراته النازية، لان الاخيرة لم تكن تتعرض للقصف المكثف والوحشي بالصورة التي نراها حاليا في القطاع الضحية.
فهذا الخذلان الرسمي العربي هو الذي يشجع اسرائيل على تصعيد عدوانها، وتكثيف قصفها، مثلما يشجع حلفاءها في الغرب على دعمها، وتوفير الحماية لها في المحافل الدولية. فطالما ان العرب، وكبارهم بالذات، لا يتحركون، ويديرون وجوههم الى الناحية الاخرى، ويفتحون إعلامهم لمن يؤيد الجلاد ويلوم الضحية، فلماذا يتحرك الاوروبيون والامريكيون لوقف العدوان؟
ومع ذلك لا نتردد في القول ان الحضور نفسه لا يعني الحصول على صك براءة من تهمة التواطؤ، والظهور بمظهر من فعل ما هومطلوب منه في هذه اللحظة الاكثر حرجا في تاريخ الأمة. فالقمم العربية التي اقتصرت على بيانات الشجب والتنديد كانت اسوأ من تلك التي لم تنعقد، لأن ما يجري حالياً في قطاع غزة اكبر كثيراً من كل القضايا السابقة التي استدعت التداعي الى عقد مؤتمرات قمة طارئة. فنحن امام حرب ابادة، وتطهير عرقي، وافناء شعب بكامله لم يرتكب اي ذنب غير التمسك بحقه في مقاومة احتلال عنصري ظالم همجي، وهو حق كفلته كل الشرائع الدولية.

لا نريدها قمة مثل كل القمم الأخرى، يلقي خلالها الزعماء خطبا ثورية رنانة، تنقلها محطات التلفزة العربية او بعضها، لأن فضائيات المقاطعين للقمة ستقاطعها ايضاً، وانما نريدها قمة أفعال، قمة تتخذ خطوات عملية تتصدى للعدوان، وتفرض عقوبات على من يدعمونه ويتسترون عليه،وفي الغرب خصوصاً.
هناك خطوت عملية كثيرة يمكن ان يتخذها الزعماء المشاركون، نوجزها في النقاط التالية:
اولا: وقف كل الاتصالات وقطع كل العلاقات الدبلوماسية مع اسرائيل، واغلاق سفاراتها ومكاتبها التجارية في العواصم العربية، ونتمنى من دولة قطر المضيفة لهذه القمة ان تبادر بهذه الخطوة وتغلق المكتب التجاري الاسرائيلي او تجمده، مثلما فعلت هي وسلطنة عمان كرد على مجازر اسرائيلية مماثلة، واستجابة لطلب دول عربية اسلامية قبيل انعقاد القمة الاسلامية في الدوحة قبل عشر سنوات.
ثانيا: ان تقدم الدول العربية النفطية المشاركة في هذه القمة على استخدام سلاح النفط، ولا نقول بوقفه تماما عن الدول المستهلكة، وانما بتخفيض كميات الانتاج حتى ترتفع الاسعار بصورة تؤذي هذه الدول الداعمة أساساً للعدوان الاسرائيلي، ومعظمها في اوروبا، مع بيع النفط للدول الفقيرة بأسعار تشجيعية. هذه الخطوة اذا اتخذت، وفي هذا التوقيت الذي يعاني فيه الاقتصاد الغربي من حالة ركود وانكماش، ستحدث اثراً كبيراً من حيث تغيير مواقف الدول الغربية المتواطئة مع العدوان.
ثالثا: تستطيع الدول المشاركة ان تبث الرعب في نفوس الامريكيين والاوروبيين اذا ما قررت وقف تعاونها الأمني والاستخباري معهم على صعيد محاربة تنظيم 'القاعدة' والجماعات الاسلامية المتشددة الأخرى، وعلينا ان نتذكر ان السعودية استخدمت هذا السلاح بفاعلية عندما هددت بريطانيا بوقف التعاون الأمني والاستخباري معها اذا لم توقف التحقيقات في رشاوى صفقة 'اليمامة' للأسلحة، التي تورط فيها امراء من الأسرة الحاكمة، وتجاوبت بريطانيا سريعاً مع هذا التهديد، وأوقفت التحقيقات فعلاً، وبررت ذلك بحماية امنها القومي وأرواح مواطنيها.
رابعا: دول شمال أفريقيا العربية، الجزائر والمغرب وليبيا وتونس وموريتانيا تملك سلاحا قوياً في يدها للضغط على أوروبا، وهي ورقة التعاون مع الاتحاد الأوروبي لوقف قوارب الهجرة السرية، ويكفي ان يقول زعماء هذه الدول إنهم سيتوقفون عن القيام بدور 'البوليس' لمنع المهاجرين من الانطلاق من سواحلهم، حتى تهرع الدول الأوروبية اليهم مستجدية التراجع عن هذا القرار. وتكفي الاشارة إلى أن سبعين الف مهاجر غير شرعي وصلوا إلى أوروبا في العام الماضي، رغم التنسيق المحكم بين هذه الدول ونظيراتها الأوروبية، ويمكن أن يتضاعف هذا الرقم خمس مرات أو أكثر اذا تراخت قبضة الحكومات العربية في هذا الصدد.
خامسا: تشكل الجزائر أهمية استراتيجية خاصة بالنسبة إلى أوروبا من حيث كونها المصدر الوحيد للغاز لهذه الدول، بعد الاتحاد الروسي، وأوروبا التي تحصل على أربعين بالمئة من احتياجاتها من الغاز من روسيا، تريد مصادر بديلة آمنة لتقليص اعتمادها على الغاز الروسي، خاصة بعد ما سمته أوروبا بـ 'الابتزاز' الروسي الأخير الذي تمثل في وقف هذه الامدادات لأسباب سياسية. فلعل الرئيس عبد العزيز بوتفليقة ابن الثورة الجزائرية يلتفت إلى هذه المسألة ويستخدم ورقة الغاز لانقاذ أشقائه من المحرقة في قطاع غزة.

اننا نناشد الزعماء المشاركين في هذه القمة ان يعتبروا هذه النقاط الخمس بمثابة ورقة عمل لقمّتهم، وان يخرجوا باجراءات عملية ترتقي إلى مستوى الخطوات المطلوبة هذه وغير المسبوقة. لأن من سيقاطعون هذه القمة، وهم من العيار الثقيل، ينتظرون فشلها، ويتمنون خروجها بعبارات الشجب والتنديد فقط حتى يسخروا منها من خلال آلتهم الاعلامية الجبارة.
عقد هذه القمة، ووسط هذه الظروف، ورغم الضغوط الهائلة من قبل الأطراف العربية المعارضة لها، هو انجاز كبير، وقمة التحدي، وتحرير للقرار العربي من هيمنة من يرهنون أنفسهم ودولهم للمشاريع الأمريكية - الاسرائيلية في المنطقة، ولن يكتمل هذا الانجاز إلا بقرارات عملية حقيقية تنزل برداً وسلاماً على أهل غزة، وكل الشعوب العربية التي انتصرت لهم في هبتها الاحتجاجية الرائعة. فإذا لم توقف هذه القرارات والخطوات المنتظرة العدوان، فإنها ستزيد من صلابة المقاومة، وستعزز قدرتها على الصمود، والاستبسال في ميادين المواجهة.