‏إظهار الرسائل ذات التسميات عبدالبارى عطوان. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات عبدالبارى عطوان. إظهار كافة الرسائل

بداية مقلقة للرئيس اوباما

بداية مقلقة للرئيس اوباما
عبد الباري عطوان
بدأت ملامح السياسة الخارجية لادارة الرئيس الامريكي الجديد تتبلور بشكل تدريجي، فقد اغلق الملفات السوداء للحرب على الارهاب التي اعلنها سلفه جورج دبليو بوش، مثل معتقل غوانتنامو ومراكز التعذيب السرية المنتشرة في بقاع عديدة من العالم، معظمها في دول عربية للأسف، منهيا أسوأ التجاوزات وانتهاك حقوق الانسان في التاريخ الامريكي الحديث، ولكن الجانب المتعلق بمنطقة الشرق الاوسط، والصراع العربي ـ الاسرائيلي جاء ملتبسا وحافلا بالكثير من الثغرات المقلقة.
صحيح ان الرئيس اوباما طالب بفتح المعابر ليتاح ادخال المساعدات الانسانية والمبادلات التجارية لأبناء قطاع غزة، واظهر تعاطفا مع معاناة ابناء القطاع، ولكنه لم يتطرق مطلقا الى المجازر الاسرائيلية وقتل الاطفال واستخدام القنابل الفسفورية المحرمة دوليا، وتدمير اكثر من ستة آلاف منزل وتشريد اربعة آلاف شخص.
توقعنا من الرئيس الامريكي الجديد موقفا قويا ضد هذا الاجرام الاسرائيلي، خاصة بعد تسلمه مهام منصبه، وهو القادم من رحم المعاناة والفقر والحرمان والتمييز العنصري، حيث كان ممنوعا على والده ان يرتاد معظم المطاعم والنوادي بحكم لونه واصله الافريقي قبل خمسين عاما. توقعنا منه ان يدين هذه الوحشية الاسرائيلية بكلمات واضحة لا لبس فيها او غموض، تؤشر الى بدء مرحلة التغيير الذي وعدنا به، وتترجم اقواله حول التعامل مع المسلمين وفق اسس الاحترام والمصالح المشتركة.
يبدو ان الرئيس اوباما نسي ان الفلسطينيين الذين تطحن عظامهم الدبابات وتحرق اجساد اطفالهم الطرية القنابل الفسفورية هم مسلمون بل وبشر ايضا. فقد ساوى في كلمته التي القاها اثناء تعيينه مبعوثيه الى المنطقة بين الضحايا الاسرائيليين والفلسطينيين عندما قال 'قلقت للغاية للخسائر في ارواح الفلسطينيين والاسرائيليين خلال الايام الاخيرة'.

مثل هذه اللغة يمكن ان نفهمها لو ان الرئيس الامريكي الجديد استخدمها اثناء حملته الانتخابية، او حتى قبل تسلمه مهام منصبه في البيت الابيض، ولكن ان يمسك العصا من الوسط الخطأ، وبهذه الطريقة، مساويا بين الجلاد والضحية، فهذا امر غير مقبول ومستنكر ويكشف عن بداية سيئة.
الضحايا الاسرائيليون في هذه الحرب لم يزيدوا عن ثلاثة من المدنيين، وعشرة من العسكريين بينما استشهد اكثر من 1350 فلسطينيا في القصف الاسرائيلي الوحشي للقطاع معظمهم من الاطفال والمدنيين، فكيف يمكن التعامل مع خسائر الطرفين بالقدر نفسه من القلق والألم، ومن قبل رئيس امريكي يعرف جيداً جذور الصراع وأسبابه، مثلما يعرف جميع مستشاريه، ووزيرة خارجيته على وجه الخصوص، حجم التغول الاسرائيلي لسفك الدماء الفلسطينية بطريقة غير مسبوقة في التاريخ الحديث؟
جميل ان ينهي الرئيس الجديد حرب بلاده على الارهاب، واقراره باستحالة الفوز فيها، وحجم الدمار الذي خلفته على صورة بلاده، والنزيف المالي لاقتصادها وأموالها، ولكن الاجمل ان يلتفت الى الارهاب الاسرائيلي ايضاً، وقد شاهد فظاعاته بعينيه عبر شاشات التلفزة، حيث الصور المتفحمة للأطفال، والأب المكلوم الذي فقد زوجته وخمسة من أطفاله، او الأسر التي ابيدت بكاملها. والصورة لا تكذب مثلما يقول اول درس في الصحافة وعلوم الحروب.
فإذا كان ايهود اولمرت رئيس الوزراء الاسرائيلي اعترف بأنه اجهش بالبكاء لدى مشاهدته استغاثة طبيب فلسطيني خسر اطفاله الثلاثة عبر شاشات التلفزة، فإنه من المتوقع من رئيس امريكي ان يكون أكثر تأثراً بهذه المجازر، وأكثر تعاطفاً مع ضحاياها، مع تسليمنا بكذب اولمرت وكل المسؤولين الاسرائيليين الآخرين من امثاله، الذين يستمتعون بالولوغ في الدم الفلسطيني حتى الارتواء.

لا نريد التعجل في استصدار الاحكام المسبقة على ادارة ما زالت في الايام الاولى لتوليها السلطة، ولكن المقدمات السيئة لا يمكن ان تؤدي الا الى نتائج اكثر سوءاً، ولهذا نجد لزاماً علينا ان نرفع صوتنا محذرين ومنبهين، قبل ان تقع الكارثة ويصعب التراجع عن الأخطاء.
مطالبة حركة 'حماس' بالاعتراف باسرائيل في أول خطاب للرئيس الامريكي لشرح سياسته الخارجية هي احد ابرز الأمثلة على هذه المقدمات الخاطئة،خاصة ان هذه المطالبة تزامنت مع الالتزام الكامل بأمن اسرائيل، ودون توجيه اي لوم لها على افشال العملية السلمية والاستمرار في الاستيطان، وخنق الاقتصاد الفلسطيني، وبناء السور العنصري العازل، وقتل الآلاف من الفلسطينيين العزل، واسر اكثر من عشرة آلاف من خيرة ابنائهم.
فلماذا المساواة في التعاطف مع ضحايا الجانبين، وعدم المساواة في اللوم، وتسمية الاشياء بأسمائها دون لف او دوران؟ فالفلسطينيون لا يحتلون ارض اسرائيل، ولا يرسلون طائرات 'اف 16' ومروحيات الاباتشي الامريكية الصنع لقصف الابرياء في حرب من اتجاه واحد.
انهاء الحرب على 'الارهاب' دون انهاء الارهاب الاسرائيلي المستمر منذ ستين عاماً وبحماية امريكية، سيؤدي الى ظهور 'ارهاب' عربي اسلامي جديد اكثر خطورة وشراسة، لأن هؤلاء الاطفال الذين فقدوا اشقاءهم وامهاتهم وآباءهم، وشاهدوا الطائرات الاسرائيلية تطلق حممها فوق رؤوسهم، هؤلاء سيكونون أكثر شراسة في انتقامهم المشروع والمبرر في كل الشرائع الالهية والوضعية، اذا ما استمروا مشردين دون أمل ودون مستقبل.
فمجازر غزة لم تدمر ثقافة السلام والاعتدال فقط، وانما اعادت إحياء ثقافة المقاومة بشكل أكثر قوة على طول العالم الاسلامي وعرضه، وكشفت السقوط الاخلاقي الغربي، والأمريــــكي بشكل عــــام في أبشع صوره وأشكاله، وإذا لم يعِ الرئيس الأمريكي الجديد وطاقمه هذه الحقيقة الناصعة فإن كل نواياه المعلنة حول اصلاح صورة بلاده البشعة جداً في العالم الاسلامي ستذهب سدى.

ما زلنا نملك بصيص أمل في قدرة الرئيس الأمريكي الجديد على إحداث التغيير المطلوب في سياسة بلاده الخارجية، ليس لأن اسم والده 'حسين'، ولا لانه أفريقي الأصل والملامح، وانما لان الاستمرار في سياسات الادارة السابقة في الضغط على الضحية، وابتزازها، لدفعها إلى تقديم التنازلات تلو التنازلات تحت ذريعة دفع عجلة السلام إلى الأمام سينعكس دماراً على الولايات المتحدة ومصالحها، في وقت هي في حاجة ماسة إلى الأمن والاستقرار لانقاذ اقتصادها المنهار، واستعادة قيادتها للعالم بأسره.
الشعب الفلسطيني ليس بحاجة إلى مؤتمر للدول المانحة لتخصيص الأموال لاعادة الاعمار، وتمويل سلطة فاسدة فاشلة لم تعد تمثل أحداً، وانما بحاجة إلى مؤتمر سلام يستند إلى قرارات الشرعية الدولية، ويقول للاسرائيليين انكم اصبحتم عبئاً اخلاقياً وسياسياً وأمنياً على كاهل الغرب وشعوبه جميعاً، وبتّم مصدر تهديد لأمن العالم واستقراره بجرائمكم الارهابية ضد شعب أعزل، وهي الجرائم التي تغذي التطرف والتشدد، وتجعل من تنظيم 'القاعدة' تنظيماً معتدلاً بالمقارنة بما يمكن ان يظهر من تنظيمات جديدة في المستقبل.

انقلاب عربي يصعب تصديقه


انقلاب عربي يصعب تصديقه
عبد الباري عطوان
ما حدث في قمة الكويت الاقتصادية من مصالحات بين اطراف متنافرة، بل ومتصادمة، جاء مفاجئاً للكثيرين، فحروب القمم العربية، التي اشتعل اوارها طيلة الايام القليلة الماضية، وما شهدته المنطقة من مقاطعات واستقطابات واصطفافات رسخ انطباعا بأن الشروخ التي اصابت الجسم الرسمي العربي باتت اصعب من ان يتم التئامها، وأنها بصدد الاتساع.
فمن كان يصدق منظر العاهل السعودي الملك عبد الله بن عبد العزيز وهو يسير متشابك الأيدي مع الرئيس السوري بشار الأسد، ومن كان يتوقع ان يرى امير قطر الشيخ حمد بن خليفة يجلس جنباً الى جنب مع الرئيس المصري حسني مبارك بعد المعارك الاعلامية الطاحنة، يتبادلان الابتسامات والأحاديث الودية وكأن شيئاً لم يحدث؟
مشهد صعب هضمه، ناهيك عن تفسيره، يعكس لوغاريتمات السياسة العربية، والطبيعة الغريبة، واحيانا غير المنطقية، لمواقف اقطاب النظام الرسمي العربي، وطريقة تفكيرهم، ومواصفات خلافاتهم او تحالفاتهم، الامر الذي يدفعنا الى طرح العديد من الاسئلة حول اسباب هذا الانقلاب المفاجئ، ومدى جديته، وما يمكن ان يترتب عليه من خطوات عملية في اتجاهات عديدة، وعلى الصعد كافة.
هل هي دماء أطفال غزة التي حققت هذه المعجزة، ام انها العربدة الاسرائيلية التي فاقت كل التصورات في تغولها ووحشيتها، ام هو الصمت الامريكي والغربي، ام هو الهوان العربي، ام انها جميع العوامل هذه مجتمعة حتمت هذا التحول؟
لا نستطيع ان نغرق كثيراً في التفاؤل، لأن خيباتنا من النظام الرسمي العربي ورموزه لا تعد ولا تحصى، فقد شبعنا من الخطابات الرنانة، والكلمات النارية، وعبارات 'العين بالعين، والسن بالسن' وتكرار الجمل الخالدة مثل 'ما أخذ بالقوة لا يسترد بغيرها'، دون ان نرى غير اعتداءات اسرائيلية مهينة ومتواصلة، وقادة عرب يديرون الخد الأيسر لمن يصفع خدهم الأيمن.
هل ما حدث أمر جدي فعلاً، ومؤشر على بداية مرحلة جديدة من العمل العربي المشترك تضع حداً لمسلسل الاهانات الاسرائيلية، والازدراء الامريكي، والاحتقار العالمي لكل ما هو عربي؟ اما انه حدث طارئ لامتصاص حالة غضب شعبي عبّرت عن نفسها بقوة في شوارع المدن والعواصم العربية والاسلامية؟

خطاب العاهل السعودي كان نقطة التحول الرئيسية خلف كل التداعيات التي اطلت برأسها في قمة الكويت، وانعكست في المصالحات التاريخية، في توقيت عربي وعالمي حساس، حيث يقف العالم بأسره امام مرحلة جديدة ومختلفة تنبئ بالكثير من التغييرات، الامر الذي قد يوحي بان المملكة العربية استعادت زمام المبادرة الذي فقدته طوال سنوات التيه السابقة ومنذ مطلع هذا القرن على وجه التحديد، مما قزّم دورها، وصنّفها في خنادق تتناقض مع تطلعات شعبها.
هناك مجموعة من النقاط يمكن استخلاصها من القراءة السريعة لبعض الوقائع التي تبلورت على المسرح العربي، والقمم العربية الاخيرة، والكويتية منها على وجه الخصوص:
اولا: ادرك النظام الرسمي العربي انه يقف امام تحد اسرائيلي شرس ينسف كل الآمال بجدوى التعامل السياسي السلمي معه، مما يعني ان الاستمرار في استجداء السلام بدأ يعطي نتائج عكسية تماما.
ثانيا: اكدت الاتفاقات الامنية الامريكية ـ الاسرائيلية لمراقبة الحدود المصرية مع قطاع غزة لمنع تهريب الاسلحة، ودون دعوة القيادة المصرية او حتى التشاور معها، ان العلاقة الامريكية مع دول محور الاعتدال العربي، ليست علاقة تحالفية وانما 'خدمية' حيث ترى واشنطن العرب كمجموعة من التابعين باتت وظيفتهم محصورة في خدمة حروبها، وحماية اسرائيل. والشيء نفسه يقال ايضا عن تجاهل اسرائيل للمبادرة المصرية لوقف اطلاق النار، وانهاء الحرب من طرف واحد ودون التشاور مع الوسيط المصري.
ثالثا: نجح الرأي العام العربي المغيّب في فرض نفسه على النظام الرسمي العربي، من خلال مظاهراته الاحتجاجية الصاخبة والمستمرة، الامر الذي اعطى ثماره في اجبار الانظمة على وقف نظرتها الازدرائية غير المبالية للشارع العربي.
رابعا: صمود اهل قطاع غزة الاسطوري لأكثر من ثلاثة اسابيع في وجه العدوان الاسرائيلي، ودون اي دعم رسمي عربي، عسكري او سياسي، وفشل كل الرهانات على رضوخهم للابتزاز الارهابي الاسرائيلي والانقلاب على المقاومة وفصائلها وثقافتها.
خامسا: تعاظم المعارضة لحال الخنوع العربي الراهنة، واقدام دول على خطوات عملية للمرة الاولى لتبرئة نفسها من تهم التواطؤ مع الاحتلال، وتبلور حالة من الفرز في اوساط الانظمة، بين من يريد ان يفعل شيئا عمليا كرد على الاذلال الاسرائيلي ـ الامريكي، ومن يتحلى بفضيلة الصمت، واعطاء اسرائيل فرصة لانهاء المقاومة. ورأينا قطع علاقات مع اسرائيل، ومطالبة قوية بسحب مبادرة السلام العربية، والتلويح بخطوات اخرى قادمة.
سادسا: مساء اليوم تنتهي فترة حكم اكثر الزعماء الامريكيين كراهية للعرب والمسلمين، وصداقة وتأييدا للاسرائيليين ومشاريعهم وحروبهم ضد العرب والفلسطينيين خاصة، وتبدأ فترة ادارة جديدة تعد بالتغيير، وتقليص الاعتماد على العرب ونفطهم، وفرض احترام قيم حقوق الانسان والديمقراطية، الامر الذي يفرض على النظام العربي، او رموزه الاساسية اعادة ترتيب اوضاعها، والتخلي عن بعض جوانب غطرستها وجنوحها، ومحاولة اصلاح الجسور مع انظمة اخرى اختلفت معها، وعادتها لاسباب شخصية محضة، وليست استراتيجية.
سابعا: لعب الاعلام العربي، والشريف منه على وجه الخصوص، دورا فاعلا في تعرية المتواطئين مع العدوان، والمتدثرين بعجز مفتعل عن مواجهته لاسباب غير وجيهة، علاوة على كونها غير مقنعة، سواء من خلال ابراز الوحشية الاسرائيلية في قطاع غزة، ومظاهر الصمود الاعجازية للثكالى والاطفال المقطعة اوصالهم، او الاطباء الذين يعملون ببطولة لانقاذ المصابين، او تحريض الشارع العربي ضد الانظمة، وتعبئته خلف عملية التغيير على مستوى القمة.

لعلها 'صحوة'، او بوادر حراك في اتجاه صحيح، وفق بوصلة جديدة، ترتكز قاعدتها على معجزة مساحتها مئة وخمسون ميلا مربعا اسمها قطاع غزة، تضم شعبا من الجبارين فعلا، قد تكون حلما كاذبا يدفعنا الى التريث والحذر لاننا لدغنا كشعوب في مرات سابقة، وانخدعنا بخطابات نارية مماثلة، وقد تكون 'انتفاضة' حقيقية وجدية تؤشر لمرحلة جديدة.
نفضل التريث قليلا، وانتظار الايام المقبلة، حيث سيهدأ غبار قمة الكويت، ويعود الزعماء العرب الى بطانتهم وقصورهم، بعدها سنرى الحقائق على الارض، واضحة للعيان، ونأمل ان تكون شكوكنا وحذرنا وعلامات استفهامنا في غير محلها.
ختاما نقول ان اي مصالحة عربية ـ عربية، او فلسطينية ـ فلسطينية لا تستند الى ارضية مقاومة المشروع الاسرائيلي هي مصالحة مغشوشة، ستصطدم حتما بالشارع العربي، ولن تنقذ النظام الرسمي العربي.

رجال غزة لا يريدون فتاتكم


رجال غزة لا يريدون فتاتكم 
عبد الباري عطوان
لا نعرف كم من الاطفال والنساء تحتاج اسرائيل الى قتلهم وتمزيق اجسادهم بقذائف دباباتها وصواريخ طائراتها حتى تروي ظمأها، وتوقف عدوانها الوحشي الحالي على قطاع غزة. فيبدو ان تجاوز رقم الضحايا حاجز الألف شهيد، وخمسة آلاف جريح ليس كافيا، فهناك تعطش للمزيد.
ولا نعرف ايضا كم سيحتاج الزعماء العرب من الوقت حتى يتحركوا من اجل انقاذ كرامتهم، او ما تبقى منها، هذا اذا تبقى شيء، قبل الاستجابة لنداءات الثكالى، وأنين الجرحى، وصراخ الاطفال المرعوبين من القصف الاسرائيلي المتواصل.. ثلاثون يوما، اربعون يوما، ام عدة اشهر؟
عشرون يوما، والحكومة المصرية تتفاوض مع نظيرتها الاسرائيلية على مبادرة مهينة، تحقق للمعتدي كل ما يتطلع اليه من اهداف، ومع ذلك يتدلل، ويطلب المزيد من التنازلات والدماء.
كنا نتطلع الى قمة عربية حاسمة، تعكس تحركا عربيا رسميا يوظّف إمكانات هذه الامة، وهي كثيرة ومؤثرة، لوقف هذا العدوان، فانتهينا بثلاث قمم، هبطت علينا دفعة واحدة، اولها خليجية انعقدت فعلا في الرياض امس، والثانية طارئة بايعاز من معسكر دول الممانعة، جرى اجهاضها بشكل مؤسف، وكان من المقرر ان تبدأ اعمالها اليوم، وثالثة قادمة ستكون الكويت مسرحها يوم الاثنين المقبل.
دول ليست لها علاقة بالعروبة، ولا تنتمي الى العقيدة الاسلامية انتصرت لاستغاثات الضحايا في قطاع غزة، وبادرت الى قطع علاقاتها فورا مع الدولة العبرية (فنزويلا وبوليفيا)، بينما ما زالت الاعلام الاسرائيلية ترفرف، في استفزاز غير مسبوق، في اكثر من عاصمة عربية.
من يريد ان يتحرك لا يحتاج الى انعقاد قمم عربية، عادية او طارئة، فقط يبادر باتخاذ خطوات عملية، كل قدر امكانياته، حتى يترجم اقواله الى افعال، ويبرئ نفسه، امام الله ومواطنيه، من تهمة التواطؤ مع هذه المجازر التي نتابع تفاصيلها الدقيقة، ساعة بساعة، عبر شاشات التلفزة.
اعتقدنا ان ضخامة الفجيعة في غزة ستكون عامل توحيد للعرب والمسلمين، وكم كنا متفائلين سذج، فقد استخدمها البعض بطريقة بشعة لتعزيز هذا المحور في مواجهة ذاك، او العكس تماما، الامر الذي شجع اسرائيل وآلتها الدموية الجبارة على مواصلة عمليات التصفية والتطهير العرقي دون رادع.

السيدة تسيبي ليفني وزيرة خارجية اسرائيل قالت انها تخوض هذه الحرب نيابة عن معسكر المعتدلين العرب، ولخدمة اهدافهم في التخلص من 'ارهاب' حركة 'حماس' والفصائل الاخرى، ويبدو انها اصابت في اقوالها هذه، لان هذا المعسكر هو الذي يعرقل اي تحرك عربي فاعل، ويقوم بعضه بدور الوسيط المنحاز ضد بني قومه.
اهالي قطاع غزة الصامدون لا يريدون اكفانا يرسلها اليهم اشقاؤهم في عواصمهم المترفة، ولا خبزا، او حفنة ادوية، وانما الاسلحة، والمواقف العملية الرجولية، فماذا سيفعل هؤلاء بالخبز وهم يواجهون الموت في اي لحظة، ويهيم اطفالهم وسط انقاض البيوت المدمرة يبحثون عن امهاتهم بين ركامها ؟ .
الحكام العرب يفضلون شد الرحال الى قمة الكويت الاقتصادية، للاتفاق حول كيفية استثمار اموالهم وفوائضهم بشكل اكثر ربحية، وتنسيق المواقف لضمان اسعار افضل لنفوطهم، اما دماء اطفال غزة فتحتل مرتبة متدنية على جدول اولوياتهم، هذه هي الحقيقة المخجلة التي يبتعد الكثيرون عن ذكرها.
العالم الغربي الذي يدعم اسرائيل، ويوفر الغطاء الشرعي لعدوانها المتواصل، لا يفهم الا لغة المصالح. ومصالحه تنحصر في امرين اساسيين هما أمنه وجيبه، ومن المؤسف انه لا يوجد اي تحرك عربي او اسلامي، يهدد أيا منهما، لا من دول الممانعة ولا من دول الاعتدال، فقد تساوى الجميع في حالة العجز المزرية التي نراها حاليا بأم اعيننا.

السيد احمدي نجاد رئيس الجمهورية الاسلامية الايرانية ينتقد عجز الزعماء العرب المعتدلين، مثلنا تماما ككتاب ومعلقين، ولكننا لا نملك غواصات وصواريخ وحرسا ثوريا مثله، ولا نستطيع اغلاق مضيق هرمز في وجه الملاحة الدولية، فلماذا لا يفعل السيد نجاد وحلفاؤه شيئاً عملياً لتخفيف العدوان على أهل غزة؟ نستجديهم ان يقدموا على أي خطوات عملية، تثبت لنا انهم مختلفون عن الحكام العرب الآخرين المتواطئين مع العدوان الاسرائيلي.
ندرك جيداً انهم مستهدفون، وان العدوان على غزة هو مقدمة لعدوان قادم عليهم، ولا نريدهم ان يقعوا في مصيدة الاستفزاز الاسرائيلي، ولكن لا بد ان هناك اوراقاً في ايديهم يمكن استخدامها بفاعلية لاظهار تميزهم، وتأكيد مشاعرهم الوطنية الطيبة في دعم المقاومة وفصائلها المتعددة في هذه الحرب المصيرية.
من حقنا ان نسأل العاهل السعودي الملك عبد الله بن عبد العزيز ما اذا كان يشاهد اشلاء اجساد الأطفال في قطاع غزة مثلنا عبر شاشات التلفزة، واذا كان يشاهدها فماذا ينتظر، وهو خادم الحرمين الشريفين، والحليف الأوثق للولايات المتحدة والغرب، وصاحب مبادرة السلام العربية، وحوار الأديان؟
نوجه السؤال نفسه الى الرئيس المصري حسني مبارك الذي نعتقد انه على قناعة تامة بأن دور الوسيط الذي يمارسه حالياً هو افضل ما في جعبته، ونسي وهو قائد سلاح الطيران اثناء حرب اكتوبر المجيدة، ان دور مصر هو اشرف وأكبر من ذلك بكثير، ولكن يبدو انه لا يريد احدا ان يذكره بأبسط واجباته كعربي ومسلم، بل وكإنسان، فقد سدّ اذنيه واغمض عينيه عن كل هذه المناظر والصور التي تزعج حياته، وتنغّص عليه استمتاعه بها فيما تبقى له من سنوات العمر.

اما السلطة الوطنية في رام الله فقد باتت تتصرف وكأنها احد كانتونات النظام العنصري السابق في جنوب افريقيا، تراقب الامور من بعيد، وتكتفي بارسال المعونات الغذائية والطبية الى القطاع، ومساندة المبادرة المصرية لوقف الحرب. سلطة لم تمارس اي نوع من الضغط على اصدقائها في اسرائيل، بل على العكس من ذلك سهلت مهمة عدوانهم بقمعها للمظاهرات الاحتجاجية في مدن الضفة الغربية.
يتحدثون في رام الله عن معارضتهم لفصل الضفة عن القطاع، ويؤكدون انهم لن يعودوا الى غزة على ظهور الدبابات الاسرائيلية، فليثبتوا هذا عملياً، وليقدموا على خطوات فعلية تؤكد نواياهم، وليكونوا القدوة الصالحة للعرب الآخرين، من حيث حل هذه السلطة واعلان موت العملية السلمية التي يراهنون عليها، والعودة الى خيار المقاومة.
قطاع غزة وقع تحت الاحتلال الاسرائيلي مرتين، وهذه هي المحاولة الثالثة، وقدم الآلاف من الضحايا والشهداء، وخرج في كل مرة قوياً، منتصراً وعنيداً في تمسكه بالمقاومة وثوابته الوطنية، ومن المفارقة ان 'حماس' لم تكن موجودة في المرتين الأوليين، وانما الادارة المصرية التي آمنت بوحدة المصير، ورفضت الرضوخ للمشروع الاستعماري الاسرائيلي الغربي، واختارت الانحياز للشهامة والكرامة والقيم العربية والاسلامية العريقة.
الاجيال الفلسطينية المقبلة التي ستنهض من ركام هذا الدمار قطعاً ستكون مختلفة، وقد لا تقبل بما يقبل به الجيل الحالي، وتسعى للانتقام من كل الذين خذلوا آباءها، وتواطأوا مع العدوان، وتتعامل مع هؤلاء تماماً مثلما ستتعامل مع المعتدين، ان لم يكن اكثر. وعلينا ان نتذكر حلم وأمنية اسحق رابين بان يصحو يوما من النوم ليجد غزة وقدغرقت في البحر واختفت كلياً.

تغوّل 'التواطؤ' العربي


تغوّل 'التواطؤ' العربي

عبد الباري عطوان
تشهد العواصم العربية هذه الايام حربا اكثر ضراوة من العدوان الاسرائيلي على قطاع غزة. هدف هذه الحرب هو كيفية منع انعقاد قمة عربية طارئة في مدينة الدوحة، يكون زمام المبادرة فيها لدول مثل سورية والسودان والجزائر وقطر واليمن.
فالمملكة العربية السعودية ومصر، قطبا هذه الحرب الرئيسيان، يريدان مسح سورية كليا من الخريطة السياسية، وإحكام العزلة العربية عليها، ولهذا مارستا ضغوطا شرسة، مرفقة بتهديدات مبطنة للأطراف القوية، واغراءات مالية علنية لمن هو بحاجة اليها، للحيلولة دون تحقيق النصاب الذي يسمح بانعقاد هذه القمة التي قررتا مقاطعتها مسبقا، تحت ذريعة تقويضها لقمة الكويت الاقتصادية التي جرى الاعداد لها جيدا على مدى عام كامل.
ست عشرة دولة عربية وافقت على انعقاد القمة الطارئة، ثم بدأت الضغوط تعطي ثمارها: انسحابات متتالية او على شكل مساومات تشترط ان تأتي القرارات 'مائعة' او 'غير ثورية'، مقابل المشاركة في القمة.
وهكذا فإن الهمّ الاساسي لقادة محور الاعتدال العربي لم يعد التصدي للعدوان الاسرائيلي، وايقاف المجازر في قطاع غزة، وانما التصدي لاي دول من المحور الآخر تريد ان تنتصر للضحايا، وتتماهى مع الشارع العربي ومطالبه الملحة في ضرورة التحرك واتخاذ اجراء ما للخروج من حال الهوان الرسمي المخجلة. اما ابناء قطاع غزة فليذهبوا الى الجحيم ولتحصدهم الصواريخ الاسرائيلية.
لنفترض ان المحور السعودي ـ المصري حقق الانتصار الكبير الذي يقاتل حاليا من اجله، اي افشال قمة الدوحة، فماذا هو فاعل بعد ذلك ، هل سنراه يأخذ زمام المبادرة ويدفع باتجاه خطوات عملية تظهر مدى جدية العرب في الدفاع عن كرامتهم المهدورة في قطاع غزة؟
قمة الكويت التي ستعقد يوم الاثنين المقبل هي قمة اقتصادية، ستخصص جزءا من وقتها لاجراء مشاورات بين الزعماء المشاركين فيها لبحث الاوضاع في قطاع غزة، وكيفية وقف اطلاق النار، والوصول الى صيغة جديدة تؤدي الى فتح المعابر، وانهاء الحصار المفروض على مليون ونصف المليون فلسطيني، جميعهم من العرب، نقولها للتذكير فقط.
المنطق يقول ان تبحث هذه القمة، طالما انها تصدرت، وبسبب ضغوط قمة الدوحة الموؤودة (حتى الان) لاتخاذ زمام المبادرة لانهاء الحرب الاسرائيلية على القطاع، كيفية استخدام الاقتصاد كورقة ضغط للوصول الى هذا الهدف، جنبا الى جنب مع اوراق سياسية اخرى.
بمعنى آخر، هل سيلوح الزعماء المشاركون فيها، والعاهل السعودي الملك عبدالله بن عبدالعزيز على وجه الخصوص، بسلاح النفط في وجه امريكا والدول الغربية الداعمة لهذا العدوان الاسرائيلي، والمعرقلة لتطبيق قرار مجلس الامن الدولي المطالب بوقف فوري لاطلاق النار؟ ام ان هؤلاء سيستخدمون ارصدتهم المالية الضخمة كورقة ضغط، من حيث رفض التجاوب مع طلبات الادارة الامريكية وحكومات اوروبية اخرى لانقاذ النظام الرأسمالي الغربي من حال الانهيار التي يعيشها حاليا؟

فإذا كان استخدام سلاح النفط غير وارد، مثلما اكد الامير سعود الفيصل وزير الخارجية السعودي في مؤتمر صحافي عقده في نيويورك قبل اسبوع، لان الشعب السعودي بحاجة الى عوائده المالية، فهل نرى قمة الكويت تتخذ قرارا بتجميد عضوية دولها في الامم المتحدة بسبب ازدواجية معاييرها، وعدم جعلها القرارات الصادرة عن مجلس امنها بحق الصراع العربي ـ الاسرائيلي الزامية، على اساس البند السابع من ميثاق المنظمة الدولية، على غرار قرارات مماثلة صدرت بشأن تغيير النظامين في العراق وافغانستان.
لا نعتقد ان زعماء محور الاعتدال سيترجمون انتصارهم المظفر في افشال قمة الدوحة على شكل اجراءات عملية تلقن اسرائيل درسا موجعا عقابا لها على عدوانها. كما اننا لا نتوقع توظيف الاقتصاد بأذرعه المالية والتجارية والنفطية كسلاح في مواجهة الدول الغربية الداعمة للعدوان، لان هؤلاء لا يريدون الحاق اي اذى باسرائيل، الحليف المحتمل في اي حرب قادمة ضد ايران لتدمير مفاعلاتها النووية، والحد من قوتها العسكرية ونفوذها السياسي المتنامي في المنطقة.
فكيف يمكن تفسير هذا الصمت السعودي الرسمي تجاه العدوان الاسرائيلي الحالي، وتحريم القيام بالمظاهرات تعاطفا مع الضحايا العرب المسلمين في قطاع غزة، وجميعهم سنّة بالمناسبة، وكيف يمكن فهم الدور الرسمي المصري الحالي في إحكام الحصار والاكتفاء بدور 'ساعي البريد' لنقل الشروط الاسرائيلية في وقف اطلاق النار الى حركة 'حماس'، والضغط بكل الوسائل من اجل تمريرها؟
رجب طيب اردوغان ليس زعيما عربيا، ويملك كل الحق في ادارة ظهره الى الغرب بعد ان طعن العرب بلاده في الظهر بخنجر مسموم عندما تحالفوا مع القوى الغربية، وثاروا ضد الامبراطورية العثمانية بتحريض بريطاني، ولكنه لم يفعل ذلك، ووقف في البرلمان التركي يدين العدوان الاسرائيلي على القطاع بأقسى الكلمات، ويصفه بأنه بقعة سوداء في تاريخ البشرية، ويرد على بعض منتقديه بالقول بأن كلماته هذه ليست اقوى من قنابل الفوسفور الابيض التي تحرق اطفال غزة.
كنا نتمنى لو صدرت مثل هذه الكلمات عن المسؤولين السعوديين والمصريين، والملك عبدالله بن عبدالعزيز خادم الحرمين الشريفين، والرئيس حسني مبارك على وجه التحديد، ولكن امنياتنا لم تكن في مكانها للأسف الشديد. وهذا ما يشجع اسرائيل على المضي قدما في عدوانها ومجازرها وهي مطمئنة الى غياب اي مواقف عربية لايقافها.
هذا الانقسام العربي الذي نراه حاليا في ابشع صورة هو 'رحمة'، لانه يكشف عن مواقف الانظمة الحقيقية، والهوة المتسعة بينها وبين شعوبها. فلا نريد تضامنا عربيا على ارضية الخنوع لاسرائيل، واستجداء عطفها من خلال مبادرات سلام متخمة بالتنازلات، او حوار اديان يخفي نوايا متأججة نحو التطبيع المجاني.

تسيبي ليفني وعدت بتغيير المعادلة السياسية في قطاع غزة بالقوة العسكرية، ونجحت في تحقيق ذلك فعلا، فقد توجت فصائل المقاومة على عرش التمثيل الفلسطيني، وانهت العملية السلمية باطلاق رصاصة الرحمة عليها، وجعلت من حركة 'حماس' الطرف الفلسطيني الأقوى، تماماً مثلما أدى انتصار المقاومة في معركة الكرامة في آذار (مارس) عام 1968 إلى تتويج ياسر عرفات رئيساً لمنظمة التحرير الفلسطينية، وابعاد يحيى حمودة إلى زاوية النسيان.
ولعل التطور الأهم الذي كرسته هذه الحرب هو جعل حركة 'حماس' بمثابة الذراع العسكرية للحركات الاسلامية السنية، والاخوان المسلمين بشكل خاص، في موازاة 'حزب الله' كذراع عسكرية للحركات الاسلامية الشيعية على الحدود مع الدولة العبرية.
وهذا بلا شك انقلاب كبير في المعادلات السياسية العربية والاسلامية، يفسر حجم العداء المتنامي والسافر لهذه الحركة، أي 'حماس'، في دول عربية مؤثرة مثل مصر والمملكة العربية السعودية.
نحن الآن في انتظار قمة الكويت الاقتصادية، وما يمكن ان يتخذه فرسانها من قرارات، ولا نعلم كم من الأطفال والنساء والمدنيين ستسحق عظامهم صواريخ الدبابات والطائرات الاسرائيلية حتى موعد انعقادها يوم الاثنين المقبل، ولكن ما نعلمه ان ابطال المقاومة لن يرفعوا الرايات البيضاء مطلقاً حتى يثبتوا للأمتين العربية والاسلامية انهم ليسوا من طينة هؤلاء الزعماء المتواطئين المتخاذلين.
نصيحتنا للزعماء 'الموؤودة' قمتهم الطارئة ان يتداعوا إلى اجتماع تشاوري في الدوحة، يدعون إليه شرفاء الانسانية والكرامة، من أمثال هوغو تشافيز، ورجب طيب أردوغان، وأحمدي نجاد، ويصدرون بيانا يحددون فيه مواقفهم بكل صراحة ووضوح، ويشرحون كل ملابسات التخاذل، وتفاصيل الضغوط الارهابية التي تعرض لها البعض حتى لا يشارك في القمة الطارئة، ويعلنون سحب أو تجميد مساندتهم او اعترافهم بمبادرة السلام العربية، ويذهبون بعد ذلك إلى قمة الكويت على أرضية المواجهة وفرز المواقف، والتبرؤ من المتواطئين مع العدوان.

قمة 'الفرز' العربي


قمة 'الفرز' العربي
عبد الباري عطوان
بات من المؤكد، ان قمــــة عربيـــة طارئـــة ستعقد في الدوحة بعد غد الجمعة، رغم قرار غياب بعض قادة دول محور الاعتدال العربي عنها، وبالذات الرئيس المصري حسني مبارك والعاهل السعودي عبدالله بن عبدالعزيز.
انعقاد القمة هذه، بعد فشل محاولة وزراء الخارجية العرب تصدير ازمة المجازر الاسرائيلية في قطاع غزة الى الامم المتحدة، واستجداء وقف لاطلاق النار من حلفائهم الامريكان والغربيين، بات ضروريا حتى يتعرف المواطن العربي على مواقف زعمائه الحقيقية من هذا التغول الهمجي الاسرائيلي، والخطوات التي يمكن ان يتخذوها في مواجهته، بعد ان طفح الكيل، واتضحت حرب الابادة الاسرائيلية لمليون ونصف المليون فلسطيني في ابشع صورها.
هذه القمة ستحدث 'فرزا' في المواقف العربية، وستظهر للعيان من هو مع العدوان الاسرائيلي على قطاع غزة، ومن هو ضده، من يريد ان يعمل على وقفه، ومن يريد له الاستمرار حتى يحقق اهدافه كاملة في ترويض المقاومة، ونزع سلاحها، وكسر شوكتها، واعادة القطاع الى بيت الاستسلام العربي.
هذا الفرز مطلوب، بل هو حتمي، لتمزيق حالة النفاق، ونزع الأقنعة عن الوجوه المتواطئة مع العدوان، الداعمة للجلاد، بصورة مباشرة او غير مباشرة، ضد الضحية التي تسحق عظامها الصواريخ الاسرائيلية من كل الاتجاهات برا وبحرا وجوا.
من حق اطفال قطاع غزة الذين تحرق طفولتهم البريئة، واجسادهم الطرية، القنابل الفسفورية الاسرائيلية ان يعرفوا من هو معهم ومن هو مع العدو، الذي يقذف بحممه من كل الاحجام والاوزان ضدهم ويأسرهم في مركز الاعتقال الذي اسمه غزة، الذي هو اسوأ واكثر بشاعة من نظيراته النازية، لان الاخيرة لم تكن تتعرض للقصف المكثف والوحشي بالصورة التي نراها حاليا في القطاع الضحية.
فهذا الخذلان الرسمي العربي هو الذي يشجع اسرائيل على تصعيد عدوانها، وتكثيف قصفها، مثلما يشجع حلفاءها في الغرب على دعمها، وتوفير الحماية لها في المحافل الدولية. فطالما ان العرب، وكبارهم بالذات، لا يتحركون، ويديرون وجوههم الى الناحية الاخرى، ويفتحون إعلامهم لمن يؤيد الجلاد ويلوم الضحية، فلماذا يتحرك الاوروبيون والامريكيون لوقف العدوان؟
ومع ذلك لا نتردد في القول ان الحضور نفسه لا يعني الحصول على صك براءة من تهمة التواطؤ، والظهور بمظهر من فعل ما هومطلوب منه في هذه اللحظة الاكثر حرجا في تاريخ الأمة. فالقمم العربية التي اقتصرت على بيانات الشجب والتنديد كانت اسوأ من تلك التي لم تنعقد، لأن ما يجري حالياً في قطاع غزة اكبر كثيراً من كل القضايا السابقة التي استدعت التداعي الى عقد مؤتمرات قمة طارئة. فنحن امام حرب ابادة، وتطهير عرقي، وافناء شعب بكامله لم يرتكب اي ذنب غير التمسك بحقه في مقاومة احتلال عنصري ظالم همجي، وهو حق كفلته كل الشرائع الدولية.

لا نريدها قمة مثل كل القمم الأخرى، يلقي خلالها الزعماء خطبا ثورية رنانة، تنقلها محطات التلفزة العربية او بعضها، لأن فضائيات المقاطعين للقمة ستقاطعها ايضاً، وانما نريدها قمة أفعال، قمة تتخذ خطوات عملية تتصدى للعدوان، وتفرض عقوبات على من يدعمونه ويتسترون عليه،وفي الغرب خصوصاً.
هناك خطوت عملية كثيرة يمكن ان يتخذها الزعماء المشاركون، نوجزها في النقاط التالية:
اولا: وقف كل الاتصالات وقطع كل العلاقات الدبلوماسية مع اسرائيل، واغلاق سفاراتها ومكاتبها التجارية في العواصم العربية، ونتمنى من دولة قطر المضيفة لهذه القمة ان تبادر بهذه الخطوة وتغلق المكتب التجاري الاسرائيلي او تجمده، مثلما فعلت هي وسلطنة عمان كرد على مجازر اسرائيلية مماثلة، واستجابة لطلب دول عربية اسلامية قبيل انعقاد القمة الاسلامية في الدوحة قبل عشر سنوات.
ثانيا: ان تقدم الدول العربية النفطية المشاركة في هذه القمة على استخدام سلاح النفط، ولا نقول بوقفه تماما عن الدول المستهلكة، وانما بتخفيض كميات الانتاج حتى ترتفع الاسعار بصورة تؤذي هذه الدول الداعمة أساساً للعدوان الاسرائيلي، ومعظمها في اوروبا، مع بيع النفط للدول الفقيرة بأسعار تشجيعية. هذه الخطوة اذا اتخذت، وفي هذا التوقيت الذي يعاني فيه الاقتصاد الغربي من حالة ركود وانكماش، ستحدث اثراً كبيراً من حيث تغيير مواقف الدول الغربية المتواطئة مع العدوان.
ثالثا: تستطيع الدول المشاركة ان تبث الرعب في نفوس الامريكيين والاوروبيين اذا ما قررت وقف تعاونها الأمني والاستخباري معهم على صعيد محاربة تنظيم 'القاعدة' والجماعات الاسلامية المتشددة الأخرى، وعلينا ان نتذكر ان السعودية استخدمت هذا السلاح بفاعلية عندما هددت بريطانيا بوقف التعاون الأمني والاستخباري معها اذا لم توقف التحقيقات في رشاوى صفقة 'اليمامة' للأسلحة، التي تورط فيها امراء من الأسرة الحاكمة، وتجاوبت بريطانيا سريعاً مع هذا التهديد، وأوقفت التحقيقات فعلاً، وبررت ذلك بحماية امنها القومي وأرواح مواطنيها.
رابعا: دول شمال أفريقيا العربية، الجزائر والمغرب وليبيا وتونس وموريتانيا تملك سلاحا قوياً في يدها للضغط على أوروبا، وهي ورقة التعاون مع الاتحاد الأوروبي لوقف قوارب الهجرة السرية، ويكفي ان يقول زعماء هذه الدول إنهم سيتوقفون عن القيام بدور 'البوليس' لمنع المهاجرين من الانطلاق من سواحلهم، حتى تهرع الدول الأوروبية اليهم مستجدية التراجع عن هذا القرار. وتكفي الاشارة إلى أن سبعين الف مهاجر غير شرعي وصلوا إلى أوروبا في العام الماضي، رغم التنسيق المحكم بين هذه الدول ونظيراتها الأوروبية، ويمكن أن يتضاعف هذا الرقم خمس مرات أو أكثر اذا تراخت قبضة الحكومات العربية في هذا الصدد.
خامسا: تشكل الجزائر أهمية استراتيجية خاصة بالنسبة إلى أوروبا من حيث كونها المصدر الوحيد للغاز لهذه الدول، بعد الاتحاد الروسي، وأوروبا التي تحصل على أربعين بالمئة من احتياجاتها من الغاز من روسيا، تريد مصادر بديلة آمنة لتقليص اعتمادها على الغاز الروسي، خاصة بعد ما سمته أوروبا بـ 'الابتزاز' الروسي الأخير الذي تمثل في وقف هذه الامدادات لأسباب سياسية. فلعل الرئيس عبد العزيز بوتفليقة ابن الثورة الجزائرية يلتفت إلى هذه المسألة ويستخدم ورقة الغاز لانقاذ أشقائه من المحرقة في قطاع غزة.

اننا نناشد الزعماء المشاركين في هذه القمة ان يعتبروا هذه النقاط الخمس بمثابة ورقة عمل لقمّتهم، وان يخرجوا باجراءات عملية ترتقي إلى مستوى الخطوات المطلوبة هذه وغير المسبوقة. لأن من سيقاطعون هذه القمة، وهم من العيار الثقيل، ينتظرون فشلها، ويتمنون خروجها بعبارات الشجب والتنديد فقط حتى يسخروا منها من خلال آلتهم الاعلامية الجبارة.
عقد هذه القمة، ووسط هذه الظروف، ورغم الضغوط الهائلة من قبل الأطراف العربية المعارضة لها، هو انجاز كبير، وقمة التحدي، وتحرير للقرار العربي من هيمنة من يرهنون أنفسهم ودولهم للمشاريع الأمريكية - الاسرائيلية في المنطقة، ولن يكتمل هذا الانجاز إلا بقرارات عملية حقيقية تنزل برداً وسلاماً على أهل غزة، وكل الشعوب العربية التي انتصرت لهم في هبتها الاحتجاجية الرائعة. فإذا لم توقف هذه القرارات والخطوات المنتظرة العدوان، فإنها ستزيد من صلابة المقاومة، وستعزز قدرتها على الصمود، والاستبسال في ميادين المواجهة.

سقطة 'الوسيط' ساركوزي!


سقطة 'الوسيط' ساركوزي!
عبد الباري عطوان
خيّب الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي آمال مئات الملايين من العرب والمسلمين يوم امس عندما كشف عن انحيازه الكامل للمجازر الاسرائيلية المتواصلة في قطاع غزة حيث وجه اللوم الى الضحية، واعفى الجلاد الاسرائيلي من اي نقد حقيقي.
الرئيس ساركوزي اكد في تصريحاته التي ادلى بها امس، اثناء توقفه في رام الله، في بداية جولته الحالية، السقوط الاخلاقي لهذا الغرب الحضاري الديمقراطي، عندما لم يتردد لحظة في تحميل حركة حماس المسؤولية عما يحدث حاليا في قطاع غزة بقوله 'انها تصرفت بشكل غير مسؤول لا يغتفر بقرارها رفض تمديد التهدئة، واستئناف اطلاق الصواريخ على الدولة العبرية'.
امر مخجل ان يسقط الرئيس الفرنسي الذي يمثل دولة الحريات وقيم الانتصار للعدالة والضعفاء، هذه السقطة، في وقت تنقل الينا عدسات التلفزة العالمية صور عشرات الاطفال وقد مزقت اجسادهم الصواريخ الاسرائيلية.
الرئيس ساركوزي لم يذهب الى المنطقة في مهمة سلام، او لوقف اطلاق النار، مثلما ادعى، وانما لكي يعطي اسرائيل غطاء اوروبيا لاكمال 'الهولوكوست' الذي بدأته قبل عشرة ايام ضد اناس محاصرين مجوّعين وعزل.
فصول المؤامرة تتضح يوما بعد يوم، فبعد الصمت الغربي المريب، ومنع مجلس الامن الدولي من قبل امريكا والدول الاوروبية دائمة العضوية فيه من اصدار اي قرار يدين العدوان الاسرائيلي ويطالب بوقفه، ها هو الرئيس الفرنسي يختار منبر السلطة الفلسطينية في رام الله ليعلن ان حركة حماس 'تتحمل مسؤولية كبيرة عن معاناة الفلسطينيين في غزة' ،وهو صك براءة من زعيم احدى دول التحالف الغربي لاسرائيل، لاعفائها من اي مسؤولية او لوم، وصك ادانة للضحايا.. هذا هو النفاق الغربي الذي اوصل العالم الى هذا الوضع المأسوي الذي يعيشه، بدءا من تصاعد اعمال العنف والارهاب وانتهاء بالانهيار الاقتصادي الشامل.

من الواضح ان الحكومة الفرنسية تؤيد هذه المجازر الاسرائيلية، بعد ان اطلعت على الاهداف التي تسعى حكومة تل ابيب لتحقيقها اثناء زيارة السيدة تسيبي ليفني وزيرة الخارجية الاسرائيلية الى فرنسا يوم الخميس الماضي. فبعد هذه الزيارة الخاطفة تغير الموقف الرسمي الفرنسي كليا، وانقلبت جولة ساركوزي من مهمة سلام ووقف الحرب، الى مباركة لها واعطاء الحكومة الاسرائيلية كل الوقت والدعم للمضي قدما فيها، حتى تحقق اهدافها كاملة.
الهدف الاساسي من هذا العدوان ليس وقف اطلاق الصواريخ، وانما 'تغيير النظام' في قطاع غزة، اي اطاحة حكومة 'حماس' واعادة القطاع برمته الى بيت طاعة السلطة في رام الله.
اسرائيل تسير على خطى معلمها الامريكي، فطالما ان ادارة الرئيس بوش نجحت في تغيير نظامي العراق وافغانستان، تحت ذريعة انهما نظامان دكتاتوريان، فما المانع ان تغير اسرائيل حكومة منتخبة بصورة ديمقراطية في اقتراع حر في قطاع غزة؟
الحكومة الاسرائيلية اتخذت من اطلاق الصواريخ ذريعة للاقدام على هذه الخطوة، بتضخيم حجم اضرارها، لانه لا توجد لديها اي ذرائع اخرى، فلا توجد مقابر جماعية في قطاع غزة، ولا يوجد اي تنسيق بين حركة 'حماس' وتنظيم القاعدة، ولم تستطع المخابرات الامريكية او نظيرتها الاسرائيلية فبركة اي علاقة بينها وبين احداث الحادي عشر من ايلول (سبتمبر).
اسرائيل استخدمت اساليب الحصار والتجويع لتركيع أهل القطاع، ودفعهم الى الثورة ضد الحكومة، وعندما فشل هذا الاسلوب اللا اخلاقي المعيب، لجأت الى الهجوم الجوي، وعندما فشل هذا الهجوم في ترويع قادة حماس، وحركات المقاومة الاخرى ودفعها الى الاستسلام ورفع الرايات البيضاء تمّ اللجوء الى الغزو البري.

تغيير النظامين في العراق وأفغانستان لم يحقق النصر للادارة الامريكية والتحالف الغربي الذي دعم حروبها، بل اوقعهم في حرب استنزاف مادية وبشرية لا أحد يتنبأ كيف ستنتهي. وتغيير النظام في قطاع غزة ان تم بالقوة العسكرية، وعلى جثث المئات، وربما الآلاف من الاطفال والمدنيين، وهذا ما نشك فيه، فانه لن يحلّ مشكلة الصواريخ، ولن يوقف المقاومة، بل ربما يجعلها اكثر شراسة، تماماً مثلما حصل في العراق وافغانستان، وسيجعل اسرائيل تغرق في مستنقع غزة وبحرب دموية استنزافية، ستهرب منها مهزومة ورافعة الراية البيضاء.
تجارب الحروب الاسرائيلية الاخيرة، سواء ضد منظمة التحرير (اجتياح عام 1982) او ضد حزب الله (صيف 2006) وقبلها (حرب الحزام الامني) كشفت ان اسرائيل تخرج دائماً من هذه الحروب اضعف سياسياً وعسكرياً في الوقت نفسه، ومحاولة قلب هذه المعادلة في الهجوم على قطاع غزة 'الخاصرة' الاضعف في 'تحالف الشر'، حسب التوصيف الامريكي، مقامرة كبيرة قد تأتي بخسائر غير محسوبة بل وغير متوقعة.
احتلال غزة أمر مكلف.. والبقاء فيها امر اكثر خطورة، وعودة سلطة رام الله على ظهر الدبابات الامريكية امر مستبعد، ونفى ذلك السيد محمود عباس صراحة في مؤتمره الصحافي امس، اللهم إلا اذا كانت هذه السلطة تريد ان تستعيد تجربة 'حكومة فيشي' التي نصبها النازيون لحكم فرنسا تحت احتلالهم، ولن نستبعد ان يحاول السيد ساركوزي تسويق هذه الفكرة اثناء توقفه في رام الله بايعاز اسرائيلي.

اسرائيل ربما تكسب عسكرياً، لأنها تخوض حرباً من طريق في اتجاه واحد وضد عدو ضعيف جداً، محاصر ومعزول ومقطوعة كل طرق امداداته، حتى الطبية منها. ولكنها تخسر دبلوماسياً واخلاقياً وسياسياً. فقد بات العالم يشاهد جرائمها في صور الشهداء الاطفال وأجسادهم الممزقة.
التعتيم الاعلامي الاسرائيلي، ومنع الصحافيين من دخول قطاع غزة لتغطية الوقائع على الأرض، وهو امر لم يحدث في عهد صدام حسين الذي يتهمه الغرب بالديكتاتورية، لن يحول دون وصول الحقائق الى الرأي العام العالمي. وما يؤلمنا ان هذا الاعلام الغربي الذي يعطينا دروساً في المصداقية والموضوعية الصحافية يصمت على هذه الاهانة، بل وينحاز في معظمه الى هذه 'الدولة الديمقراطية' (من منظورهم) التي تمارس المنع لاخفاء مجازرها.
خيبة أمل كبرى أخرى تتمثل في موقف الرئيس الامريكي المنتخب باراك اوباما الذي صمت عن المجازر الاسرائيلية، بحجة الالتزام بالبروتوكول، وتكرار القول انه لن يعلق على أحداث غزة لأنه يوجد رئيس واحد في امريكا. اوباما نسي انه خرج عن هذه القاعدة عندما لم يتردد في ادانة الهجوم الدموي في مومباي بأكثر العبارات شدة. كل القواعد تتغيير عندما يكون الجلاد اسرائيلياً ويكون الضحية عربيا او مسلما.
اسرائيل لن تنجح في تغيير النظام في غزة، اللهم الا اذا غيرت الشعب الفلسطيني من سكان قطاع غزة، واستبداله بشعب آخر، ويبدو انها بدأت هذه المهمة بحرب الابادة والتطهير العرقي التي تشنها حالياً.

هجوم بري.. ماذا تبقى لدى باراك؟


هجوم بري.. ماذا تبقى لدى باراك؟ 
بقلم عبد الباري عطوان

حرب غزة هي اهم امتحان اخلاقي للغرب المتحضر، ومن المؤكد ان هذا الغرب وزعاماته وقيمه واعلامه (مع بعض الاستثناءات القليلة) قد سقط سقوطا كبيرا ومدويا.

فعندما يؤيد الرئيس الامريكي جورج دبليو بوش هذه الحرب الدموية على قطاع غزة المحاصر، وعندما تقول جمهورية التشيك، رئيسة الاتحاد الاوروبي ان اسرائيل تخوض حربا "دفاعية" وليست هجومية، وعندما تتردد معظم وسائل الاعلام في نشر صور اشلاء الاطفال الذين مزقت اجسادهم الطاهرة الصواريخ الاسرائيلية وتسهب في نقل آثار صواريخ "حماس" على بعض البيوت الاسرائيلية، فإن هذا هو قمة السقوط الاخلاقي والديني والانساني.

انه سقوط انعكس بشكل فاضح على الامم المتحدة التي تخضع لسيطرة هذا الغرب، وتلكئها في اتخاذ خطوات عملية سريعة لوقف مجازر القطاع والجرائم النازية التي تجري بين اروقة مدنه واحيائه الضيقة الفقيرة المعدمة، وتحصد ارواح الأبرياء.

الامم المتحدة اُستخدمت بشكل مخجل لإشعال فتيل الحروب في العراق وافغانستان، وقتل الملايين ولكنها عجزت، او تم منعها عن اصدار اي قرارات ملزمة لوقف هذا العدوان، ولم نر اي تحرك عربي رسمي لإصلاح هذا الخلل المزري، ولو بالتهديد بمقاطعة جلساتها، ناهيك عن التهديد بالانسحاب منها احتجاجا على انحيازها للقتل والعدوان.

نحن هنا لا نتحدث عن السقوط الرسمي العربي، سقوط الحكام العرب، في كل الامتحانات الاخلاقية والدينية والقومية، فهؤلاء اصبحوا خارج دائرة الفعل، لا قيمة لهم على الاطلاق، ومن المفضل عدم اضاعة الوقت، او المساحة للحديث عنهم، او تعداد جوانب سقوطهم.

انهم، اي الحكام العرب، يراهنون على اسرائيل لتخليصهم من اشرف ظاهرة في تاريخ هذه الأمة، وهي ظاهرة المقاومة، وينسون ان جميع الذين راهنوا على اسرائيل من قبلهم، مثل انطوان لحد، ومعاوية ولد سيدي الطايع (موريتانيا) والرئيس السابق محمد انور السادات، وزعماء روابط القرى الفلسطينية كلهم يحتلون مكانا بارزا في سلة قمامة التاريخ.

مجازر غزة فضحت نفاق العالم الغربي مرة اخرى، وبشكل اقوى وأعمق، فالرئيس بوش الذي ينحاز الى العدوان على المحاصرين المجوعين المرتجفين بردا فوق ركام منازلهم، كان اول من سارع الى ادانة "العدوان الروسي" على اوسيتيا الجنوبية في روسيا، وكاد ان يخوض حربا نووية للتصدي له، وهو يعلم جيدا ان جورجيا هي المعتدية، ورئيسها هو الذي اشعل فتيل الحرب وارتكب المجازر.

هذا الرئيس المتحضر لم يتردد، وحكومته، لحظة في مساندة سرقة اوكرانيا للغاز الروسي، وتبريره بأن هؤلاء محقون في الإقدام على هذه السرقة لمواجهة الصقيع، بعد ان قطعت عنهم الحكومة الروسية امداداته.

انها اول حرب في التاريخ الحديث، تتم ضد اناس معتقلين خلف القضبان، ومحرومين من اي امدادات انسانية او عسكرية، وممنوع عليهم النجاة بأرواحهم. في جميع الحروب الأخرى، يتم ترك منافذ لخروج الابرياء الى مناطق آمنة خارج نطاق المعارك الحربية، الا في قطاع غزة، فقد جرى اغلاق جميع المعابر ووضعت كل من حكومتي مصر واسرائيل قوات لاطلاق النار على اي انسان يعبر الحدود للنجاة بحياته واطفاله من جراء القصف الجوي والبري والبحري الذي يستهدفهم.

قبل الهجوم الامريكي الهمجي على العراق المحاصر عام 2003 اقامت الولايات المتحدة، والمنظمة الدولية، معسكرات لإيواء اللاجئين داخل الحدود السورية والاردنية، والشيء نفسه حصل في باكستان لاستيعاب اللاجئين الافغان، ولكن عندما يكون الضحايا هم من العرب الفلسطينيين، ويكون الجلاد اسرائيليا، فالملام هو الضحية، وعليه الموت جوعا وتمزيقا وقهرا.

اسرائيل القت عشرات الآلاف من المناشير تطالب فيها اهالي قطاع غزة بمغادرة منازلهم، ولم تقل لهم الى اين؟ هل ستفتح الحدود لهم لإيوائهم؟ أم ستطلب من حليفتها حكومة مصر القيام بهذه المهمة؟

يقولون ان حركة "حماس" وفصائل المقاومة الفلسطينية الاخرى تنصب صواريخها بين المدنيين، لاستخدامهم كدروع بشرية. هذا كلام مغلوط، فقطاع غزة لا يوجد فيه غير اكوام من اللحم، حيث هناك متر مربع لكل سبعة اشخاص. واينما ذهبت لن تجد غير الاطفال والمدنيين، فلا توجد غابات ولا جبال ولا وديان، مجرد كتل من الاسمنت، ومخيمات اللاجئين المهترئة. وحتى اذا افترضنا ان ما تقوله اسرائيل حقيقة، فلماذا لا تفتح حدودها للمدنيين الفلسطينيين وتستقبلهم على ارضها، التي هي ارضهم في الأساس، وتقدم لهم كل المعونات وكرم الضيافة طالما انها تدعي الحرص على حياتهم، مثلما يردد المسؤولون الاسرائيليون في لقاءاتهم مع القنوات العربية والأجنبية.

اسرائيل لا تريد الا ذبح المدنيين، والأطفال منهم بالذات، حتى تطمئن الى عدم وجود اجيال قادمة ترفع راية المقاومة، وتواصل ما بدأته الاجيال الحالية والسابقة، وهذا ما يفسر وحشية العدوان والقصف المستمر على الجامعات والمدارس والاحياء المدنية ليل نهار.

نبشّر الاسرائيليين بان الفلسطينيين لن يغادروا منازلهم، وسيصمدون في مواجهة العدوان، لانهم قرروا المقاومة والشهادة على ارضهم في مخيماتهم، ومساجدهم. فقد امتصوا صدمة الغارات الجوية التي استمرت لسبعة ايام ولم تنجح في ترويعهم، وها هم يمتصون "صدمة" العدوان البري، ويتأهبون لخوض اشرف المواجهات رغم الفارق الكبير في التسليح والعتاد.

الحرب الاسرائيلية على قطاع غزة هي امتداد للحروب الامريكية على العراق وافغانستان، وقبلها على جنوب لبنان، ومثلما خسرت امريكا وحلفاؤها الاسرائيليون جميع الحروب السابقة، ولم تنتصر في اي منها، فمن المؤكد ان هذه الحرب لن تكون استثناء.

اسرائيل ابتزت العالم بأسره من خلال المحرقة النازية (الهولوكوست) واعمت زعماء الغرب وشعوبه عن رؤية بشاعة الجرائم التي ترتكبها في حق الفلسطينيين ضحايا محارقها على مدى الستين عاما الماضية، ولكن هذا الابتزاز بدأ يتآكل ويعطي نتائج عكسية تماما، فقد ظهرت معالم الصحوة، وعبرت عن نفسها في هذه المظاهرات الغاضبة التي تجتاح العواصم الغربية.

الغربيون يتظاهرون ليس دفاعا عن الفلسطينيين فقط، وانما عن امنهم الذي باتت اسرائيل تعرضه للخطر، وعن اقتصادهم الذي انهار بفعل الحروب التي خيضت دفاعا عن اسرائيل، ولإبقائها القوة الأعظم في المنطقة.

الغرب يطالب بتقديم الرئيس السوداني عمر البشير لمحاكم جرائم الحرب بسبب دارفور، ويجب الآن ان نطالب بتقديم كل الزعماء الاسرائيليين المتورطين في محرقة غزة الى المحاكم نفسها، ودفع التعويضات لكل ضحايا العرب في العراق وفلسطين ولبنان.

اسرائيل بهجومها البري، وارسال دباباتها الى قطاع غزة افرغت كل ما في جعبتها من اسلحة وخطط، ولم يبق لها سوى ان تضرب قطاع غزة بقنابلها النووية اذا ارادت حسم هذه الحرب لمصلحتها بسرعة. فقد تورطت مع اشرس شعوب الارض واكثرهم عنادا في الحق، والدفاع عن كرامة هذه الأمة وعقيدتها وعزتها، وهي حتما ستدفع ثمنا غاليا بسقوطها في مصيدة هؤلاء.

غزة ستغير وجه التاريخ، وستفضح كل اكاذيب حقوق الانسان والعدالة الغربية، وستخلق عالما جديدا تماما، مثلما فعلت شقيقتها "عكا"، ففي عكا كانت نهاية الحملة الفرنسية، ومن غزة سيبدأ العد العكسي لإمبراطورية الشر الاسرائيلية ـ الامريكية المشتركة.