‏إظهار الرسائل ذات التسميات تحليلات. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات تحليلات. إظهار كافة الرسائل

عمق «موقعة» دافوس بين أردوغان وبيريز



د. إبراهيم البيومى غانم يكتب:
كثير من أوهام «القوة والضعف» شارك في إزاحتها أردوغان وبيريز.. رئيس الوزراء التركي بصدقه وقوة منطقه والرئيس الصهيوني بكذبه وتهافته وتصوير الجاني بصورة الضحية

رئيس الحكومة التركية ظهر ممتلئاً بالثقة وقوة العزيمة مستشعراً ثقل الأمانة وكأن هموم العالم كله فوق رأسه.. وهذه الملامح نفتقدها تماماً في وجوه الحكام والمسئولين العرب الضاحكين في بلاهة رغم المصائب


أول الأوهام التي بددها أردوغان «وهم قوة الرواية الواحدة التي تحتكرها إسرائيل لوصف مجريات الصراع العربي الإسرائيلي وقال للعالم إن الحقيقة لها رواية أخري

ما حدث في دافوس مساء الخميس 29 يناير الماضي بين أردوغان وبيريز سيسجله التاريخ علي أنه «موقعة» بكل ما تحمل هذه الكلمة من معاني، صحيح أنها موقعة سياسية، ولكنها لا تقل في دلالاتها وأبعادها الاستراتيجية عن المواقع الحربية. خرج أردوغان من هذه الموقعة منتصراً بعد أن أزاح كثيراً من الأوهام التي ظلت مهيمنة علي الرأي العام العالمي«الأوروبي والأمريكي تحديداً»، وفضحت مواقف لكثير من الأنظمة العربية، بل ومواقف بعض الحركات الإسلامية من القضية الفلسطينية، وبرهنت علي أن غطرسة القوة العارية من الأخلاق هي كبيت العنكبوت في وهنه وهشاشته.

قال أردوغان ـ مراراً وتكراراً ـ في تعقيبه علي ما جري في دافوس إنه مؤتمن علي كرامة تركيا، ولن يسمح لكائن من كان أن يمسها بسوء لأنها دولة إقليمية كبري، وإنه مضي زمن النظر إليها كدولة تابعة. «أنا رئيس وزراء تركيا، ولست زعيم قبيلة». هذه هي نوعية الخطاب الذي يتحدث به أردوغان، وهذا هو الموقف الذي ألهب مشاعر الجماهير عبر العالم الإسلامي، ولدي أحرار العالم، ودفع عشرات الآلاف من الأتراك للخروج ليلاً رغم شدة البرد لاستقبال رئيس وزراء حكومتهم الذي انتخبوه بإرادتهم الحرة. وهذه هي المرة الأولي التي يخرج فيها الأتراك بعفوية لاستقبال أحد زعمائهم منذ ما يزيد علي أربعمائة سنة عندما توقفت الفتوحات العثمانية في قلب أوروبا.

كثير من أوهام «القوة والضعف» شارك في إزاحتها كل من أردوغان وبيريز. أردوغان بصدقه وقوة منطقه، وبيريز بكذبه وتهافته. كلام بيريز الذي حاول أن يبرر به عدوان الكيان الصهيوني علي غزة جاء بنفس الطريقة التقليدية التي أسستها الدعاية الصهيونية قبل أكثر من قرن من الزمان علي الأكاذيب وقلب الحقائق، وتزوير الواقع، وتصوير الذات الصهيونية الجانية بصورة الضحية، وتصوير المجني عليه «الفلسطيني» بصورة الجاني.

أردوغان ظهر في دافوس ممتلئاً بالثقة، مستعصماً بقوة الحق التي يؤمن بها، وقوة الوعي بهذا الحق، وقوة العزيمة علي الذود عن هذا الحق في حدود مسئوليته كرئيس حكومة منتخب بإرادة شعبية حرة. ظهر قوياً بيقظة ضميره، مستشعراً ثقل الأمانة التي يحمل عبء أدائها، متجهماً كعادته؛ وكأن هموم العالم كله فوق رأسه. هذه الملامح نفتقدها تماماً في وجوه الحكام والمسئولين العرب، ونجدهم علي الدوام مهما كانت المصائب التي يجرونها علينا، نراهم ضاحكين في بلاهة، مبتسمين في بلادة كلما وجدوا كاميرات الإعلام مسلطة علي طلعاتهم البهية !. عمرو موسي ظهر في الصورة يقهقه قبيل بدء الجلسة التي غادرها أردوغان احتجاجاً علي حرمانه من تفنيد مغالطات بيريز.

بيريز ظهر في مشهد دافوس مفلساً في منطقه، غارقاً في الشعور بغطرسة القوة. وبدا منعزلاً في ذات اللحظة عما حدث في العالم من تغيرات عميقة بفعل ثورة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، هذه التغيرات التي جعلت من المستحيل الاستمرار في احتكار الحقيقة، أو إخفائها أو تزييفها. عزلة بيريز علي هذا النحو جعلته يقدم خطاباً تبريريا للعدوان الإجرامي علي غزة معتمداً نفس استراتيجية التضليل والخداع القديمة، والضرب علي عقدة الاضطهاد التي استخدمتها الصهيونية في وخز الضمير الأوروبي والأمريكي باستمرار. ظهر بيريز مطمئناً إلي أن خطابه سيمر بكل ما فيه من مغالطات كما اعتاد أن يمر الخطاب الصهيوني في كل المحافل الدولية دون أن يتصدي له أحد، وأخذته سكرة غطرسة القوة عندما صفق له الحاضرون في قاعة المنتدي.

أول الأوهام التي بددها أردوغان هو «وهم قوة الرواية الواحدة» التي تحتكرها إسرائيل لوصف مجريات الصراع العربي الإسرائيلي. تدخل أردوغان قال للعالم إن الحقيقة لها رواية أخري، أما الرواية الإسرائيلية فزائفة، وكاذبة، وعيب أن يظل العالم أسيراً لها. بيريز رفع صوته أثناء حديثه أكثر من المعتاد، ولاحظ أردوغان أنه ينظر إليه علي نحو غير لائق، فعاجله بعبارات تجعله يفوق من سكرته قائلاً له: «ارتفاع صوتك هو تعبير عن نفسية متهم. عندما يأتي الحديث عن القتل أنتم تعرفون القتل جيداً». أردوغان وحده فقط من بين زعماء العالم وجد في نفسه الجرأة علي قول ذلك، وتوجيه نقده وتوبيخه علناً للجالسين أمامه في القاعة الذين صفقوا لبيريز لأنهم «يصفقون للجرائم الإسرائيلية. صحيح أن مدير الجلسة ـ صحفي يهودي بالواشنطن بوست ـ لم يمكن أردوغان من إتمام روايته لحقيقة ما جري، ولكن رسالته وصلت للعالم كله، وربما بأسرع مما لو كان أكمل روايته، ومن هنا قلنا إن وهم احتكار إسرائيل لرواية مجريات الصراع انتهي، وأصبح جزءاً من الماضي.

الوهم الثاني هو «إمكانية إضعاف المقاومة بعزلها دوليا»، ومن ثم الاستفراد بها، والاستقواء عليها ليس فقط بالحلف الاستعماري الأوروبي الأمريكي ـ فهذا قديم ولا جديد فيه ـ وإنما أيضاً بحلفاء من الأنظمة العربية ومن دول الجوار. هذا الوهم كثف المسئولون الإسرائيليون التأكيد عليه خلال العدوان الأخير علي غزة، تارة بالترويج لمقولة وجود مصلحة مشتركة إسرائيلية ـ مصرية لمواجهة حماس، وأنه لابد من إضعافها لأنها «تهدد الاستقرار في مصر» ـ كما قال عاموس جلعاد ـ وتارة بتأكيد قادة العدو علي أن «الاعتدال العربي يشارك إسرائيل في حربها ضد حماس» «نيوزويك 11/1/2009». صحيح أن هناك ما يدل علي نجاح السياسة الصهيونية في خلق قاعدة مصالح مشتركة مع محور الاستبداد/الاعتدال العربي، بما يعني عزل المقاومة وتشديد الحصار عليها، غير أن قوة التدخل التركي الذي عبر عنه أردوغان في دافوس جاء ليكسر هذه العزلة، ويهدم فكرتها الأساسية وهي: أن المصلحة المشتركة بين دول المنطقة وإسرائيل تعني عزل المقاومة. هذه الفكرة هدمها موقف أردوغان لأن تركيا ليست فقط من دول الاعتدال في المنطقة، وإنما لها علاقات دبلوماسية كاملة ومصالح اقتصادية وعسكرية كبيرة جداً مع إسرائيل، ولكن لم يمنعها ذلك من الوقوف إلي جانب الحق الفلسطيني، وتبني رواية المقاومة. ويشكل هذا الموقف إحراجاً شديداً لدول الاعتدال العربي الأخري التي تسهم في عزل المقاومة، وقد يدفعها للتراجع عن هذا المسار. لم تخرج تركيا فقط من الصف الساعي لعزل المقاومة، وإنما تصر علي التعامل مع اختيار الشعب الفلسطيني الذي أسفرت عنه الانتخابات التشريعية، وهو اختيار المقاومة التي تقودها حماس بأغلبية تشريعية 65%.

الوهم الثالث الذي أسقطه أردوغان في دافوس من يد بيريز هو «فزاعة الإرهاب». بيريز كرر وصف المقاومة بالإرهاب، وأصر علي دمج العدوان الوحشي علي غزة ضمن ما يسمي «الحرب علي الإرهاب». أما أردوغان فقد طالب المجتمعين في دافوس بضرورة التمييز بين المقاومة والإرهاب، وقلب الطاولة علي بيريز بقوله «عندما يأتي الحديث عن القتل فأنتم أعلم الناس بالقتل»، وسبق له أن وصف عملية اغتيال الشيخ أحمد ياسين بأنه «إرهاب دولة» قامت به إسرائيل، ولم يجرؤ حاكم عربي واحد علي قول ذلك. كرر أردوغان القول في دافوس بأنه «يتوجب علي الرئيس أوباما إعادة تعريف الإرهاب والمنظمات الإرهابية، وتأسيس سياسة أمريكية جديدة في المنطقة وفق التعريف الجديد». هذا الكلام يعني أن تركيا ترفض الإذعان لما تقوله أمريكا وإسرائيل بشأن اعتبار المقاومة مرادفاً للإرهاب. الموقف الأردوغاني في نقد المفهوم الأمريكي للإرهاب يكتسب قوة مضافة من كون تركيا داخلة في اتفاق شراكة استراتيجية وقعته سنة 2006 مع أمريكا، ويسهم كذلك في كسر الحواجز النفسية التي ظلت تحول لفترات طويلة دون إدانة إسرائيل علناً. موقف أردوغان يقول إن نقد إسرائيل ليس ممكناً فقط، وإنما هو واجب والتزام أخلاقي قبل أن يكون عملاً سياسياً. أردوغان قال للعالم بموقفه في دافوس: «إن تركيا لن توضع علي مائدة الطعام ليأكلها النظام العالمي بعد اليوم».
المستشار طارق البشري يكتب هذه إمارة شرم الشيخ.. فأين دولة مصر؟
لكي نفهم ما يجري في بلدنا وما تنتهجه السياسة الرسمية لدينا، علينا أن نستحضر نص خطاب ذكره السيد رئيس
الجمهورية فيما ذكر، أمام الهيئة البرلمانية للحزب الوطني الديمقراطي، وهو الحزب الحاكم لأكثر من ثلاثين سنة مضت، وذلك بمناسبة بدء الدورة البرلمانية لمجلسي الشعب والشوري في سنة 2003 - 2004.

جاء هذا الخطاب في 11 نوفمبر سنة 2003 وأذاعه السيد صفوت الشريف الامين العام للحزب بصحيفة الأهرام في 12 نوفمبر في الصفحتين الأولي والثالثة.

تحدث رئيس الجمهورية عن زيادة السكان في مصر ونبه إلي مخاطرها بقوله: «إننا لا نريد يوماً أن نصل إلي تلك الدول التي لا تهتم سوي بنسبة 10% من سكانها، وتترك الآخرين في العشوائيات دون رعاية أو تعليم، نريد أن نحافظ علي مقومات هذا البلد وزيادة مواردنا.. وكان من عناوين الصفحة الثالثة، «.. ولا نريد
الوصول إلي مستوي دول لا تهتم سوي بنسبة 10% من سكانها وتترك الآخرين في العشوائيات».


وهكذا، وضعت الحكومة ضمن بدائلها السياسية التي تطرحها أمام نفسها بوصفها القوامة علي شئون المجتمع ألا تهتم بأكثر من 10% من «سكان مصر» وتترك الباقي بغير رعاية، لأن «السكان» أنجبوا كثيرا، وكان مما يتلاءم مع هذا الأمر أن يشار إلي المصريين باعتبارهم «سكاناً»، لأن وصف المواطنة لن يعني في هذه السياسة إلا نسبة 10% فقط.

ونحن في الحقيقة لم يصل إلي معارفنا أن أي حكومة أعلنت لشعبها هكذا جهارا أنها لن تهتم إلا بنسبة 10% وأن تترك باقيهم «بغير رعاية»، ولكن هذا ما حدث وقد أعلن السكان المصريون بهذا الأمر علي صفحات الجرائد واسعة الانتشار وفي عناوين صدر الصفحات.

وبعد ذلك بقي «السكان» يتساءلون في دهشة عجيبة: لماذا تصنع الحكومة كذا ولا تصنع الحكومة كذا ولا تصنع كذا، ولماذا تتخذ هذه السياسة ولا تتخذ سياسة أخري متاحة وممكنة؟ وذلك دون أن يتفكروا في سؤال آخر، وهو هل هذا الصنيع أو هذه السياسة مما ينتج عن اختيار بديل الـ 10%، ومن ثم يتحول أمر 10% من بديل محتمل إلي اختيار تم وينفذ فعلاً، وإلي واقع يجري عملاً.

وعلينا أن نتأمل هذا التصور في التطبيق وفي واقع الحال الذي يدور حولنا، وذلك عندما
ننظر في التعليم مثلاً وكيف ترك التعليم العام الذي تديره الحكومة يتهدم ويستشري فيه فساد الدروس الخصوصية، وهو التعليم المعد للشعب المصري بطبقاته الوسطي، ثم ظهرت مدارس خاصة أجنبية لأبناء صفوة الصفوة في المجتمع بمصروفات بالغة الارتفاع لا يقدر عليها أبناء طبقة المهنيين الذين تتكون منهم أجهزة إدارة الدولة ولا فئات ذوي الدخل المحدود من أصحاب الرواتب والأجور والمهايا، وكذلك عندما ننظر في أمر التعليم الجامعي وتهدم أركان الجامعات المصرية ذات التاريخ والشموخ العلمي والرصانة الفكرية، ونشوء أكثر من ست عشرة جامعة أجنبية بمصروفاتها الباهظة، وكذلك الشأن في الصحة ونفقات العلاج، وكذلك عندما تنظر في أسلوب تعامل الحكومة مع حادث مثل غرق العبارة، فإن كل خسائر العبارة من أرواح إنما ينتمي لا إلي نسبة 10%، ولكن إلي غيرهم من السكان، فلم يكن ثمة اهتمام بالأمر يتناسب مع ما ظننا أنه يستأهله وكذلك الشأن بالنسبة لحادث صخرة الدويقة التي ردمت تحتها من أجساد البشر أفراداً وأسراً بكاملها مالم يعتن أحد حتي بإحصائهم، ثم مسألة الخبز نوعا وجودة وشحا ووجودا، وهل هو مما يناسب غذاء البشر أم يقف عند حدود علف البهائم، وهذا كله وغيره من تطبيقات «ترك الآخرين في العشوائيات دون رعاية»، لأن الحكومة يمكن أن تكتفي بنسبة 10% من السكان كما أعلنت.

لسنا في مجال متابعة التطور التاريخي للدولة المصرية وتصوراتها علي مدي الثمانينيات والتسعينيات من القرن العشرين والعشر الأوائل من القرن الحالي، ولكن يمكن القول بإيجاز شديد إن وضع الدولة المصرية الآن وبعد تردد شديد وأخذ وجذب متتالتين علي مدي الثمانينيات والتسعينيات، حُسمت الأوضاع بداخلها لصالح هذا البديل، بديل الاكتفاء باهتمام الدولة بنسبة 10% من «السكان»، وذلك من نهايات سنة 1999 بالتعديل الوزاري الذي جري في أكتوبر 1999 وتعيين الدكتور عاطف عبيد رئيساً للوزراء، وهو كان مسيطراً علي قطاع الأعمال العام منذ 1991 عندما صدر القانون رقم 203 لسنة 1991، وسيطر علي أكثر من ثلاثمائة شركة إنتاج صناعي وزراعي وتجاري وسياحي وغيره، وأدت سياسته المنفذة غير المعلنة إلي ما أصاب هذا القطاع من توقف الأعمال وف
قد العمالة الماهرة والخروج من الأسواق وتراكم المديونيات وغير ذلك وكان تولي الوزارة منبئاً عن سيادة هذا الاتجاه السياسي في إدارة شئون البلاد توطئة للبيع وإكمال تفكيك الأبنية الإدارية للهيئات والمؤسسات والشركات وغيرها.

وجاء خطاب الهيئة البرلمانية سالف الذكر في 11 نوفمبر 2003 في ظل هذا الوضع الذي ساد وسيطر وحده في قمة الدولة، ثم تلاه بعد ثمانية أشهر تعديل وزاري رأس فيه الوزارة الدكتور أحمد نظيف في 10 يوليو سنة 2004 ومعه الطاقم الذي نشهده حالياً، والذي قام ويقوم بتنفيذ هذه السياسة التي تبلورت علي مدي السنوات الأربع السابقة منذ 2000 وأعلنت في 2003.

وقد طرحت للتنفيذ الفعلي والسريع هذا المشروع، ومارست وتمارس ما أظنه مفاصلة تامة مع ما لا يقل عن نسبة 90% من «السكان»، أو بعبارة أدق أنها تمارس سياسة لا تفهم إلا علي أساس أنها تتبع هذه المفا
صلة، وطرحت ما سمته ببيع أصول مصر، من شركات ومصانع سبق توقيفها ومرافق سبق تعطيلها وأراض ومستشفيات وفنادق كان لحقها البوار، وذلك لتدخل الملكية العامة الثابتة بنسبة 90% من «السكان» في نطاق المال المملوك للجماعة السياسية الجديدة، جماعة نسبة 10% أو أقل حسبما قرر هذا الوضع الجديد.

وهكذا يجري الأمر، فرز وتجنيب ثم مفاصلة، ونحن لا نعرف حقيقة النسب، وهل هي 10% أو أقل؟ ومن يقدر علي إجراء الفرز يستطيع أن يحدد ما يريد وما يحتمل من نسب قد تكون أقل، ومن لم يخش من 90% لن يخشي أيضا من 95% من «السكان».

ولكننا هنا نقيد أنفسنا بما قيل عيانا جهارا بياناً نهاراً لندرك كيف يفكر المسئولون وبأي تصور سياسي يديرون الأمور؟

لقد كان من أهم العقبات التي تواجه تنفيذ هذا التصور هو التركيب العضوي لجهاز إدارة الدولة، المدني وال
خدمي والاقتصادي والعسكري والأمني، لأن جهاز إدارة الدولة في مصر إنما يتكون من عينة مصرية لا تميز أهل إقليم علي آخر ولا أهل طائفة علي أخري ولا أهل مذهب ولا أهل قبيلة أو أسرة، لما تتمتع به مصر من امتزاج شعبي نادر الحدوث في مجتمعات أخري كثيرة، وما يدعو للتساؤل هو كيف يجري الإعداد العضوي والثقافي والطبقي لجماعة محدودة تدير شأن هذه النسبة المتصورة للجماعة السياسية المصغرة المختارة نسبة الـ 10%، ولكي تنمحي النظرة الشاملة التي اعتادها العاملون بجهاز إدارة الدولة وتحل محلها نظرة محصورة لجماعة محصورة في هذا النطاق الضيق.

لقد جري ذلك عبر التسعينيات من القرن العشرين، وكنت أشرت إليه في كتابات سابقة، وذلك بتفكيك المجتمع وجهاز إدارة الدولة، فلم يعد أي مكون من مكونات المجتمع أو جهاز الدولة قادرا علي معارضة سلطات رئيس الدولة بوصفه فردا يتربع في أعلي السلطة، ولا قادرا علي الممانعة لأي سياسة تتخذ حتي إن كانت ضد هيئات الدولة ومؤسساتها ذاتها.


ذلك إنه أعيدت هيكلة نظم التوظيف في الدولة في بدايات التسعينيات بحيث صارت وكأن جميع القيادات في الدولة وظائف مؤقتة تمد سنة بسنة أو سنتين أو ثلاث بمثل مدتها، وسواء في ذلك الوظائف القيادية في أجهزة الدولة المعنية المتعلقة بالسيادة وبالخدمات، وأجهزتها في قطاع الأعمال الاقتصادي أو في الجيش أو في الشرطة، وأدي ذلك إلي أن تحول أي من هذه القيادات من ذوي مركز قانوني يكفل لهم قدرا من الضمانات في البقاء في عملهم وقدرا من الاستغلال في اتخاذ القرار وإبداء الرأي الفني والمهني، تحولوا من ذلك إلي مجرد تابعين لمن يعلونهم سواء وزيراً أو رئيس جمهورية، إن لم يأتمروا بالأوامر فسيسقطون كأوراق الشجر الذابلة بغير حاجة إلي فصل.

يضاف إلي ذلك أن أجر أي وظيفة كان يكفي صاحبها، كفالة لضرورياته هو وأسرته وفق المستوي الاجتماعي للشريحة الاجتماعية التي تحيط به، وكان لوظيفته ولأجره منها من الضمانات القانونية والقضائية ما يكفل تأمين العامل، ثم حدث أن زادت الأسعار علي مدي العقدين الماضيين بما يفوق زيادة الرواتب أضعافا مضاعفة، فلم يعد أي راتب يكفي صاحبه وأسرته ضرورات عيشهم، وألجأ هذا الوضع العاملين إلي البحث عن مورد آخر مكمل، فانحرفت قلة ووجدت في الفساد وأساليبه مغنما، والأغلبية بحث أفرادها عن عمل آخر إضافي مكمل، فتوزع انتماؤهم بين عملهم الأصلي وعملهم
الإضافي، ولأن العمل المكمل يكون لقاء أجر غير ثابت بغير ضمانات قانونية، فقد صار هو ما يخشي عليه العامل ويوليه اهتمامه الأكبر، وذلك علي حساب عمله الأصلي، وشيوع هذا الأمر بين العاملين من شأنه انهيار المؤسسة الأصلية التي يعملون بها لانصراف العاملين فيها عن مدِّها بالقدر الأهم من أنشطتهم واهتماماتهم.

يضاف إلي ذلك أن أي مؤسسة إنما تنشأ بوصفها تشكيلاً نظامياً يضم من الخبرات والمهارات ما يتفق مع نوع نشاطها، وهي في عملها تكتسب خبرات متزايدة بما يضاف إلي رجالها من تجارب وما يؤدونه من أعمال، فإذا توقفت فقد فقدت هذا النبع من الخبرات ولحقها من الصدأ ما يلحق الآلات التي لا تعمل، والحاصل أن كثيرا من الأجهزة والمؤسسات في الدولة وقطاع الأعمال قد توقف عن أداء عمله المنوط به في هذين العقدين الأخيرين، لأنه لم يعد ثمة خطة اقتصادية تتبع ولا مشروعاً وطنياً ينفذ ولا خدمة اجتماعية تؤدي بجدية ولا مالاً ينفق بما يكفي أيا من ذلك.


وانصرف العاملون ذوو الخبرة عن أعمالهم، وكذلك الشأن إذا ارتبط بأي مؤسسة ما يجاوز أصل تخصصها وما أعدت من أجله.

هذا من ناحية تفكك أجهزة إدارة الدولة ومؤسساتها، أما من ناحية هيئات المجتمع الأهلي مثل النقابات والاتحادات وغيرها، أو الهيئات الرسمية ذات الاستقلال الذاتي كالجامعات، فقد جرت في كل ذلك تعديلات في القوانين بما يفقد أيا منها درجة استقلاله الذاتي مثلما حدث بالنسبة للجامعات، وكذلك صدرت قوانين واتبعث إجراءات كان من شأنها تفكيك الهيئات ذات التماسك كالنقابات المهنية أو السيطرة الكاملة الأمنية علي الهيئات الأخري كالنقابات العمالية واتحادات الطلبة، ولا أريد أن استطرد في ذكر التفاصيل حرصاً علي الوقت والمساحة، وحرصاً علي سرعة بلوغ المسألة التي أريد إيضاحها.

والحال أن القوة الاجتماعية والسياسية ترد من العمل الجماعي لا من الجهود الفردية، وهي ترد من العمل الجمعي المشمول بتشكيل تنظيمي، ولا فعل إلا بقوة ولا رد فعل إلا بقوة، ولا تأثير إلا بقوة ولا ممانعة إلا بقوة، والحال أيضا أن الحركة الاجتماعية والسياسية لا تنفذ بآثارها إلا بهذه القوة الجماعية المنظمة، وأن أي حراك شعبي أو جمعي من أي نوع وفي أي مجال يرد بغير قوة منظمة وإنما يكون حراكا عشوائيا ما يلبث أن يتفرق شعاعاً وأن يتشتت بددًا لا يبقي له أثر يذكر، لذلك فإن التنظيم هو ما يكون عليه المعول في حساب القوي وإدراك الآثار المتفاعلة في المجتمع للجماعات والفرق المختلفة.

ومن هنا ندرك مغزي ما سبق ذكره عن التفكك الحادث، وندرك أي خسارة فادحة لحقتنا من جراء هذه السياسة التي اتبعت منذ التسعينيات بشكل منظم وآتت بنتائجها المدمرة من نهاية التسعينيات حتي اليوم، إذا ننظر إلي أنفسنا اليوم فنجد أنفسنا ساخطين دون همة، وغاضبين دون عزم، وأن السخط والغضب يأتي منهما الوعي بالسوء والقبح والفساد، أما الهمة والحزم فيأتي بهما التشكيل التنظيمي للساخطين والغاضبين، وأنا لا أقصد هنا فقط انفكاك التنظيمات الشعبية والأهلية، ولكن أقصد أيضاً انفكاك تنظيمات الدولة فيما عدا ما يقوم علي الأمن السياسي للنظام الحاكم، ومن هنا نلحظ هذا الوهن العجيب، فننظر إلي الجماعة الحاكمة فنراها لا تعرف كيف تحكم ونراها واهنة العزم خائرة القوة إلا فيما يتعلق بمنع المظاهرات، ثم ننظر إلي المعارضة فنراها تقف عند حدود التعبير الكلامي عن المواقف وعند حدود الإدراك الصحيح الصائب لما يتعين أن يقوم، ولكنها لا تستطيع أن تحول هذه الرؤية إلي قدرة تغيير فعلي.


لقد حدث في مصر علي مدي الثلاثين سنة الماضية ما حدث في العراق علي مدي السنوات الخمس الماضية، نحن دائماً في مصر نجري التغييرات بالأسلوب «السلمي المشروع البطيء» والتعديلات الهيكلية الجزئية البطيئة التي تتراكم، وهم دائماً في العراق تجري التغييرات بالأسلوب العنيف السريع، سواء كان التغيير للأحسن أو للأسوأ.

في مصر خضعت الإرادة الوطنية للدولة لإملاء الهيمنة الأمريكية عليها، خضعت بالتدريج وكمل ذلك علي مدي عشر سنوات أو أكثر، وفي العراق أجري ذلك بعملية احتلال عسكري أمريكي سريع وتعيين حكومة موالية «للأمريكيين».

في مصر تحطم النظام الاقتصادي الوطني المستقل علي مدي ربع القرن وصار إلي التبعية للهيمنة الدولية، وفي العراق جري هذا التحول في أشهر قليلة بعد الاحتلال العسكري الأمريكي، وفي مصر تعطلت المصانع ــ مصانع القطاع
العام ــ بالترك العمد والإهمال المقصود علي مدي نحو خمس عشرة سنة وفي العراق جري ذلك في شهور أيضاً، وبالنسبة لجهاز إدارة الدولة في مصر فقد جري تفكيكه وجرت العملية من أوائل التسعينيات، وتمت ذات العملية بالتدمير السريع في العراق فور دخول القوات الأمريكية، أما من حيث الخسائر البشرية فهي في العراق تحدث بالرصاص والتفجيرات، وفي مصر تحدث بغرق العبارات وتصادم القطارات والحافلات وسقوط الصخر علي البشر أي بالطريق السلمي المشروع، والنتيجة أن المجتمع مفكك والدولة مفككة وأن القوة النظامية الوحيدة وهي شرطة الأمن السياسي، لم تعد حافظة لحكومة القلة فقط، ولكنها حافظة أيضاً لوضع التفكك الذي يضمن بقاء هذه القلة. وقد شكلت أجهزة الإدارة التي تناسب المجتمع الجديد المصغر، فتفتق الحزب الوطني عن لجنة السياسات، وجرت السيطرة علي بنوك القطاع العام بطاقته التمويلية عن طريق كوادر جديدة، ومع تغير الوزارة، نشأت حول كل مجموعة شباب، اختير بغير خبرة سابقة في أجهزة الدولة وبرواتب ضخمة جدا، وكل ذلك بعقود مؤقتة حلت محل الوظائف الثابتة حتي لا يكون لأحد قدرة علي الاعتراض.

هذا هو الوضع السياسي والاجتماعي والتنظيمي الذي يتناسب مع تحقيق مجتمع الــ 10% المعلن عنه، وقد يعمل العاملون علي تخفيفه بنسبة أقل من ذلك كثيرا، فنحن لا نعرف النوايا، ولكن المهم هو الإشارة إلي ما هي خصائص هذا المجتمع التي يمكن أن نستقرئها من الواقع الحالي ومن متابعة الأحداث الجارية. فنحن نلحظ مثلاً أن القاهرة لم تعد هي المدينة التي تمارس فيها فعلاً حكومة البلاد ولم تعد مقرًا لحاكم مصر الفرد القائم علي أزمة أمور البلد والمقرر لسياستها فيما كبر أو صغر من الشئون، صار مقره الدائم أو الذي يقيم فيه عادة هو مدينة شرم الشيخ علي شاطئ خليج العقبة جنوب شبه جزيرة سيناء وصارت هي المقر الذي يقابل فيه رجال الدولة ويعقد فيه اجتماعاته مع رؤساء وممثلي الدول الأجنبية وهو مكان عقد فيه ما يسمي بلقاءات القمة وبلغ من اطراد هذا الأمر والاعتياد عليه أن المؤتمر الدولي للاتحاد الأفريقي الذي ينعقد بحضور رؤساء الدول الأفريقية كان انعقاده الأخير السنة الماضية في شرم الشيخ رغم أن شرم الشيخ في آسيا وليست في أفريقيا بما يعني أن مؤتمر قمة الاتحاد الأفريقي لم تجد له حكومة مصر في أرضها الأفريقية الفسيحة مكانا لانعقاده فانعقد في آسيا.

وأن شرم الشيخ التي تمارس فيها وظائف العاصمة هي في الجزء الشرقي من سيناء وهو الجزء منزوع السلاح المصري بنص الاتفاقية المصرية - الإسرائيلية وهي ليست تحت سيطرة القوات المسلحة المصرية فمحظور علي مصر بموجب هذه الاتفاقية أن تتواجد فيها قوة من قوات مصر المسلحة، وهذا يعني أن أقرب القوات المسلحة لشرم الشيخ بحكم التواجد وبحكم إمكان التواجد الدولي المتاح هي القوات المسلحة الإسرائيلية براً وجواً وبحراً وهذا يذكرنا تاريخياً بوضع السلطان «محمد وحيد الدين» سلطان الدولة العثمانية الأخير بعد الحرب العالمية الأولي إذ كانت إقامته في اسطنبول وكانت تحيط به القوات الأجنبية المنتصرة علي تركيا في تلك الحرب وهذا ما من أجله نقل «كمال أتاتورك» العاصمة إلي أنقرة في قلب بلده وفي وسط الأناضول.

إن كان هذا هو شأن المدينة التي تمارس فيها الدولة مهام العاصمة في هذا الوضع الجديد وهي بعيدة عن وادي النيل الذي يسكنه ما جري التعبير عنه بأنه 90% من السكان فما هو شأن التمويل إننا نعلم أن ميزانية الدولة تمول بمصادر إيراد يرد من شئون المصريين كلهم، مما ينتج عن الزراعة في وادي النيل وعن المصانع التي تنتشر علي طول مدن الوادي وأرضه ومن عمل العاملين المصريين عمالاً وموظفين ومهنيين وحرفيين ومن ضرائب استهلاك هؤلاء جميعاً فكيف يمكن الاستغناء «بقدر الإمكان» عن هؤلاء بوصفهم مصادر إنتاج واستهلاك وعمل وغيره، إن تمويل هذه الإدارة الجديدة للدولة في وضعها المصغر يمكن أن يأتي من دخل البترول والغاز وهو مبلغ يدور حول 9 مليارات ودخل قناة السويس وهو يدور 4 مليارات وعوائد المصريين المقيمين بالخارج وهو يدور حول 6 مليارات ثم السياحة وهي تدور حول 8 مليارات وكل هذه الدخول لا تحتاج إلي وادي النيل في مصر وهو موطن أكثر من 90% من السكان ولا تنتج في الأساس عن أنشطة إنتاجية خاصة بسكان هذا الوادي وهم يزيدون علي 90% من السكان وحتي النشاط السياحي صار جزءاً غالباً فيه يرد من سياحة شواطئ البحر الأحمر وليس من أرض الوادي ولا من آثار هذا الوادي.

ونحن هنا أمام مداخيل اقتصادية تتشابه إلي حد ما مع مداخيل إمارات الخليج العربي وأن الاعتماد الأساسي عليها في تشكيل دولة الــ 10% يحيل الدولة إلي إمارة شبه خليجية والفارق أن إمارة شرم الشيخ تقع علي الشاطئ الغربي للجزيرة العربية بينما تقع قريناتها علي الشاطئ الشرقي لشبه الجزيرة وإماراتنا قد تحتاج إلي بعض عمالة تأتيها من وادي النيل، خاصة في شأن الخدمات وفي شأن حفظ الأمن وهذا من الصفات الشبيهة بصفات تجدها في إمارات الخليج التي تعتمد علي عمالة تأتيها من خارجها ولأنها إمارة تعتمد علي الدخل الريعي وليس الدخل الإنتاجي فهي لا تحتاج إلي فلاحين ولا إلي عمال، يكفيها خبراء في الإدارة وموظفين صغار وخدمة كما يكفيها من القوات الحامية لها قوة الشرطة علي أن تكون هذه القوة شديدة البأس صعبة المراس ذات بطش وقسوة.

وأن نظرية الأمن القومي لهذه الإمارة لابد أن تكون مختلفة تماماً عن مثيلاتها الخاصة بمصر التي نعرفها أو بعبارة أخري عن باقي مصر الذي نعرفه وهذا الباقي من مصر الذي يشكل 90% أو أكثر هو أرض وادي النيل والذي لم يعد وطناً مشمولاً بالرعاية وما عليه من بشر هم سكان وليسوا شعباً بالمعني الذي يعرفه القانون الدولي العام، إن ثمة إمارة انسلخت من الدولة الأم وأخذت اسمها ووصفها القانوني ومركزها الدولي وأن أي دولة منسلخة تختلف نظرتها إلي أمنها القومي عن النظرية السائدة لدي الدولة الأم بل هي تكون ضد هذه النظرية لذلك فإن الجزء المنسلخ يعتبر الدولة الأم عدوه الأول والأكبر ومصدر الخطر الدائم عليه ومتي تعين العدو الأول، فقد تعين أيضاً الحليف الأول وهو عدو العدو، والإمارة المنسلخة في هذا التصور لا تجد حليفاً لها إلا من كان يخشاه الوطن الأم ويعتبره خصماً له وخطرا عليه، من هنا نفهم الموقف الأخير الذي كشفت عنه أحداث غزة الأخيرة في ديسمبر 2008، كما نفهم هذه السياسة التي قامت وهي سياسة تمارس وتطبق ضمنا وعلانية وسراً وجهراً وهي أن ثمة تحالفاً استراتيجياً يقوم بين الحكومة الحاضرة والولايات المتحدة الأمريكية وليس من الممكن فهم هذه السياسة إذا نظرنا إلي الأمر بوصفه علاقة بين مصر والولايات المتحدة، لأن الولايات المتحدة ومعها إسرائيل شنت علي هذه المنطقة من الحروب ولا تزال تفعل ما يجعلنا نراها عدوانا مستمراً من الجانب الأمريكي الصهيوني علينا.

إنما يُفهم الأمر إذا نظرنا إليه باعتباره وصفاً للعلاقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وبين الإمارة المنسلخة من مصر، إمارة الــ 10% أو أقل من السكان، من جهة أخري.

أمامنا مهمة كبيرة، أن نعيد مصر إلي الوجود بإذن الله تعالي فنجمع ما تفرق ونركب ما تفكك وأن نرمم أبنيتها الإدارية المتصدعة وأن نجبر ما تكسر من عظامها هذا بالنسبة لأجهزة إدارة الدولة، أما بالنسبة للتنظيمات الشعبية والأهلية فأمامنا مهمة الإعداد الجديد لتنظيمات جديدة علي كل مستويات العمل الشعبي والأهلي النقابي وغير النقابي والجمعيات والاتحادات وغيرها.

خصائص العدوان على غزة.. والجدال - مرة أخرى - حول النصر أو الهزيمة


خصائص العدوان على غزة.. والجدال - مرة أخرى - حول النصر أو الهزيمة

ضيـاء رشـوان

يوضح النظر المدقق للحرب الغاشمة التى شنتها آلة الحرب الإسرائيلية لأكثر من ثلاثة أسابيع على غزة أنها اتسمت بمجموعة من الخصائص التى انفردت بها عن الحروب السابقة التى هاجمت فيها إسرائيل أطرافاً عربية بينما اشتركت معها فى خصائص أخرى.

وأولى الخصائص الرئيسية التى تفردت بها هذه الحرب هى أنها الأولى منذ عام ١٩٤٨ التى يمكن وصفها بأنها حرب إسرائيلية – فلسطينية صافية.

فالحرب دارت على جزء من أراضى فلسطين التاريخية وطرفها المعتدى عليه كان هو الشعب الفلسطينى وحده والقوى التى قاومت العدوان كلها فلسطينية دون أى مشاركة من جندى أو مقاتل واحد عربى أو مسلم، وهو ما لم يكن عليه الحال فى جميع الحروب والاعتداءات السابقة التى شنتها الدولة العبرية وامتدت إلى أراض عربية خارج فلسطين وشملت بالإضافة للفلسطينيين أطرافاً عربية غير فلسطينية.

فقد كان الفلسطينيون فى غزة وفى مقدمتهم قوى المقاومة الباسلة وعلى رأسها حركة حماس هم وحدهم الذين يواجهون العدوان كما كانوا وحدهم قبل أكثر من ستين عاماً عندما اجتاحت بلدهم العصابات اليهودية – الصهيونية لتقتلهم فيها وتطردهم منها وتقيم عليها دولتها المغتصبة، قبل أن تدخل الجيوش العربية الحرب ضدها بعد إعلانها فى ١٥ مايو ١٩٤٨ وتحيق الهزيمة بها جميعاً.

وكان الانفراد الثانى لهذه الحرب على الساحة الفلسطينية، حيث عرفت للمرة الأولى منذ قيام الدولة العبرية وانطلاق المقاومة المسلحة بجميع فصائلها انقساماً حاداً بينها فى لحظة عدوان عسكرى إسرائيلى هو الأوسع من نوعه على الشعب الفلسطينى منذ ١٩٦٧، ظهر فيه تحالف يضم بعض هذه الفصائل أو أجنحة منها يقوده رئيس السلطة الفلسطينية المنتهية ولايته محمود عباس مسانداً بأحد أجنحة حركة فتح، وكأنه يدعم «العدو» فى مهمته الساعية إلى تصفية وتدمير صفوف وقواعد المقاومة فى غزة التى تمثلها حركة حماس والجهاد الفلسطينى والجبهة الشعبية وغيرها من الفصائل المتحالفة معاً فى مواجهته.

إلا أن تورط قيادات هذا التحالف الفلسطينى الفصائلى المعادى للمقاومة فى كثير من المواقف السياسية والإعلامية التى بدت مبررة للعدوان الإسرائيلى ومساندة له، قابله على النقيض تماماً موقف عام من أبناء غزة المدنيين ساندوا فيه المقاومة دون أى تخاذل أو شكوى من الثمن الباهظ الذى دفعوه من دماء الأبرياء من الشهداء والجرحى، فلم يجد أى من خصوم المقاومة من الفلسطينيين أو العرب أو أى وسيلة إعلام واحداً من هؤلاء المدنيين الصامدين لكى يكرر حججهم الفارغة حول مسؤولية حماس وفصائل المقاومة عما أحدثه الإسرائيليون بهم أو أن يدين المقاومة على دفاعها المستميت عن شعبها وأرضها.

وهنا تظهر الخاصية الثالثة لهذه الحرب العدوانية على غزة وهى قد ظهرت للمرة الأولى بنفس الطريقة تقريباً فى العدوان الإسرائيلى على لبنان عام ٢٠٠٦، فقد تكرر على المستوى العربى الرسمى وبعض فئات النخب العربية ما ظهر على ساحة الفصائل الفلسطينية من وجود تحالفات ومواقف مساندة للعدوان الإسرائيلى كانت تتمنى فى لبنان أن يسحق مقاومة حزب الله وفى غزة أن ينهى وللأبد مقاومة حماس وشقيقاتها من فصائل المقاومة المسلحة.

نعم تشير بعض الوثائق السرية التى نشرت مؤخراً لمجريات بعض الحروب الإسرائيلية – العربية السابقة إلى أن أنظمة عربية معروفة قد ساندت سراً الدولة العبرية فى عدوانها من أجل التخلص من أنظمة أخرى تعاديها فى الفكر والتوجه، إلا أن ذلك كان يتم سراً ودون مجاهرة به كما حدث للمرة الأولى فى حرب لبنان ٢٠٠٦ وتكرر بفجاجة وفجور فى حرب غزة الأخيرة. وتبدو الخاصية الرابعة متكررة أيضاً وفقط فى الحربين الإسرائيليتين الأخيرتين على لبنان وغزة دون غيرهما من الحروب السابقة،

حيث ظهر فيها دور إقليمى غير عربى مثلته إيران التى بدت من ناحية الداعم العسكرى والسياسى الأكبر لقوى المقاومة سواء فى لبنان أو فلسطين، وبدت من ناحية أخرى وللمفارقة «العدو الأخطر» الذى انصرفت جهود النظم العربية المسماة بالمعتدلة لمواجهته – ومعه المقاومة – فى تحالف معلن أو مستتر مع إسرائيل التى اشتبكت مع بعض بلدان تلك النظم فى حروب عديدة خلال الأعوام الستين الماضية بينما لم تكن إيران طرفاً فى حرب مع بعضها خلال تاريخها كله وخاضت حروباً مع بعضها الآخر يعود أقربها إلى أكثر من ١٤٠٠ عام.

أما الخاصية الخامسة الرئيسية للحرب الإسرائيلية على غزة فهى قد تكررت فى جميع الحروب الإسرائيلية العربية تقريباً ما عدا نكبة ١٩٤٨ وعدوان ١٩٦٧، وهى التنازع ما بين الطرفين العربى والإسرائيلى وبداخل الساحة العربية حول نتيجة الحرب بعد أن تضع أوزارها، وهل كانت نصراً أم هزيمة لأى من الجانبين.

فقد كانت نتيجة حربى ١٩٤٨ و١٩٦٧ واضحة بما لا يدع مجالاً للاختلاف حولها، فقد منى العرب بهزيمة ثقيلة ضاعت فى الأولى منها معظم أجزاء فلسطين التاريخية وفى الثانية ما تبقى منها بالإضافة لأراض مصرية وسورية. أما الحروب الأخرى، بما فيها حرب أكتوبر ١٩٧٣ المجيدة والتى حقق فيها الجيش المصرى نصراً استراتيجياً لاشك فيه فى بدايتها، فقد دب النزاع حول نتائجها النهائية وبخاصة على الجانب العربى وما إذا كانت انتهت بالنصر أو الهزيمة له.

والحقيقة أن أحداً لا يمكنه أن يحسم نهائياً مثل هذه النوعية من الجدال حول نتائج حروب متعددة الأهداف والجوانب مثل تلك التى جرت مؤخراً فى غزة وقبلها فى لبنان، إلا أنه يبقى مع ذلك بعض المعايير التى يمكن الاحتكام إليها للانحياز إلى نتيجة أقرب إلى النصر أو الهزيمة.

وقد نكون هنا بحاجة إلى استعادة بعض ما نشرناه فى هذه المساحة حول نفس الجدال أثناء العدوان الإسرائيلى على لبنان من أجل قراءة أدق لنتيجة ما جرى فى غزة. وأول ذلك هو أن الحرب لم تكن أبداً مجرد استخدام أعمى لوسائل العنف والقوة من أجل التدمير والقتل، بل هى بالأساس تشن هجوماً أو دفاعاً من أجل الوصول لتحقيق أهداف سياسية عبر إخضاع إرادة الخصم أو العدو بحيث يقبل بعد هزيمته فيها ما كان يرفضه قبلها.

هذا التعريف البديهى للحرب الذى استقرت عليه الدراسات السياسية هو الذى يجب أن يكون المدخل الحقيقى للتعرف على ما انتهت إليه الحرب الإسرائيلية الغاشمة على غزة.

كذلك فإنه من البديهى الحديث عن الآثار المدمرة للحرب، أى حرب، على المدنيين والبلد الذى يخوضها وبخاصة إذا ما كان هو الأضعف فى ميزان القوى العسكرية من عدوه، وبخاصة أيضاً إذا كان هذا العدو غير ملتزم بأى قواعد قانونية دولية أو أخلاقية إنسانية فى ممارساته العسكرية.

إذاً فعلى الرغم من الأهمية الفائقة للنتائج المادية الكارثية للحرب سواء على المدنيين أو على البنية التحتية والهياكل الاقتصادية للبلد الذى يخوضها، فهى ليست المعيار الوحيد الذى يقاس به النصر أو الهزيمة فيها.

وبذلك يبدو واضحاً لنا أن عويل كثير من الكتابات والتصريحات وافتعالها الفزع من جراء التدمير الشامل الذى أوقعته آلة الحرب الإسرائيلية الإجرامية بغزة وأهلها من المدنيين الأبرياء لا يمكن أن يؤخذ بجدية فى هذا القياس.

فإسرائيل شنت تلك الحرب من أجل تحقيق أهداف ثلاثة أعلنها قادتها بوضوح: أولها هو تدمير البنية العسكرية والتحتية للمقاومة فى غزة وعلى رأسها حماس، وثانيها هو إنهاء قدرتها على إطلاق الصواريخ على جنوب إسرائيل، وثالثها هو إنهاء السيطرة السياسية لحماس على القطاع وتأليب سكانه عليها باعتبارها سبب ما أصابهم من دمار.

ولعل نتيجة أول الأهداف توضحها المصادر الإسرائيلية أكثر من غيرها والتى تحدثت عن مقتل نحو ٥٠٠ مقاتل من حماس بما يعادل ما بين ٣ و٥% فقط من عدد قواتها وهو نفس التقدير الذى تشير إليه مصادر قيادية بداخل الحركة.

كما بدا واضحاً أن العدوان الإسرائيلى على اتساعه وجنونه لم ينجح فى القضاء على مصادر دخول السلاح للمقاومة مما دفع الحكومة الإسرائيلية إلى توقيع اتفاقها الأمنى مع أمريكا للسعى إلى ذلك وهو ما تحاول الآن إشراك أوروبا الموحدة فيه، مما يدل وبوضوح على الفشل الذريع فى تحقيق الهدف الأول للعدوان.

أما إطلاق الصورايخ، والتى لو كانت غير مؤثرة كما يزعم بعض المتنطعين العرب والمصريين لما وضعت إسرائيل إيقافها فى مقدمة أهداف عدوانها، فقد تواصل حتى لحظة إعلان إيهود أولمرت وقف إطلاق النار الأحادى، وظل لدى المقاومة مخزونها الكبير منه كما تؤكد جميع المصادر الإسرائيلية المطلعة.

أما عن إنهاء السيطرة السياسية لحماس على قطاع غزة فقد كان هو الفشل الأكبر للعدوان الإسرائيلى والتواطؤ الفلسطينى الفصائلى والعربى الرسمى،

فكما أشرنا من قبل بدا جلياً التماسك الداخلى المبهر لجميع طوائف وفئات المجتمع الفلسطينى فى غزة حول حماس والمقاومة مما مكنهم من الصمود العسكرى فى مواجهة الآلة العسكرية الأكبر فى المنطقة والتى فشلت فى إخضاع غزة الصغيرة لها بعد أن احتلتها لنحو أربعين عاماً وظلت تراقبها بكل الوسائل الإلكترونية والبشرية بما يمكنها من معرفة كل شبر فيها.

خرجت حماس من العدوان أكثر قوة وسيطرة على غزة ومساندة من أهلها الصامدين، مما دفع إسرائيل وحلفائها إلى تغيير الإستراتيجية لتحقيق هدف إنهاء هذا الوضع عن طريق الحصار السياسى والمعونات الدولية لإعادة إعمارها، وهو ما يتطلب ربما رؤية أخرى لما يمكن أن تسير إليه الأمور خلال الفترة القريبة القادمة.

محنة غزة بين النكبة العربية والنجدة التركية


إبراهيم البيومي غانم أستاذ العلوم السياسية يكتب: محنة غزة بين النكبة العربية والنجدة التركية
فاجأت تركيا عدة أطراف دولية بهجومها الدبلوماسي المكثف علي الشرق العربي منذ اليوم الأول للعدوان النازي الإسرائيلي علي غزة. واستندت تركيا في هجومها هذا إلي عناصر قوة كثيرة تمتلكها، وأهمها: قوة شعبية حكومتها
بدلالة الانتخابات الديمقراطية، وقوة الاستراتيجية التي تتبناها كدولة إقليمية مركزية تدرك مكانتها وتتصرف بحجم هذه المكانة، وقوة علاقاتها بمختلف أطراف الصراع في المنطقة وفقاً لمبدأ «لسنا مع أحدهم ضد الآخر» الذي يعتبر من أهم المبادئ التي وضعها كبير مستشاري رئيس الحكومة التركية أحمد داود أغلو.


أول الأطراف التي فاجأتها الدبلوماسية التركية هو النظام الرسمي العربي، الذي لا يزال يتخبط في حالة مروعة من الهرج والمرج، ويعاني الإفراط في العبث إلي حد يبعث علي الغثيان؛ فمن صدام المبادرات العربية في «قاعات القمم» بين القاهرة، والدوحة، والكويت، والرياض، إلي الكوميديا السوداء، والتصريحات البهلوانية التي مارسها عدد من قادة هذا النظام الرسمي؛ معبرين تارة عن قلة الحيلة، والشعور بالعجز عن فعل شيء، أو متحولين تارة أخري ـ وبقدرة قادر ـ من حكام أصحاب سلطة وقرار، وقادة جيوش، وأصحاب فخامة وجلالة وسمو، إلي تقمص دور المواطن العادي الذي لا حول له ولا قوة، أو في أحسن الأحوال تقمص دور محلل سياسي من الدرجة الثالثة. أحدهم شرح لنا أسباب العدوان علي غزة ورده إلي رفض حماس تمديد التهدئة دون أن يقول لنا تمديدها إلي متي وتحت أي شروط؟ وآخر ذكر إحصائيات بأعداد الشهداء والجرحي وتوقع المزيد، وثالث ولول علي الضحايا من شهداء المحرقة، ورابع تبرع بقطرات من دمه الفاسد لدعم الفلسطينيين الذين تذبحهم إسرائيل بجواره. أما أمين عام الجامعة فقد اختار لغة مسجوعة تنتمي فقط إلي عصر المماليك حيث الركاكة اللغوية المتخمة بالمحسنات البديعية فارغة المعني.

مفاجأة تركيا للنظام الرسمي العربي بهجومها الدبلوماسي لم تفلح في إخراج هذا النظام من حالة الفوضي التي يتخبط فيها، بدليل أنها نأت عن الانغماس أكثر من اللازم في بهلوانيات القمم العربية. ويبدو أن جولة أردوغان الأولي بين دمشق وعمان والقاهرة والرياض كانت لجس نبض هذه العواصم الأمريكية؛ حيث توجد القوة التي يمكن الاعتماد عليها، وهو ما ظهر في تركيز الدبلوماسية التركية عملها مباشرة مع من بيدهم قوة الحل والعقد: حماس، ودمشق، والقاهرة،
وطبعاً تل أبيب. ويبدو أن تركيا ستحتاج إلي وقت أطول كي تمسك بنبض النظام العربي بعد أن فقدته لمدة طويلة قاربت ثمانية عقود بدأت بعد إلغاء الخلافة واستمرت إلي نهاية القرن العشرين.

ثاني الأطراف ـ وثالثها أيضاً ـ التي فاجأها الموقف التركي هو العدو الإسرائيلي والإدارة الأمريكية؛ وهما يرتبطان بعلاقات وثيقة مع تركيا منذ عشرات السنين. صمتت أمريكا علي رد فعل أردوغان صمتاً مريباً حتي الآن. أما إسرائيل فقد حاول بيريز استيعاب الموقف القوي الذي اتخذه أردوغان رداً علي الإهانة التي وجهها رئيس حكومة العدو إليه عندما زار أنقرة واجتمع به قبل خمسة أيام فقط من شن العدوان علي غزة، مؤكداً رغبة إسرائيل في متابعة المفاوضات غير المباشرة مع سوريا؛ دون أن يذكر له أي شيء عن نيته في مهاجمة غزة، فلما وقع الهجوم انتفض أردوغان لإدانته، ونقل القضية إلي برلمانه وعرضها أمام ممثلي شعبه الذي انتخبه، واعتبر أن أولمرت بكذبه وخداعه أهان الشعب التركي بأكمله، وليس شخص أردوغان فقط. خدعه كرئيس أحد أكبر ثلاث دول في الشرق الأوسط. وكأن أردوغان بهذا التأكيد أراد أن يلزم من سيأتي بعده ـ عندما يرحل عن رئاسة الوزراء لأي سبب، نفس سياسته تجاه إسرائيل؛ لأن إسرائيل خدعت تركيا كدولة وليس أردوغان كشخص. هذا ما قصدناه بالقول إن أحد مصادر قوة تركيا في تدخلها في أزمة غزة هو ديمقراطيتها، وقوة رؤيتها الاستراتيجية والتصرف بحجم مكانة الدولة وليس بأقل أو أصغر منها.

توالي التصعيد في الموقف التركي علي لسان أردوغان من تحميل إسرائيل المسئولية الكاملة عن العدوان، وتبرئة
حماس من رفض تجديد التهدئة، إلي المطالبة بتعقب قادة إسرائيل لمحاكمتهم أمام محكمة الجنايات الدولية بتهم ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، والمطالبة أيضاً بفرض عقوبات علي إسرائيل لعدم التزامها بقرارات مجلس الأمن رغم إلزاميتها، وكلها مواقف لم تجرؤ قيادة عربية واحدة علي الاقتراب منها؛ بل إن محمود عباس رفض التوقيع علي إحالة قادة إسرائيل للمحاكمة الجنائية الدولية!!. وتتناثر في الأيام الأخيرة معلومات تفيد أن جهاز الموساد الإسرائيلي يحذر من أن غضبة أردوغان قد لا تقف عند حد التنديد والإدانة الكلامية كما يفعل الحكام العرب، وإنما قد تنتقل إلي تجميد اتفاقية التعاون الاستراتيجي مع إسرائيل، وحرمانها من التسهيلات العسكرية الممنوحة لها بموجب هذه الاتفاقية.

تلويح تركيا لإسرائيل بأنها إزاء مقايضة بين استمرار علاقاتها معها إذا أوقفت العدوان، أو المغامرة بفقدان هذه العلاقات وخسارة المزايا الاستراتيجية العسكرية والاقتصادية إذا استمرت في عدوانها، هذا التلويح لم يدعمه موقف عربي مماثل ومنسجم مع «لغة المصلحة»، أو لغة القوة التي لا تفهم إسرائيل غيرها. وأردوعان لا يهزل، وسبق له أن ألغي اتفاقاً مع إسرائيل لصيانة طائرات إف 4 والدبابات التركية بمبلغ 20 مليار دولار؛ حتي لا تلوي إسرائيل ذراعه، وأحال المهمة لشركة تركية أدت المطلوب بكفاءة أفضل، وبتكلفة أقل.

جاء الموقف العربي الرسمي عبثياً هزلياً وقت الجد. وهذه الفجوة بين الموقف التركي والموقف العربي هي التي أضاعت الكثير من ثمرات الصمود الأسطوري للمقاومة الباسلة في ميدان المعركة لمدة بلغت أربعة أضعاف المدة التي استغرقها جيش العدو الإسرائيلي في تدمير أربعة جيوش عربية في عدوانها سنة 1967.

الخذلان العربي الرسمي لم يثن الدبلوماسية التركية عن الاستمرار في هجومها المكثف، علي طريقة الجولات المكوكية بقيادة أحمد داود أوغلو، الذي يعد بحق كيسنجر السياسة التركية، بل ستثبت السنوات المقبلة أنه يتفوق عليه. ولكن رغم قوة المساعي التركية وتفانيها وتأكيدها أكثر من مرة أنها تأخذ دور أحد، فإن فرص نجاح هذه المساعي ستظل محدودة هذه المرة. وستعمل إسرائيل والولايات المتحدة ـ إلي جانب الخذلان العربي ـ علي عرقلة الدور التركي والالتفاف عليه بكل السبل؛ كي تحرم تركيا من كسب مواقع لها في هذا الصراع، وكي لا تصبح لاعباً يصعب ترويضه فيما بعد، خاصة أن تلميحات أردوغان إلي أجداده العثمانيين ودورهم في حماية اليهود تحمل دلالات كثيرة باتجاه تكريس تركيا كدولة إقليمية كبري يجب أن يحسب حسابها، وأن زمن النظر إليها كعضو في حلف الأطلسي فقط قد ولي.

لا تمسك تركيا إذن بالمفتاح السحري لحل الصراع العربي الإسرائيلي دفعة واحدة، ولكن دخولها علي خط التفاعلات المتطاحنة فيه سيضيف له مذاقاً جديداً. قد يتمخض الدور التركي هذه المرة علي الأرض في صورة رئاستها قوات دولية يجري نشرها علي المعابر، أو علي حدود غزة في إطار ترتيبات العودة للتهدئة، علي غرار ما حصل في لبنان من إرسال قوات دولية بعد عدوان يوليو 2006، ولكن هذا الهجوم الدبلوماسي التركي فتح صفحة جديدة في علاقتها بالمنطقة، وسيكون له تأثيراته في قضاياها العالقة. وفي كل الأحوال فإن هذا التحرك التركي قدم درساً للدول العربية الكبيرة، خاصة مصر، في كيفية التصرف بحجم عمقها الحضاري، وعلي قدر مكانتها الدولية والإقليمية.

هل سينجح 'التمرد' ضد هيمنة النظامين المصري والسعودي على اليات العمل العربي؟




هل سينجح 'التمرد' ضد هيمنة النظامين المصري والسعودي على اليات العمل العربي؟ 
خالد الشامي
 كانت الضبابية مازالت تخيم امس على ما بدت وكأنها 'حرب قمم عربية' لاتقل في شراستها عن العدوان الاسرائيلي على غزة. وكانت الشكوك تتراكم حول اذا ما كانت اي من القمم ستنجح في اتخاذ القرارات القادرة على انقاذ اهل غزة من الثور الاسرائيلي الهائج. 
وبين قمة الكويت الاقتصادية المقررة الاثنين، وقمة الدوحة الطارئة من اجل غزة المقررة الجمعة، وقمة الرياض الخليجية الطارئة المخصصة لغزة المقررة اليوم، تزدهر بورصة التكهنات والتوقعات، ولسان الحال لدى البعض يقول: تعددت القمم والعجز العربي واحد. 
فهل قمة الرياض تهدف لمساعدة غزة حقا ام الى اجهاض قمة الدوحة؟ وما الجديد الذي ستقدمه لغزة هذه المرة، ولم تقدمه في اجتماعها الاخير؟ وهل ستنجح قمة الدوحة في حال انعقادها بمن حضر في اتخاذ قرارات عملية، ام انها ليست الا فرصة للانقلاب على هيمنة النظامين المصري والسعودي على آليات العمل العربي الرسمي؟ واين كل هذه القمم بينما كان اهل غزة يتعرضون للذبح طوال العشرين يوما الماضية؟ وهل سيؤدي جرح غزة الى تعميق الانقسام العربي بين محوري مصر ـ السعودية / قطر ـ سورية بدلا من ان تساعد في تقليصه؟ ام ان صراخ الضحايا في غزة ليس سوى دليل على المخاض الصعب الذي سيؤدي الى ولادة نظام عربي جديد، لايحتكره قادة ما يسمى بمحور الاعتدال؟
تبدو الاسئلة اكثر من الاجابات الا ان مجرد دعوة الدوحة للقمة الطارئة نجح دون شك في وضع ضغوط قوية على القاهرة والرياض اثمرت في الحالة الاولى عن تعديل الخطاب الرسمي المصري تجاه موقف حماس من مـــبادرة الرئيس مبارك بهدف التوصل الى وقف العدوان قبل يوم الجمعة مما سيؤدي عمليا الى افـــراغ قمة الدوحة من مغزاها، وفي الحالة الثـــانية اجبرت السعودية على الدعوة الى قمة 'استبــاقية' بهدف حرمان قطر من شرف السبق لعقد قمة من اجل غزة. 
انه صراع قديم/ جديد يتجاوز السياسة الى الاعلام ولا تقصه الابعاد الاقليمية، لكنه يبدو عند هذه النقطة يصل الى ذروة غير مسبوقة، قد لا يخرج النظام العربي منها بأي قدر من المصداقية على اي حال. 
ويرى مراقبون ان العدوان على غزة وما يصاحبه من تقلصات وحروب داخل النظام العربي تؤكد مجددا حاجته الى اعادة انتاج نفسه في مواجهة عالم واقليم متحولين. 
ويبدو ان الانظمة العربية التي تقود ما يمكن وصفه بتحدي هيمنة المحور المصري السعودي لا تقتصر على اولئك المحسوبين على ما يعرف بالمحور الايراني، بل تشمل زعامات شابة عديدة ترى ان الوقت حان لاعادة النظر في فاعلية عمل النظام العربي عبر تطويرميثاق الجامعة العربية الذي مازال يشـــترط الاجماع لاتخاذ القرارات، ناهيك عن افتقاره الى آليات لتنفيذ القرارات الضرورية للحفاظ على القدر الادنى من المصــداقية. وكان الامين العام للجامعة العربية عمرو موسى اقر ضمنيا بمدى 'الاهتراء والهوان' في العمل العربي، ما اعتبره البعض خطاب نعي للنظام العربي الرسمي التقليدي دون ان تتضح ملامح نظام جديد، ما يترك الجميع في حالة من الفراغ او الفوضى بين مرحلتين.
ولا شك ان قادة النظام العربي 'القديم' اصبحوا يشعرون بمدى التهديد الذي يواجهونه، ما دفعهم الى حملة دبلوماسية واسعة لمنع النصاب المطلوب لقمة الدوحة من الاكتمال، الا انهم لن يستطيعوا تفادي الضرر الذي سيلحق بهم، حتى اذا كان ما ستشهده الدوحة مجرد اجتماع بمن حضر وليس قمة رسمية برعاية الجامعة العربية. وسيرى كثيرون في الشارع العربي ان نظامي مصر والسعودية يتحملان مسؤولية تكريس الانقسام العربي، ناهيك عن التقاعس عن انجاز تحرك عربي ملموس لانقاذ غزة. 
وفي القاهرة التي اصبحت مركزا اساسياً للتحركات الدبلوماسية خلال الايام الماضية، بدا وزير الخارجية احمد ابو الغيظ مستاء من الدعوة لقمة الدوحة، معللا مقاطعة مصر بانها تهدف الى'حماية قمة الكويت'، كما انه لم يتورع عن تسمية الدول الرافضة للحضور في تجاوز للاعراف الدبلوماسية التي تقتضي ان تعلن تلك الدول مواقفها بنفسها.
الا ان مصدرا دبلوماسيا اكد ان الموقف من قمة الدوحة تمليه عوامل لا علاقة لها بقمة الكويت، وهي:
ـ ان القاهرة تعتبر ان قمة الدوحة ستنفذ جدول اعمال ايرانيا يقضي بالضغط على مصر بشأن معبر رفح وقطع العلاقات مع اسرائيل.
- ان القاهرة تشعر باستياء من اي دعوة لقمة عربية طارئة لا تتم بالتشاور معها باعتبار انها دولة المقر، وترى فيها محاولة لعزلها.
- ان القاهرة تحمل القيادة القطرية مسؤولية ما ترى انها حملة اعلامية قادتها قناة الجزيرة ضد الموقف المصري منذ بداية الازمة.
الا ان ما لا يتحدث عنه المسؤولون المصريون والسعويون هو انهم غاضبون مما يعتبرونه 'تغولا' من قطر على مجالات نفوذهم الطبيعية وخاصة في السودان، والصــــومال، ولبنان واليمن وغيرها. وهكذا يبدو ان غزة تدفع ثمن تراث ثقيل من التعقيدات والخلافات العربية العربية. وليس من الواقعي تصور امكانية تجاوزها بين ليلة وضحاها.
ولا يساعد كون سورية الرئيس الحالي للقمة العربية على حضور مصر والسعودية لاي اجتماع برئاستها. بل ان معلومات تسربت في القاهرة تشير الى ان التمثـــل المصري للقمة الاعتيـــادية التي ستستضيفها قطر في نهــاية شهر آذار (مارس) المقبل سيكون في ادنى مستوى ممكن، ما سيطرح اسئلة حول ان كان النظام العربي قابل للاصلاح اصلا في صيغته الحالية ام ان العرب يحتاجون مؤسسة حديثة قادرة على تأمين مصالحهم في القرن الواحد والعشرين.
وهكذا اصبح حضور القمم العربية من عدمه او مستوى التمثيل فيها سلاحا سياسيا في العلاقات العربية العربية. وتشير دعاية تلفزيونية انتجتها حكومة الكويت حول القمة المقررة الاثنين المقبل الى ان الاهمية الدعائية للقمم العربية ربما اصبحت تفوق ما دون سواها. اما ما يمكن ان تتمخض عنه القمم فسيبقى غالبا محل تندر وسخرية في العالم العربي حتى اشعار اخر.

الكاتب الكبير محمود عوض يكتب: شبح الهزيمة وأوهام النصــــر


الكاتب الكبير محمود عوض يكتب: شبح الهزيمة وأوهام النصــــر

أربعة عشر يوما، احتاجتها أمريكا قبل أن تسمح بتمرير قرار فى مجلس الأمن الدولى يدعو لإيقاف إطلاق النيران فى غزة، وحتى فى لحظة الحسم، اختارت لنفسها الامتناع عن التصويت. أربعة عشر يوما من القصف جوا وبحرا وبرا من جيش إسرائيل ضد مليون ونصف مليون فلسطينى محشورين فى قطاع غزة. أربعة عشر يوما من الحرب غير المتكافئة مارستها إسرائيل ضد مدنيين فرضت عليهم الحصار قبلها طوال 18 شهرا فى عقاب جماعى غير مسبوق. أربعة عشر يوما دمرت فيها إسرائيل مرافق ومنشآت ومدارس ومساكن ومحطات مياه، فقتلت حتى كتابة هذه السطور 850 فلسطينيا، أربعون بالمائة منهم نساء وأطفال، بخلاف 3300 جريح. أربعة عشر يوما دمرت فيها إسرائيل مبانى فوق رؤوس ساكنيها، وأبادت عائلات بكاملها بعضها يضم ثلاثة أجيال. وبعد أن أخذت إسرائيل كل وقتها بتصريح أمريكى معلن، بحجة أن إسرائيل تمارس حربا مشروعة تدافع فيها عن نفسها ضد الإرهاب، أصدر مجلس الأمن الدولى قراره 1860 لكى ترفضه إسرائيل فى التو واللحظة، مستمرة أكثر وأكثر فى حربها المتوحشة سعيا إلى استخراج نصر من قاع الهزيمة.

لم تكن أمريكا تريد هذا القرار أصلا. كانت تهدد باستخدام سلطتها فى النقض /الفيتو، ضد أى مشروع عربى أو غير عربى يستهدف وقف تلك الحرب الإسرائيلية المتوحشة، والتى يتابعها العالم على مدار الساعة بالصوت والصورة. مساومات واجتماعات ومشاورات ومساومات من جديد، أدارتها أمريكا مع وفد عربى مشكل لأول مرة من وزراء خارجية سبع دول عربية زائد الأمين العام للجامعة العربية . كلها دول وثيقة الصلة بأمريكا. أحيانا كانت أمريكا تراوغ بنفسها لكى تتيح لإسرائيل أطول وقت ممكن، وأحيانا كانت تستخدم دولا أخرى. فرنسا مثلا استمرت حتى ليلة التصويت على القرار، تصر على أن الموقف لا يتطلب قرارا من مجلس الأمن، ويكفى مجرد بيان مطاط وعائم وغير ملزم يقرأه رئيس مجلس الأمن، الذى هو مندوب فرنسا نفسها لهذا الشهر.

كان هذا أمرا ملفتا تماما. فالرئيس الفرنسى نيكولا ساركوزى جال ببعض دول المنطقة وأعطى تصريحات مختلفة فى كل مرة، موهما العرب بأنه يريد للحرب الإسرائيلية أن تتوقف، لكنه عمليا كان يعطى لإسرائيل كل ما يلزمها من وقت لاستكمال «المجزرة». لم تتحرك فرنسا ولا أمريكا ولا كل من لف لفهما، حتى حينما قصفت إسرائيل عمدا مدرسة تابعة للأمم المتحدة فى مخيم جباليا بقطاع غزة، كان قد لجأ إليها 300 فلسطينى بأطفالهم، ظنا منهم أنها مأوى يحميهم من الغارات الإسرائيلية. وبالنتيجة سقط 40 فلسطينيا قتلى وأصيب 55 آخرون. وحينما حاولت إسرائيل التعلل بأن المدرسة كان يوجد بها مسلحون فلسطينيون، أثبتت الأمم المتحدة أن هذا غير صحيح بالمرة. هنا خرجت أمريكا لتقول إن إسرائيل ربما قصفت المدرسة من باب الخطأ. كانت تلك صفحة تكرر بها إسرائيل سوابقها وآخرها ضد لبنان فى سنة 1996 حينما قصفت مجمعا فى قانا، يحمل علم الأمم المتحدة، فقتلت أكثر من مائة شخص. يومها كان رئيس الوزراء الذى أصدر قرار القصف هو شيمون بيريز، الذى وفرت أمريكا الغطاء الكامل له ولحربه ولمجزرته فى قانا حماية له من الإدانة الدولية.

والآن تستأسد إسرائيل من جديد وتصول وتجول ضد السكان المدنيين فى قطاع غزة ،مستخدمة قنابل عنقودية وفسفورية حارقة، ممنوع استخدامها دوليا. لكن.. لا حياة لمن تنادى. لم تستهدف إسرائيل ترويع الفلسطينيين فقط. كانت تريد تحقيق «إنجازات واضحة لا تقبل التأويل لكى تجلجل فى أنحاء العالم العربى» بكلمات مائير داجان رئيس المخابرات الخارجية الإسرائيلية (الموساد).

بدأت إسرائيل حربها الجديدة صباح السبت 27/12/2008 قصفا لألف هدف مدنى فى قطاع غزة بدءا بمرافق البنية التحتية. هذا جعل رجب طيب أردوغان رئيس وزراء تركيا يقول علنا بغضب واحتجاج، إنه يشعر بالخديعة، لأنه كان مجتمعا لساعات برئيس وزراء إسرائيل قبلها بأربعة أيام فقط، بغير أن يشير الأخير أو يلمح بأى شىء عن حربه الوشيكة ضد قطاع غزة.

هذا أيضا وضع مصر فى موقف مشابه، لأن وزيرة خارجية إسرائيل تسيبى ليفنى كانت فى القاهرة قبلها بـ 48 ساعة، واستخدمت مؤتمرا صحفيا لإنذار حماس. كان وجود الوزيرة الإسرائيلية فى القاهرة خطأ من الأساس وسوء تقدير. فتوجه إسرائيل إلى ضرب قطاع غزة كان خبرا متاحا على قارعة الطريق من قبلها بأسابيع.

هناك اتفاق للتهدئة جرى بين إسرائيل وحماس بوساطة مصرية، ليسرى ستة أشهر تنتهى فى 19/12/2008 وجوهره منع أى صواريخ من قطاع غزة مقابل التزام إسرائيل بإنهاء حصارها ضد القطاع. هذا الاتفاق أدى فى التطبيق إلى انخفاض صواريخ حماس المنطلقة من قطاع غزة من مئات فى شهر مايو إلى عشرين صاروخا فقط خلال الأشهر الأربعة التالية ،أدت إلى مقتل إسرائيلى واحد، وتلك أرقام إسرائيلية. لكن الحصار الذى فرضته إسرائيل ضد قطاع غزة منذ وصول حماس إلى السلطة استمر قائما. بل إن إسرائيل شنت فى الرابع من نوفمبر هجوما جويا وبريا ضد حماس فقتلت ستة. جيمى كارتر الرئيس الأمريكى الأسبق، يقرر فى مقال منشور له أن هذا يعنى أن إسرائيل هى التى تتحمل مسئولية خرق التهدئة.

فضلا عن ذلك لم تسمح إسرائيل بتدفق المؤن الإنسانية ومياه الشرب والوقود إلى سكان القطاع كما يقضى اتفاق التهدئة. سمحت فقط بعشرين فى المائة من احتياجات السكان.
هذا يعنى عمليا أن يعيش مليون ونصف مليون مواطن فلسطينى فى قطاع غزة على حافة مجاعة مستمرة، علما بأن أرض القطاع (350 كيلومترا مربعا) هى الأكثر كثافة سكانية على مستوى العالم. السبب هو أن معظمهم شردتهم إسرائيل فى حرب 1948 خارج مدنهم، مثل عسقلان وبير سبع وقرى أخرى، فلجأوا إلى قطاع غزة هربا من إرهاب إسرائيل.

وفى حصار إسرائيل لقطاع غزة، كانت تزعم أنها تفعل ذلك فقط عقابا لمنظمة حماس، منذ فازت فى الانتخابات التى جرت فى يناير 2006 بأغلبية مفاجئة من مقاعد المجلس التشريعى. الانتخابات كانت سليمة وديمقراطية بشهادة مراقبين دوليين. وفوز حماس كان بالدرجة الأولى رفضا من الشعب الفلسطينى لفساد واستبداد وتجبر منظمة فتح المسيطرة على السلطة القائمة فى رام الله وغزة. وحماس نفسها نشأت أصلا فى 1987 بتسهيلات من إسرائيل، استهدفت منها إيجاد قوة أخرى تزاحم منظمة فتح. فى النهاية كانت إسرائيل تريد لكل منهما أن تقضى على الأخرى، فتصبح هى الفائز الأخير، وتلك سياسة تقليدية لكل قوة احتلال.

الخدعة الكبرى بعدها هى أن إسرائيل أوهمت الجميع فى 2005 بأنها انسحبت من قطاع غزة. فى الواقع كان إسحاق رابين رئيس وزراء إسرائيل الراحل هو القائل منذ وقت مبكر «أتمنى أن أصحو ذات يوم لأجد قطاع غزة وقد ابتلعه البحر». السبب هو الكثافة السكانية للقطاع مع فقر موارده. ولأن البحر لم يبتلع قطاع غزة، فقد كان رئيس آخر لوزراء إسرائيل هو آرييل شارون ،الذى أعلن خروج قوات إسرائيل ومستوطنيها من القطاع فى 2005 بقرار منفرد. لم يكن هذا انسحابا وإنما إعادة انتشار ميزته الكبرى أن تقلل إسرائيل من عبء مواجهة قواتها للسكان يوميا، فتتفادى الخسائر المستمرة فى كل مواجهة. لكن عمليا تحول من احتلال عن قرب إلى احتلال عن بعد. فقوات إسرائيل تحاصر قطاع غزة برا وبحرا وجوا، وتسيطر على كل مخارج ومداخل القطاع، وتتحكم فيما يخرج منه أو يدخل إليه من سلع وأشخاص. وفى جميع الحالات تستطيع القوات الإسرائيلية اقتحام قطاع غزة كلما ناسبها ذلك.

حينما رفضت حماس (وفصائل أخرى قبلها) تجديد اتفاق التهدئة مع إسرائيل إلا بتعهدات جديدة، تضمن فك الحصار الإسرائيلى المستمر على قطاع غزة استخدمت إسرائيل هذا الرفض حجة تبرر بها حربها التى تبين لاحقا أنها كانت تجهز لها منذ شهور.

من بين أخطاء عديدة ارتكبتها حماس كان خطؤها فى تحويل قضية معبر رفح إلى قضية للتلاسن مع مصر. فى الواقع أن معبر رفح هو الوحيد مع مصر، لكنه ضمن معابر ستة، كانت إسرائيل قد أبرمت فى 15/11/2005 اتفاقا خاصا بها مع السلطة الفلسطينية. ومع أن معبر رفح هو الوحيد المشترك مع الحدود المصرية، إلا أن الاتفاق المنظم له، لم تكن مصر طرفا فيه، وإنما أبرمته سلطة محمود عباس مع إسرائيل والاتحاد الأوروبى برعاية أمريكية.

من وقتها ظاهره فلسطينى، لكن إسرائيل هى التى تتحكم فيه من خلال كاميرات مراقبة ولها سلطة الاعتراض على دخول أو خروج من تشاء، وفى وجود مستمر لمراقبين أوروبيين تختارهم إسرائيل.

من اللافت هنا، أن رجل السلطة الفلسطينية الذى أعد ذلك الاتفاق عن الجانب الفلسطينى، كان محمد دحلان الذراع الأمنى اليمنى وقتها لمحمود عباس. دحلان هذا بالحق أو بغيره أحاطت به شبهات وعلامات استفهام عديدة، كانت بحد ذاتها أحد أسباب انقلاب حماس على جماعة فتح فى السلطة، وانفرادها بقطاع غزة بعدها. من وقتها أحكمت إسرائيل حصارها على قطاع غزة بما فى ذلك الوقود والكهرباء والمياه والأدوية والأغذية والحركة التجارية دخولا وخروجا، بما جعل حياة الناس لا تطاق. ومن الغريب هنا أن التليفزيون الحكومى المصرى النبيه، والذكى، والذى لا تفوته التايهة لم يجد من يستضيفه مؤخرا سوى محمد دحلان، ليتولى هو بالذات القدح فى حماس، بينما نصف أهالى غزة بمن فيهم زملاء له فى منظمة فتح، بينهم وبينه دم وثأر بائت. وسواء بعدم معرفة من المذيع أو بعدم رغبة، فإنه لم يسأل دحلان عن دوره فى اتفاقية المعابر تحديدا. وهو من جانبه لم يجرؤ على فتح تلك الصفحة التى أتاحت لإسرائيل سلطة شاذة فى التحكم بحياة الفلسطينيين تحت الاحتلال، بعد أن تحررت هى من أعباء الاحتلال اعتمادا على وكلائها الجدد.

الهدف الإسرائيلى الصريح هنا كان تحويل حياة سكان قطاع غزة إلى جحيم. هذا يعنى عقابا جماعيا، ودفعا لهم حتى يسقطوا حماس ويتخلوا عنها، فتعود جماعة عباس ودحلان كما كانت سابقا. المشكلة هنا مزدوجة. فإذا كانت تهمة حماس إسرائيليا هى أنها ترفض الاعتراف بإسرائيل، ومن ثم تصبح إرهابية، فإن الفلسطينيين سبق لهم إعطاء الفرصة لياسر عرفات وجماعته، ثم محمود عباس وجماعته، طوال 15 سنة، وهم الذين اعترفوا بإسرائيل، وتحولوا فى قاموسها من إرهابيين إلى معتدلين. مع ذلك استمر الاحتلال وضاعف من الاستيطان فى الضفة الغربية والدولة الفلسطينية الموعودة لم تنشأ. بل إن الرئيس الأمريكى جورج بوش أعلن فى 2002 عن أن أمريكا ستعمل لقيام دولة فلسطينية خلال خمس سنوات. ومع ذلك فها هو يغادر البيت الأبيض فى 2009 وقيام الدولة الفلسطينية أبعد الآن عن أى وقت مضى.

وقد مات ياسر عرفات محاصرا ومقهورا، رغم أنه استجاب لمعظم ما طلبته إسرائيل بما فى ذلك المجىء بمحمود عباس رئيسا للوزراء، وبمحمد دحلان وزيرا للداخلية. وبعد رحيل عرفات خلفه عباس بترحيب حار من إسرائيل وأمريكا، ومع ذلك فمنذ دخل مفرمة المفاوضات مع إسرائيل لم يخرج منها. وإذا كانت إسرائيل تعللت بوجود حماس فى قطاع غزة لكى تحول القطاع إلى سجن كبير مفتوح لسكانه، فإن سلطة رام الله (محمود عباس) تحاصرها إسرائيل أيضا بسجن من نوع آخر. ولم ينجح عباس وسلطته فى إقناع إسرائيل بإزالة حاجز واحد من ستمائة حاجز، تقطع بها إسرائيل أوصال الضفة الغربية، ولا أقنعها بالإفراج عن سجين واحد من 11 ألفا من بينهم مروان البرغوثى أحد قيادات فتح ومعه أعضاء منتخبون فى المجلس التشريعى، جريمتهم الانتماء لحماس. فى الخلاصة.. إسرائيل لا تعنيها حماس ولا فتح. إسرائيل هدفها الأرض. وتحديدا فى الضفة الغربية.

بل إن جون بولتون، أحد نجوم «المحافظين الجدد» فى أمريكا وسفيرها السابق لدى الأمم المتحدة، ومن أبرز المقربين من إسرائيل، كتب مؤخرا مقالا فى جريدة الواشنطن بوست الأمريكية (5/1/2009) يقول فيه: «على الفلسطينيين القبول بالأمر الواقع، والإقرار بما يترتب على فشل السلطة الفلسطينية وفسادها وانتخاب حماس».

والحل عنده: «يقتضى إعادة غزة إلى الوصاية المصرية والضفة الغربية إلى السيادة الأردنية.. وبسط مصر والأردن سلطتهما على غزة والضفة الغربية يوسع رقعة السلام فى هذه المنطقة، ويرسى السلام والاستقرار فى البلدين». مثل تلك الكلمات والأفكار المسمومة هى تقليب فى أوراق ومشروعات قديمة سبق لمصر على الأقل أن رفضتها. وحتى فى حالة الضفة الغربية، فبعد أن ابتلعت إسرائيل أجزاء معتبرة منها ،وزرعت أجزاء أخرى بمستوطنيها، لن يتبقى منها فى ظل الضعف العربى السائد سوى أجزاء متفرقة، تريد مثل تلك المشروعات المشبوهة توريط الأردن فى إدارتها. ربما هذا هو ما جعل الملك عبد الله فى الأردن ينبه مؤخرا إلى أنه بدأ يتوجس من مؤامرة قادمة على الأردن ذاته.

المسألة إذن أكبر من حماس فى غزة، ومن سلطة محمود عباس الكاريكاتيرية فى رام الله. المسألة هى الاحتلال. وهى الأرض. وهى الدور الإمبراطورى الذى أصبحت إسرائيل تمارسه إقليميا فى وضح النهار، بقوات مسلحة كفلت لها أمريكا أن تصبح الأقوى من كل الدول العربية مجتمعة. مصر مرتبطة بمعاهدة سلام مع إسرائيل منذ 1979، والأردن بمعاهدة أخرى منذ 1994، والحدود مع لبنان تراقبها قوات من الأمم المتحدة وجنرالات من حلف شمال الأطلنطى. لماذا إذن تتضخم ميزانية إسرائيل العسكرية بانتظام سنة بعد أخرى؟ ولماذا أعلنت أمريكا فى العام الماضى عن برنامج إضافى لتسليح إسرائيل يتكلف 30 مليار دولار، بما فى ذلك إمدادها بجيل جديد من الطائرات الحربية طويلة المدى؟ ضد من هذا التسلح المتزايد؟ بالتأكيد ليس ضد حماس فى غزة، ولا سلطة محمود عباس فى رام الله.

من جانب آخر، أصبحت يد إسرائيل الطليقة فى هذه المنطقة مستثناة من أى عقاب. لقد تابعنا رئيس وزراء تركيا، يرفض الرد على مكالمات رئيس وزراء إسرائيل ووزيرة خارجيتها. وتابعنا هوجو شافيز رئيس فنزويلا يطرد السفير الإسرائيلى لديه. وتابعنا مظاهرات الغضب ضد إسرائيل فى مدن وعواصم العالم، من برلين إلى جاكارتا، ومن باريس إلى كيب تاون، ومن مدريد إلى لندن. وحتى تابعنا فى يوم الخميس 8/1/2009 هانس دى بروك وزير الدولة الهولندى مثلا، يقرر علنا أن إسرائيل اعتادت منذ أعوام على ضرب القانون الدولى بالحذاء وهى ستستمر فى ذلك طالما استمر الدعم الأمريكى الأوروبى لها ولتصرفاتها، واكتفى الأوروبيون بالكلام دون ربط كلامهم بالفعل . وأضاف بأن إسرائيل أثبتت على مدى العقود الماضية عدم احترامها لأى قانون أو مواثيق لحقوق الإنسان، ولم تثبت رغبتها الحقيقية فى السلام، وتتصرف على أنها الأقوى رافضة الخضوع للإرادة الدولية أو القانون الدولى.

مع ذلك فقد عطلت أمريكا بمفردها مجلس الأمن الدولى طوال 14 يوما قبل أن يصدر قرار بوقف إطلاق النار. وحتى هنا.. لم يحدد القرار موعدا للتنفيذ، ولا عقوبة لعدم التنفيذ. الأسوأ من ذلك أن القرار لم يذكر مطلقا كلمة »احتلال«إشارة إلى إسرائيل. وفرنسا استمرت حتى اللحظة الأخيرة ترفض أساسا صدور قرار. وساركوزى رئيس فرنسا، هو ذاته الذى كان فى الشهر الماضى القوة المحركة لاستصدار قرار من الاتحاد الأوروبى يكفل لإسرائيل كل مزايا العضوية بغير أعبائها، وهو عمل شاذ لا سابقة له. ومنذ قيام الجمهورية الخامسة فى سنة 1958 برئاسة الجنرال شارل ديجول، وهناك حرص فرنسى على الاحتفاظ بمسافة استقلال عن السياسة الأمريكية بالمنطقة، وخصوصا دعمها المطلق لإسرائيل. الآن يقلب ساركوزى تلك السياسة رأسا على عقب، وهو ما أصبح بدوره دافعا إضافيا لإسرائيل فى تصعيد بلطجتها بالمنطقة، بينما تعلن وزيرة خارجيتها بكل تبجح، أن ما تقوم به إسرائيل من حرب فى غزة، إنما هو دفاع منها عن «قيم العالم الحر».

لكن بعيدا عن مثل تلك الشعارات الرنانة، التى تروج لها الوزيرة الإسرائيلية فى الإعلام الغربى، فإنها جربت أولا أن تقول إن هدف الحرب هو إسكات صواريخ حماس. كلمة «صواريخ» هنا بها كثير من المبالغة أصلا، فهى قذائف بالغة التواضع والكفاءة، ومنذ بدأ قصفها لأول مرة من قطاع غزة فى سنة 2001، لم يزد قتلاها عن عشرين إسرائيليا طوال سبع سنوات حسب إحصاءات إسرائيلية. بالطبع لها مردود معنوى وتلك كل الفكرة منها. لذلك عدل الإعلام الإسرائيلى مؤخرا من تبريره للحرب، فكرر أن هدف الحرب هو «استعادة صورة إسرائيل الرادعة». أما الأقرب إلى الدقة، فهو ما كان قد أعلنه موشى يعلون ،رئيس أركان القوات الإسرائلية فى 2002 حينما قال: «لابد من جعل الفلسطينيين يفهمون فى أعمق تلافيف وعيهم، أنهم شعب مهزوم».

كان ذلك فى 2002 حيث الفلسطينيون الموجودون فى السلطة برام الله وقتها لم يكونوا من حماس. كانوا ياسر عرفات ومحمود عباس ومحمد دحلان وباقى قائمة «المعتدلين» ،سواء منهم المقتنع باعتداله أو الملعوب فيه. والآن فى 2009 أصبحنا نتكلم عن وقف إطلاق النار، وعن معبر رفح، وعن حماس وفتح، وعن مهلة للمعونات الإنسانية، وعن الحاجة إلى رفع الحصار و.. و.. طوال سنوات وسنوات أغرقتنا إسرائيل بتفاصيل التفاصيل ،ابتعادا عن أصل الموضوع. وأصل الموضوع هو الاحتلال والأرض والحياة بكرامة وحرية.

أحمد المسلمانى يكتب: هيكل.. وقفة مع الأستاذ


أحمد المسلمانى يكتب: هيكل.. وقفة مع الأستاذ

تأملت طويلاً مشروع الكاتب الكبير الأستاذ محمد حسنين هيكل، كنت ألجأ إلى كتاباته ملتمسا الرأى كلما ضاقت المعلومة أو متقصَّيا المعلومة حين يختلط الرأى.. فوجدته - فى حالات عديدة - شاهداً حين يجب أن يكون قاضياً، وقاضياً حين يجب أن يكون شاهداً، وغائباً حين تتعقد القضايا وترتبك الأحكام وتتبدل مواقع الادعاء والاتهام!

■■

يرى المفكر الكبير د. جمال حمدان، فى أستاذنا الكاتب الكبير محمد حسنين هيكل، الصحفى الأول فى العالم.. ويراه جيلى أكبر من ذلك بكثير.. فهو يتجاوز الصحفى إلى ما هو أبعد وأوسع وأعمق.. وأبقى.

ولأنى واحد من ذلك الجيل الذى يرى فى الأستاذ هيكل ربما أكثر مما يراه فى نفسه، ويضعه فى مكانة.. ربما لم يبذُل هو الجهد الذى يضعه فيها، بقدر ما بذلنا نحن الحب لنبقيه عليها.

ولأنى واحد من جيل عاصر عدداً وفيراً من رؤساء التحرير الذين يتفاوتون فى الفساد ويتساوون فى الجهل.

ولأنى واحد من جيل عاصر مشهداً سياسياً مضطرباً يتصدره زحام من سياسيين عديمى الموهبة وآخرين حديثى الولادة.

ولأنى من جيل تجاوز الأيديولوجيا إلى المنطق، والصراخ إلى العلم والخطابة إلى المعرفة.. لأنى من ذلك كله فقد أذهلنى إلى حد الصدمة الحديث الأخير للأستاذ هيكل فى قناة «الجزيرة»، والذى نشرته «الدستور» و«الأسبوع» و«العربى».

■■

لقد فكرت فيما إذا كان مناسبا الرد على الأستاذ هيكل، وسط حملة عليه يقودها أناس قد أُملى عليهم، فكانوا لما تلقوا من أمر صاغرين.

ولكن حديث الأستاذ الذى اعتبره أضعف حديث أدلى به كاتب كبير فى شأن كبير.. لم يتركنى فى حيرتى طويلا، فقد كان احتمالى لحجم الأخطاء أضعف مما أحمل من مودة، وتحمّلى لصدمة الضعف أكبر مما أحمل من قوة الصبر.. أو فضائل التقدير.

السطور التالية هى فقط عناوين شارحة لبعض مما يسمح به المقال والمقام.

(١)

قال الأستاذ فى تفسير صمته الطويل فى التعليق على ما يجرى فى غزة: «عندما تصل الأحداث إلى هذه الدرجة من السخونة فإننى أفضل باستمرار النظرة على مجمل الحوادث».. وهذا قول غريب، فماذا يفيد التحليل بعد بلورة الحدث وانتظام الوقائع واكتمال المشهد.. إنها حكمة بأثر رجعى.. يتسنّى لصغار الصحفيين التحلى بها.. وأما مقام الأستاذ فكان الأجدر به أن يتحدث ويشرح وينصح فى اليوم لا فى بداية الأسبوع الثالث.

لقد أصبح الأستاذ كالآخرين.. صمت حين صمت الجميع، وتحدث حين تحدث الجميع!

(٢)

قال الأستاذ «إن قناة الجزيرة قد لعبت دورا كبيرا فى التعبئة».. وهو قول غير صحيح، ذلك أن الجزيرة التزمت المهنية والحياد، وسمحت لقادة إسرائيل بمثل ما سمحت لقادة حماس.. وجودا وحدودا.. وطبقت الجزيرة بدقة تامة شعارها «الرأى.. والرأى الآخر».. وهو شعار يقف على النقيض تماما من فكرة التعبئة.. لقد قال الأستاذ فى شأن «الجزيرة» ما لم تقله فى نفسها.

(٣)

قال الأستاذ عن أعضاء حركة حماس «جاء أناس تختلف أو تتفق معهم» ثم مضى يغازل حماس بمديح رقيق، ولم يلتفت الأستاذ إلى خطورة هذه العبارة «تتفق أو تختلف» واعتبرها جملة عرضية لا تهم فى التحليل.. رغم أن هذه هى الجملة المركزية فى التحليل.. هل تتفق مع حماس أم تختلف؟ وفيمَ الاتفاق وفيمَ الاختلاف؟.. وكعادة الأستاذ ترك أخطر القضايا إلى جاذبية الحكى وبلاغة السرد!

(٤)

قال الأستاذ عن تعقب أجهزة السلطة لحكومة حماس بعد وصولها الحكم إن «حماس قامت بإزاحة هذا الطابور الخامس وبدون عواطف.. وكان لديها حق شرعى» وهكذا وصف الأستاذ السلطة الفلسطينية قولا واحدا بأنها «طابور خامس» أى سلطة تجسس إسرائيلية.. أى أن السلطة فى التحليل الأخير هى جزء من جهاز الموساد، وهذه هى الترجمة السياسية لوصف «الطابور الخامس» وهو اتهام خطير لا دليل عليه، ثم شامل لم يستثن أحداً.. وهو فوق ذلك يؤسس للانقسام.. إنه بمثابة إعلان مبادئ للحرب الأهلية.. حماس تحارب الموساد!

(٥)

قال الأستاذ إن رغبة الرئيس بوش تمثلت فى أن يكون عام ٢٠٠٨ هو عام التسوية.. وأن الخطة الأمريكية التى كانت إسرائيل عنصرا فاعلا فيها تستهدف حلا دائما ينهى الصراع العربى الإسرائيلى.. وهو تحليل فى مجمله غير صحيح.

والكل يجمع أن حكم الرئيس بوش، الذى تأسس تحت حطام مركز التجارة العالمى وانتهى تحت حذاء منتصر الزيدى.. وبينهما حرب فى العراق وأخرى فى أفغانستان وثالثة فى وول ستريت.. لم يكن أبدا ليخطو بالقضية الفلسطينية خطوة واحدة.. فضلا عن أن يقوم بوش بحل شامل.. إن كلام الأستاذ يضئ وجه بوش ويحسن صورة واشنطن.. ويلقى كل التبعات على حماس!

(٦)

قال الأستاذ: «إننى أعرف أن إدارة بوش وافقت وشجعت». وقال: «فيما أعرف فقد ذهبت مجموعة من الدفاع والمخابرات الخارجية وأحاطت أوباما علماً» واستخدام الأستاذ عبارات «إننى أعرف».. «فيما أعرف» يوحى بأن الأستاذ قد اتصل بأى من الرئيسيين بوش أو أوباما أو قادة الإدارة الأمريكية.. ولكن الأستاذ لم يقل من أين يعرف.. لاسيما أن ما قاله الأستاذ لا جديد فيه على الإطلاق.. بل هو المنطق العام للأمور.. يمكن أن يصل إليه عامة المشاهدين والقراء!

(٧)

قال الأستاذ «الدول العربية التى تسمى معتدلة.. لا أعرف هى معتدلة فى ماذا؟».. وهى سخرية ليست فى محلها.. ذلك أن هذه الدول تعتمد الواقعية السياسية، التى تتوسط الحفاظ على الحقوق دون التورط فى خسائر جديدة.. والمدهش أن الأستاذ هيكل أنهى حواره ناصحا «علينا أن نجد طريقا ما بين المذلة والكبرياء لنسير فيه».. وكنت أفهم أن تكون هذه مواءمة السياسى لا طموحات المثقف.. ذلك أن المثقف لا يتوسط طريقين أحدهما مذلة.. وإنما يختار حتماً «طريق الكبرياء».

(٨)

دعا الأستاذ حزب الله ألا يتدخل فى المعركة، وقال: «إن دواعى النصرة والجهاد ليست مطلوبة»، وقال «إن تدخل حزب الله اليوم فيه خطأ.. ولا ينبغى أن ندفعه ولا ينبغى ابتزازه».. وهذا كلام رقيق ودافئ، ولكن الرقة هنا خارج السياق.. وذلك أن الشرعية الدينية والسياسية لحزب الله إنما تنهض على عقيدة «النصرة والجهاد».

إن الأستاذ إذ يصف الداعين لحزب الله بالاتساق مع مشروعه وعقيدته بالابتزاز.. إنما يقوم بإبطال حتمية النصرة وفريضة الجهاد، وهكذا يدعو الأستاذ حزب الله إلى عكس مبادئ حزب الله.. إلى ترك ما يؤمن إلى ما لا يؤمن.. وما يعتقد إلا ما لا يعتقد!.

(٩)

قال الأستاذ: «إن حماس لا تعرف حركة العالم بالقدر الكافى» وأن «حماس لم تستفد من التهدئة».. والأخطر هو قول الأستاذ: «كنت أتمنى ألا تطلق حماس صواريخها»..

وقد أذهلتنى هذه العبارات، ذلك أن الأستاذ طيلة حديثة كان يغازل حماس غزلاً صريحاً، ويلتمس لها كل الأعذار.. ويمنحها الدلال الكافى فى كل مواقع الحوار.. وقد مر على أخطر العبارات دون أن يتوقف أو يوقفه المحاور أو تلتفت القناة أو الصحف الناشرة.. إن حماس برأى الأستاذ لا تفهم فى السياسة الداخلية ولا الخارجية.. وقد أخطأت بإطلاق الصواريخ. وظنى أن هذا هو منطق إسرائيل، أن حماس حركة جاهلة، وأنها أخطأت فى إدارة الهدنة وعدم تجديدها.. وأن صواريخها هى سبب الحرب عليها.

كانت الأمانة تقتضى أن يكون الأستاذ صارماً وحاسماً فى شرح رأيه فى حماس وفى تعقيدات الصراع، ولكن الأستاذ عاد إلى شعر الغزل من جديد ليقول: «إن حماس تعرضت لأكثر مما هو لازم»، إن الأستاذ لم يقل ما هو اللازم وما هو الأكثر من اللازم.. والشاهد عندى أن الأستاذ لا رأى له فى حماس.. وأنه ليس عميقاً فى شأن الخريطة الفلسطينية الجديدة بما يكفى.. وأننا إزاء احتمالين.. إما أنه لا يعرف.. أو أنه لا يريد.. وفى كل ضعف.

(١٠)

قال الأستاذ «يجرحنى الاعتقاد عن دور مصر فى حصار حماس».. وكلمة الجراح فى كلام الأستاذ غريبة، وهى أقرب إلى قول شاعر، وكان الأنسب أن يقول الأستاذ اعتقاده.. هل تشارك مصر فى حصار حماس؟ وإذا كانت إجابته نعم.. ففيم زيارات الوزيرين عمر سليمان وأحمد أبوالغيط إلى الأراضى المحتلة؟ وفيم زيارات خالد مشعل وقادة حماس إلى القاهرة؟ وفيمَ مجمل لقاءات المسؤولين المصريين مع حماس، والتى تزيد أحياناً عن المرة فى اليوم الواحد.

وفيمَ اتهام صحف وأجهزة العالم لمصر بتهريب السلاح وغض النظر عن الأنفاق؟..

.. إذا كان وصف الأستاذ لذلك بالحصار.. فما يكون الحوار؟

(١١)

قال الأستاذ: «مصر موجودة فى الصراع العربى الإسرائيلى للدفاع عن مصر فى حد ذاتها، حتى بدون انتماء عربى». وهذا قول يخالف حقائق التاريخ.. ذلك أن ثورة ١٩١٩ قد تنبهت لخطورة الحركة الصهيونية فى نهاية العشرينيات، وسجل تراث الوفد والزعيم مصطفى النحاس رغبة قديمة فى خوض القتال ضد الصهيونية، أثناء ثورة ١٩٣٦ وبعدها.. وبعد عقد من الزمان خاضت مصر حرب ١٩٤٨ فى فلسطين.. ولم يكن الدافع وراء كل ذلك وما بعده ما يقوله الأستاذ من أنه دفاع عن مصر فى حد ذاتها.

إن تحليل الأستاذ هنا ليس ضعيفاً وخاطئاً فحسب، ولكنه يحرم مصر من المكانة الأخلاقية التى احتلتها بفضل دفاعها عن القضية الفلسطينية.

(١٢)

قال الأستاذ: «أنت فى مصر على حدودك إسرائيل فيها ٢٠٠ قنبلة نووية».. «وهذا يفرض عليك إما أن تخضع لابتزاز القوة فتصبح فى أزمة.. أو تطلب حماية أمريكية أو أن تملك سلاحاً نووياً.. والظروف صعبة جداً، والتكلفة غير معقولة وأنت وقعت على الاتفاقية».. ثم يمضى الأستاذ هيكل بعد أن حطم باب الأمل وأغلق باب السياسة: «عندما تكون إلى جانب دولة نووية وأخرى لا تملك هذا السلاح.. هذا لا يحتاج لأن ترسل إسرائيل أكثر من سكرتير ثالث فى سفارتها لإبلاغ ما تشاء لوزير الخارجية»، هكذا فى حالة تيئيس شاملة.. أطفأ الأستاذ كل الأنوار.. إما الانبطاح أو العمالة.. ولا سبيل غير الاستسلام أمام سكرتير ثالث من سفارة إسرائيل.. وحيث إننا لا نملك لعقود قادمة أى قنبلة نووية.. فلا حل غير الانبطاح أو العمالة!.

(١٣)

قال الأستاذ نقلاً عن ساركوزى نقلاً عن «هاآرتس» نقلاً عن الموساد: «إن الرئيس مبارك قال إنه لا يجب أن تنتصر حماس».. هكذا الأستاذ الذى علمنا التحقق من المصادر.. ينقل أخطر اتهام من صحيفة إسرائيلية ليعيد ويزيد فيها.. كأنه وقع على سبق صحفى نادر.

إن اللحظة التى كانت الوطنية المصرية فيها تحتاج حماية الأستاذ.. خذلها الأستاذ لينضم إلى صحافة صفراء وقنوات صفراء، نقلت الصراع مع إسرائيل إلى الصراع مع مصر.. وحوّلت اتجاه الحجارة من رشق جنود إسرائيل إلى رشق نوافذ القاهرة.

(١٤)

قال الأستاذ رداً على سؤال الجزيرة: هل تطرد مصر السفير الإسرائيلى؟ أم تجمد خطوات التطبيع أم توقف تصدير الغاز؟.. قال: «ولا أى حاجة من ذلك».. ثم عاد ليقول «صدِّر كما تشاء».. و«حتى فيما يخصّ صفقة الغاز فإن فيها مصالح ضيقة».. وهكذا لم يدن الأستاذ بوضوح تصدير الغاز لإسرائيل، بل قال «صدِّر كما تشاء».. وقال على مطالب الحركة الوطنية المصرية «ولا أى حاجة من ذلك» ثم ذهب الأستاذ يحدثنا عن أن كل ما يرجوه هو «الاتساق بين مصر السياسية ومصر التاريخية».. أى أن الأستاذ ترك السياسة، حين كان يجب أن يتحدث فى السياسة، واستدعى نظريات التاريخ حين كان يجب أن يستدعى حقائق المشهد.

(١٥)

وبعد.. كانت هذه معالم وقفة قصيرة مع الأستاذ.. فى حديث رأته بعض الصحف المصرية «أخطر حديث للأستاذ» ورأيته ـ فى اجتهادى المتواضع ـ أضعف حديث للأستاذ.. وهنا تبقى المعضلة الأكبر.. ذلك أن الأستاذ الذى كان يجالس ويناقش كبار رجال الفكر والسياسة ذات يوم، بات يجالس عدداً من المعجبين والحواريين الذين لا يملكون إزاء سحر الأستاذ غير آيات التسبيح.

وظنّى أن أغلب أخطاء الأستاذ إنما جاءت من رجال حول الأستاذ.. يهتفون إذا أشار، ويخشعون إذا تحدث، ويستشهدون إذا أمر.

فى السابق صنع المفكرون مكانة الأستاذ، وفى الحاضر يكسر المريدون ما صنعه المفكرون.

معبر رفح.. خيار مصر الإستراتيجي المغيب


معبر رفح.. خيار مصر الإستراتيجي المغيب
د. باكينام الشرقاوى

الانطباع السائد أن رأي الجماهير العربية، وعلى رأسها الشعب المصري الغاضب تجاه العدوان الإرهابي الإسرائيلي على غزة، والمطالب بفتح معبر رفح، إنما هو رأي عاطفي انفعالي لا يدرك حسابات الرشادة الموضوعية ولا يعي متطلبات الأمن القومي المصري، ومن ثم فإن الانسياق وراءه إنما يدفع مصر إلى منزلق الصدام مع إسرائيل وتبني سياسات غير رشيدة وغير متوازنة تهدد المصلحة القومية المصرية.

ولكن عند محاولة تفنيد آراء كثير من المفكرين المستقلين ومؤسسات المجتمع المدني وغالبية النخبة المثقفة، وحتى آراء المواطنين العاديين المعبر عنها بالقلم في تعليقاتهم على كثير من المقالات الصحفية أو بالمظاهرات في الشوارع، ربما يمكن الزعم أن الرؤية الجماهيرية التي تطالب بفتح معبر رفح تأتي الأكثر واقعية وتوافقا مع المصلحة القومية لمصر.. كيف؟

رؤية الجماهير أكثر واقعية

أولا: لأن الخطوات التي تطالب بها هذه التيارات تخرجنا من منطق الخيار الضيق بين ثنائيتين متطرفتين متناقضتين: إما التمسك بالسلام كخيار إستراتيجي أوحد من طرف واحد، أو الحرب المفتوحة غير محسوبة العواقب، حيث تقع معظم أدوات الضغط السياسية والدبلوماسية والقانونية التي تطالب بها كثير من قوى المجتمع المصري في منطقة الوسط.. تلك المنطقة الرمادية التي تبعدنا عن التسليم المفرط لإسرائيل أو الاستعداء المتهور لها، فإدارة معبر رفح ستظل ورقة في يد مصر يفرضها الواقع الجغرافي والتاريخي، ويمكن استخدامها كأداة للتواصل مع غزة وإبقاء النفوذ المصري بها حيا من جانب، وموازنة التعنت الإسرائيلى وإجباره على احترام الدور المصري من جانب آخر.

ثانيا: لكي تستعيد مصر الإجماع العربي على مكانتها ودورها المحوري في النظام الإقليمي العربي (المفكك والمنقسم والمخترق)، عليها اتباع سياسة خارجية متوازنة – بالفعل وليس بالكلام - بشكل يجعلها على صلة حوارية مع جميع الأطراف (حتى المختلف معهم) ويدعم من مركزها في خطها التحالفي مع الغرب.

ولتكن لنا في تركيا أسوة حسنة.. فلعله من الأجدى أن تبادر مصر بكسر المناخ الاستقطابي السائد في المنطقة، ولتكن لها الريادة في ذلك من خلال التعامل مع المطالب الشعبية في العالم الإسلامي والتلميحات الرسمية من بعض الدول بقدر أكبر من الانفتاح وسعة الصدر، بل استثماره من أجل تقوية الموقف المصري أمام إسرائيل والعالم.

ويجب عدم اعتبار المطالبة بفتح معبر رفح اختزالا للقضية الفلسطينية في معبر أو مزايدة على دور مصر، بل إدراكا لأهمية أوراق الضغط التي تملكها مصر إذا ما أخذت قرارا بتحويل هذا المعبر لمنفذ حياة لا يربط فقط غزة بمصر بل بمحيطها العربي والإسلامي، وهو الربط الذي إذا تم بالسرعة والدقة والكفاءة المطلوبة فسيعيد لمصر هيبتها المفقودة ويكرس صورتها كلاعب إقليمي رئيسي بيده أن يغير من موازين اللعبة لصالحه قبل صالح أي طرف آخر.

ثالثا: إن تنشيط دور مصر الإقليمي لا يتم بدون تفعيل روابط حقيقية مع جميع الأطراف وأولهم حماس، فهي الحلقة الأضعف في شبكة علاقات مصر الإقليمية على الرغم من كونها الأهم في ظل المأساة الحالية، وذلك حتى تتدعم مصداقية الدور المصري.

ولا يمكن – شئنا أم أبينا - إغفال ما تتمتع به حماس من تعاطف شعبي لكونها رمز المقاومة في القضية الفلسطينية (القضية العربية المحورية في الذاكرة المصرية ورمز المقاومة ضد إسرائيل الدولة الغاصبة للأراضي الفلسطينية والقاتلة للفلسطينيين وللمصريين في الوعي المصري) بل ربما هناك مصلحة أخرى لصيقة بالنظام المصري وعلاقته بأهم جماعات المعارضة، وهي إضعاف حلقة الاتصال بين حماس والإخوان المسلمين أو تفعيل الهدف المشترك بين الحكومة والمعارضة، وهو الدفاع عن الشعب الفلسطيني للتخفيف من الاستقطاب الحاد الذي تشهده الساحة السياسية المصرية منذ سنوات.

إن اتباع النهج التصالحي كلما أمكن وتكريس التكامل بين الرؤى – ولو في حده الأدنى - يجعل العافية تدب من جديد في الحياة السياسية المصرية.

رابعا: يمكن لفتح منظم ومنضبط ودائم لمعبر رفح أن يحقق البعد الإنسانى المتفق عليه من الجميع والذي تحميه اتفاقيات القانون الدولي ويعطي شرعية دخول المساعدات الغذائية والطبية، ولكن بشكل مؤسسي يسمح للنظام المصري بمراقبة حدوده بفعالية ويمنح للفلسطينيين في قطاع غزة حدا أدنى من مستوى المعيشة.

خامسا: تقليل الفجوة الواسعة البادية للجميع بين النظام المصري والجماهير، وقد تمثل خطوة كهذه مصالحة داخلية تقرب المجتمع من حكومته بشكل يدفعها لأداء عام أفضل وفعال، فعادة ما تكون الخلافات الداخلية بين القوى السياسية في حدها الأدنى في ساحة القضايا الخارجية، مقارنة بمشاكل الداخل، وتكون ساحة لتجميع القوى المجتمعية وتعبئتها، والحكومات تلجأ إلى استغلال هذه التباينات في الداخل من أجل إكساب المواقف الخارجية مرونة أكثر وتوسيع مجال حركتها.

سادسا: إحراج إسرائيل (وليس مصر هنا) أمام الشعوب العربية والمجتمع الدولي إن هي تدخلت بأي صورة من الصور مثل قصف أو إعادة احتلال خط فيلادليفيا (محور صلاح الدين) الفاصل بين الجانب المصري والفلسطيني؛ فعلى الأقل ستكون مصر قد وفت بالتزاماتها الإنسانية والإسلامية والعروبية والأمنية، وأبدت سيطرة حازمة وقانونية على الجانب المصري للمعبر المفترض أنها تمتلك كامل السيادة عليه، وحاولت بأقصى ما تستطيع مساعدة الشعب الفلسطيني، لكن العدوان الإسرائيلي –وليس الحذر المصري - هو الذي حال دون ذلك.

الموقف الرسمي.. مردود عليه

علما أن مخاوف فتح معبر رفح جميعها مردود عليها:

أولا: لا علاقة بين دخول الإعانات الإنسانية لغزة وتكريس الفصل بين القطاع والضفة الغربية، فالحفاظ على الحد الأدنى من المعيشة الآدمية للفلسطينيين في غزة لا يعني إنشاء دولة فلسطينية منفصلة فيها، خاصة أن تأسيس الدولة الفلسطينية المستقلة مازال قيد مفاوضات ممتدة ومنذ أمد بعيد.

ثانيا: القول بأن فتح المعبر يعني الاعتراف بحماس.. وهل حماس احتلت أرضا أو جاءت بتزوير في الانتخابات؟ إنما هو خلاف فلسطيني - فلسطيني يجب أن تسعى مصر لاحتوائه وليس لنصرة طرف على آخر.

ثالثا: فتح المعبر لا يعني خرقا لأي اتفاقيات دولية، لأن مصر تتحكم في حدودها الدولية ولم تتعدها، كما أن مصر ليست طرفا في اتفاقية المعابر 2005 بين السلطة الفلسطينة وإسرائيل والاتحاد الأوروبي (وبالتالي فكل ما يترتب على الطرف المصري من واجبات بموجبها لا يصبح ملزما لمصر ما لم تقبل وتقر هي بهذه الواجبات، والاتفاقية أصلا لم تجدد منذ العام 2006، أي أننا أمام فراغ قانوني فيما يخص وضع معبر رفح).

أضف لذلك أن اتفاقيات جنيف والقانون الدولي الإنساني يعطي مصر الحق بل يفرض عليها واجب السماح للاحتياجات الضرورية الغذائية والدوائية بالدخول إلى القطاع.

رابعا: تنظيم دخول وخروج الفلسطينيين بشكل مرن - ولكن منضبط - لا يعني إخلالا بالأمن القومي ووقوعا في الفخ الإسرائيلي بالسماح بترحيل اللاجئين الفلسطينيين إلى سيناء، فالعكس هو الصحيح؛ فبفتح المعبر ربما تستطيع مصر تلافي أي احتمالات للنزوح الجماعي إلى داخل الأراضي المصرية عند استمرار تضييق الخناق على القطاع، فتظل الحركة عبر الحدود منظمة ومحكومة وتحت السيطرة.

خامسا: لا يمثل دخول عناصر فلسطينية إلى سيناء تهديدا أمنيا خطيرا، خاصة إذا ما قورن بالدخول المكثف للإسرائيليين إلى سيناء بسهولة ويسر، وإذا ما طبقت مصر ما تراه من إجراءات لتحديد من تسمح له بالدخول، على أن يواكب ذلك توسيعا لحركة المرور إلى غزة، خاصة بالنسبة للمعونات الدولية والعربية والتبرعات المصرية، فليس في هذا أي مساس بالأمن القومي، بل حماية ودعم له بتأمين الحدود والعمل على استقرار الأوضاع في مدخل مصر الشرقي.

رؤية لإحداث التوازن

لذا لابد من إعادة الاعتبار إلى جدوى وعقلانية المطالب الشعبية، ليس فقط بافتراض أن النظام معبر وممثل عن إرادتها، وإنما لأنها تعبر أيضا عن حس دقيق وإدراك واع للمصلحة القومية المصرية، ولأنها تعكس فهما شاملا وواسعا لمفهوم الأمن القومي المصري والعربي.

من المهم فك الارتباط بين جماهيرية وشعبية أى مطلب من جانب، وبين عدم عقلانيته وغوغائيته من جانب ثان.. إن كثيرا من الرؤى المجتمعية العامة تمتلك قدرا ملحوظا من الرصانة وتقوم على المنطق العقلاني والحسابات الواقعية.

وليس صحيحا أن الدوائر الحكومية تمتلك وحدها نفاذ البصيرة وتدرك ما لا يدركه الآخرون، فصياغة إستراتيجيات الأمن القومي لم تعد حكرا على العسكريين، وانفتحت على كافة قوى المجتمع في العالم أجمع، باستثناء العالم العربي، ولننظر إلى إسرائيل ذاتها كيف أن العدوان الإجرامي الحالي على غزة لا يمثل فقط رؤية المؤسسة العسكرية، بل يخاطب ويعبر في المقام الأول عن غالبية الرأي العام الإسرائيلي، وبالقول إن ديمقراطية الدولة الإسرائيلية تفرض على الحكومة أن تستجيب للضغوط الشعبية استطاعت إسرائيل أن تقدم خطابا يفهمه ويستوعبه المجتمع الدولي لتبرير السياسات العدوانية المتواصلة ضد الفلسطينيين.

ربما فات وقت انتقاد الموقف المصري من حصار غزة، والذي إن اختلف في السابق، فربما ما تفاقمت الأوضاع كما هو حادث الآن.. لكن عملية صنع القرارات السياسية عملية مستمرة تفرز في كثير من الأحيان فرصا لاستدراك ما فات وتفعيل المستجدات الداخلية والإقليمية والدولية عند تحديد ردود الأفعال الجديدة وصياغة السياسات المستقبلية.

ولعل إحداث توازن في السياسة الخارجية المصرية يرتبط أول ما يرتبط بتغير الإدراك الرسمي المصري لحماس باعتبارها تعبيرا عن التطرف الإسلامي وامتدادا لحركات المعارضة الإسلامية في داخل العالم العربي، وهي رؤية وإن صحت من المنظور الأمني الضيق، فإنها قاصرة من المنظور الإستراتيجي الأشمل، فإدخال المقاومة أو التهديد بها كأوراق في اليد العربية (والمصرية) على طاولة المفاوضات بجانب أنه يعكس إدراكا عقلانيا لمعطيات الواقع؛ فإنه ينوع من وسائل الضغط على إسرائيل ويفعلها، ويخدم على المدى البعيد القوى العربية في تحالفها مع الغرب ومن قبله في علاقتها بجماهيرها.

وأخيرا الاستقواء بالداخل لمواجهة الخارج أقل كلفة وأيسر سبيلا وأكثر أمنا، بل أكثر تأثيرا في الغرب أيضا.. هذا هو الخيار الإستراتيجي الثاني الواجب تبصره.