‏إظهار الرسائل ذات التسميات غزة. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات غزة. إظهار كافة الرسائل

أسرار حرب «الرصاص المصهور»

أحمد منصور:
الكل حرب أهدافها المعلنة وأهدافها الخفية، وقد أعلنت إسرائيل عن أهدافها من وراء حرب الإبادة الهمجية التي خاضتها في الفترة من السابع والعشرين من ديسمبر من العام الماضي 2008 وحتي السابع عشر من يناير 2009 ضد قطاع غزة، والتي أهلكت فيها الحرث والنسل والجماد والحيوان وكل أشكال الحياة واستخدمت فيها معظم أنواع الأسلحة مع أسلحة جديدة محرمة دوليا لم يكشف عن نوعياتها بعد
ثم أعلنت بعد كل جرائمها أنها قد حققت أهدافها من وراء حملتها، لكنها لم تتعرض علي الإطلاق إلي أن هدفا أساسيا من أهداف هذه الحرب يتعلق بالسيطرة علي الغاز المكتشف علي شواطئ غزة والذي يغطي كما تقول التقارير الخاصة بشركة « بريتش غاز» مكتشفة حقول الغاز في شواطئ غزة حوالي 30% من احتياجات إسرائيل، فإذا كان أحد الأهداف الأساسية للحرب الأمريكية علي العراق هو السيطرة علي منابع النفط وسرقتها كما يحدث الآن فإني أؤكد من خلال هذه الدارسة ـ التي استغرق إعدادها عدة أسابيع ـ أن أبرز أهداف الحرب الإسرائيلية علي قطاع غزة هو السيطرة علي منابع وآبار الغاز التي تتواجد في سواحل غزة والتي لا يعلم عنها كثير من الناس حتي من أهل غزة إلا معلومات قليلة.

تعود جذور القصة إلي شهر نوفمبر من العام 1999 حينما زار ياسر عرفات رئيس السلطة الوطنية الفلسطينية الأسبق لندن، وكشفت بعض المصادر البريطانية وقتها أن دراسات لدي مجموعة «بريتش غاز» البريطانية أكدت وجود كميات كبيرة من الغاز قبالة سواحل غزة، وتدخل توني بلير رئيس الوزراء البريطاني آنذاك لدي عرفات وطلب منه التوقيع مع شركة «بريتش غاز» علي حق التنقيب واستغلال تلك الآبار مقابل خمسين مليون دولار تمنح سنويا لصالح السلطة الفلسطينية توضع في حساب خاص يخضع لمراقبة دولية ـ وقد أخبرتني مصادر خاصة أن هذا الحساب موجود في أحد البنوك في الأردن ـ ولم يتأخر ياسر عرفات المعروف بمجاملاته عن التوقيع الذي تم في 29 نوفمبر من العام 1999 في لندن حيث منح عرفات بصفته رئيسا للسلطة الفلسطينية التي تتبعها سواحل غزة شركة «بريتش غاز» حق التنقيب عن الغاز في سواحل غزة لمدة 25 عاما، لكن لم يمر عام واحد علي هذا التوقيع حتي نجحت بريتش غاز في اكتشاف أول بئرين للغاز قبالة سواحل غزة أطلقت عليهما غزة بحري 1 وغزة بحري 2، وقد أكدت لي مصادر«بريتش غاز» هذه المعلومات خلال اتصالات بيني وبين مقر الشركة الرئيسي في لندن استمرت ما يقرب من شهر بعدما رفض مكتب الشركة في إسرائيل تزويدي بأية معلومات عن الموضوع، وأكد المكتب الرئيسي لبريتش غاز في الرد الذي وصلني علي أن البئر الأولي تم اكتشاف الغاز بها في العام الأول، بينما « البئر الثاني أكد علي اكتشاف غاز جديد ومهم وقد زودوني بصورة لمنصة الحفر للبئر الأول غزة بحري 1 كما زودوني بخريطة توضح موقع البئرين من شواطئ غزة ومن عسقلان.

وكان توني بلير ـ رئيس الوزراء البريطاني ـ قد سعي لدي رئيس الوزراء الإسرائيلي أرييل شارون لإلزامه حصول إسرائيل علي هذه الصفقة التي كانت ستدر عدة مليارات من الدولارات علي شركة «بريتش غاز» وعلي الإسرائيليين كمستفيد أول ووحيد من وراء هذا الغاز مقابل الفتات الذي كان سيحصل عليه عرفات والسلطة كل عام تحت رقابة دولية، إلا أن قيام الانتفاضة في العام 2000 واضطراب الأمور في غزة أجل تنفيذ الصفقة، كما أن سعي شارون للحصول علي الغاز من الحكومة المصرية بسعر أقل من سعر بريتش غاز جعله يضغط من أجل الحصول علي الغاز المصري بسعر أقل وامتيازات أفضل، علي ألا يساعد في وصول أية مبالغ للسلطة الفلسطينية، وبالفعل نشرت صحيفة «الأندبندنت» البريطانية تقريرا عن تلك الصفقة في 19 أغسطس من العام 2003 قالت فيه: «إن رئيس الوزراء الإسرائيلي أرييل شارون قد أعلن عن معارضته لصفقة غاز غزة متعللا باضطراب الأوضاع في قطاع غزة، وأن عائدات الأموال يمكن أن تستخدم في شراء سلاح يمكن أن يستخدم بعد ذلك ضد الإسرائيليين»، وهو يرفض إدخال أموال إلي خزانة السلطة الفلسطينية دون أن يعرف فيما سيتم استخدامها، لكن السبب الأبرز ـ كما أوضح شارون ـ هو أن الحكومة المصرية قد وعدته ببيع الغاز لإسرائيل مقابل أسعار رمزية وكانت المفاوضات جارية آنذاك للتوقيع مع الحكومة المصرية، ورغم أن جون فيلد ـ المدير العام لمجموعة بريتش غاز في إسرائيل ـ قال في تصريحات نشرتها الأندبندنت البريطانية في 19 أغسطس 2003 أن شركة «بريتش غاز» تأمل أن يعيد شارون التفكير في خياراته فإن شارون مضي في مفاوضاته مع الحكومة المصرية.

وبالفعل بعد مفاوضات مطولة تم التوقيع في القاهرة في 30 يونيو من العام 2005 علي صفقة طويلة الأجل بين الحكومة المصرية وإسرائيل مدتها خمسة عشر عاما قابلة للتجديد خمس سنوات إضافية، وقد وقع عن الجانب المصري وزير النفط سامح فهمي، وعن الجانب الإسرائيلي وزير البنية التحتية بنيامين بن أليازر الذي كان قد التقي الرئيس المصري حسني مبارك قبل التوقيع، ونصت الصفقة علي أن تبيع مصر لإسرائيل من الغاز 7.1 مليار متر مكعب سنويا اعتبارا من أكتوبر من العام 2006 بإجمالي مقداره 25 مليار متر مكعب من الغاز ـ وذلك حسب المصادر الإسرائيلية ـ، وأعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي أرييل شارون آنذاك أنه فضل «شراء الغاز من مصر علي شرائه من شركة بريطانية ـ فلسطينية مشتركة خشية استفادة المسلحين الفلسطينيين من عائداته».

وكانت إسرائيل قد اضطرت للتوقيع علي الصفقة مع مصر التي بدأ التفاوض عليها قبل عشر سنوات من توقيعها بعد فشل جهود شركة «إسرامكو» الإسرائيلية في تطوير آبار للغاز اكتشفتها بالاشتراك مع شركة «بريتش غاز» قبالة سواحل عسقلان، حيث طلبت هذه الشركات من الحكومة الإسرائيلية في 29 يناير من العام 2000 وفق تقرير بثته وكالة الأنباء الفرنسية بالتمهل في توقيع العقد مع المصريين حتي يتم التثبت من جدوي تطوير الحقول قبالة سواحل عسقلان، لكن إسرائيل حصلت علي أكثر مما تريده من الحكومة المصرية بعد ذلك حيث حصلت إسرائيل علي الغاز المصري بأسعار أرخص من استخراجه من قبالة سواحل عسقلان، وهذا ما دفع مجموعة من الناشطين المصريين علي رأسهم السفير السابق إبراهيم يسري إلي رفع دعوي قضائية أمام محكمة القضاء الإداري في القاهرة التي أصدرت حكمها في 18 نوفمبر من العام 2008 بوقف تصدير الغاز المصري إلي إسرائيل، وبطلان الاتفاقية لأنها لم تعرض علي مجلس الشعب المصري وقالت المحكمة إن قرارا كهذا يجب التصويت عليه في البرلمان «لأن الموارد الطبيعية الوطنية هي ملك للشعب المصري والأجيال اللاحقة ولذلك علي السلطة التنفيذية أن تحظي بموافقة السلطة التشريعية قبل اتخاذ قرار كهذا».

ورغم صدور حكم في الأول من إبريل من العام 2009 من محكمة الأمور المستعجلة في القاهرة بوقف تنفيذ حكم محكمة القضاء الإداري فإن ذلك لم ينه المعركة القضائية حول الموضوع، ومن ثم حرصت إسرائيل علي إحياء مشروع الحصول علي الغاز من آبار سواحل غزة مرة أخري خوفا من أي عوامل يمكن أن تؤدي إلي منع تدفق الغاز المصري إلي إسرائيل، ولأن غزة تقع منذ العام 2006 تحت سلطة حكومة حركة حماس فإنه يجب التخطيط ـ وفق المنظور الإسرائيلي ـ لكيفية الاستيلاء علي آبار الغاز دون الحاجة للتفاوض مع حكومة حماس أو الرجوع إليها بل يجب القضاء عليها وإزالة وجودها من غزة ومن ثم يتم تحقيق أهداف كثيرة فيما يختفي هدف الحرب من أجل الغاز وراء مجموعة من الأهداف المعلنة التي تشترك فيها بعض دول المنطقة المتحالفة مع إسرائيل.

أما فيما يتعلق بغاز غزة وجدواه فقد أعلنت شركة «بريتش غاز» بعد اكتشافها الغاز في سواحل غزة في العام 2000 في تقرير نشرته صحيفة «التايمز» البريطانية في 23 مايو من العام 2007 أنها تقدر احتياطيات الحقل المكتشف في العام 2000 بأنها تزيد علي تريليون قدم مكعب من الغاز أي ما يساوي 150 مليون برميل من النفط، وفي تقرير الأندبندنت الذي نشر في 19 أغسطس من العام 2003 أعلنت بريتش غاز أنها يمكن أن تضخ من حقل غزة إلي إسرائيل بين 5،1 إلي 2 مليار متر مكعب من الغاز سنويا وهو ما يعادل ثلث الاحتياجات الإسرائيلية من الغاز.

وبعد شعور إسرائيل أن هناك عقبات داخلية تواجهها الحكومة المصرية قد تضطرها إلي التوقف عن تصدير الغاز لإسرائيل أحيت مشروع غاز غزة مرة أخري ونشرت صحيفة «التايمز البريطانية» في تقريرها المشار إليه في 23 مايو من العام 2008 أن مجموعة «بريتش غاز» علي وشك الاتفاق علي شروط صفقة تاريخية تقدر بأربعة مليارات دولار لتوصيل الغاز الفلسطيني إلي إسرائيل من الحقول المكتشفة علي سواحل غزة، وأن اجتماعا قرر في نهاية مايو من العام 2008 بين ممثلي الشركة البريطانية وممثلين للحكومة الإسرائيلية لدراسة عقد مدته خمسة عشر عاما وأكدت وزارة الخارجية الإسرائيلية أنها تود إبرام الصفقة في «أقرب وقت ممكن» حيث اعترفت الحكومة الإسرائيلية أنها بحاجة إلي مصادر جديدة من الطاقة لمواجهة احتياجات الاقتصاد الإسرائيلي المتزايدة.

وقد أكدت لي بريتش غاز ردا علي أسئلة أرسلتها إليهم علي طلب الحكومة الإسرائيلية تقديم مقترحات لتزويد شركة الكهرباء الإسرائيلية بالغاز وهي الشركة الوطنية لتوفير الكهرباء التي تمتلكها الدولة، وقامت مجموعة بريتش غاز بالفعل بتقديم اقتراح للحكومة الإسرائيلية لتوفير الغاز من حقل غزة البحري، وأكدت بريتش غاز في جوابها علي أسئلتي أنها استأنفت بالفعل المباحثات مع الحكومة الإسرائيلية بعد أن أعلنت عن نيتها علي شراء الغاز من حقل غزة البحري وذلك من أجل سد العجز المتوقع في إمدادات الغاز بعد العام 2011.

هذا العقد وهذه الصفقة المليئة بالشبهات القانونية والجنائية هي التي جعلت إسرائيل تعجل بحربها علي قطاع غزة لأسباب كثيرة معلنة وسبب رئيسي غير معلن هو إنهاء وجود حماس في غزة وإعادة السلطة أو أي طرف يمثل الشعب الفلسطيني يساعدها في السيطرة علي غاز غزة بثمن بخس وعبر اتفاق يتم إضفاء الشرعية عليه دون أن تبدو العملية كما هي قائمة الآن عملية سطو علي مقدرات الشعب الفلسطيني وثرواته حيث سعي شارون بالفعل لإلغاء العقد الموقع بين عرفات وبريتش غاز عام 1999 وصرح في العام 2001 بأن احتياطات غزة البحرية من الغاز تمتلكها إسرائيل.

ومن هنا بدأت إسرائيل مخططها لشن حرب الغاز علي غزة في العملية التي عرفت باسم «الرصاص المنصهر» في شهر يونيو من العام الماضي 2008 وذلك وفقا لمصادر صحيفة «هاآرتس الإسرائيلية» في عددها الصادر في 27 ديسمبر الماضي 2008، وهذا يعني أن قرار شن الحرب جاء بعد أيام من عودة التفاوض بين بريتش غاز والحكومة الإسرائيلية الذي أشارت له صحيفة «التايمز» وأكدته لي بريتش غاز كذلك بشكل غير مباشر في ردها علي أسئلتي، وهذا يفسر أيضا سر أن وزيرة الخارجية الإسرائيلية السابقة تسيبي ليفني كانت أحد الصقور التي تقود الحرب لأن وزارتها هي التي أعلنت أنها يجب أن تبرم الصفقة في أقرب وقت ممكن.

وقد أشار مايكل تشوسديفسكي في مقال نشره في 8 يناير 2009 علي موقع «جلوبال ريسرش» نقلا عن «جلوبس في 13 نوفمبر 2008» أنه في الوقت الذي انتهت فيه إسرائيل من وضع خطة حربها علي غزة المعروفة باسم «الرصاص المسكوب» كانت تتفاوض مع شركة «بريتش غاز» حيث بدأت مفاوضات جدية في شهر أكتوبر من العام 2008، وفي نوفمبر من العام 2008 أمرت وزارة المالية ووزارة البنية التحتية الإسرائيليتان شركة كهرباء إسرائيل بالدخول في مفاوضات مع شركة بريتش غاز لشراء غاز طبيعي من الحقل البحري لمجموعة بريتش غاز البريطانية، وبالفعل وافق مجلس إدارة شركة كهرباء إسرائيل بقيادة موتي فريدمان علي مبادئ الإطار المقترح منذ أسابيع أي بداية التفاوض في شهر مايو كما أشارت التايمز.

كل هذه المعطيات تؤكد علي أن الحرب علي غزة كانت بالدرجة الأولي من أجل الغاز مع تحقيق أهداف أخري كثيرة كانت هي المعلنة، ومع نهاية الحرب وإعلان إسرائيل عن انسحابها من أراضي غزة بشكل شبه كامل صبيحة تولي الرئيس الأمريكي الجديد باراك أوباما مقاليد الرئاسة في العشرين من يناير من العام 2009 وبعد اثنين وعشرين يوما من الحرب المدمرة، إلا أنها بقيت تحتل سواحلها ويبدو أنها لن تغادرها لأن بها الثروة التي يمكن أن توفر 30% من احتياجات إسرائيل من الغاز، وبالتالي نحن أمام عملية معقدة من الناحية القانونية والأخلاقية تشترك فيها بريتش غاز مع إسرائيل وربما أطراف أخري متواطئة لأنها تتعلق بثروات الشعب الفلسطيني ومقدراته، وبالتالي يجب أن يتحرك المدافعون عن حقوق الشعب الفلسطيني ورجال القانون الذين يمثلون الشعب الفلسطيني علي جميع المستويات السياسية والقانونية الدولية لإيقاف هذه الجريمة الكبري التي لا تقل عن الجرائم التي ارتكبت في غزة طوال ثلاثة وعشرين يوما من الحرب.

ما بعد غزة

هبة رؤوف عزت
ربّ ضارة نافعة، صحيح أن الضرر كان بالغاً والابتلاء كان شديداً لكن الله له من كل أمر حكمة في ترتيب الكون ونواميس وسنن لا تتخلف، وقد حصدنا في غزة ما زرعناه كأمة من قرون لكن علينا أن نبدأ الغرس ونضع الفسائل في التربة الطاهرة ولا نيأس أبداً حتي لو أراد العدو أن يقنعنا أن لا أمل وأن توازنات القوة تضمن له تمرير جرائمه دون محاسبة أو ردع.

منذ عدة أيام كان لي شرف الجلوس علي منصة مع رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه، فقد عقد اتحاد الأطباء العرب مؤتمرا صحفياً لبعض الأطباء المصريين الذين ذهبوا لغزة أثناء القصف الوحشي،
وقرروا أن يدخلوها من معبر رفح رغم المخاطر والقنابل الفسفورية وألا ينتظروا الهدنة أو وقف إطلاق النار، وطلب مني المنظمون وهم الاتحاد وموقع متحف هولوكوست فلسطين وهو موقع علي الإنترنت لتوثيق الجرائم الإسرائيلية كم فعل اليهود في توثيق الإبادة النازية وابتزوا العالم بأكثر مما يستحقون كضحايا وقتلي لا خلاف علي حقوقهم القانونية والدولية والإنسانية والمعنوية، لكنهم حولوها لتجارة رابحة أو «صناعة الهولوكوست» كما أسماها «نورمان فنكلشتاين» الأستاذ الجامعي اليهودي الأمريكي الذي يعلن بوضوح في كل كتاب وفي كل مناسبة أن الكيان الصهيوني مرفوض وهو الذي فقد أفراد أسرته في الهولوكوست لكن رؤيته لما فعلته وكالة الدفاع عن حقوق ضحايا الهولوكوست وما تفعله إسرائيل بالفلسطينيين جعلته في صف الحق والعدل.

رأست الجلسة والتي بدأت بثلاثة من الأطباء تحدثوا عما شاهدوه وعرضوا صورا لما أسموه مشهد الجرحي الذين جاءوا للمستشفيات، فكان تعليقي أنهم ليسوا جرحي بل أشلاء بشرية حية، فمنهم من أكلت القنابل الفسفورية ساقيه ومنهم من أكلت بطنه وتوالت الصور الواحدة تلو الأخري فشعرت أني سيغُشي عليَّ من الصور فما بال من عاش المذبحة؟ وما بال من عالج وطبب؟! كانت صورة فتاة محترقة وقد فقدت ساقيها وبدت بقايا عظام الفخذ فقط وتخشب جسدها الصغير المتفحم هي القاصمة، لم أستطع الاحتمال فقمت وطلبت من طبيب من المشاركين أن يرأس الجلسة وغادرت، متوجهة لمكتب أمين عام الاتحاد وسألته عن دور الاتحاد في توثيق الجرائم فقال إن دورهم هو إرسال الأطباء وإن التوثيق هي مهمة الصحفيين، لكنني أعلم أن الأطباء دخلوا بعد مفاوضات شاقة بدعم من المخابرات المصرية مع الطرف الإسرائيلي في حين منع العدو دخول الصحفيين! وهو ما يلقي بمهمة صعبة علي الطبيب الذي يدخل في أي منطقة نزاع أن يعالج ويوثق في الوقت نفسه. هذه الصور التي شاهدتها التقطها الأطباء بكاميرات الموبايل وهي باهتة ودرجة نقاوتها لا تسمح للصحفيين بالاستفادة منها كما ينبغي، وقد تمت دعوة كل المراسلين الأجانب في القاهرة فلم يحضر إلا عدد قليل جداً، فهم لا يتحمسون لتغطية مثل هكذا أخبار ولو فعلوا فهم يعلمون سقف النشر في الموضوع، ومن كان ينشر من الجرائد الأجنبية أثناء الحرب لن ينشر بعد توقفها لأسباب معلومة ومفهومة من سيطرة الصهاينة وأعوانهم علي آلة الإعلام الغربية، فإذا كان أصدقاء مبارك من رؤساء الدول والحكومات قد جاءوا لشرم الشيخ ليتحدثوا عن معبر ومنع السلاح عن حماس، ثم ذهبوا لإسرائيل ليدعموا حقها في الأمن، فإن الإعلام الغربي لن يكون أكثر شجاعة.

نحن في حاجة لجمع كل ما تيسر من صور توثق للجرائم، وفي حاجة لتوثيق أسمائهم وهواياتهم وصور رسمية لأوراقهم الشخصية، وفي حاجة لأخذ شهادة من نجا منهم وعمل أفلام تسجيلية تروي ما حدث ونشرها علي نطاق واسع، وفي حاجة للدأب في متابعة قضايا دولية لمحاسبة مجرمي الحرب الصهاينة علي ما فعلوا، ونحن صبرنا قليل ولا نواصل وبعد فترة ننسي.

فليكن شعار كل من يعمل في هذا المجال «لن ننسي ولن نغفر»..فدماء الأطفال الذين أطلق جنود الصهاينة الرصاص عليهم من مسافات قريبة والأم التي احتضنت أبناءها فتفحمت جثثهم وانكمشت حتي صارت في حجم جسد طفل والشيوخ الذين ماتوا وهم ينزفون بعد قصف سيارات الإسعاف، والمرضي المصابون جرحاً فوق جرح لقصف المستشفيات كلهم لهم في أعناقنا حق، ولن ننسي ولن نغفر.

إن رهان إسرائيل هو علي الذاكرة، تضخيم ذاكرتها ومحو ذاكرتنا، رفع صوتها وإسكات أصواتنا، الدفاع عن أسراها وذبح أطفالنا ، وتدمير وتجريف الأرض.

صورة من بين صور عديدة استوقفتني علي الإنترنت: صورة امرأة فلسطينية تحتضن شجرتها وخلفها جرافة إسرائيلية، تلك الجرافة لا تريد فقط إبادة الشعب، بل تغيير معالم الأرض وهو وما رواه محمود درويش حين تحدث عن صدمته الكبري وأزمته الكبري في حياته ملخصاً وجع الفلسطيني حين عاد بعد عام من فرار أسرته من أمام وحشية العصابات الصهيونية ليبحث عن دراه ومدرسته وشجرته فلم يجد شيئاً، وفقد للأبد طفولته وبقي بداخله هذا الطفل السجين في ظلمة الوحشة يبحث عن ذاته..طول عمره.

إحياء الذاكرة وإعطاء صوت للضحايا والمطالبة بحقوق القتلي هو مهمة الجميع، وما بعد غزة يجب أن يستمر.

جهود الشعوب هي الأبقي، فكل الساسة القواد لهم كراسيهم وجبال حلفائهم التي يحسبون أنها ستعصمهم من طوفان الغضب، أما نحن فعلينا مهام..حفظ الأوطان وحفظ الذاكرة ومواصلة زرع الفسائل ومواصلة رفع الصوت.

في المنتدي الاقتصادي الدولي قام أردوغان من جلسة مع بيريز «الذي لا يعرفه شيخ الأزهر وسلَّم عليه بيديه وهو مش واخد باله» وقال إنه لن يعود للمنتدي، لأن مدير الجلسة قاطعه، ونحن نحتفي بالمنتدي بحضور رسمي واسع، لكن منتدياتنا نحن الشعوب تعرف جيداً قضيتنا وتناصرنا، ففي أجندة المنتدي الاجتماعي العالمي الموازي في البرازيل والذي تعقده الحركات الاجتماعية المناهضة للرأسمالية المتوحشة والهيمنة الأمريكية من كل أنحاء العالم كانت غزة علي رأس القضايا ونشطت الحركات تجمع توقيعات مئات الآلاف علي عرائض دولية تطالب بمحاكمة مجرمي الصهاينة وصور ضحايا غزة حاضرة في القلوب..لسنا وحدنا فلدينا حلفاؤنا من الشعوب في كل مكان.

ما بعد غزة..طريق طويل..

طريق الصبر والمصابرة والرباط.

أمن غزة أمننا وأمن سوريا كذلك


يسرى فودة
ربما لا يعلم البعض أن صاحب فكرة إقامة دولة حملت بعد ذلك اسم »إسرائيل» هو نابليون بونابرت؛ إذ إن هذا الداهية العسكرى الفرنسى هو الذى التفت حوله فأمعن النظر فاستطاع أن يقرأ واقع الجغرافيا السياسية للشرق الأوسط ببراعة لم يسبقه أحد إليها من قبل. «إذا أردت السيطرة على قلب العالم العربى فعليك أن تقصم وسط الساحل الشرقى للبحر الأبيض المتوسط». هذه هى فلسفته قبل أكثر من قرنين من الزمان، وهذه هى مصيبتنا اليوم.

من نوافل القول الآن إن فلسطين، وبخاصة غزة، تدخل مباشرةً فى قلب مفهوم الأمن القومى المصرى. تهتز غزة فتلين بوابة مصر الشرقية، وتصمد غزة فتمتنع مصر كلها. هذه عصارة تاريخ طويل من أيام الفراعنة والرومان والعرب والتتار والصليبيين والاستعمار الحديث والإسرائيليين. اختلفت طبائع الصراعات من عصر إلى عصر لكنها اتفقت جميعاً على ظاهرة واحدة: أن مصر تنتصر حين تدافع عن نفسها خارج حدودها، أو حين يدافع عنها الآخرون.

فليفكر إذن مرةً أخرى أولئك الذين «تكرموا» فى مصر بالتعاطف مع ضحايا مذبحة غزة الأخيرة. فهؤلاء الذين استشهدوا بقنابل اليهود الإسرائيليين استشهدوا فى الواقع دفاعاً عن مصر، سواء أدركوا هذا أو لم يدركوه، سواء أحبوه أو كرهوه. وليفكر إذن مرةً أخرى أولئك الذين يخلطون، عن عمد أو عن سهو أو عن جهل، بين أهداف سياسية مرحلية مؤقتة زائلة وبين ثوابت الأمن القومى وأعمدة الجغرافيا السياسية. وليفكر إذن مرةً أخرى أولئك الذين أرادوا أن يكونوا أنانيين ففشلوا حتى فى استيعاب مفهوم الأنانية.

جوهر الأنانية «الإيجابية» فى هذه الحالة يقبع فى دفاعك «عمليا» عن نفسك عن طريق دعم من يقف أمامك فى الصف، لا عن طريق رفع شعار عاطفى أجوف مثل «مصر أولاً»، ولا عن طريق ركل من يقف أمامك فى مؤخرته. تعيش مستور الصدر إذا عاش وتواجه الطوفان عارى الصدر إذا مات. أنا أرفع شعار «أنا أنانى» ولهذا أنا أبدأ بنصرة من هو مثلى «أنا»، ثم أتحسس مسدسى حين أسمع كلمة «مصر أولاً».

فليفكر إذن مرةً أخرى «أسيادنا» حين يعلمون أن «عبداً» مملوكاً، اسمه الظاهر بيبرس، هو الذى أدرك جوهر الأنانية «الإيجابية» من منظور مصر فخرج لنصرة الشماليين على التتار فعاشت بلاده. وليفكر إذن «أسيادنا» لماذا تثور ثورة من يعتبروننا أعداءهم (و يعاملوننا على هذا الأساس) كل مرة يقترب فيها جنوب الساحل الشرقى للبحر الأبيض المتوسط من شماله (مصر وسوريا بلغة اليوم). حدث هذا أيام صلاح الدين الأيوبى وأيام محمد على، كما حدث أيام جمال عبد الناصر وأيام حرب أكتوبر المجيدة، وسيحدث دائماً كل مرة يقترب فيها القطبان.

هذا هو واقعنا وهذا هو قدرنا، ومن لا يدرك هذا فهو إما جاهل أو مُغرض. أما وأننا لا نعتقد أن صناع القرار، سواءٌ فى مصر أو فى سوريا، يندرجون تحت أى من هذين التصنيفين فإن من الحكمة، ومن المسئولية فى آنٍ معاً، أن نرتفع جميعاً فوق مستوى الحسابات المرحلية والاستمزاجات الشخصية قبل أن يتحول المرحلى إلى متكرر ويتحول المتكرر إلى منهجى ويتحول المنهجى إلى ثابت.

الحكومات تأتى وتروح. لكل منها رؤيتها للواقع بناء على ما ترى فيه مصلحتها ومصلحة شعبها. وحتى إذا تلخصت رؤيتها لمصلحتها فى مجرد البقاء فى السلطة رغم أنف الشعب (مثلما هو الحال مع معظم الحكومات العربية) فإن ذلك لا يمنحنا الحق فى استخوانها ولا يمنحها الحق فى استغفالنا، ولا يمنح أياً منا الحق فى مصادرة الثوابت.

مثلما أن من الواجب أن يسعى المرء بكل الطرق المشروعة إلى استعادة الحق، فإن من الواجب كذلك حين يدرك أن ظروفه لدى لحظة زمنية معينة لا تسمح له باستعادة الحد الأدنى من حقه ألا يحرم الأجيال القادمة من شرف المحاولة لعل الظروف تتغير، وهى متغيرة لا محالة. وبالمقابل، مثلما أن من الواجب أن يكون لدى المرء رؤيته الخلاقة فى قراءة موقف متراوح، فإن من الواجب كذلك أن تكون لديه القدرة على التمييز بين ما هو مرحلى وما هو ثابت. بعبارة أخرى: أن يكون قادراً على تحديد مواقع الخطوط الحمراء، وأن يكون من الحكمة (ومن الواقعية) بحيث ينحنى تواضعاً أمامها وإلا كانت نهايته.

من الحكمة والواقعية كذلك (و أيضاً من شجاعة القلب) أن تنصر الحاكم على المتزلفين والمنافقين والذين لا يعلمون. إنها لمسألة تدعو إلى الأسف أن يعقد البعض منا، ومن بينهم «الزعيم» عادل إمام، دم شهداء غزة بناصية المقاومة (بغض النظر عن رأيك فى منهجها وفى أعضائها)، وإنها لمسألة تدعو إلى الحزن أن تقوم بعض الجماعات بإهدار دمه لأنه عبر عن رأيه فخانه الفارق بين المرحلى والثابت. وإنها لمسألة تدعو إلى التأمل أن تكون لدى البعض منا فى مصر كل هذه القدرة على التعالى والغرور (وأحيانا العنصرية) حين نواجه نقداً من هؤلاء «العرب»، حتى ولو كان بناءً وراقياً وعلى حق.

غير أن المسألة التى تدعو إلى القلق، أشد القلق، هى انتقال هذا اللغط من دائرة النخبة إلى دائرة العامة بصورة تهدد بخلط المرحلى بالثابت ربما إلى أمد بعيد على مرأى ومسمع من جيل نما فى ظروف هشة.

بين أيدينا فى مصر جيل يفصله عن حرب أكتوبر أكثر من خمسة وثلاثين عاماً، جيل لم يدرس مادة «التربية القومية»، جيل لم يعد حكراً على الآلة الإعلامية للدولة، جيل خرج منه من تزوج إسرائيليات وخرج منه من التحق بالقاعدة، جيل لا يعلم إذا تسلل لص إلى منزله بأى رقم هاتفى يتصل. لقد وصل «جيل كامب ديفيد» بين ليلة وضحاها إلى مرحلة الشباب فلم يجد موقعاً له فى البلد أفضل من موقع «فيس بوك».

على هؤلاء ينبغى أن نقلق وعلى أولادهم، لكننا بدلاً من ذلك «نستخدمهم» فى إطار ألعاب سياسية شخصية مرحلية عبثية تنتمى إلى عصور سحيقة، تماماً مثلما استخدم عبد الناصر (بغض النظر عن رأيك فيه) صوت العرب (بغض النظر عن رأيك فيه) كى يؤلب الرأى العام العربى (بغض النظر عن رأيك فيه) على النظام السعودى (بغض النظر عن رأيك فيه). فلا فشل عبد الناصر ولا فشل صوت العرب ولا فشل الرأى العام العربى ولا فشل النظام السعودى. فقط أضعنا وقتنا فى عبثية ضارة لا نزال نشتم رائحتها حتى اليوم فى عقدة «الفوقية/الدونية» لدى بعض النماذج فى الشعبين الشقيقين.

إننا لا نريد لمثل ذلك أن يحدث اليوم بين الشعبين المصرى والسورى. سيغضب كثيراً فى قبره نابليون بونابرت. لا نريد للمرحلى أن يتكرر ولا نريد للمتكرر أن يتمنهج. إن الخطر يكمن فى أن يتجاوز الخلاف مستوى الساسة إلى مستوى الأمنيين إلى مستوى الإعلاميين إلى مستوى المثقفين إلى مستوى الفنانين إلى مستوى عامة الشعب. عندها يتحول الخلاف إلى شك ويتحول الشك إلى كراهية، ويتحول نابليون بونابرت فى قبره إلى البحث عن تحدٍّ آخر أكثر تشويقاً.

عمق «موقعة» دافوس بين أردوغان وبيريز



د. إبراهيم البيومى غانم يكتب:
كثير من أوهام «القوة والضعف» شارك في إزاحتها أردوغان وبيريز.. رئيس الوزراء التركي بصدقه وقوة منطقه والرئيس الصهيوني بكذبه وتهافته وتصوير الجاني بصورة الضحية

رئيس الحكومة التركية ظهر ممتلئاً بالثقة وقوة العزيمة مستشعراً ثقل الأمانة وكأن هموم العالم كله فوق رأسه.. وهذه الملامح نفتقدها تماماً في وجوه الحكام والمسئولين العرب الضاحكين في بلاهة رغم المصائب


أول الأوهام التي بددها أردوغان «وهم قوة الرواية الواحدة التي تحتكرها إسرائيل لوصف مجريات الصراع العربي الإسرائيلي وقال للعالم إن الحقيقة لها رواية أخري

ما حدث في دافوس مساء الخميس 29 يناير الماضي بين أردوغان وبيريز سيسجله التاريخ علي أنه «موقعة» بكل ما تحمل هذه الكلمة من معاني، صحيح أنها موقعة سياسية، ولكنها لا تقل في دلالاتها وأبعادها الاستراتيجية عن المواقع الحربية. خرج أردوغان من هذه الموقعة منتصراً بعد أن أزاح كثيراً من الأوهام التي ظلت مهيمنة علي الرأي العام العالمي«الأوروبي والأمريكي تحديداً»، وفضحت مواقف لكثير من الأنظمة العربية، بل ومواقف بعض الحركات الإسلامية من القضية الفلسطينية، وبرهنت علي أن غطرسة القوة العارية من الأخلاق هي كبيت العنكبوت في وهنه وهشاشته.

قال أردوغان ـ مراراً وتكراراً ـ في تعقيبه علي ما جري في دافوس إنه مؤتمن علي كرامة تركيا، ولن يسمح لكائن من كان أن يمسها بسوء لأنها دولة إقليمية كبري، وإنه مضي زمن النظر إليها كدولة تابعة. «أنا رئيس وزراء تركيا، ولست زعيم قبيلة». هذه هي نوعية الخطاب الذي يتحدث به أردوغان، وهذا هو الموقف الذي ألهب مشاعر الجماهير عبر العالم الإسلامي، ولدي أحرار العالم، ودفع عشرات الآلاف من الأتراك للخروج ليلاً رغم شدة البرد لاستقبال رئيس وزراء حكومتهم الذي انتخبوه بإرادتهم الحرة. وهذه هي المرة الأولي التي يخرج فيها الأتراك بعفوية لاستقبال أحد زعمائهم منذ ما يزيد علي أربعمائة سنة عندما توقفت الفتوحات العثمانية في قلب أوروبا.

كثير من أوهام «القوة والضعف» شارك في إزاحتها كل من أردوغان وبيريز. أردوغان بصدقه وقوة منطقه، وبيريز بكذبه وتهافته. كلام بيريز الذي حاول أن يبرر به عدوان الكيان الصهيوني علي غزة جاء بنفس الطريقة التقليدية التي أسستها الدعاية الصهيونية قبل أكثر من قرن من الزمان علي الأكاذيب وقلب الحقائق، وتزوير الواقع، وتصوير الذات الصهيونية الجانية بصورة الضحية، وتصوير المجني عليه «الفلسطيني» بصورة الجاني.

أردوغان ظهر في دافوس ممتلئاً بالثقة، مستعصماً بقوة الحق التي يؤمن بها، وقوة الوعي بهذا الحق، وقوة العزيمة علي الذود عن هذا الحق في حدود مسئوليته كرئيس حكومة منتخب بإرادة شعبية حرة. ظهر قوياً بيقظة ضميره، مستشعراً ثقل الأمانة التي يحمل عبء أدائها، متجهماً كعادته؛ وكأن هموم العالم كله فوق رأسه. هذه الملامح نفتقدها تماماً في وجوه الحكام والمسئولين العرب، ونجدهم علي الدوام مهما كانت المصائب التي يجرونها علينا، نراهم ضاحكين في بلاهة، مبتسمين في بلادة كلما وجدوا كاميرات الإعلام مسلطة علي طلعاتهم البهية !. عمرو موسي ظهر في الصورة يقهقه قبيل بدء الجلسة التي غادرها أردوغان احتجاجاً علي حرمانه من تفنيد مغالطات بيريز.

بيريز ظهر في مشهد دافوس مفلساً في منطقه، غارقاً في الشعور بغطرسة القوة. وبدا منعزلاً في ذات اللحظة عما حدث في العالم من تغيرات عميقة بفعل ثورة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، هذه التغيرات التي جعلت من المستحيل الاستمرار في احتكار الحقيقة، أو إخفائها أو تزييفها. عزلة بيريز علي هذا النحو جعلته يقدم خطاباً تبريريا للعدوان الإجرامي علي غزة معتمداً نفس استراتيجية التضليل والخداع القديمة، والضرب علي عقدة الاضطهاد التي استخدمتها الصهيونية في وخز الضمير الأوروبي والأمريكي باستمرار. ظهر بيريز مطمئناً إلي أن خطابه سيمر بكل ما فيه من مغالطات كما اعتاد أن يمر الخطاب الصهيوني في كل المحافل الدولية دون أن يتصدي له أحد، وأخذته سكرة غطرسة القوة عندما صفق له الحاضرون في قاعة المنتدي.

أول الأوهام التي بددها أردوغان هو «وهم قوة الرواية الواحدة» التي تحتكرها إسرائيل لوصف مجريات الصراع العربي الإسرائيلي. تدخل أردوغان قال للعالم إن الحقيقة لها رواية أخري، أما الرواية الإسرائيلية فزائفة، وكاذبة، وعيب أن يظل العالم أسيراً لها. بيريز رفع صوته أثناء حديثه أكثر من المعتاد، ولاحظ أردوغان أنه ينظر إليه علي نحو غير لائق، فعاجله بعبارات تجعله يفوق من سكرته قائلاً له: «ارتفاع صوتك هو تعبير عن نفسية متهم. عندما يأتي الحديث عن القتل أنتم تعرفون القتل جيداً». أردوغان وحده فقط من بين زعماء العالم وجد في نفسه الجرأة علي قول ذلك، وتوجيه نقده وتوبيخه علناً للجالسين أمامه في القاعة الذين صفقوا لبيريز لأنهم «يصفقون للجرائم الإسرائيلية. صحيح أن مدير الجلسة ـ صحفي يهودي بالواشنطن بوست ـ لم يمكن أردوغان من إتمام روايته لحقيقة ما جري، ولكن رسالته وصلت للعالم كله، وربما بأسرع مما لو كان أكمل روايته، ومن هنا قلنا إن وهم احتكار إسرائيل لرواية مجريات الصراع انتهي، وأصبح جزءاً من الماضي.

الوهم الثاني هو «إمكانية إضعاف المقاومة بعزلها دوليا»، ومن ثم الاستفراد بها، والاستقواء عليها ليس فقط بالحلف الاستعماري الأوروبي الأمريكي ـ فهذا قديم ولا جديد فيه ـ وإنما أيضاً بحلفاء من الأنظمة العربية ومن دول الجوار. هذا الوهم كثف المسئولون الإسرائيليون التأكيد عليه خلال العدوان الأخير علي غزة، تارة بالترويج لمقولة وجود مصلحة مشتركة إسرائيلية ـ مصرية لمواجهة حماس، وأنه لابد من إضعافها لأنها «تهدد الاستقرار في مصر» ـ كما قال عاموس جلعاد ـ وتارة بتأكيد قادة العدو علي أن «الاعتدال العربي يشارك إسرائيل في حربها ضد حماس» «نيوزويك 11/1/2009». صحيح أن هناك ما يدل علي نجاح السياسة الصهيونية في خلق قاعدة مصالح مشتركة مع محور الاستبداد/الاعتدال العربي، بما يعني عزل المقاومة وتشديد الحصار عليها، غير أن قوة التدخل التركي الذي عبر عنه أردوغان في دافوس جاء ليكسر هذه العزلة، ويهدم فكرتها الأساسية وهي: أن المصلحة المشتركة بين دول المنطقة وإسرائيل تعني عزل المقاومة. هذه الفكرة هدمها موقف أردوغان لأن تركيا ليست فقط من دول الاعتدال في المنطقة، وإنما لها علاقات دبلوماسية كاملة ومصالح اقتصادية وعسكرية كبيرة جداً مع إسرائيل، ولكن لم يمنعها ذلك من الوقوف إلي جانب الحق الفلسطيني، وتبني رواية المقاومة. ويشكل هذا الموقف إحراجاً شديداً لدول الاعتدال العربي الأخري التي تسهم في عزل المقاومة، وقد يدفعها للتراجع عن هذا المسار. لم تخرج تركيا فقط من الصف الساعي لعزل المقاومة، وإنما تصر علي التعامل مع اختيار الشعب الفلسطيني الذي أسفرت عنه الانتخابات التشريعية، وهو اختيار المقاومة التي تقودها حماس بأغلبية تشريعية 65%.

الوهم الثالث الذي أسقطه أردوغان في دافوس من يد بيريز هو «فزاعة الإرهاب». بيريز كرر وصف المقاومة بالإرهاب، وأصر علي دمج العدوان الوحشي علي غزة ضمن ما يسمي «الحرب علي الإرهاب». أما أردوغان فقد طالب المجتمعين في دافوس بضرورة التمييز بين المقاومة والإرهاب، وقلب الطاولة علي بيريز بقوله «عندما يأتي الحديث عن القتل فأنتم أعلم الناس بالقتل»، وسبق له أن وصف عملية اغتيال الشيخ أحمد ياسين بأنه «إرهاب دولة» قامت به إسرائيل، ولم يجرؤ حاكم عربي واحد علي قول ذلك. كرر أردوغان القول في دافوس بأنه «يتوجب علي الرئيس أوباما إعادة تعريف الإرهاب والمنظمات الإرهابية، وتأسيس سياسة أمريكية جديدة في المنطقة وفق التعريف الجديد». هذا الكلام يعني أن تركيا ترفض الإذعان لما تقوله أمريكا وإسرائيل بشأن اعتبار المقاومة مرادفاً للإرهاب. الموقف الأردوغاني في نقد المفهوم الأمريكي للإرهاب يكتسب قوة مضافة من كون تركيا داخلة في اتفاق شراكة استراتيجية وقعته سنة 2006 مع أمريكا، ويسهم كذلك في كسر الحواجز النفسية التي ظلت تحول لفترات طويلة دون إدانة إسرائيل علناً. موقف أردوغان يقول إن نقد إسرائيل ليس ممكناً فقط، وإنما هو واجب والتزام أخلاقي قبل أن يكون عملاً سياسياً. أردوغان قال للعالم بموقفه في دافوس: «إن تركيا لن توضع علي مائدة الطعام ليأكلها النظام العالمي بعد اليوم».

شعب الجبارين


فهمي هويدي
أشهد أن أهل غزة يستحقون منا الحفاوة والإكبار، بأكثر مما يستحقون من الرثاء أو الإعذار.


(1)

أدري أننا مسكونون هذه الأيام بمشاعر اللوعة والحزن، جراء ما شاهدناه علي شاشات التليفزيون من صور سجلت بشاعة البربرية الإسرائيلية التي فتكت بالبشر، وحولت القطاع إلي خرائب وأنقاض. كأن ما جري لم يكن اجتياحاً عسكرياً، وإنما كان حملة انتقام وترويع استهدفت تدمير القطاع، وذبح أهله والتمثيل بهم، حتي يكونوا أمثولة وعبرة لغيرهم ممن يتحدون العجرفة والاستعلاء الإسرائيليين.
أدري أيضًا أن الجرح أكبر من أن يلتئم لأجيال مقبلة. وأن شعورنا بالخزي والعار لا يمكن إنكاره، سواء لأننا لم نستطع إغاثة الفلسطينيين وهم يذبحون، في حين وقفت أنظمتنا متفرجة عليهم، أو لأن بعضنا كان عليهم وليس معهم أو لهم.

ذلك كله صحيح لا ريب. لكن من الصحيح أيضاً أن دماء فلسطينيي غزة التي نزفت وأشلاءهم التي تناثرت وصرخات أطفالهم التي ألهبت ضمائرنا ومازالت أصداؤها تجلجل في أعماقنا، هذه كلها إذا كانت قد سجلت أسطر المأساة، إلا أن وقفة الشعب، وصموده الرائع ومقاومته الباسلة، هذه أيضاً سجلت صفحات مضيئة في تاريخ أمتنا لا ينبغي أن نبخسها حقها. يكفي أن شعب الجبارين هذا رغم كل ما تعرض له من حمم أمطرته بها آلة الحرب الإسرائيلية بكل جبروت وقسوة، ظل رافضاً للركوع والتسليم، وها هو سيل الشهادات التي سمعناها بعد وقف المذبحة علي ألسنة الأطفال والنساء والشيوخ، كلها تجمع علي أن طائر الفينيق التي تحدثت عنه الأسطورة، ذلك الذي يخرج حياً من تحت الرماد، ثبتت رؤيته في غزة.

لأنهم لم يركعوا ولم يرفعوا رايات التسليم فإنهم نجحوا وأفشلوا خطة عدوهم. صحيح أن هذا كلام لا يروق لبعض الساسة والمثقفين من بني جلدتنا ممن يرون أن شرف الأمة لا يستحق أن يموت المرء من أجل الدفاع عنه، إلا أن المعلومة تظل صحيحة، أعجبت أصحابنا هؤلاء أم لا تعجبهم. تشهد بذلك كتابات أغلب المعلقين الإسرائيليين، التي سجلها تقرير نشرته صحيفة «الشرق الأوسط» في 19/1، تضمن خلاصة لتلك الكتابات. منها مثلاً أن رون بن بشاي - المعلق العسكري لصحيفة «يديعوت أحرونوت» - ذكر في النسخة العبرية للصحيفة في (18/1)، أن إسرائيل فشلت بشكل واضح في تحقيق الهدف الرئيسي المعلن للحرب، المتمثل في تغيير البيئة الأمنية في جنوب إسرائيل، وهو ما لم يتحقق حين تبين أن حركة حماس مستمرة في إطلاق صواريخها. وهو المعني نفسه الذي أكده المعلق السياسي الوف بن، وكرره جاكي كوخي - معلق الشئون العربية في صحيفة «معاريف» - الذي قال إن إسرائيل فشلت في توفير صورة النصر في معركة غزة، وأن ما تبقي من هذه الحرب هو صور الأطفال والنساء والقتلي، التي أوصلت إلي عشرات الملايين في العالم رسالة أكدت تدني الحس لدي الجيش الإسرائيلي. منها أيضاً ما قاله يوسي ساريد - الرئيس السابق لحركة ميرتس في مقال نشرته صحيفة «هاآرتس» - أن عملية القتل البشعة التي أنهت بها إسرائيل مهمتها في غزة تدل علي أنها هزمت في هذه المعركة ولم تنتصر. أما المعلق عوفر شيلح فقد ذكر أن القيادة الإسرائيلية حين قررت تدمير غزة فانها تاثرت في ذلك بالنهج الذي اتبعه رئيس الوزراء الروسي فلاديمير بوتين مع شيشينا وجورجيا، ثم أضاف: «إذا كنا نريد أن نظهر كمنتصرين باستخدام هذا النهج، فويل لنا».

(2)

صحيح أن المقاومة لم تستطع أن تفعل شيئاً يذكر أمام الغارات التي أطلقت فيها إسرائيل أقوي طائراتها النفاثة لأسباب مفهومة، إلا أن معركتها الحقيقة كانت علي الأرض، حيث فاجأت المقاومة خلالها إسرائيل بما لم تتوقعه.

لم تهزم المقاومة القوات الإسرائيلية، لكن كل الشواهد دلت علي أنها صمدت أمام تلك القوات، ووجهت إليها ضربات موجعة، أسهمت في إفشال مهمتها. ولا تنس أن يوفال ديكسين - رئيس المخابرات الداخلية الإسرائيلية - كان قد توقع أن يسقط القطاع خلال 36 ساعة، ولكن بسالة المقاومة أطالت من أجل الحرب، حتي اضطرت إسرائيل إلي وقف إطلاق النار من جانبها في اليوم الثاني والعشرين.

ليلة الاثنين 12/1، والاجتياح في أسبوعه الثاني، فوجئ الجنرال يو آف بيليد - قائد لواء الصفوة (جولاني) - والعشرات من جنوده بأن النيران فتحت عليهم عندما كانوا يقومون بتمشيط المنطقة الريفية التي تقع شرق مخيم «جباليا» للاجئين شمال قطاع غزة. فما كان منه إلا أن اندفع مع جنوده للاحتماء ببيت أحد الفلسطينيين في المنطقة، كان قد تم إخلاؤه من سكانه. لكن ما إن تجمع الجنود والضباط في قلب المنزل، حتي دوي انفجار كبير انهار علي أثره المنزل؛ فقتل ثلاثة جنود وجرح 24 منهم بيليد نفسه، وعرف أن ستة من الجرحي في حالة ميئوس منها. وكانت تلك إحدي صور الاستدراج التي لجأت إليها المقاومة؛ ذلك أن إطلاق النار أريد به دفع الجنود للاحتماء بالمنزل الذي تم تفخيخه بالمتفجرات في وقت سابق.

موقع صحيفة «يديعوت أحرونوت» علي الانترنت تحدث باقتضاب عن قصة ضابط آخر هو الرائد ميكي شربيط، الذي يرقد في أحد المستشفيات للعلاج من إصابته في اشتباك مع رجال المقاومة الفلسطينية في شمال القطاع. هذا الضابط الذي خدم كقائد سرية بسلاح المدرعات في حرب لبنان الثانية، استهجن تجاهل الإعلام الإسرائيلي الإشارة إلي شراسة المقاومة التي واجهتها القوات الإسرائيلية. وفي الحديث الذي أدلي به إلي النسخة العبرية لموقع الصحيفة وصف الحرب الدائرة وقتذاك بأنها «حرب أشباح لا نري فيها مقاتلين بالعين المجردة، لكنهم سرعان ما يندفعون صوبنا من باطن الأرض. لقد كنا نتحرك في الشوارع ونحن ندرك أن أسفل منا مدينة خفية تعج بالشياطين».

فوجئ الإسرائيليون بكل ذلك. واعترف روني دانئيل - المعلق العسكري لقناة التلفزة الإسرائيلية الثانية - بأن قوات الجيش الزاحفة واجهت مقاتلين أشداء، وقال علي الهواء إن الإبداع العسكري الذي يواجه به نشطاء حماس الجيش الإسرائيلي فاجأ قادته بشكل صاعق، ونوّه إلي أنه محظور عليه التحدث عن المفاجآت التي تعرض لها الجنود الإسرائيليون في غزة، التي تفسر عدم قدرة هؤلاء الجنود علي التقدم في كل القطاعات رغم مضي 19 يوماً علي الحملة، ورغم إلقاء الطائرات الإسرائيلية مئات الأطنان من القنابل الفتاكة لتقليص قدرة المقاتلين الفلسطينيين علي المقاومة.

في هذا السياق نقل أليكس فيشمان - المعلق العسكري لصحيفة «يديعوت أحرونوت» - عن عدد من الجنود في ساحة المعركة أن الهاجس الذي سيطر عليهم طول الوقت هو الخوف من الوقوع في الأسر. وأشار هؤلاء إلي أن مقاتلي حماس أعدوا شبكة من الأنفاق للمساعدة في محاولات أسر الجنود.

(3)

هؤلاء المقاومون البواسل لم يهبطوا علي غزة من السماء، ولكنهم أحفاد وأبناء شعب الجبارين، الذي لايزال منذ مائة عام متشبثاً بأرضه التي رواها بدمه. لقد راقبت أبناء غزة الذين ظهروا علي شاشات التليفزيون طوال المذبحة وبعدها، فلم أسمع واحداً منهم أعلن تمرده أو سخطه علي الأوضاع في القطاع. كانوا جميعاً ودون استثناء أكثر نضجاً ونزاهة من كل الأصوات التي حاولت تمييع الموقف وإلقاء تبعة ما جري علي وقف التهدئة تارة أو علي حكومة القطاع تارة أخري. لم يروا إلا عدواً واحداً ومجرماً واحداً هو إسرائيل. وانعقد إجماعهم علي أن حماس ليست الهدف، وإنما رأس المقاومة هو المطلوب وتركيع الفلسطينيين هو الهدف.

رغم الجحيم الذي عاشوا في ظله والمآسي التي لحقت بهم، فإنهم لم يفقدوا صبرهم الأسطوري. وكشفت محنتهم عن معدنهم الحقيقي، بالتحامهم وتكافلهم وإصرارهم علي الاستمرار والثبات علي الأرض. القصص التي تروي عن المدي الذي بلغه الالتحام والتكافل لا تكاد تصدق، وكلها تثير الدهشة والإعجاب، يتحدث القادمون عن الموسرين الذين كانوا يشترون شاحنات الخضار وأكياس الدقيق ويوزعونها علي المعوزين. يتحدثون أيضاً عن البيوت التي فتحت لمن دمرت مساكنهم، وعن الثياب والبطانيات التي جمعت لتوزع علي الذين لاذوا بالخيام احتماء من البرد، وعن السيدات اللاتي أصبحن يخبزن يومياً مئات الأرغفة لجيرانهم، وأخريات كن يتناوبن طبخ العدس والبقول ويبعثن بالوجبات الساخنة إلي أماكن تجمعات الفارين من الجحيم. يتحدثون أيضاً عن الكيروسين الذي كانوا يتقاسمونه فيما بينهم يوماً بيوم، لإشعال المصابيح والمواقد البدائية التي أصبحت تهرب من مصر، بعدما اختفت هناك منذ عقود... إلخ.

الذي لا يقل إدهاشا عن ذلك هو حالة الانضباط الشديد التي مر بها القطاع، فقد كانت أجهزة السلطة تتولي طول الوقت الإشراف علي توزيع الخبز والبطانيات والكيروسين. ورغم أن الدوائر كانت معطلة، فإن رواتب الموظفين كانت تصل إليهم في بيوتهم. ورغم أن القصف المكثف كان يمكن أن يدفع ألوف البشر إلي الاتجاه صوب الحدود المصرية ومحاولة عبورها هرباً من الموت، فإن ذلك لم يحدث، ووقفت شرطة القطاع تحرس الحدود وتؤمنها. وفور إعلان وقف إطلاق النار، سجلت الفضائيات كيف تحركت الأجهزة لضبط المرور وإزالة ركام الأبنية المدمرة، والتخلص من النفايات. وقبل هذا وبعده، رفع الأنقاض بحثاً عن الأحياء وانتشال بقايا الجثث. لقد دبت الحياة في طائر الفينيق.

(4)

لقد كان المقاومون يعرفون جيداً أنهم سيواجهون العدو في واحدة من معارك كسر العظم، لذلك أطلقت كتائب عز الدين القسام علي المعركة اسم «الفرقان»، باعتبارها اشتباكاً مصيرياً يفرق بين الحق والباطل. وحسب مصادر الحركة، فإن المقاومة لم تخسر أكثر من 10% من مقاتليها، في حين أن قدرتها التسليحية مازالت جيدة، وبوسعها أن تواصل إطلاق صواريخها التي تكدر حياة العدو لشهر آخر علي الأقل. بل إنها لم تستخدم الطاقة القصوي لمدي الصواريخ، لأنها أرادت أن تحتفظ به للتوقيت الذي تختاره. وأغلب الظن أن إسرائيل أدركت ذلك جيداً، وذلك هو التفسير الوحيد للوثة التي أصابتها وهي تستنفر أمريكا وأوروبا وبعض العرب لكي يهبوا جميعاً لأجل وقف تهريب السلاح إلي غزة.

غزة لم تهزم، وما حدث في القطاع ليس مأساة ولكنه ملحمة. لكن الهزيمة الحقيقية والمأساة التي يَنْدَي لها جبين الشرفاء، هي من نصيب الواقفين علي الضفة الأخري من المنسوبين إلي الأمة العربية، الذين تقاعسوا وولوا الأدبار حين جد الجد. وهم الذين وصفهم القرآن بأنهم: «يحلفون بالله إنهم لمنكم، وما هم منكم، ولكنهم قوم يَفْرَقوُن».

كيف نرسم خرائط المستقبل؟


ستلملم غزة جراحها وتنتظر جولة الإبادة القادمة، والتي سـتأتي - لا ريب - إذا لم يتوحد الصف العربي - «وأقصد الناس وليس الأنظمة» - ليفرض شروطه علي الواقع السياسي لصالح مستقبل مختلف للنظام العربي الذي شاهدناه عبر العقود الماضية ولفظ ألفاظه كنظام، بل صارت عروبته محل نظر بعد مشاركة إيران في قمة قطر «ولو كمراقب»، المستقبل المختلف الذي نحتاج أن نفكر فيه اليوم ليس مستقبلاً لغزة، بل لشعوب المنطقة التي تعاني ما أثمر عجزاً عن الفعل أدي لمشاهدتنا ما تعانيه غزة دون قدرة علي إنقاذها، والفرجة علي مجموع الرؤساء في انقساماتهم و«شبه» مصالحاتهم وهم يأكلون وجباتهم: لحم شعوبهم.


هاتَفَني أخ كريم حثني علي الكتابة في قضايا أساسية هي كما حددها بحماسة وصدق، أولاً: إعادة التأكيد علي ربط الصهيونية بالعنصرية والسير علي المسار القانوني العالمي لإعادة هذه الصلة في الوثائق الدولية بعد أن تم محوها بضغط الولايات المتحدة واللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة وفي أوروبا عبر عمل منظم لعقود. ثانياً: الاستمرار في الجهد الإعلامي والتربوي والسياسي المنظم لفضح الطبيعة العنصرية غير الديمقراطية لقوانين الهجرة في إسرائيل التي تتيح لكل يهودي في العالم أن يستقر بإسرائيل ويستوطنها «مقابل أن يرحل فلسطيني أو يقتل أو تغتصب أرضه»، ولا تتيح حق العودة للفلسطيني في الشتات لوطنه وأرضه، وتعامل الـ20% من عرب 1948 باعتبارهم غرباء مقيمين علي أرضها، يمكن التخلص منهم في أي وقت بأي حيلة مادامت أمريكا قد تعهدت بضمان «يهودية الدولة».. أي صهيونية الكيان الاستيطاني الإمبريالي الذي يمارس نظام فصل عنصري ويمارس جرائم حرب واضحة لا يحاسبه عليها أحد، بل يذهب رؤساء الدول الأوروبية من شرم الشيخ لإسرائيل ليؤكدوا ضمان أمر إسرائيل ولا يتحدثون عن جرائم الإبادة في غزة، وكأن رحلتهم لشرم الشيخ كانت رحلة استجمام، وهي الرحلة التي وصفتها الجرائد المصرية بأنها جاءت نتيجة العلاقات الشخصية الحميمة التي تربط الرئيس حسني مبارك برؤساء الدول الأوروبية!!!

ثالثاً: التفكير في كيفية بناء الدولة الفلسطينية، فالمقاومة لا تعني الانصراف عن التفكير في بناء الدولة، أي ما وراء المقاومة؛ لأن غياب هذا التفكير والاستغراق في لحظة المقاومة حرم الفصائل المقاومة من تقديم تصور واضح لكيفية إدارة تلك الدولة وتحقيق التحالف بين فصائل العمل النضالي حول مشروع لعقد سياسي، وهو ما أودي بالوحدة الفلسطينية للفصائل عندما غيرت الانتخابات الديمقراطية توازنات الحكم والسلطة..ولعل الخبرة الأيرلندية تستحق النظر والدراسة في هذا الصدد، ولعلني أضع علي التوازي مع ذلك دراسة تجارب الخبرات الاستيطانية وكيف انتهت وكيف تحولت النظم وتم إعادة بناء الدولة علي منطق جديد، فبناء الدولة وسقوط الكيان الاستيطاني وجهان لعملة واحدة.

رابعاً: التأكيد علي ملاحقة جرائم الحرب الإسرائيلية، والمبالغ التي وعد بها حكام النفط لإعادة إعمار غزة والتي لا أطمئن لكيفية تحويلها لواقع إذا كان كل الأطراف لا يريدون أن تقع في يد حماس، وهي الفصيل الأقوي في غزة رغم أنوف البعض. أقول لو أن معشار هذه الأموال تم إنفاقه علي ملاحقة مجرمي الحرب الصهاينة لكان خيراً لمستقبل القضية.

خامساً: أهمية استغلال الزخم العاطفي والحركة المدنية التي أبعثت في الواقع العربي كي تستمر تلك الجهود بشكل منظم وندرك أهمية «الجهاد المدني» في دعم الجهاد المشروع ضد قوي الاحتلال.

وقد وعدت هذا الأخ بأن أكتب تلك النقاط وأثير القضايا؛ لأننا بحاجة لرسم خريطة للعمل بدلاً من الدوران في حلقة من ردود الأفعال.

لي ملاحظتان إضافيتان مع اتفاقي مع هذه النقاط تماماً وحركتي بالفعل في تلك الملفات من الناحية الفكرية ومن الناحية المدنية، بل دعماً لتحالف عالمي يتشكل اليوم لملاحقة مجرمي الحرب الصهاينة.

الملاحظة الأولي أنه في خضم هذا الكلام عن المعبر وفتحه وإغلاقه ومصر وحساباتها نسي الغالبية من المحللين المصريين الذين أدمنوا الكلام علي الفضائيات وتدبيج المقالات أن نصيب مصر من حرب إبادة الـ22 يوماً لم يكن شئون وشجون معبر رفح، بل رفح كلها، بل الحدود المصرية التي ضربت، بل سقطت قذائف بالقرب من تجمعات سكنية في رفح المصرية لم تنفجر وتم التعامل معها كما ذكرت «الأهرام». متي نتحدث عن الحدود المصرية وسيناء وما هو مسكوت عنه وما نحن ممنوعون من أن نفتح فمنا بشأنه؟!

الملاحظة الثانية هي أن تلك البيانات والفتاوي التي صدرت عن مئات من العلماء بشأن الجهاد ودور الأنظمة لم نشهد لها مثيلاً في جمعها بين أسماء علماء إخوان وسلفيين وأزهريين ووهابيين، جمعهم الشيخ البعيد الذي «سره باتع» كما يقول المثل الشعبي، لكن لم يجمعهم الهم القريب وهو الفساد السياسي والظلم الاجتماعي الطبقي وجمعتهم «النفرة» من أجل غزة..

تري هل هناك أي صلة بين سقوط فلسطين وتراجع العقل المسلم في تعامله مع قضايا الحريات المدنية والسياسية والعدالة الاجتماعية بالمعني الواسع من قضايا المرأة والأسرة إلي الوحدة الوطنية إلي التجانس الثقافي.

ختاماً.. هل لاحظتم أن الجميع صاروا اليوم يتحدثون عن غزة والضفة وكأن هذه هي «القضية»، فماذا عن القدس.. وفلسطين؟!

ف ل س ط ي ن.

حروب غزة التي بدأت ::

د. أحمد عبد الله
سكتت المدافع.. وتوقف قصف الطائرات.. وعاد الجنود إلى ثكناتهم.. وانفض المولد.
شكرا.. عودوا إلى بيوتكم.. مأجورين, تحفكم الملائكة.

لا.. أين تذهبون؟.. ليس بعد.. الحرب لم تنته بعد.. بل هذه الجولة لم تنته بعد.
غزة.. ما تزال محتلة.
غزة.. ما تزال محاصرة.
غزه.. ما زالت طائرات العدو تحلق في سمائها.
غزة.. ما زالت سفن العدو تحاصر بحرها.
غزة.. ما زالت دبابات العدو تربض في أطرافها.
غزة.. لم تلملم جراحها بعد.

نعم.. صمد أهل غزة، وصمدت المقاومة الباسلة بشكل أسطوري مذهل.. وسكت هدير المدافع وقصف الطائرات مؤقتا.. ولكن القصف السياسي ما زال على أشده.. والحرب النفسية زادت، والمؤامرات السياسية صارت أكثر عمقا وقسوة!!

مازال العدو وحلفاؤه وأتباعه يحاولون أن يحصلوا بالسياسة على ما لم يستطيعوا أن يحصلوا عليه بالحرب: الأراجيف والأبواق والأفكار المسمومة، والغثاء والتفاهة، والأكاذيب، وحرب التغطية على المذابح لتمر دون عقاب، والدعاية والإعلام والتلاعب بالعقول.. إنها معارك غزة التي لم تتوقف، بل زادت، وانفتحت فيها جبهات جديدة، لمن يرى ويسمع ويعي!!
إنها معارك غزة التي بدأت وستشتعل، ونحن عنها غافلون لأننا لا ندرك طبيعة المعركة، ولا فلسفة وأنواع القوة، ولا تعدد جبهات الصراع، ولا مرحلية التخطيط والكيد الصهيوني، رغم وضوحه !!.. كم نحن طيبون؟؟ أو سذج!!

عندما كانت قناة "الجزيره" تبث صور قصف غزة بالفوسفور الأبيض, خرج ملايين الناس في أنحاء العالم احتجاجا على العدوان وتضامنا مع أهل غزة، وتعددت أشكال الحراك الشعبي لدعم غزة، وللضغط على صناع القرار للتحرك ضد العدوان. وقد فاجأ حجم ذلك الحراك الشعبي أكثر الناس تفاؤلا، وفاجأ حتى بعض صناع القرار وجعلهم -ولو ظاهريا- يتحركون باتجاه بحث عن حل.

ومن جراء هذا الزخم انعقدت قمم وانطرحت مبادرات وصدرت تصريحات ووعود بمساعدات سخية للإعمار، لا نعرف -وربما نعرف- في أية جيوب ستستقر!!.. لكن.. توقف القصف الآن.. وتوقفت "الجزيرة" عن بث الصور. وبدأت الناس تعود إلى بيوتها راضية بما فعلت بعد أن فرغت بعض شحناتها النفسية.

هنا تكمن الخطورة؛ فعندما تخف الضغوط والجهود الشعبية, عندما ترتخي السواعد والجهود المبذولة لمحاصرة الصهاينة وفضحهم والسعي لعقابهم، وإدانتهم ومقاطعتهم من كل الأطراف التي رأت بشاعة ما حصل، فإن هذا يترك المجال للعدو وحلفائه وأتباعه في حرية الحركة وإحكام الطوق والحصار والبيئة الضاغطة على المقاومة لفرض الشروط المذلة عليها وانتزاع المكاسب السياسية التي لم يستطع تحصيلها في الحرب.
ويبدو أن العدو يراهن على ذلك.

وللأسف الشديد, يمكننا أيضا أن نقول أن الحراك الشعبي العربي الذي حدث, كان أضعف مما ينبغي، وأضعف مما هو مفترض أو متوقع، لكن لا بأس من المراجعة والتطوير.

وعند طرح هذه الإشكاليه, يكثر السؤال عن "ماذا نفعل؟", وغالبا ما يأتي هذا السؤال بشكل استنكاري على أساس أن لم يكن بالإمكان أفضل مما كان, وأن الأنظمة الحاكمة معها القرار وأدوات الفعل, وأنه لا طاقة لنا بجالوت وجنوده.

صحيح أن الأنظمة بيدها القرار وتمتلك أدوات, ولكن هذا جزء من الصورة، وهناك جوانب أخرى, نعم.. هناك مسارات للفعل الجاد المؤثر الفعال.. إنها فلسفة ونظرة مختلفة عما تربينا عليه وتعودنا على انتظار حدوثه من أعلى، رغم أنه لا يحصل أبدا!!

تعودنا على شكل معين للقوة وممارستها، وعلى أفعال محدودة ومحددة، وعلى تفكير بدائي فقير، تاركين الإبداع والابتكار والضغوط والتفكير الخلاق للوبي الصهيوني، ونحن لنا الحسرة والكمد!!
وأنا أطرح من سنوات طويلة أفكارا جديدة وطريقة تفكير مختلفة وطرقا للفعل ومسارا تراكميا يقوم من خلاله الأفراد والتجمعات الصغيرة والهيئات والمؤسسات والمنظمات والأحزاب بفعل يطور من الحالة القائمة، يعمل على تغيير موازيين القوى الآن، وغدا، ودائما خطوة خطوة.

في هذا المسار؛ يقوم الناس بمبادرات كثيرة تساهم في فتح الآفاق والأبواب المغلقة، وحشد الطاقات، وممارسة الضغوط بدأب.. المشكل أننا لم نتعلم هذا المسار، ولا نفهمه ولا نمارسه غالبا، رغم حسرتنا المتواصلة من أن اللوبي الصهيوني يضغط ويحاصر ويؤثر في كل بلد ومساحة!!
وهذه الجهود التي تتنوع وتتراكم لتنتج ليست طلسما ولا لغزا، ولا من يمارسونها أشباح أو متخصصون في السحر والتعاويذ، إنما هي فنون ومهارات ومعارف يمكن لأي إنسان إدراكها وتعلمها واستخدامها.

ودورنا كأفراد ومؤسسات شعبية هو القيام بمبادرات نوعية كثيرة في كل الأماكن المتاحه لتساهم في الدعم المادي والمعنوي لأهل غزة لتساهم في الضغط على العدو ومنعه من تحقيق أهدافه.
أدعوكم لعدم إلقاء السلاح، أو بالأحرى خوض معارك غزة في الأدمغة تصحيحا للمفاهيم، وتصديا للشائعات، وفي الإعلام فهما وانتقاءا ورفضا لما هو سلبي أو كاذب، وفي الفن والثقافة، كما في القانون الدولي الإنساني، ومساعدة الجرحى، ومواساة أهل غزة الصامدين، ودعمهم نفسيا.

إنها معارك الوعي والفعل والذاكرة، معارك الحوار مع أهلنا ذوي الوعي الزائف، والإيمان المخدر في النفوس، والدروشة.. قاتلها الله !!
إنها معارك المقاطعة لإسرائيل وأعوانها اقتصاديا وأكاديميا، ومعارك مواجهة البهتان الصهيوني واللوبي الصهيوني السافر في الخارج، والمستتر في الداخل!!
إنها معارك تدور في صدري وصدرك حين يكون التحدي المتجدد: أيةُ نعيش؟؟
وأية قضايا تشغلنا في أيامنا وليالينا!!
ما أفكارنا؟؟ همومنا؟؟ ترفيهنا؟؟ الكلمات التي نقولها لأولادنا والحكايات التي تحكيها الأمهات، إن كانت الأمهات ما زلن يحكين حكايات للأطفال أصلا!!
إنها أسئلة: ماذا نلبس؟؟ ماذا نأكل؟؟ ماذا نركب؟؟ هل نتعلم ونذاكر؟؟ كيف نستهلك؟؟ من نوالي ومن نعادي؟؟ من وما نحب، وماذا ومن نكره؟؟
معركة التواصل مع أنصار الحرية والإنسان في كل مكان على أرض الله، ونحن عن كتل بشرية وثقافية وحضارية ومتعاطفة معنا جد غافلين!!
(
أتذكرون شافيز؟؟ كم منا يعلم أين تقع فنزويلا؟؟ فضلا عن بوليفيا؟؟)
هذه هي معارك غزة يا سادة، معارك بحجم الحياة وكل مساحاتها، لمن أراد النصرة، أو شاء الخذلان!!

يكفي هذا اليوم، وأرجو لمن شاء المزيد من الفهم لطبيعة المرحلة الآن أن يتابع مدونة بأحاول أفهم، وقد أنهيت للتو قراءة مقال د.عزمي بشارة منه والمعنون: بيان وقف إطلاق النار .

يا الله.. كم نحتاج من الصبر والسلوان والعزم لنواصل الشعور والإحساس وبقية معالم وأعراض وملامح كوننا بشر!!
هل سننسى؟؟

بداية مقلقة للرئيس اوباما

بداية مقلقة للرئيس اوباما
عبد الباري عطوان
بدأت ملامح السياسة الخارجية لادارة الرئيس الامريكي الجديد تتبلور بشكل تدريجي، فقد اغلق الملفات السوداء للحرب على الارهاب التي اعلنها سلفه جورج دبليو بوش، مثل معتقل غوانتنامو ومراكز التعذيب السرية المنتشرة في بقاع عديدة من العالم، معظمها في دول عربية للأسف، منهيا أسوأ التجاوزات وانتهاك حقوق الانسان في التاريخ الامريكي الحديث، ولكن الجانب المتعلق بمنطقة الشرق الاوسط، والصراع العربي ـ الاسرائيلي جاء ملتبسا وحافلا بالكثير من الثغرات المقلقة.
صحيح ان الرئيس اوباما طالب بفتح المعابر ليتاح ادخال المساعدات الانسانية والمبادلات التجارية لأبناء قطاع غزة، واظهر تعاطفا مع معاناة ابناء القطاع، ولكنه لم يتطرق مطلقا الى المجازر الاسرائيلية وقتل الاطفال واستخدام القنابل الفسفورية المحرمة دوليا، وتدمير اكثر من ستة آلاف منزل وتشريد اربعة آلاف شخص.
توقعنا من الرئيس الامريكي الجديد موقفا قويا ضد هذا الاجرام الاسرائيلي، خاصة بعد تسلمه مهام منصبه، وهو القادم من رحم المعاناة والفقر والحرمان والتمييز العنصري، حيث كان ممنوعا على والده ان يرتاد معظم المطاعم والنوادي بحكم لونه واصله الافريقي قبل خمسين عاما. توقعنا منه ان يدين هذه الوحشية الاسرائيلية بكلمات واضحة لا لبس فيها او غموض، تؤشر الى بدء مرحلة التغيير الذي وعدنا به، وتترجم اقواله حول التعامل مع المسلمين وفق اسس الاحترام والمصالح المشتركة.
يبدو ان الرئيس اوباما نسي ان الفلسطينيين الذين تطحن عظامهم الدبابات وتحرق اجساد اطفالهم الطرية القنابل الفسفورية هم مسلمون بل وبشر ايضا. فقد ساوى في كلمته التي القاها اثناء تعيينه مبعوثيه الى المنطقة بين الضحايا الاسرائيليين والفلسطينيين عندما قال 'قلقت للغاية للخسائر في ارواح الفلسطينيين والاسرائيليين خلال الايام الاخيرة'.

مثل هذه اللغة يمكن ان نفهمها لو ان الرئيس الامريكي الجديد استخدمها اثناء حملته الانتخابية، او حتى قبل تسلمه مهام منصبه في البيت الابيض، ولكن ان يمسك العصا من الوسط الخطأ، وبهذه الطريقة، مساويا بين الجلاد والضحية، فهذا امر غير مقبول ومستنكر ويكشف عن بداية سيئة.
الضحايا الاسرائيليون في هذه الحرب لم يزيدوا عن ثلاثة من المدنيين، وعشرة من العسكريين بينما استشهد اكثر من 1350 فلسطينيا في القصف الاسرائيلي الوحشي للقطاع معظمهم من الاطفال والمدنيين، فكيف يمكن التعامل مع خسائر الطرفين بالقدر نفسه من القلق والألم، ومن قبل رئيس امريكي يعرف جيداً جذور الصراع وأسبابه، مثلما يعرف جميع مستشاريه، ووزيرة خارجيته على وجه الخصوص، حجم التغول الاسرائيلي لسفك الدماء الفلسطينية بطريقة غير مسبوقة في التاريخ الحديث؟
جميل ان ينهي الرئيس الجديد حرب بلاده على الارهاب، واقراره باستحالة الفوز فيها، وحجم الدمار الذي خلفته على صورة بلاده، والنزيف المالي لاقتصادها وأموالها، ولكن الاجمل ان يلتفت الى الارهاب الاسرائيلي ايضاً، وقد شاهد فظاعاته بعينيه عبر شاشات التلفزة، حيث الصور المتفحمة للأطفال، والأب المكلوم الذي فقد زوجته وخمسة من أطفاله، او الأسر التي ابيدت بكاملها. والصورة لا تكذب مثلما يقول اول درس في الصحافة وعلوم الحروب.
فإذا كان ايهود اولمرت رئيس الوزراء الاسرائيلي اعترف بأنه اجهش بالبكاء لدى مشاهدته استغاثة طبيب فلسطيني خسر اطفاله الثلاثة عبر شاشات التلفزة، فإنه من المتوقع من رئيس امريكي ان يكون أكثر تأثراً بهذه المجازر، وأكثر تعاطفاً مع ضحاياها، مع تسليمنا بكذب اولمرت وكل المسؤولين الاسرائيليين الآخرين من امثاله، الذين يستمتعون بالولوغ في الدم الفلسطيني حتى الارتواء.

لا نريد التعجل في استصدار الاحكام المسبقة على ادارة ما زالت في الايام الاولى لتوليها السلطة، ولكن المقدمات السيئة لا يمكن ان تؤدي الا الى نتائج اكثر سوءاً، ولهذا نجد لزاماً علينا ان نرفع صوتنا محذرين ومنبهين، قبل ان تقع الكارثة ويصعب التراجع عن الأخطاء.
مطالبة حركة 'حماس' بالاعتراف باسرائيل في أول خطاب للرئيس الامريكي لشرح سياسته الخارجية هي احد ابرز الأمثلة على هذه المقدمات الخاطئة،خاصة ان هذه المطالبة تزامنت مع الالتزام الكامل بأمن اسرائيل، ودون توجيه اي لوم لها على افشال العملية السلمية والاستمرار في الاستيطان، وخنق الاقتصاد الفلسطيني، وبناء السور العنصري العازل، وقتل الآلاف من الفلسطينيين العزل، واسر اكثر من عشرة آلاف من خيرة ابنائهم.
فلماذا المساواة في التعاطف مع ضحايا الجانبين، وعدم المساواة في اللوم، وتسمية الاشياء بأسمائها دون لف او دوران؟ فالفلسطينيون لا يحتلون ارض اسرائيل، ولا يرسلون طائرات 'اف 16' ومروحيات الاباتشي الامريكية الصنع لقصف الابرياء في حرب من اتجاه واحد.
انهاء الحرب على 'الارهاب' دون انهاء الارهاب الاسرائيلي المستمر منذ ستين عاماً وبحماية امريكية، سيؤدي الى ظهور 'ارهاب' عربي اسلامي جديد اكثر خطورة وشراسة، لأن هؤلاء الاطفال الذين فقدوا اشقاءهم وامهاتهم وآباءهم، وشاهدوا الطائرات الاسرائيلية تطلق حممها فوق رؤوسهم، هؤلاء سيكونون أكثر شراسة في انتقامهم المشروع والمبرر في كل الشرائع الالهية والوضعية، اذا ما استمروا مشردين دون أمل ودون مستقبل.
فمجازر غزة لم تدمر ثقافة السلام والاعتدال فقط، وانما اعادت إحياء ثقافة المقاومة بشكل أكثر قوة على طول العالم الاسلامي وعرضه، وكشفت السقوط الاخلاقي الغربي، والأمريــــكي بشكل عــــام في أبشع صوره وأشكاله، وإذا لم يعِ الرئيس الأمريكي الجديد وطاقمه هذه الحقيقة الناصعة فإن كل نواياه المعلنة حول اصلاح صورة بلاده البشعة جداً في العالم الاسلامي ستذهب سدى.

ما زلنا نملك بصيص أمل في قدرة الرئيس الأمريكي الجديد على إحداث التغيير المطلوب في سياسة بلاده الخارجية، ليس لأن اسم والده 'حسين'، ولا لانه أفريقي الأصل والملامح، وانما لان الاستمرار في سياسات الادارة السابقة في الضغط على الضحية، وابتزازها، لدفعها إلى تقديم التنازلات تلو التنازلات تحت ذريعة دفع عجلة السلام إلى الأمام سينعكس دماراً على الولايات المتحدة ومصالحها، في وقت هي في حاجة ماسة إلى الأمن والاستقرار لانقاذ اقتصادها المنهار، واستعادة قيادتها للعالم بأسره.
الشعب الفلسطيني ليس بحاجة إلى مؤتمر للدول المانحة لتخصيص الأموال لاعادة الاعمار، وتمويل سلطة فاسدة فاشلة لم تعد تمثل أحداً، وانما بحاجة إلى مؤتمر سلام يستند إلى قرارات الشرعية الدولية، ويقول للاسرائيليين انكم اصبحتم عبئاً اخلاقياً وسياسياً وأمنياً على كاهل الغرب وشعوبه جميعاً، وبتّم مصدر تهديد لأمن العالم واستقراره بجرائمكم الارهابية ضد شعب أعزل، وهي الجرائم التي تغذي التطرف والتشدد، وتجعل من تنظيم 'القاعدة' تنظيماً معتدلاً بالمقارنة بما يمكن ان يظهر من تنظيمات جديدة في المستقبل.

خصائص العدوان على غزة.. والجدال - مرة أخرى - حول النصر أو الهزيمة


خصائص العدوان على غزة.. والجدال - مرة أخرى - حول النصر أو الهزيمة

ضيـاء رشـوان

يوضح النظر المدقق للحرب الغاشمة التى شنتها آلة الحرب الإسرائيلية لأكثر من ثلاثة أسابيع على غزة أنها اتسمت بمجموعة من الخصائص التى انفردت بها عن الحروب السابقة التى هاجمت فيها إسرائيل أطرافاً عربية بينما اشتركت معها فى خصائص أخرى.

وأولى الخصائص الرئيسية التى تفردت بها هذه الحرب هى أنها الأولى منذ عام ١٩٤٨ التى يمكن وصفها بأنها حرب إسرائيلية – فلسطينية صافية.

فالحرب دارت على جزء من أراضى فلسطين التاريخية وطرفها المعتدى عليه كان هو الشعب الفلسطينى وحده والقوى التى قاومت العدوان كلها فلسطينية دون أى مشاركة من جندى أو مقاتل واحد عربى أو مسلم، وهو ما لم يكن عليه الحال فى جميع الحروب والاعتداءات السابقة التى شنتها الدولة العبرية وامتدت إلى أراض عربية خارج فلسطين وشملت بالإضافة للفلسطينيين أطرافاً عربية غير فلسطينية.

فقد كان الفلسطينيون فى غزة وفى مقدمتهم قوى المقاومة الباسلة وعلى رأسها حركة حماس هم وحدهم الذين يواجهون العدوان كما كانوا وحدهم قبل أكثر من ستين عاماً عندما اجتاحت بلدهم العصابات اليهودية – الصهيونية لتقتلهم فيها وتطردهم منها وتقيم عليها دولتها المغتصبة، قبل أن تدخل الجيوش العربية الحرب ضدها بعد إعلانها فى ١٥ مايو ١٩٤٨ وتحيق الهزيمة بها جميعاً.

وكان الانفراد الثانى لهذه الحرب على الساحة الفلسطينية، حيث عرفت للمرة الأولى منذ قيام الدولة العبرية وانطلاق المقاومة المسلحة بجميع فصائلها انقساماً حاداً بينها فى لحظة عدوان عسكرى إسرائيلى هو الأوسع من نوعه على الشعب الفلسطينى منذ ١٩٦٧، ظهر فيه تحالف يضم بعض هذه الفصائل أو أجنحة منها يقوده رئيس السلطة الفلسطينية المنتهية ولايته محمود عباس مسانداً بأحد أجنحة حركة فتح، وكأنه يدعم «العدو» فى مهمته الساعية إلى تصفية وتدمير صفوف وقواعد المقاومة فى غزة التى تمثلها حركة حماس والجهاد الفلسطينى والجبهة الشعبية وغيرها من الفصائل المتحالفة معاً فى مواجهته.

إلا أن تورط قيادات هذا التحالف الفلسطينى الفصائلى المعادى للمقاومة فى كثير من المواقف السياسية والإعلامية التى بدت مبررة للعدوان الإسرائيلى ومساندة له، قابله على النقيض تماماً موقف عام من أبناء غزة المدنيين ساندوا فيه المقاومة دون أى تخاذل أو شكوى من الثمن الباهظ الذى دفعوه من دماء الأبرياء من الشهداء والجرحى، فلم يجد أى من خصوم المقاومة من الفلسطينيين أو العرب أو أى وسيلة إعلام واحداً من هؤلاء المدنيين الصامدين لكى يكرر حججهم الفارغة حول مسؤولية حماس وفصائل المقاومة عما أحدثه الإسرائيليون بهم أو أن يدين المقاومة على دفاعها المستميت عن شعبها وأرضها.

وهنا تظهر الخاصية الثالثة لهذه الحرب العدوانية على غزة وهى قد ظهرت للمرة الأولى بنفس الطريقة تقريباً فى العدوان الإسرائيلى على لبنان عام ٢٠٠٦، فقد تكرر على المستوى العربى الرسمى وبعض فئات النخب العربية ما ظهر على ساحة الفصائل الفلسطينية من وجود تحالفات ومواقف مساندة للعدوان الإسرائيلى كانت تتمنى فى لبنان أن يسحق مقاومة حزب الله وفى غزة أن ينهى وللأبد مقاومة حماس وشقيقاتها من فصائل المقاومة المسلحة.

نعم تشير بعض الوثائق السرية التى نشرت مؤخراً لمجريات بعض الحروب الإسرائيلية – العربية السابقة إلى أن أنظمة عربية معروفة قد ساندت سراً الدولة العبرية فى عدوانها من أجل التخلص من أنظمة أخرى تعاديها فى الفكر والتوجه، إلا أن ذلك كان يتم سراً ودون مجاهرة به كما حدث للمرة الأولى فى حرب لبنان ٢٠٠٦ وتكرر بفجاجة وفجور فى حرب غزة الأخيرة. وتبدو الخاصية الرابعة متكررة أيضاً وفقط فى الحربين الإسرائيليتين الأخيرتين على لبنان وغزة دون غيرهما من الحروب السابقة،

حيث ظهر فيها دور إقليمى غير عربى مثلته إيران التى بدت من ناحية الداعم العسكرى والسياسى الأكبر لقوى المقاومة سواء فى لبنان أو فلسطين، وبدت من ناحية أخرى وللمفارقة «العدو الأخطر» الذى انصرفت جهود النظم العربية المسماة بالمعتدلة لمواجهته – ومعه المقاومة – فى تحالف معلن أو مستتر مع إسرائيل التى اشتبكت مع بعض بلدان تلك النظم فى حروب عديدة خلال الأعوام الستين الماضية بينما لم تكن إيران طرفاً فى حرب مع بعضها خلال تاريخها كله وخاضت حروباً مع بعضها الآخر يعود أقربها إلى أكثر من ١٤٠٠ عام.

أما الخاصية الخامسة الرئيسية للحرب الإسرائيلية على غزة فهى قد تكررت فى جميع الحروب الإسرائيلية العربية تقريباً ما عدا نكبة ١٩٤٨ وعدوان ١٩٦٧، وهى التنازع ما بين الطرفين العربى والإسرائيلى وبداخل الساحة العربية حول نتيجة الحرب بعد أن تضع أوزارها، وهل كانت نصراً أم هزيمة لأى من الجانبين.

فقد كانت نتيجة حربى ١٩٤٨ و١٩٦٧ واضحة بما لا يدع مجالاً للاختلاف حولها، فقد منى العرب بهزيمة ثقيلة ضاعت فى الأولى منها معظم أجزاء فلسطين التاريخية وفى الثانية ما تبقى منها بالإضافة لأراض مصرية وسورية. أما الحروب الأخرى، بما فيها حرب أكتوبر ١٩٧٣ المجيدة والتى حقق فيها الجيش المصرى نصراً استراتيجياً لاشك فيه فى بدايتها، فقد دب النزاع حول نتائجها النهائية وبخاصة على الجانب العربى وما إذا كانت انتهت بالنصر أو الهزيمة له.

والحقيقة أن أحداً لا يمكنه أن يحسم نهائياً مثل هذه النوعية من الجدال حول نتائج حروب متعددة الأهداف والجوانب مثل تلك التى جرت مؤخراً فى غزة وقبلها فى لبنان، إلا أنه يبقى مع ذلك بعض المعايير التى يمكن الاحتكام إليها للانحياز إلى نتيجة أقرب إلى النصر أو الهزيمة.

وقد نكون هنا بحاجة إلى استعادة بعض ما نشرناه فى هذه المساحة حول نفس الجدال أثناء العدوان الإسرائيلى على لبنان من أجل قراءة أدق لنتيجة ما جرى فى غزة. وأول ذلك هو أن الحرب لم تكن أبداً مجرد استخدام أعمى لوسائل العنف والقوة من أجل التدمير والقتل، بل هى بالأساس تشن هجوماً أو دفاعاً من أجل الوصول لتحقيق أهداف سياسية عبر إخضاع إرادة الخصم أو العدو بحيث يقبل بعد هزيمته فيها ما كان يرفضه قبلها.

هذا التعريف البديهى للحرب الذى استقرت عليه الدراسات السياسية هو الذى يجب أن يكون المدخل الحقيقى للتعرف على ما انتهت إليه الحرب الإسرائيلية الغاشمة على غزة.

كذلك فإنه من البديهى الحديث عن الآثار المدمرة للحرب، أى حرب، على المدنيين والبلد الذى يخوضها وبخاصة إذا ما كان هو الأضعف فى ميزان القوى العسكرية من عدوه، وبخاصة أيضاً إذا كان هذا العدو غير ملتزم بأى قواعد قانونية دولية أو أخلاقية إنسانية فى ممارساته العسكرية.

إذاً فعلى الرغم من الأهمية الفائقة للنتائج المادية الكارثية للحرب سواء على المدنيين أو على البنية التحتية والهياكل الاقتصادية للبلد الذى يخوضها، فهى ليست المعيار الوحيد الذى يقاس به النصر أو الهزيمة فيها.

وبذلك يبدو واضحاً لنا أن عويل كثير من الكتابات والتصريحات وافتعالها الفزع من جراء التدمير الشامل الذى أوقعته آلة الحرب الإسرائيلية الإجرامية بغزة وأهلها من المدنيين الأبرياء لا يمكن أن يؤخذ بجدية فى هذا القياس.

فإسرائيل شنت تلك الحرب من أجل تحقيق أهداف ثلاثة أعلنها قادتها بوضوح: أولها هو تدمير البنية العسكرية والتحتية للمقاومة فى غزة وعلى رأسها حماس، وثانيها هو إنهاء قدرتها على إطلاق الصواريخ على جنوب إسرائيل، وثالثها هو إنهاء السيطرة السياسية لحماس على القطاع وتأليب سكانه عليها باعتبارها سبب ما أصابهم من دمار.

ولعل نتيجة أول الأهداف توضحها المصادر الإسرائيلية أكثر من غيرها والتى تحدثت عن مقتل نحو ٥٠٠ مقاتل من حماس بما يعادل ما بين ٣ و٥% فقط من عدد قواتها وهو نفس التقدير الذى تشير إليه مصادر قيادية بداخل الحركة.

كما بدا واضحاً أن العدوان الإسرائيلى على اتساعه وجنونه لم ينجح فى القضاء على مصادر دخول السلاح للمقاومة مما دفع الحكومة الإسرائيلية إلى توقيع اتفاقها الأمنى مع أمريكا للسعى إلى ذلك وهو ما تحاول الآن إشراك أوروبا الموحدة فيه، مما يدل وبوضوح على الفشل الذريع فى تحقيق الهدف الأول للعدوان.

أما إطلاق الصورايخ، والتى لو كانت غير مؤثرة كما يزعم بعض المتنطعين العرب والمصريين لما وضعت إسرائيل إيقافها فى مقدمة أهداف عدوانها، فقد تواصل حتى لحظة إعلان إيهود أولمرت وقف إطلاق النار الأحادى، وظل لدى المقاومة مخزونها الكبير منه كما تؤكد جميع المصادر الإسرائيلية المطلعة.

أما عن إنهاء السيطرة السياسية لحماس على قطاع غزة فقد كان هو الفشل الأكبر للعدوان الإسرائيلى والتواطؤ الفلسطينى الفصائلى والعربى الرسمى،

فكما أشرنا من قبل بدا جلياً التماسك الداخلى المبهر لجميع طوائف وفئات المجتمع الفلسطينى فى غزة حول حماس والمقاومة مما مكنهم من الصمود العسكرى فى مواجهة الآلة العسكرية الأكبر فى المنطقة والتى فشلت فى إخضاع غزة الصغيرة لها بعد أن احتلتها لنحو أربعين عاماً وظلت تراقبها بكل الوسائل الإلكترونية والبشرية بما يمكنها من معرفة كل شبر فيها.

خرجت حماس من العدوان أكثر قوة وسيطرة على غزة ومساندة من أهلها الصامدين، مما دفع إسرائيل وحلفائها إلى تغيير الإستراتيجية لتحقيق هدف إنهاء هذا الوضع عن طريق الحصار السياسى والمعونات الدولية لإعادة إعمارها، وهو ما يتطلب ربما رؤية أخرى لما يمكن أن تسير إليه الأمور خلال الفترة القريبة القادمة.

يتامى في العراء الإعلامي

يتامى في العراء الإعلامي
مالك التريكي
قبل أيام كتب قارئ إلى جريدة 'الاندبندنت' البريطانية يقول: 'إنها لمسألة محيرة حقا. كل المتحدثين الإسرائيليين الذين يظهرون على قنوات التلفزيون الغربية هم من اليهود ذوي الثقافة الراقية واللسان الإنكليزي المُبِين وممن يعبرون برصانة تامة عن وجهة نظر مدروسة بعناية، هذا مع أن الإسرائيليين هم الذين يقترفون جرائم الهدم والتذبيح! أما المتحدثون الفلسطينيون فعلاوة على أن جميعهم تقريبا من أصحاب اللحى الكثة والمظهر المنفر، فإنهم لا يستطيعون التحدث بالإنكليزية ويخفقون إخفاقا ذريعا في مجرد التعبير عن محنة أهل غزة. فأخبروني، هل هذا شيء متعمد ومُبَيَّتٌ بِليْل؟
سؤال قديم جديد لطالما آلمنا وأخجلنا وأنزلنا منزلة اليتامى. نبدو أمام العالم بأسره مرتجفين في العراء الإعلامي كأنه لا يوجد في بني قومنا امرئ واحد ينطق بلسان حالنا بالجدارة الواجبة والبراعة اللازمة. سؤال قديم جديد لطالما نكأ جرحنا وعمّق شعورنا بالهوان. ذلك أنه لا يتعلق بالمقارنة بين أسلوبين في الدعاية السياسية أحدهما أنجح من الآخر (إذ ليت الأمر كذلك) بل إنه يتعلق بالإقرار بمهنية الدعاية الإسرائيلية وانضباطها وثباتها المنهجي على مجهود الدُّربة والمران، كما يتعلق في الوقت ذاته بالحسرة على انعدام المتحدث الفلسطيني القادر على مجرد استخدام اللغة، ناهيك عن مخاطبة القوم بما يفقهون! إذ منذ أن اختفت السيدة حنان عشراوي من شاشات التلفزيون الغربية (فهي لا تظهر الآن إلا لماما)، لم نعد نرى متحدثا فلسطينيا، سواء من فصائل منظمة التحرير أم من 'السلطة' أم حماس، يستطيع مخاطبة الإعلام الأمريكي والبريطاني بما ينبغي من وضوح البيان وقوة الحجة.
هذا الضعف الفادح الفاضح في الأداء الإعلامي مشكلة عربية شاملة، وحقيقة بديهية 'لا يتناطح فيها عنزان' حتى أن النظام الرسمي العربي نفسه، الذي لا يشق له غبار في مضمار إنكار الحقائق، قد اعترف بهذه الحقيقة وبدا كأنه يقدّر مدى كارثيتها عندما دارت مناقشات في أروقة الجامعة العربية قبل عامين أو ثلاثة حول وجوب وضع استراتيجية في مجال التعامل المهني العصري مع الإعلام الغربي، وشاعت آنذاك أنباء عن احتمال تكليف السيدة عشراوي بهذه المهمة....
لم نعد نرى منذ سنوات، سواء من منظمة التحرير أم من الفريقين المتنازعين على وهم الحكم، متحدثا فلسطينيا بالإنكليزية يجدر أن ينطبق عليه هذا الوصف. الاستثناء الوحيد الذي نحمد الله عليه هو الدكتور مصطفى البرغوثي العضو المستقل في المجلس التشريعي. إذ ان أداءه يتميز دوما، في جميع إطلالاته في الإعلام البريطاني، بمتانة الموقف وسلاسة التعبير وسهولة الإتيان بالدليل. بل إن حنكته أصبحت تسمح له بتفكيك الكليشيهات السياسية وبوضع مواقف الإعلام الغربي المسبقة موضع السؤال وبأخذ زمام المبادرة السجالية بدل الاكتفاء بموقف الدفاع السلبي.
ومن أسف أن السيدة ليلى شهيد مندوبة فلسطين لدى الاتحاد الأوروبي والسيد إلياس صنبر مراقب فلسطين لدى اليونسكو، وهما مثقفان لامعان، لا يظهران بشكل لافت إلا في الإعلام الفرنسي. كما أن السيد عفيف صافية الذي يتقن اللسانين الإنكليزي والفرنسي، والذي يتميز بالمهارة في الاستدلال وبسعة الثقافة التي تتيح له الاستشهاد بما يسمح به المقام من اقتباسات أدبية أو شواهد تاريخية، قد قل ظهوره في الإعلام الغربي منذ أن غادر لندن، ثم واشنطن، ليصبح ممثلا لفلسطين في موسكو. كما أننا لم نعد نرى أو نسمع السيد مايكل طرزي خريج جامعة هارفارد الذي كان مستشارا قانونيا للسلطة الفلسطينية، والذي مثل الموقف الفلسطيني تمثيلا جيدا لمدة عامين أو ثلاثة على قنوات التلفزيون العالمية مثل 'بي بي سي'، و'سي ان ان' و'سكاي'.
أما من نسمعهم ونراهم الآن من المتحدثين الفلسطينيين فإنهم جميعا، إلا استثناء أو اثنين، لا يسجلون أهدافا إعلامية إلا ضد مرماهم. يسيئون إلى القضية وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا لاعتقادهم، على ما يبدو، بأن الأداء الإعلامي ما هو إلا مسألة 'صدق في القول'! (ويا ليت ذلك كان صحيحا، إذن لأصبح الأداء السياسي مجرد مسألة 'إخلاص في العمل'!) يسيئون إلى القضية ويرسخون لدى العالم صورة العربي الذي لا يحسن الخطاب لأنه لا يحسن التفكير. هذا بينما ينصّب الشعب الأمريكي رئيسا مثقفا متميزا بحُسن البيان، وبينما يستعد شعب إسرائيل لاحتمال اختيار رئيس وزراء أمريكي اللكنة معروف بحضور البديهة وذرابة اللسان.

شهيدات غزة الأحياء


الكاتبة الكبيرة عايدة العزب موسي تكتب: شهيدات غزة الأحياء
بلغ عدد شهيدات القصف الإسرائيلي علي غزة 104 مناضلات، وكل نساء غزة شهيدات مناضلات، المرأة التي فقدت الابن أو الزوج أو الأب أو الأخ مناضلة شهيدة، فمع قسوة ومرارة الموت والفراق أصبح يقع عليها عبء مسئولية مواصلة الرسالة وبقاء الأسرة بعد فقد العائل.

إن المرأة التي كرَّست حياتها لتلد وتربي وتعلم وهي تدرك تماماً أن وليدها أغلي شيء لديها ستقدمه يوماً قرباناً لبلدها ووقوداً لثورة تحرر وطنها هي مناضلة شهيدة، تقدم ضناها للاستشهاد دون انحياز لفصيل أو لسلطة، فبوصلتها هي فلسطين الوطن،
ولولا المرأة الفلسطينية لما استمرت قضية فلسطين حية، فالفلسطينية الولود هي امرأة مناضلة نذرت نفسها مع كل الظروف القاسية التي تعيشها سواء أكانت في المخيَّمات أو في الشتات، أو داخل الأرض المحتلة كلهن يجمعن علي أمر واحد وهو ضرورة إنجاب العدد الأكبر من الأبناء ليواصلوا مسيرة النضال من أجل الأرض المغتصبة.

كان قدر الحزن والمأساة علي وجه الأم الغزاوية علي شاشات الفضائيات تدمع العيون وتفطر القلوب، ولكنها لم تكن تبكي ولا تولول، كان صوتها المبحوح بالألم يقول فقط: لقد ضاع كل شيء الأهل والبيت، في حين ظهر الرجال يبكون وينتحبون لفقدهم الأعزاء، ولم يكن هذا ضعفاً من الرجال ولا تبلداً أو تحجر قلب من النساء وإنما، لأن المرأة الفلسطينية كانت معدة نفسها لهذا اليوم.

أكثر من ثلاثة أسابيع مدة القصف الصهيوني علي غزة كانت صور الفلسطينيات تملأ الشاشات، ووصل صوتهن إلي أسماع العالم غرباً وشرقاً شمالاً وجنوباً وتعاطف معهن البشر من كل أنحاء القارات ما عدا القادة والمسئولين الذين صموا الآذان، ذكرتني قوة المرأة الغزاوية بواقعة تاريخية أفريقية كانت بطلتها امرأة أفريقية عندما وجدت العجز والخنوع من زعماء قبائل بلادها حملت السلاح وأعلنت حرباً ضروساً تذكر الآن بفخر في تاريخ غانا الحديث.

الحادث وقع في غانا والبطلة هي «ياه اشنتيوا» إحدي بنات قبيلة الأشانتي التي صارت بطلة بين شعبها، واليوم تتداول سيرتها في شعر البطولة والأغاني وتسمي باسمها المدارس والسيدات الأفريقيات الأمريكيات، وحازت لقب البطلة رقم واحد من النساء في تاريخ أفريقيا في الاستفتاءالذي جري عن أهم الشخصيات التاريخية في القارة الأفريقية في القرن العشرين.

كانت غانا تسمي قبل الاستعمار مملكة الأشانتي، ولعبت هذه المملكة دوراً رائعاًفي حماية منطقتها من الطلائع الأولي للمستعمرين ببطولة شهدت لها كتابات القرب ونسجوا حولها الأساطير والحكايات، ففي خلال القرن 19 ناضلت مملكة الأشانتي بقوة ضدالمستعمرين البريطانيين وسببت لهم متاعب باستمرار مقاومتهم لسنوات طويلة، عندما رفضت الخضوع فخاضت سلسلة من الحروب القاسية اشتملت علي العديد من الانتصارات والانتكاسات امتدت من عام 1833 حتي عام 1900 حتي خضع الأشانتي بسبب تفوق أدوات الحرب البريطانية.

كان من أهم هذه الحروب وأشهرها عام 1844 عندما قطع الأشانتي رأس الحاكم البريطاني سير «شارلز مكارثي» بعد هزيمة قواته، وقال الأشانتي وقتها إن الرجل الأبيض أتي بمدافعه إلي الأدغال فوجد الأدغال أقوي من المدافع، بعدها ظلت بريطانيا تسيم الأشانتي كل صنوف القهر والإذلال حتي عام 1900 حين انفجر القتال من جديد بين الأشانتي والبريطانيين، وكان هذه المرة بقيادة امرأة هي «ياه اشنتيوا» التي قادت جيشاً من الرجال حاربت به المستعمر، وبهزيمتها انهارت مملكة الأشانتي وأصبحت أراضيهم محمية بريطانية حتي اشتعلت في مارس سنة 1957 وتولي رئاستها الزعيم الأفريقي الوطني «كوامي نكروما» الذي صار اسمه رمزاً للفكاك من التبعية والانسحاق اللذين عانت منهما الشعوب الأفريقية لعدة عقود.

كان سبب حرب 1900 اعتقال البريطانيين ملك الأشانتي «بربمه الأول» ونفيه إلي جزيرة سيشل مع ثلاثين من الزعماء البارزين والكبار وبينهم أمه وأبوه وأخوه، وفشلت جهود الأشانتي لإعادة ملكهم والزعماءالآخرين، وبينما كان الأشانتي مجتمعين لتدارس الأمر وهم في أشد حالات السخط والخوف من تحدي البريطانيين الذين كانوا يطلقون الرصاص علي كل من يعارضهم، كانت «ياه أشنتيوا» تجلس بينهم تتلفت يميناً ويساراً إلي زعماء الأشانتي، وغيرهم من الرجال، وعندما لم تجد أحداً يتحرك أو مستعداً للتحرك ضد البريطانيين قامت من كرسيها وقالت مخاطبة لهم: «كيف يمكن لشعب شجاع ومعتز بنفسه مثل الأشانتي أن يجلس هكذا ويتفرج في حين أن الرجل الأبيض قبض علي ملككم وزعمائكم ونفاهم إذا كنتم رؤساء الأشانتي تتصرفون كجبناء ولا تحاربون، فاخلعوا ثياب الأسود التي تلبسونها.. أيها الرجال انهضوا وقاوموا الرجل الأبيض الذي هدفه الوحيد في بلادنا هو أن يسرق وأن يدمر، ومن الخير لنا أن نموت مدافعين عن بلادنا بدلاً من أن نعيش عبيداً، إذا لم تستطيعوا يا رجال الأشانتي أن تتقدموا إلي الأمام فأنا ياه اشنتيوا مستعدة ومؤهلة نفسي لقيادتكم للحرب، وبهذا الخطاب أعلنت المناضلة الأفريقية الحرب وقادت جيش الأشانتي ضد البريطانيين، وكانت هذه الحرب الأخيرة بين الأشانتي البريطانيين بدأت في مارس 1900 وانتهت في مايو 1901، وعرفت فيما بعد باسم حرب «ياه اشنتيوا».

ورغم عدم معرفة المناضلة الأفريقية بالتدريب العسكري فإن جيشها استطاع أن يحقق عدداً من الانتصارات مثل محاصرة القلعة التي كانت القوات البريطانية قد سيطرت عليها مما تسبب في المجاعة والأمراض للإنجليز، وأثبت هذا التكتيك فاعليته بحيث إن البريطانيين تركوا الحامية بعد أن تكبدوا خسائر كبيرة، ولكن بنادق البريطانيين أبادتهم وكعقاب لـ«ياه اشنتيوا» فقد وضعت في سفينة أبحرت بها إلي جزر سيشل مع 15 زعيماً من الأشانتي لتلقي هناك الملك بربمه الأول وسائر رؤساء الأشانتي، وماتت هناك بعد عشرين سنة في عام 1921 لم تكن «ياه اشنتيوا» المرأة الوحيدة في تاريخ غانا أو في تاريخ أفريقيا في القرن التاسع عشر، وعلي عكس تقدير الغرب للشعب الأفريقي فإن المؤرخين البريطانيين يذكرون نساء الأشانتي بكل احترام ويصفونهن بأنهن كن من أحسن الدبلوماسيين والمفاوضين في القرن 19، ولكن «ياه اشنتيوا» وانتفاضتها تبقي أمراً خارقاً للعادة.

في مارس عام 2000 أعيد إحياء ذكري «ياه اشنتيوا» وصدرت عملة غانا الوطنية تحمل صورتها ونقل رفاتها إلي بلدها وشهد دفنها موكب جليل كجزء من احتفالات يوم تحرير غانا الذي يوافق 26 مارس 1957، وهو اليوم الذي تعتبره غانا يوم إلغاء العبودية في المستعمرات البريطانية، وكان يوافق مرور مائة عام علي انتفاضة «ياه اشنتيوا» ضد البريطانيين، وقد استمرت الاحتفالات ستة أشهر ولا يوجد شرف يستحق أن يعطي أكثر من أن يستمر الاحتفال بها طوال هذه المدة.

إن الشعوب الأفريقية تلملم الآن تاريخ نضالهم القديم ويحاولون أن يحيوا ذكري أبطال مقاومتهم الوطنية، ويكشفون خبايا ماضيهم المجهول إعلامياً، والمستعمرون أنفسهم يخلدون أسماء قادتهم الغزاة في كتب تاريخهم وأدبياتهم المنشورة وأسماءهؤلاء مسجلة ومحفورة علي حوائط كنائسهم، أليس من واجبنا نحن أيضاً أن نمجد رموزنا؟! ألا تستحق المرأة الفلسطينية «الجندي المعروف لا المجهول» أن يزين أحد ميادين غزة بنصب يرمز لصمودها ونضالها وتضحياتها.

لن نسقط بالليل دون قتال

مازن النجار

أغنية من أجل غزة .. للفنان الأميركي مايكل هارت


ومضة من ضوء أبيض يغشي الأبصار
أضاءت سماء غزة هذه الليلة
الناس تندفع بحثاً عن ملاذ
لا يعرفون إن كانوا أحياءً أم أمواتا

جاءوا بدباباتهم وطائراتهم
جاءوا بنيران تدمر ولهب مضطرم
ولا شيء يبقى ..
سوى صوت يتصاعد في ضباب الدخان

لكننا لن نسقط
في الليل .. دون قتال
قد تحرقون مساجدنا ومنازلنا ومدارسنا
لكن روحنا لن تموت أبدا
نحن لن نسقط ..
في غزة الليلة

النساء والأطفال على حد سواء
يقتلون ويذبحون ليلة بعد ليلة
بينما ما يسمى قادة البلاد البعيدة
يتجادلون من هو المخطئ ومن هو المُحِق

تذهب كلماتهم الواهية هباء
وتسقط القنابل مثل أمطار حامضة
ولكن خلال الدم والدموع والألم
لا يزال بالإمكان سماع ذلك الصوت يخترق ضباب الدخان

نحن لن نسقط
في الليل .. دون قتال
قد تحرقون مساجدنا ومنازلنا ومدارسنا
لكن روحنا لن تموت أبدا
ونحن لن نسقط ..
في غزة الليلة

نحن لن نسقط
في الليل .. دون قتال
قد تحرقون مساجدنا ومنازلنا ومدارسنا
لكن روحنا لن تموت أبدا

نحن لن نسقط
في الليل .. دون قتال

نحن لن نسقط
في غزة الليلة ..
كانت هذه كلمات حكاية غنائية من ألحان وغناء الفنان الأميركي مايكل هارت، بعنوان "أغنية من أجل غزة"، وأهداها حرفياً كـ"أغنية أمل للفلسطينيين في غزة". يستغرق أداء الأغنية ثلاث دقائق و11 ثانية، ويمكن الاستماع إليها على موقع يوتيوب: http://www.youtube.com/watch?v=dlfhoU66s4Y
جاء نمط هذه الأغنية- الحكاية على غرار الأغاني الشعبية التي تروي سير الأبطال والعظماء في قالب روائي غنائي بإيقاعاته المميزة التي تعكس هنا حزناً دفيناً نبيلاً، وتضميناته الفريدة، وتكراره المعبر عن مظلومية فلسطين، ومشاعر التعاطف المعبرة، وتركيزه على جوهر معنى البطولة، وهو في حالة غزة روح الصمود (قد تحرقون مساجدنا ومنازلنا ومدارسنا ..)، والرجولة (نحن لن نسقط في الليل .. دون قتال) والشموخ (لكن روحنا لن تموت أبدا!).
يمثل مطلع الأغنية استهلالاً للحظة بالغة التأثير، تختصر المشهد الدرامي وتكثفه من خلال عناصره الرئيسة المؤثرة، على نحو يبرز همجية العدوان، ووحشية غاراته على الأبرياء، والفزع الذي تحاول تلك الغارات أن تحمله إلى الناس.
كما تختصر العدوان بعناصره الرئيسة: دباباته وطائراته ونيرانه التي تمحق كل شيء إلا صوت الإرادة الإنسانية الصلبة الذي يتصاعد ويتخلل ضباب الدخان والدمار وعدمية العدوان.
بسرعة يعلو ذلك الصوت ويتحدى بكامل الإرادة والعنفوان رغم وحشية العدوان وعدميته التي غطت وجه الأرض بالدمار (مساجد ومنازل ومدارس)، لكن الروح والعنوان لا يموت. الأغنية تدين تواطؤ البلاد البعيدة ونفاقها وإتاحتها الفرصة لاستمرار العدوان.
يتصاعد العدوان والدمار لكن صوت الروح الأبية لا يزال يخترق ضباب الدخان، رغم الدموع والدم والألم. وتتصاعد الرجولة والإرادة والتحدي (لن نسقط في غزة الليلة)، (لن نسقط في الليل .. دون قتال)!

كوفية فلسطين‮ ‬


يوسف القعيد
لم أصدق نفسي عندما شاهدت المشهد‮.. ‬أغمضت عينيٌ‮ ‬وفركتهما وفتحتهما‮.. ‬كان الباعة عند تقاطعات شوارع مدينة نصر‮.. ‬يبيعون كوفية فلسطين لقائدي السيارات عند توقفهم في الإشارات‮.. ‬من قبل كان ما‮ ‬يبيعونه‮ ‬يتغير حسب الظروف‮.. ‬إن كان ثمة مباراة لكرة القدم‮.. ‬يبيعون أعلام الفريقين‮.. ‬وإن كان الفريق القومي هو الذي‮ ‬يلعب‮.. ‬فإن أعلام مصر هي التي تباع‮.. ‬آخر ما رأيته في أياديهم عند توقفي في الإشارات‮.. ‬كانت عن أعياد الميلاد‮.. ‬من شموع وتماثيل صغيرة للعذراء مريم وبابا نويل‮.. ‬في الأيام التي تخلو من أي حدث‮.. ‬يبيعون المناديل الورقية‮.. ‬وقبل أن‮ ‬يدهمنا زمن الورق‮.. ‬كانوا‮ ‬يبيعون الورد البلدي‮.. ‬بروائحه الفواحة‮.. ‬وكانت سعادتهم تصل للذروة‮.. ‬عندما‮ ‬يجدون راكبا‮ ‬شابا‮.. ‬يقود سيارة وبجواره راكبة شابة‮.. ‬لأن لحظة بيع الفل والياسمين تصبح الكلمة الأولي في مستقبلهما السعيد‮ معا‮.‬
بعد أن بدأت مجزرة‮ ‬غزة‮.. ‬فوجئت بكل الباعة‮.. ‬يبيعون كوفية فلسطين السوداء‮.. ‬ركنت سيارتي ونزلت‮.. ‬طمأنت من تكلمت معه إلي أنني سأشتري كوفية‮.. ‬عرض عليٌ‮ ‬شراء كل ما معه‮.. ‬قلت له كوفية واحدة تكفي‮.. ‬سألته عن الفكرة‮.. ‬لماذا هذه الكوفية؟ مع أنني تصورت في أن الأمر ربما‮ ‬يعود للتجارة‮.. ‬ذهب خيالي لقوانين السوق‮.. ‬التي تحاصرنا في كل مكان نذهب إليه‮.. ‬ولكن الولد الذي تكلمت معه‮.. ‬كان‮ ‬يعرف ما جري في‮ ‬غزة‮.. ‬سألته عن مصادره في المعرفة‮.. ‬قد لا‮ ‬يملك راديو أو تليفزيون‮.. ‬ولا‮ ‬يعرف القراءة والكتابة‮. ‬ولا‮ ‬يشتري الصحف‮.. ‬قال لي كلام الناس‮.. ‬دهشت لأن الناس العاديين‮.. ‬طحنتهم ظروف الحياة‮.. ‬ولم تترك لهم قسوتها فرصة لالتقاط الأنفاس‮.. ‬أشار ببساطة للكناسين وعساكر الأمن المركزي والمتسولين‮.. ‬وطلب مني سؤالهم لأصدق أنهم‮ ‬يعرفون‮.. ‬كان مشغولا‮ ‬بالبيع‮.. ‬لذلك بلعت سؤالي عن الأزمات السابقة‮.. ‬ماذا كانوا‮ ‬يبيعون فيها؟‮ ‬
سألتهم عن الكوفيات لماذا هي سوداء؟ ولم تكن حمراء؟ ككوفية‮ ‬ياسر عرفات‮.. ‬قال لي الكذب علي الناس خيبة‮.. ‬وعلي الله معصية‮.. ‬الكوفيات السوداء جاءت لهم من المتعهد‮. ‬قلت ربما كان المقصود من السواد هو الحزن‮.. ‬ثم إن الدماء الحمراء تؤدي للحزن الأسود‮.‬

المفكر الإسلامي البارز يجيب عن تساؤلات الشارع العربي د‮. ‬سليم العوا‮ : ‬قاطعوا‮ .. ‬تظاهروا‮ .. ‬تضامنوا‮ .. ‬وعلموا أولادكم كراهية إسرائيل


المفكر الإسلامي البارز يجيب عن تساؤلات الشارع العربي
د‮. ‬سليم العوا‮ : ‬قاطعوا‮ .. ‬تظاهروا‮ .. ‬تضامنوا‮ .. ‬وعلموا أولادكم كراهية إسرائيل

نسرين عبد الوهاب
لا يختلف عليه أحد‮.. ‬مناضل في الحق يؤيد القضية الفلسطينية بقوة وحكمة،‮ ‬في نفس الوقت يطالب الحكومات العربية بالنهوض والتخلي عن مواقفهم الصامتة تجاه أحداث‮ ‬غزة وإلا مصيرها الفناء فقد خطت بيدها سجلا‮ ‬أسود في تاريخها‮.. ‬هو الدكتور محمد سليم العوا المفكر الإسلامي وصاحب المناصب العديدة عربيا‮ ‬ودوليا‮.. ‬والذي أكد في حواره الخاص ل'الأسبوع‮' ‬أن التغيير قادم في المنطقة العربية لا مناص‮.. ‬الحرب
الأخيرة ستعجل بذلك‮..‬ يري الدكتور العوا أن الوضع مطمئن في‮ ‬غزة،‮ ‬وحماس قوة مقاومة واجبها مقاتلة الاحتلال لا التفاوض‮.‬. ويصر علي دعوة الأسر العربية لأن تنشئ جيلا‮ ‬مناضلا‮ ‬يسترد حقوقنا ويقاطع البضائع الإسرائيلية بكل قوة‮.‬
‮> ‬تواجه مصر في تفاعلها مع العدوان الوحشي علي‮ ‬غزة حالة مستغربة من الكثيرين أدت إلي اتهام البعض بتواطئها مع إسرائيل،‮ ‬ما أسباب ذلك؟ وكيف تنظرون إلي موجة التكفير بانتماء مصر العربي؟
‮>> ‬لا استطيع أن أصدق أن مصر تتواطأ ضد فلسطين مع أي قوة في العالم وتحت أي ظرف‮.. ‬خاصة إسرائيل‮.. ‬فمصر لديها موقف عربي تاريخي لا يتغير بتغير القيادات والزعماء،‮ ‬ولكن أظن أن مصر لديها قراءة مبالغ‮ ‬فيها فيما يخص الاتفاقات التي تربطنا بإسرائيل وهي اتفاقية كامب ديفيد‮.. ‬بالرغم من أنها كأي دولة أخري يمكن أن تقطع معها العلاقات ‬التجارية والدبلوماسية فليس في الاتفاقية ما يجعل مصر تعادي أي دولة أخري والحاصل أننا نقرأ المعاهدة بمبالغة ونلزم أنفسنا بما لا تلزمنا به المعاهدات‮.‬
• كيل‮ ‬غير متوازن
‮> ‬كيف تري هذه الموجة الشديدة من الهجوم علي القوي الممانعة في العالم العربي التي تشنها وسائل الإعلام الرسمية والتي دخل فيها بعض الوزراء بدعوي الانغلاق علي الذات؟
‮>> ‬اعتقد أن كل هذه التوجهات تتسم بعدم الادراك الكافي لدور مصر الحقيقي في المنطقة وفي العالم وفي التاريخ،‮ ‬وأكد ذلك ما قاله الأستاذ هيكل في حديثه الأخير في التليفزيون عن احداث‮ ‬غزة بضرورة النظر إلي دور مصر في الواقع نظرة استراتيجية وهي تشمل التاريخ والمواقع والمستقبل والجغرافيا والآمال والأحلام والآلام‮.. ‬فيجب ألا تكون النظرة قاصرة قريبة المدي في حدث بعينه،‮ ‬وما تردد أخيرا عن مصر أولا وثانيا وأخيرا‮.. ‬ما هو إلا كلام شعارات في إحدي المظاهرات ولكن في الواقع العملي يجب أن نؤكد أن مصر لا تأمن إلا إذا أمنت حدودها شرقا وشمالا وجنوبا وغربا فلا يمكن أن نتركها مستباحة للطيران الإسرائيلي،‮ ‬ووفقا لتقرير رويترز الأخير تستخدم القوات الإسرائيلية الأراضي المصرية لضرب الشريط الحدودي داخل الأراضي الفلسطينية التابعة للسلطة خلال تقسيم رفح بعد اتفاقية كامب ديفيد‮.. ‬وهو ما يخالف كل القوانين الدولية ويمثل اعتداء علي السيادة المصرية‮.. ‬والغريب أنه لم يتحرك أحد من قبل الحكومة المصرية بالرغم من اصابة عدد من الضباط والعساكر والأطفال المصريين بنيران إسرائيلية نتيجة القصف الإسرائيلي لمدينة‮ ‬غزة‮.. ‬وللأسف لم يتكلم أحد أو يعترض في حق هؤلاء ولم تنتقم لهم مصر بينما الضابط الذي قتل نتيجة مشاجرة عادية بين فلسطينيين عاديين يريدون الدخول لسيناء مع القوة المصرية أدي إلي مقتله وليس لها علاقة بحماس نهائيا‮ ‬وأقمنا الدنيا ولم نقعدها‮.. ‬لذلك فأنا أري أن هناك كيلا بعدة معايير وهو كيل‮ ‬غير متوازن وينبغي علي المصريين الذين يتبنون وجهة النظر أن ينتهبوا لأن مستقبل مصر‮ ‬غير مرهون بصراع مسلح ولم يحدث في تاريخ الكفاح الفلسطيني المسلح أن تتخذ المساجد مخابئ للمجاهدين أو الأسلحة وكثيرا ما اعتدي علي أهل فلسطين في المسجد الإبراهيمي في الخليل‮.. ‬اعتدي علي المصلين وهم ركع سجد كما اعتدي علينا في القدس خلال صلاة الجمعة، إلي جانب الاعتداء علي المساجد في نابلس،‮ ‬ويعتقد الإسرائيليون أن هدمهم للمساجد سيسقط الإسلام وفي الحقيقة أن رسولنا الكريم قال‮ '‬جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا‮'‬،‮ ‬فكل امرئ إذا أدركته الصلاة فليصل‮.. ‬وسنبني‮ ‬غيرها‮.. ‬والمشكلة أننا نخضع ونذل ونقبل المذلة‮!‬
• قراءة خاطئة
‮> ‬بماذا تفسر رفض مصر فتح معبر رفح بشكل عملي حتي الآن؟
‮>> ‬اعلنت القيادات المصرية الرسمية كوزير الخارجية وغيره أن اتفاقية المعابر لا تسمح لنا بفتح المعبر إلا بعد موافقة الجانب الإسرائيلي‮.. ‬وهو ما ثبت عدم صحته،‮ ‬فبعد البحث تأكدنا أنه لا يوجد أي اتفاقيات خاصة بالمعابر من الاساس بيننا وبين أي دولة أخري لأن مصر رفضت الدخول في اتفاقية رفح المبرمة بين السلطة الفلسطينية والصهاينة وهذا حقها لأنها دولة ذات سيادة،‮ ‬ومن حقها أن تفتح معبر رفح في أي وقت،‮ ‬وقد صدر مؤخرا حكم قضائي من القضاء الإداري بإلزام الحكومات بالسماح للقوافل الاغاثية أن تصل إلي معبر رفح لتوصيل المساعدات ولا يمنعوا في الطريق إلي سيناء‮.. ‬كما حدث من قبل خاصة أنه ليس من حق أحد أن يغلق المعابر في وجه المصريين الراغبين في الدخول للأراضي الفلسطينية‮.‬
لذلك أري أن هناك قراءة خاطئة للاتفاقية وما يخص معبر رفح،‮ ‬وهو ما يجب إعادة النظر فيه طبقا لاتفاقيات جنيف الأربع التي تشترك فيها مصر منذ عام ‮٨٤٩١.. ‬ومنها ما يختص بالدول المحتلة وضرورة توفير دول الجوار جميع المساعدات الغذائية والطبية لها بكل سهولة كواجب قانوني وحق دستوري،‮ ‬ومن هنا اطالب مستشاري الخارجية بتوضيح اتفاقية جنيف وما يخص فتح المعابر للرئيس محمد حسني مبارك حتي تتضح له الرؤية بدلا من التركيز علي اتفاقية كامب ديفيد فقط،‮ ‬وتفاديا للغط الموجود‮.. ‬وأتمني أن ينتبه أحد فلا حياة لمن تنادي‮!!‬
إلي جانب نقطة أكثر أهمية تجب الاشارة لها‮.. ‬فنحن نحكم باتفاقيات القانون الدولي التي تجرم الاستيطان وبناء المستوطنات‮.. ‬لذلك ليس من حق المحتل أن يراقب الداخل والخارج إلي الأراضي المحتلة‮.. ‬فهي عملية إجرامية في المقام الأول ومن هنا يجب أن تقف مصر موقفا يتفق مع تاريخها الطويل في النزاع مع المحتلين‮.‬
• غير مشروع
‮> ‬بعد قرار الرئيس الفنزويلي بطرد السفير الإسرائيلي أصبح سحب السفير المصري من إسرائيل وطرد الإسرائيلي خطوة تمناها الجميع‮.. ‬ما تقييمكم لذلك؟
‮>> ‬منذ إبرام اتفاقية كامب ديفيد وأنا من المعارضين لها ولإقامة العلاقات الدبلوماسية مع العدو الصهيوني اساسا،‮ ‬واعتقد أن وجود السفير الإسرائيلي في الأرض المصرية أمر‮ ‬غير مشروع وأعلم أن السفير المصري الموجود لدي اسرائيل يؤدي وظيفته بالرغم من عدم مشروعيتها ولكن في ظل الأحداث الحالية أي خطوة لطرد السفير أو قطع العلاقات الدبلوماسية من جانب الدول العربية متأخرة جدا وأثبت تأخرها ما فعلته فنزويلا،‮ ‬لقد فات الموعد كالذي يرفع دعوي بعد فوات ميعاد الرفع ولا تقبلها المحكمة‮.‬
وإذا تم الطرد وقطع العلاقات الدبلوماسية سيكون تكفيرا عما حدث‮.. ‬ليس اكثر من ذلك والخطوات التي يجب أن تتخذ كثيرة جدا ولكن لا استطيع أن أحدد لمصر العظمي ما يجب أن تفعله والمشاعر التي عبر عنها الشعب المصري من خلال المظاهرات التي خرجت بالآلاف تضامنا مع‮ ‬غزة والخطب في المساجد،‮ ‬وموقف البابا شنودة في قداس عيد الميلاد تؤكد موقف الشعب المصري‮.. ‬وإذا لم تأخذها أي حكومة بعين الاعتبار ستحكم علي نفسها بالفناء،‮ ‬قد تبقي في الحكم سنة أو أكثر ولكنها قد خطت بيديها سجلا اسود لا يفارق اعضاءها جميعا إلي يوم القيامة،‮ ‬الحكومة الصالحة هي التي تهتم بمشاعر شعبها‮.‬
• كفاح نضالي
‮> ‬العدوان الوحشي أنهي أسبوعه الثالث‮.. ‬كيف تقيم الوضع داخل‮ ‬غزة‮.. ‬بعد هدم المساجد؟
‮>> ‬الوضع في‮ ‬غزة جيد جدا والمقاومة تكافح بقوة وتتصيد الغنائم وكل محاولة لإسرائيل في التقدم ‮٠٠١ ‬متر يعقبها تقهقر مداه ‮٠٠٣ ‬متر والخسائر في صفوف المقاومين المسلمين محدودة جدا بينما الخسائر في صفوف المدنيين بشعة جدا وهذا هو اسوأ ما في الحرب أن ضحاياها مدنيون شهداء ومصابين ولكننا نؤمن أن الذي قتل يموت في أجله المحدد لا يؤخر ثانية ولا يقدم ثانية ونسأل الله أن يعينهم علي الصبر ويعالج الجرحي وننعي الشهداء‮.. ‬وهذا الثمن عادي في سبيل التحرر فالجزائر قدمت مليون شهيد لتتحرر من الاستعمار الفرنسي فتقديم الشهداء في سبيل الحرية أمر طبيعي والشعب الذي لا يستطيع أن يقدم شهداء لا ينال الحرية‮.‬
أما فيما يتعلق بهدم المساجد فلا يوجد أي حجة لهدمها أصلا فالطيران الإسرائيلي لا يعلم من بداخلها‮.‬
‮> ‬وقبول المبادرة؟
‮>> ‬هذا بالضبط‮ '‬كما نقول للمقتول أنت الذي جعلته يقتلك‮' ‬حماس قوة مقاومة واجبها أن تقاتل الاحتلال ولا تدخل في مفاوضات دبلوماسية‮.. ‬فهذا عمل الدول ولو تولت حماس اليوم سيستبدل الله قوما‮ ‬غيرها‮.. ‬لذلك لا استطيع أن أكلف حماس بدور الدول والعكس‮.. ‬فحديث وزير الخارجية المصري‮ ‬يؤكد أن مصر لا يمكن أن تساعد الكفاح المسلح‮.. ‬فحماس لا يمكن أن تساعد التسويات والمبادرات‮.. ‬ثم إن حماس قد قبلت بالتهدئة لمدة ستة شهور فماذا جري؟ إسرائيل تخطط للحرب منذ خمسة أشهر باعترافها رسميا وهذا ما أكده الكاتب الأمريكي روبرت فيسك يفضح تصرفات‮ '‬إسرائيل‮' ‬الوحشية من قتل المدنيين منذ عام ‮٨٤ ‬فهي عملية إبادة منظمة ضد الشعب العربي هدفها افراغ‮ ‬الأرض،‮ ‬لكي تصح المقولة الباطلة‮ '‬شعب بلا أرض وأرض بلا شعب‮'.‬
‮> ‬هل هي البداية؟ وهل سيمتد العدوان إلي جميع الدول العربية بعد ذلك؟
‮>> ‬إن شاء الله لن تنجح‮ '‬إسرائيل‮' ‬في‮ ‬غزة‮.. ‬ولكن إذا نجحت سيأتي الدور علي الضفة ورام الله‮.. ‬ثم ستفشل المفاوضات السورية وتحتل بعض الأراضي من سوريا والأردن‮.. ‬والصهاينة لا تقف أطماعهم عند أي حد‮.. ‬فمازال الصهاينة يتكلمون عن خيبر‮.. ‬لذلك اعتقد أن نجاح‮ '‬إسرائيل‮' ‬في أي مرحلة هو خطر وضرر علي الأمة العربية كلها‮!!‬
• إحياء القضية الفلسطينية
‮> هل سيكون لهذا العدوان تأثيراته علي الأجيال القادمة في صورة وعي أكبر بقضية فلسطين أم انسحاب وتراجع للدائرة المصرية الداخلية؟
‮>> ‬الحقيقة العدوان علي‮ ‬غزة كان له اثر عظيم،‮ ‬فقد أحيا القضية الفلسطينية بعد أن كادت تصبح قضية هامشية بالمقارنة بالقضايا الداخلية‮.. ‬فاليوم القضية الاساسية في كل شارع ومنزل وأسرة هي ما يدور في‮ ‬غزة من أحداث،‮ ‬وقد تعودنا في مصر أن تحدث تغييرات مصيرية بعد كل عدوان إسرائيلي صهيوني علي فلسطين‮.. ‬فنتوقع تغييرا‮ ‬في الإدارة المصرية وهذا ما حدث بعد حرب ‮٨٤٩١ ‬حيث قامت ثورة يوليو بعد أربع سنوات‮.. ‬وهذا ما نتوقعه‮.‬
‮> ‬الشارع العربي مشتعل بالمظاهرات تنديدا بالعدو،‮ ‬وبالحكام العرب لتخاذلهم في مواجهة العدوان وعدم اتفاقهم علي رأي واحد‮.. ‬ما رأيك وتحليلك؟
‮>> ‬من حق الشعب العربي ان يتظاهر ويعبر عن رأيه‮.. ‬كما يقابله حقه في التغيير،‮ ‬وإذا لم يخضع الحكام العرب إلي تطبيق الوسائل الديمقراطية المعروفة في العالم‮.. ‬سيتم التغيير بوسائل أخري‮ ‬غير محببة،‮ ‬خاصة أن مواقف الزعماء متخاذلة،‮ ‬وما أعلنه أمير قطر يعتبر افضل المواقف‮.. ‬يكافئه موقف حسن نصر الله وموقف تركيا موفق جدا،‮ ‬بينما سيحاسب الحكام علي ما يقرونه ويفعلونه في الآخرة نتيجة لتخاذلهم الواضح،‮ ‬ومنهم من سيحاسب في الدنيا‮.‬
• سلاح فعال
‮> ‬سلاح المقاطعة هل يمكن استخدامه للرد علي العدوان الإسرائيلي؟‮.. ‬وكيف يمكن تفعيله كوسيلة فعالة في يد الشعوب العربية؟
‮>> ‬المقاطعة ضد إسرائيل مهمة وضرورية ولانزال ندعو إليها بكل قوة‮.. ‬كما تؤثر علي الإسرائيليين انفسهم فيكتبون علي منتجاتهم‮ '‬صنع في الضفة الشرقية‮' ‬خوفا من خسارة السوق المصري‮.. ‬فالمقاطعة سلاح جبار يجب أن يفعىل والدعوة إليه بكل قوة،‮ ‬نمارسه في انفسنا اقتصاديا ومعنويا،‮ ‬وقد حرمت البضائع الإسرائيلية من أي نوع كان بفتوي صحيحة‮.. ‬ومن يستخدمها سيذهب إلي النار ويحاسب حسابا عسيرا يوم القيامة،‮ ‬بينما البضائع الأمريكية والأوروبية نقاطعها مقاطعة نفعية في حالة عدم وجود بدائل للمنتجات الطبية‮.‬
‮> ‬ما شعورك وأنت وأسرتك تشاهدون المجازر الإسرائيلية ضد المدنيين؟
‮>> ‬أدعو من خلال حوارك الأسر المصرية والعربية إلي ان تجلس اطفالها مهما صغرت سنها أمام هذه المشاهد البشعة لأنها هي التي تغرس في قلوبهم المعرفة الحقيقية بالعدوان الصهيوني‮.. ‬فلن يستطيعوا ان يعرفوه جيدا‮.. ‬إلا إذا رأوا بأعينهم ما يفعل بأقرانهم في العمر،‮ ‬وفي منزلي أسرتي حريصة علي ذلك واطلب من زوجتي وبناتي وأحفادي أن يروا ذلك وباهتمام شديد: لأنه بغير ذلك لا نستطيع أن نربي الأجيال القادمة التي ستهزم‮ '‬إسرائيل‮'‬،‮ ‬فجيلنا لا يستطيع والمسئولية علي الجيل القادم،‮ ‬ومن هنا أحيي كل محطات الاعلام التي تبث المشاهد مرات عديدة حتي تظل البشاعة التي‮ ‬يرتكبها الصهانية في حق أولادنا الفلسطينيين‮.. ‬قائمة تزلزل مشاعرنا ومشاعر ابنائنا‮.‬
‮> ‬الشعب المصري في حيرة لإحساسه بالعجز تجاه الحرب الضارية علي‮ ‬غزة‮.. ‬ما هي وساذل التضامن الشعبي مع أهل‮ ‬غزة في رأيك؟
‮>> ‬لا يمكن أن يستهان بالدعاء فهو وسيلة فعالة لقوله تعالي‮: '‬إذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون‮' ‬صدق الله العظيم‮.. ‬إلي جانب جمع التبرعات وتوصيلها للجهات المسئولة سواء مادية أو عينية‮.. إلي جانب تقديم الدعم الشخصي كالأطباء ذوي التخصصات المطلوبة داخل‮ ‬غزة‮.. ‬كما يمكن لبعض الأسر أن تتبني طفلا‮ ‬فلسطينيا‮ ‬فقد أسرته،‮ ‬أو تكفل طفلا‮ ‬فلسطينيا‮ ‬داخل‮ ‬غزة وتساهم بالأدوية كالصيادلة‮.. ‬فهناك آلاف الوسائل‮.. ‬ولكن تحتاج إلي تفكير وتحرك بسيط‮.‬
‮> ‬في النهاية‮.. ‬ما مستقبل المنطقة بعد الحرب؟
‮>> ‬القضية الفلسطينية هي قضية عقود‮.. ‬ونكرر ما حدث مع الصليبيين الذين احتلوا بيت المقدس ‮٨٩ ‬سنة واخرجهم صلاح الدين،‮ ‬واحتلوا عكا ‮٦٥١ ‬سنة وتم اخراجهم ايضا علي يد الناصر محمد بن قلاوون‮.. ‬فالزمن معنا ولكن مشكلتنا في تربية الأجيال علي استرداد الحقوق،‮ إلي جانب‮ ‬غليان المنطقة نتيجة‮ ‬غضب الشعوب والهدوء المبالغ‮ ‬فيه من قبل الحكام العرب،‮ ‬واحيانا تشعر بأنه هدوء مصطنع لذلك أظن أن مستقبل المنطقة في رحم مليء بالتحركات والانفجارات ستغير اشياء كثيرة جدا،‮ ‬ويقينا سيقع