‏إظهار الرسائل ذات التسميات مع هيكل. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مع هيكل. إظهار كافة الرسائل

من حـال الصحافـة والصحفيين

محمود عوض
هى فكرة. فى واقع الصحافة المصرية كان القلق مما يجرى متزايدا. هناك تآكل فى المدارس الصحفية. ولم يعد الصحفى الأجود مهنيا فى المقدمة. وفى أحيان عديدة أصبح انشغال الصحف ببعضها البعض أكثر من انشغالها بقضايا الناس. ومع ضغوط الحياة أصبح صحفيون واعدون يهاجرون مؤقتا إلى الصحافة العربية فى الخليج وغير الخليج. ومن يعد منهم بعد سنوات، يكتشف أنه ربما كسب مالا لكنه خسر عمرا، ومهنة، ومستقبلا. واستجد فى الداخل إغراء الخلط بين الصحافة والإعلان، وهو ما يعتبره الضمير الصحفى فى طليعة المحرمات الكبرى التى يعنى انتهاكها نسف مصداقية الصحافة والصحفيين معا.

هل يمكن فى هذا المناخ السائد أن تسترد الصحافة المصرية معايير مهنية فى الأداء، تصبح نموذجا يحتذيه الآخرون؟ هل يمكن إتاحة شعاع من الضوء يهدى الصحفيين نحو مستقبل أفضل؟ هل يمكن أن نستلهم عناصر القوة القليلة الباقية فى صحافتنا، وهى التى نشهد تراجعها، فى مواجهة ضغوط ومصالح ضارية متصاعدة؟ وهل يتحقق هذا الأمل إلا بالعودة إلى استنهاض أهم تلك العناصر فى المهنة الصحفية، وهم الصحفيون أنفسهم؟ أتحدث هنا عن تجربة ذاتية فى أحد جوانبها.. لكنها موضوعية فى نهاية المطاف.
هى فكرة.

أتحدث عن يوم وجدت نفسى فيه منتخبا من جموع الصحفيين المصريين عضوا فى مجلس نقابتهم، بغير أن أكون قد فكرت سابقا فى مثل هذا التوجه. أتحدث عن سنة 1984، وكنت فى ذروة صراع تصديت فيه لأحد أبرز جوانب الفساد والانحراف فى سلطة الإدارة، فاخترت اللجوء إلى القضاء ثقة فى القانون والعدالة من ناحية.. ولأننى لم أرغب فى الهبوط بمستوى الصدام إلى تمزيق متبادل للثياب يستنزف الجهد والطاقة، بعيدا عن صلب الموضوع، بمثل ما رأيته يحدث سابقا لزملاء موهوبين آخرين، جرى سحق موهبتهم مبكرا.. وبلا رحمة.. ليتحولوا إلى أشلاء.

ربما توسم صحفيون عديدون، معظمهم موهوبون، أن إقناعى بدخول مجلس نقابة الصحفيين، قد يعطيهم أملا فى حماية أكبر لمواهبهم ولمستقبلهم. لم أكن انتخابيا بطبعى.لكنهم بشرونى بأن كل ما يطلبونه منى هو التوقيع على استمارة الترشيح للانتخابات وهم كفيلون بالباقى. لم أصدر أى بيان انتخابى. لم أطلق أى وعود. لم أقم بأى جولة فى أى مؤسسة صحفية. لكنهم شكلوا من أنفسهم لجانا تقوم بكل ذلك نيابة عنى. ومن تلك اللحظة بدأت أخوض التجربة كما لو كنت أشاهد فيلما سينمائيا تفاجئنى مشاهده. وجاء المشهد الأخير بفرز أصوات الناخبين بما جعلنى عضوا فى مجلس نقابة الصحفيين مع أحد عشر زميلا آخر. وفى أول اجتماع للمجلس الجديد، جرى توزيع مسئولية الأعضاء على لجان العمل النقابى.. كلجنة الإسكان ولجنة العلاقات الخارجية ولجنة النشاط.. و.. و.. بقيت لجنة الحريات. عندها قال النقيب وبعض الأعضاء: لنترك رئاسة تلك اللجنة لمحمود عوض.

لم أعرف لحظتها.. هل النقيب يعطينى جائزة.. أو برميل بارود. لا تهم الإجابة هنا. المهم أنه بعد انتهاء الفيلم كله جلست أفكر: ماذا سأفعل مع الذين أعطونى ثقتهم على بياض، ودفعونى إلى عضوية مجلس نقابة الصحفيين من خلال صندوق الانتخاب؟ إن مدة العضوية أربع سنوات. وبالتأكيد هناك سؤال مشروع قد يطرحه على زملاء صحفيون من الآن فصاعدا، خلاصته: ماذا فعلت بأصواتنا؟ ماذا فعلت لنا؟ لم أكن بالطبيعة أصلح للوساطة فى أى شىء من نوع الوساطة للحصول على تليفون أو سيارة أو شقة، وكل تلك الأشياء التى قد يتوقعها البعض خدمات نقابية. لكن السؤال يظل مشروعا، وإجابتى عنه يجب أن تكون جاهزة ومقنعة. وفى النهاية اخترت أن تكون إجابتى هى فى صلب المهنة الصحفية وليس فى قشورها. كان اختيارى هو: إقامة أول مسابقة سنوية تكافئ المتميزين والمتفوقين مهنيا فى الصحافة المصرية.
هى فكرة.

لكن حتى الأفكار تحتاج إلى أجنحة لكى تحلق. وفى حالتنا هذه يصبح المال مطلوبا بشدة. فإذا كنت أفكر فى مسابقة سنوية لاختيار أفضل الأعمال المنشورة من حيث الأداء المهنى، فإن الصحفى الفائز يريد جائزة تتجاوز مجرد أن أقول له: أحسنت. وحديث المال هنا يبدأ من حقيقة مفزعة، عرفتها فى أول اجتماع لمجلس النقابة للتصديق على ميزانية سنة سابقة. فى الميزانية إعانة سنوية تتلقاها النقابة من الحكومة لتسديد المعاشات وتغطية خدمات أخرى، لا تكفى اشتراكات الأعضاء لتغطيتها. لم أكن أريد أيضا اللجوء إلى المؤسسات الصحفية لتمويل الجوائز لأن هذا يجعل الجوائز أسيرة للمصالح السائدة.. وهى فى معظمها مصالح صنعت الواقع الذى جعل الصحفى نفسه أرخص ما فى المهنة، بدل أن يكون أغلاها.

وقلت لزملائى: إننى أفكر فى أن تعبر هذه الفكرة عن مسابقة مهنية حقيقية . مسابقة مستقلة ومنزهة عن الهوى والغرض والسياسة. وأول ما تعنيه استقلالية المسابقة، هو استقلالية تمويلها. سوف أسعى لإقناع كبار الصحفيين بأن يكونوا هم أنفسهم ممولى هذه الجوائز السنوية، وبأن تكون لجان التحكيم وترشيح الأعمال الفائزة من صحفيين مخضرمين لهم رصيد حقيقى داخل المهنة، من حيث موضوعيتهم ومصداقيتهم ونقاء ضميرهم.
وقال لى بعض الزملاء: لكن كبار الصحفيين هؤلاء، عازفون عن النقابة. هم لا تلزمهم النقابة أصلا.
قلت لهم: هم لا تلزمهم النقابة. صحيح. لكن هم لازمون للنقابة. وهذا سيكون هو التغيير.

هى فكرة. لكن الأفكار مهما كانت جاذبيتها ترتبط بواقع. وفى الواقع كانت مفاجأتى كبيرة، حينما جلست مع أحد شيوخ المهنة لإقناعه بالمساهمة، لكنه بادرنى بالتساؤل معترضا: هل الصحافة بأوضاعها الراهنة تستحق أن نقدم لها جوائز؟ فليقوموا أولا بإصلاح الصحافة قبل أن نقوم نحن بعمل جوائز لها. أجبته قائلا: ولماذا لا نبدأ نحن بإعطاء النموذج؟ لماذا لا نعطى أملا للصحفيين الموهوبين، وهم بالطبيعة أقلية فيشدون إليهم الآخرين.. وهم أغلبية ؟ لم أنتظر إجابة. لكننى انتقلت إلى آخر من شيوخ المهنة.. وآخر.. وآخر.
فى حوارى مع أحمد بهاء الدين، وهو الكاتب المخضرم الذى كان له فى حينها عاموده اليومى فى جريدة «الأهرام»، بعد أن كان رئيسا لتحريرها فى مرحلة سابقة، طرحت عليه الفكرة قائلا له: إننى سأبدأ بنفسى مساهما فى هذه الجوائز بألف جنيه.
رد أحمد بهاء الدين على الفور: أنا أيضا سأساهم بألف جنيه.
قلت له: لم أجئ إليك لتساهم ماليا.. جئت لأقنعك برئاسة اللجنة العامة للتحكيم، وهى التى ستتحمل المسئولية عن نتائج المسابقة.
قال بهاء ضاحكا: ولماذا لا تسمح لى بأن أفعل الاثنين معا؟ فلنؤجل مسألة رئاسة لجنة التحكيم هذه.. ولتقبل منى الآن التزاما بألف جنيه.

ثم سكت بهاء قليلا قبل أن يضيف: إننى مسافر إلى الكويت غدا لعشرة أيام. ومن الآن أقول لك: إنك لو نجحت فقط فى جمع خمسة آلاف جنيه، فسيكون هذا بحد ذاته إنجازا غير مسبوق فى مهنتنا الصحفية.. لأن هذه الخمسة آلاف جنيه ستكون أكثر الأموال حلالا فى بر مصر!
وبعد عودته من الكويت بادر أحمد بهاء الدين بالاتصال بى متلهفا: هل نجحت فى جمع خمسة آلاف جنيه أو حتى ما يقترب منها؟
وأجبته: ساقول لك ما فاجأنى أنا نفسى. لقد جمعت 18 ألف جنيه.
مضت لحظات قبل أن يرد بهاء متهللا: بتتكلم جد؟ إذن سأزورك فى بيتك مساء لأعرف التفاصيل.

وفى بيتى بدأ بهاء يقرأ بضع أوراق تمثل استجابة لرسالة منى توجز الفكرة ومبادرتى بالمساهمة بألف جنيه.

من إحسان عبدالقدوس: «الأستاذ محمود عوض. موافق ومرحب بهذا المشروع، وإنى أساهم معك فيه بالتبرع بمبلغ ألف جنيه مصرى تضاف إلى قيمة الجائزة. وأشكرك على اهتمامك بمستقبل الصحافة والصحفيين».

من عبدالسلام داوود: «أهنئكم على هذه الفكرة الرائعة، وأرجو أن تقبلوا منى مبلغ ألف جنيه مساهمة فى إنجاح هذا المشروع العظيم. وفقكم الله إلى ما فيه خير العمل الصحفى الشريف».

من صلاح حافظ: «أخى الأستاذ محمود عوض: الفكرة رائعة وتعيد إلى الصحفيين بعض الاهتمام بالمستوى المهنى لما يكتبونه وبعض الاحترام للمستوى المهنى. وأرجو أن تقبل اشتراكى بألف جنيه فى ميزانية هذه الجائزة. ومن يدرى؟ لعلى ذات يوم أفوز بها! حظا سعيدا لك وللفكرة. أصدق احترامى».

من محمود السعدنى: «عفارم عليك، للفكرة منى ألف جنيه، ولك عندى دعاء الوالدين».
من مصطفى حسين: «يارب يا محمود تكتمل سعادتى بأن ترى هذه الفكرة النور، فتصبح تاجا على رؤوسنا جميعا.. وأتعهد لك بالمساهمة بخمسمائة جنيه وأى جهد آخر تطلبه منى».
من مصطفى شردى: «أنا وجريدة الوفد التى أرأسها معك بقلوبنا. ويسرنى المساهمة بثلاثمائة جنيه، تدعيما لهذه الفكرة الرائدة . وشكرا للزميل الفاضل محمود عوض الذى طرحها واحتضنها حتى بلغت مرحلة التنفيذ».

من محمود المراغى نائب رئيس تحرير «روزاليوسف»: «فى وقت تراجعت فيه المبادأة، وغابت الرعاية الصحفية اللازمة لجيل واسع جديد، تجىء فكرة جوائز الصحافة المصرية لأحسن عمل صحفى لتذكى روح المنافسة وتربط الجيل الجديد بالقديم، وتبرز الأجود والأفضل مما قد لا يحس به القارئ، أو يحس به المجتمع الصحفى بالدرجة الكافية. مع تحياتى والتزامى بالمساهمة بثلاثمائة جنيه».

من محمد حسنين هيكل :«لى الشرف أن أساهم فى هذه الجوائز بمبلغ خمسة آلاف جنيه. مع موفور الشكر».

و.. و.. و18 ألف جنيه وليس فقط خمسة، هى بتعبيرك أكثر الفلوس حلالا فى بر مصر، وساهم بها ثلاثون من كبار وشباب الصحفيين.

تهلل وجه أحمد بهاء الدين بسعادة استثنائية، ثم قال لى: طالما أصبحت لديك كل هذه المستمسكات فهات ورقة. بعدها كتب: «أهنئكم على الفكرة ويشرفنى أن أساهم فى الجوائز المقدمة بمبلغ ألف جنيه. مع أطيب تحياتى». شرحت لأحمد بهاء الدين أننى فى هذه المرحلة، لم أكن أريد تسلم أموال أو شيكات بأموال، لأن هذا سيحدث فقط بعد فتح حساب باسم الجوائز فى أحد البنوك قبل الدخول فى المرحلة التالية. ثم صمت بهاء قليلا قبل أن يتساءل: لكن.. هل هيكل متأكد مسبقا من نجاح هذه الفكرة واستمرارها لخمس سنوات قادمة، حتى يساهم بخمسة آلاف جنيه؟
قلت له: هيكل فاجأنى بما لم أتوقعه.. فاجأنى بقوله إنه يساهم بخمسة آلاف جنيه فى هذه المرة.. وبنفس المبلغ فى كل سنة تالية.

وبكل تلك الثقة من المساهمين بدأت أنا وزملائى طريق الألف خطوة لكى تتحول «جوائز الصحافة المصرية» من فكرة جاذبة، وحلم هائم، إلى واقع يتابعه الصحفيون جميعا.. بغير أن أتصور أنها جوائز سترصدها وتتابعها أيضا سفارات دول كبرى فى القاهرة

أحمد المسلمانى يكتب: هيكل.. وقفة مع الأستاذ


أحمد المسلمانى يكتب: هيكل.. وقفة مع الأستاذ

تأملت طويلاً مشروع الكاتب الكبير الأستاذ محمد حسنين هيكل، كنت ألجأ إلى كتاباته ملتمسا الرأى كلما ضاقت المعلومة أو متقصَّيا المعلومة حين يختلط الرأى.. فوجدته - فى حالات عديدة - شاهداً حين يجب أن يكون قاضياً، وقاضياً حين يجب أن يكون شاهداً، وغائباً حين تتعقد القضايا وترتبك الأحكام وتتبدل مواقع الادعاء والاتهام!

■■

يرى المفكر الكبير د. جمال حمدان، فى أستاذنا الكاتب الكبير محمد حسنين هيكل، الصحفى الأول فى العالم.. ويراه جيلى أكبر من ذلك بكثير.. فهو يتجاوز الصحفى إلى ما هو أبعد وأوسع وأعمق.. وأبقى.

ولأنى واحد من ذلك الجيل الذى يرى فى الأستاذ هيكل ربما أكثر مما يراه فى نفسه، ويضعه فى مكانة.. ربما لم يبذُل هو الجهد الذى يضعه فيها، بقدر ما بذلنا نحن الحب لنبقيه عليها.

ولأنى واحد من جيل عاصر عدداً وفيراً من رؤساء التحرير الذين يتفاوتون فى الفساد ويتساوون فى الجهل.

ولأنى واحد من جيل عاصر مشهداً سياسياً مضطرباً يتصدره زحام من سياسيين عديمى الموهبة وآخرين حديثى الولادة.

ولأنى من جيل تجاوز الأيديولوجيا إلى المنطق، والصراخ إلى العلم والخطابة إلى المعرفة.. لأنى من ذلك كله فقد أذهلنى إلى حد الصدمة الحديث الأخير للأستاذ هيكل فى قناة «الجزيرة»، والذى نشرته «الدستور» و«الأسبوع» و«العربى».

■■

لقد فكرت فيما إذا كان مناسبا الرد على الأستاذ هيكل، وسط حملة عليه يقودها أناس قد أُملى عليهم، فكانوا لما تلقوا من أمر صاغرين.

ولكن حديث الأستاذ الذى اعتبره أضعف حديث أدلى به كاتب كبير فى شأن كبير.. لم يتركنى فى حيرتى طويلا، فقد كان احتمالى لحجم الأخطاء أضعف مما أحمل من مودة، وتحمّلى لصدمة الضعف أكبر مما أحمل من قوة الصبر.. أو فضائل التقدير.

السطور التالية هى فقط عناوين شارحة لبعض مما يسمح به المقال والمقام.

(١)

قال الأستاذ فى تفسير صمته الطويل فى التعليق على ما يجرى فى غزة: «عندما تصل الأحداث إلى هذه الدرجة من السخونة فإننى أفضل باستمرار النظرة على مجمل الحوادث».. وهذا قول غريب، فماذا يفيد التحليل بعد بلورة الحدث وانتظام الوقائع واكتمال المشهد.. إنها حكمة بأثر رجعى.. يتسنّى لصغار الصحفيين التحلى بها.. وأما مقام الأستاذ فكان الأجدر به أن يتحدث ويشرح وينصح فى اليوم لا فى بداية الأسبوع الثالث.

لقد أصبح الأستاذ كالآخرين.. صمت حين صمت الجميع، وتحدث حين تحدث الجميع!

(٢)

قال الأستاذ «إن قناة الجزيرة قد لعبت دورا كبيرا فى التعبئة».. وهو قول غير صحيح، ذلك أن الجزيرة التزمت المهنية والحياد، وسمحت لقادة إسرائيل بمثل ما سمحت لقادة حماس.. وجودا وحدودا.. وطبقت الجزيرة بدقة تامة شعارها «الرأى.. والرأى الآخر».. وهو شعار يقف على النقيض تماما من فكرة التعبئة.. لقد قال الأستاذ فى شأن «الجزيرة» ما لم تقله فى نفسها.

(٣)

قال الأستاذ عن أعضاء حركة حماس «جاء أناس تختلف أو تتفق معهم» ثم مضى يغازل حماس بمديح رقيق، ولم يلتفت الأستاذ إلى خطورة هذه العبارة «تتفق أو تختلف» واعتبرها جملة عرضية لا تهم فى التحليل.. رغم أن هذه هى الجملة المركزية فى التحليل.. هل تتفق مع حماس أم تختلف؟ وفيمَ الاتفاق وفيمَ الاختلاف؟.. وكعادة الأستاذ ترك أخطر القضايا إلى جاذبية الحكى وبلاغة السرد!

(٤)

قال الأستاذ عن تعقب أجهزة السلطة لحكومة حماس بعد وصولها الحكم إن «حماس قامت بإزاحة هذا الطابور الخامس وبدون عواطف.. وكان لديها حق شرعى» وهكذا وصف الأستاذ السلطة الفلسطينية قولا واحدا بأنها «طابور خامس» أى سلطة تجسس إسرائيلية.. أى أن السلطة فى التحليل الأخير هى جزء من جهاز الموساد، وهذه هى الترجمة السياسية لوصف «الطابور الخامس» وهو اتهام خطير لا دليل عليه، ثم شامل لم يستثن أحداً.. وهو فوق ذلك يؤسس للانقسام.. إنه بمثابة إعلان مبادئ للحرب الأهلية.. حماس تحارب الموساد!

(٥)

قال الأستاذ إن رغبة الرئيس بوش تمثلت فى أن يكون عام ٢٠٠٨ هو عام التسوية.. وأن الخطة الأمريكية التى كانت إسرائيل عنصرا فاعلا فيها تستهدف حلا دائما ينهى الصراع العربى الإسرائيلى.. وهو تحليل فى مجمله غير صحيح.

والكل يجمع أن حكم الرئيس بوش، الذى تأسس تحت حطام مركز التجارة العالمى وانتهى تحت حذاء منتصر الزيدى.. وبينهما حرب فى العراق وأخرى فى أفغانستان وثالثة فى وول ستريت.. لم يكن أبدا ليخطو بالقضية الفلسطينية خطوة واحدة.. فضلا عن أن يقوم بوش بحل شامل.. إن كلام الأستاذ يضئ وجه بوش ويحسن صورة واشنطن.. ويلقى كل التبعات على حماس!

(٦)

قال الأستاذ: «إننى أعرف أن إدارة بوش وافقت وشجعت». وقال: «فيما أعرف فقد ذهبت مجموعة من الدفاع والمخابرات الخارجية وأحاطت أوباما علماً» واستخدام الأستاذ عبارات «إننى أعرف».. «فيما أعرف» يوحى بأن الأستاذ قد اتصل بأى من الرئيسيين بوش أو أوباما أو قادة الإدارة الأمريكية.. ولكن الأستاذ لم يقل من أين يعرف.. لاسيما أن ما قاله الأستاذ لا جديد فيه على الإطلاق.. بل هو المنطق العام للأمور.. يمكن أن يصل إليه عامة المشاهدين والقراء!

(٧)

قال الأستاذ «الدول العربية التى تسمى معتدلة.. لا أعرف هى معتدلة فى ماذا؟».. وهى سخرية ليست فى محلها.. ذلك أن هذه الدول تعتمد الواقعية السياسية، التى تتوسط الحفاظ على الحقوق دون التورط فى خسائر جديدة.. والمدهش أن الأستاذ هيكل أنهى حواره ناصحا «علينا أن نجد طريقا ما بين المذلة والكبرياء لنسير فيه».. وكنت أفهم أن تكون هذه مواءمة السياسى لا طموحات المثقف.. ذلك أن المثقف لا يتوسط طريقين أحدهما مذلة.. وإنما يختار حتماً «طريق الكبرياء».

(٨)

دعا الأستاذ حزب الله ألا يتدخل فى المعركة، وقال: «إن دواعى النصرة والجهاد ليست مطلوبة»، وقال «إن تدخل حزب الله اليوم فيه خطأ.. ولا ينبغى أن ندفعه ولا ينبغى ابتزازه».. وهذا كلام رقيق ودافئ، ولكن الرقة هنا خارج السياق.. وذلك أن الشرعية الدينية والسياسية لحزب الله إنما تنهض على عقيدة «النصرة والجهاد».

إن الأستاذ إذ يصف الداعين لحزب الله بالاتساق مع مشروعه وعقيدته بالابتزاز.. إنما يقوم بإبطال حتمية النصرة وفريضة الجهاد، وهكذا يدعو الأستاذ حزب الله إلى عكس مبادئ حزب الله.. إلى ترك ما يؤمن إلى ما لا يؤمن.. وما يعتقد إلا ما لا يعتقد!.

(٩)

قال الأستاذ: «إن حماس لا تعرف حركة العالم بالقدر الكافى» وأن «حماس لم تستفد من التهدئة».. والأخطر هو قول الأستاذ: «كنت أتمنى ألا تطلق حماس صواريخها»..

وقد أذهلتنى هذه العبارات، ذلك أن الأستاذ طيلة حديثة كان يغازل حماس غزلاً صريحاً، ويلتمس لها كل الأعذار.. ويمنحها الدلال الكافى فى كل مواقع الحوار.. وقد مر على أخطر العبارات دون أن يتوقف أو يوقفه المحاور أو تلتفت القناة أو الصحف الناشرة.. إن حماس برأى الأستاذ لا تفهم فى السياسة الداخلية ولا الخارجية.. وقد أخطأت بإطلاق الصواريخ. وظنى أن هذا هو منطق إسرائيل، أن حماس حركة جاهلة، وأنها أخطأت فى إدارة الهدنة وعدم تجديدها.. وأن صواريخها هى سبب الحرب عليها.

كانت الأمانة تقتضى أن يكون الأستاذ صارماً وحاسماً فى شرح رأيه فى حماس وفى تعقيدات الصراع، ولكن الأستاذ عاد إلى شعر الغزل من جديد ليقول: «إن حماس تعرضت لأكثر مما هو لازم»، إن الأستاذ لم يقل ما هو اللازم وما هو الأكثر من اللازم.. والشاهد عندى أن الأستاذ لا رأى له فى حماس.. وأنه ليس عميقاً فى شأن الخريطة الفلسطينية الجديدة بما يكفى.. وأننا إزاء احتمالين.. إما أنه لا يعرف.. أو أنه لا يريد.. وفى كل ضعف.

(١٠)

قال الأستاذ «يجرحنى الاعتقاد عن دور مصر فى حصار حماس».. وكلمة الجراح فى كلام الأستاذ غريبة، وهى أقرب إلى قول شاعر، وكان الأنسب أن يقول الأستاذ اعتقاده.. هل تشارك مصر فى حصار حماس؟ وإذا كانت إجابته نعم.. ففيم زيارات الوزيرين عمر سليمان وأحمد أبوالغيط إلى الأراضى المحتلة؟ وفيم زيارات خالد مشعل وقادة حماس إلى القاهرة؟ وفيمَ مجمل لقاءات المسؤولين المصريين مع حماس، والتى تزيد أحياناً عن المرة فى اليوم الواحد.

وفيمَ اتهام صحف وأجهزة العالم لمصر بتهريب السلاح وغض النظر عن الأنفاق؟..

.. إذا كان وصف الأستاذ لذلك بالحصار.. فما يكون الحوار؟

(١١)

قال الأستاذ: «مصر موجودة فى الصراع العربى الإسرائيلى للدفاع عن مصر فى حد ذاتها، حتى بدون انتماء عربى». وهذا قول يخالف حقائق التاريخ.. ذلك أن ثورة ١٩١٩ قد تنبهت لخطورة الحركة الصهيونية فى نهاية العشرينيات، وسجل تراث الوفد والزعيم مصطفى النحاس رغبة قديمة فى خوض القتال ضد الصهيونية، أثناء ثورة ١٩٣٦ وبعدها.. وبعد عقد من الزمان خاضت مصر حرب ١٩٤٨ فى فلسطين.. ولم يكن الدافع وراء كل ذلك وما بعده ما يقوله الأستاذ من أنه دفاع عن مصر فى حد ذاتها.

إن تحليل الأستاذ هنا ليس ضعيفاً وخاطئاً فحسب، ولكنه يحرم مصر من المكانة الأخلاقية التى احتلتها بفضل دفاعها عن القضية الفلسطينية.

(١٢)

قال الأستاذ: «أنت فى مصر على حدودك إسرائيل فيها ٢٠٠ قنبلة نووية».. «وهذا يفرض عليك إما أن تخضع لابتزاز القوة فتصبح فى أزمة.. أو تطلب حماية أمريكية أو أن تملك سلاحاً نووياً.. والظروف صعبة جداً، والتكلفة غير معقولة وأنت وقعت على الاتفاقية».. ثم يمضى الأستاذ هيكل بعد أن حطم باب الأمل وأغلق باب السياسة: «عندما تكون إلى جانب دولة نووية وأخرى لا تملك هذا السلاح.. هذا لا يحتاج لأن ترسل إسرائيل أكثر من سكرتير ثالث فى سفارتها لإبلاغ ما تشاء لوزير الخارجية»، هكذا فى حالة تيئيس شاملة.. أطفأ الأستاذ كل الأنوار.. إما الانبطاح أو العمالة.. ولا سبيل غير الاستسلام أمام سكرتير ثالث من سفارة إسرائيل.. وحيث إننا لا نملك لعقود قادمة أى قنبلة نووية.. فلا حل غير الانبطاح أو العمالة!.

(١٣)

قال الأستاذ نقلاً عن ساركوزى نقلاً عن «هاآرتس» نقلاً عن الموساد: «إن الرئيس مبارك قال إنه لا يجب أن تنتصر حماس».. هكذا الأستاذ الذى علمنا التحقق من المصادر.. ينقل أخطر اتهام من صحيفة إسرائيلية ليعيد ويزيد فيها.. كأنه وقع على سبق صحفى نادر.

إن اللحظة التى كانت الوطنية المصرية فيها تحتاج حماية الأستاذ.. خذلها الأستاذ لينضم إلى صحافة صفراء وقنوات صفراء، نقلت الصراع مع إسرائيل إلى الصراع مع مصر.. وحوّلت اتجاه الحجارة من رشق جنود إسرائيل إلى رشق نوافذ القاهرة.

(١٤)

قال الأستاذ رداً على سؤال الجزيرة: هل تطرد مصر السفير الإسرائيلى؟ أم تجمد خطوات التطبيع أم توقف تصدير الغاز؟.. قال: «ولا أى حاجة من ذلك».. ثم عاد ليقول «صدِّر كما تشاء».. و«حتى فيما يخصّ صفقة الغاز فإن فيها مصالح ضيقة».. وهكذا لم يدن الأستاذ بوضوح تصدير الغاز لإسرائيل، بل قال «صدِّر كما تشاء».. وقال على مطالب الحركة الوطنية المصرية «ولا أى حاجة من ذلك» ثم ذهب الأستاذ يحدثنا عن أن كل ما يرجوه هو «الاتساق بين مصر السياسية ومصر التاريخية».. أى أن الأستاذ ترك السياسة، حين كان يجب أن يتحدث فى السياسة، واستدعى نظريات التاريخ حين كان يجب أن يستدعى حقائق المشهد.

(١٥)

وبعد.. كانت هذه معالم وقفة قصيرة مع الأستاذ.. فى حديث رأته بعض الصحف المصرية «أخطر حديث للأستاذ» ورأيته ـ فى اجتهادى المتواضع ـ أضعف حديث للأستاذ.. وهنا تبقى المعضلة الأكبر.. ذلك أن الأستاذ الذى كان يجالس ويناقش كبار رجال الفكر والسياسة ذات يوم، بات يجالس عدداً من المعجبين والحواريين الذين لا يملكون إزاء سحر الأستاذ غير آيات التسبيح.

وظنّى أن أغلب أخطاء الأستاذ إنما جاءت من رجال حول الأستاذ.. يهتفون إذا أشار، ويخشعون إذا تحدث، ويستشهدون إذا أمر.

فى السابق صنع المفكرون مكانة الأستاذ، وفى الحاضر يكسر المريدون ما صنعه المفكرون.

مع هيكل

هيكل: إسرائيل أرادت أن تقضي علي«حماس»حتي تصل إلي تسوية مع السلطة
.. واستغلت فرصة انتقال السلطة في أمريكا لتنفيذ أهدافها
بعد ترقب 12 يومًا منذ بدء العدوان الإسرائيلي، خرج الكاتب الكبير الأستاذ محمد حسنين هيكل ليدلي بشهادته التاريخية علي حاضر لا يريد أن يكون تاريخًا بعد، وها هو هيكل يتكلم في حوار مهم مع الإعلامي الكبير حسين عبدالغني - مدير مكتب قناة «الجزيرة» بالقاهرة - قال هيكل الكثير عن حماس وفلسطين وإسرائيل ودور مصر والعرب إزاء ما يجري من مجازر في غزة.
> كلما تنزل الملمات بهذه الأمة يفتقد الناس صوت هيكل.. 12 يوماً من المأساة، لكن الأستاذ لم يتحدث.. لماذا تأخرت عن الكلام؟

ـ عادة في الحوادث الساخنة أفضل باستمرار النظر إلي مجمل الأشياء، والجزيرة عملت تغطية كبيرة للأحداث، طوال الفترة الماضية أتابع كملايين غيري وأحاول أن أهدئ أعصابي، أحاول أن أ
قنع نفسي بتهدئة أعصابي وأتكلم ببرود في وقت لا ينفع فيه هذا.


> المشهد يبدو معقداً ومركباً للغاية، تقول هناك عناصر متداخلة «السياسي مع العسكري» مشهد فوضوي، كيف نفهم هذه الصورة، هل نبدأ بتحليل موقف كل طرف «الإسرائيلي والأمريكي وحماس» أيضاً؟

ـ في الأول أريد القول: علينا أن نبدأ بموقف إسرائيل فلابد أن تنتبه إلي أنه عندما جاءت حماس كانت هناك حلول 
تُفرَض، وقوي إقليمية وعناصر فلسطين
ية، وفي سنة 2006 حدثت انتخابات ديمقراطية انتخبت حماس، لكن مجري التسوية وقفت أمامه عقبة وهي أنه جاء أناس بطريقة غير متوقعة ووقفوا في مجري التسوية وحدث انسداد وبدا كلام عن ضرورة فتح المجري العام للتسوية، فعلي سبيل المثال بدأت حكومة حماس تعمل في غزة وأخذت السلطة ثم وجدت أنها لا تستطيع ممارسة السلطة، حماس في السلطة عندها حق شرعي لأنها وصلت للسلطة بالديمقراطية وأنا سمعتهم كثيراً، دخلوا لكي يكشفوا للعالم مدي قوتهم، كنت أتمني ألا يكونوا في السلطة، من ثم بقينا أمام قضية موجودة وبدا هناك عمليات مخططة أن قوات الأمن الفلسطيني ترتب لعملية مواجهة مع حماس.
أنت هنا أمام الحرب الأهلية الفلسطينية، بشكل عام بدا أن الطرف الفلسطيني المكلف بالعملية ليس قادراً، وربما ليس راغباً في التسوية، رغم وجود ضغوط شديدة من أجل التسوية والطرف الفلسطيني الذي بدا أولاً أنه مستعد للتسوية لم يعد مستعداً، ومن هنا إسرائيل بدأت وقررت تأخد المهمة، وإسرائيل ترغب في إزاحة القضية «أولاً» مع نهاية عهد وبداية عهد جديد.

> هل تقصد أن إسرائيل كانت تريد إزاحة القضية من أجل إتمام التسوية؟

هذا صحيح إلي أقصي حد.

> هذا يقودنا إلي محاولة استطلاع الأهداف من ه
ذه الحرب الإسرائيلية؟

ـ إسرائيل تريد أن تخلص علي حماس وتعتقد أن هناك فرصة مناسبة وهناك فراغ سياسي انتهزت
ه إسرائيل فيه انتقال السلطة في أمريكا وأعياد ومناسبات وأزمة مالية شغلت العالم، إسرائيل أرادت أن تضع العالم كله أمام أمر واقع، أولاً كنا أمام جيش إسرائيلي وهو جيش مستعد للقتال بعد أن تأثرت سمعته في حرب لبنان وهم يريدون أن يستعيدوا هذا السمعة أمام الشعب، وأمام العالم، الجيش الإسرائيلي كان راغباً في هذا العمل بشكل كبير لأن هيبته في المنطقة كما يتصور معلقة علي الجيش، وبالتالي كان عايز يدخل.

الأمر الثاني، الأحزاب في إسرائيل هناك صراع شديد في إسرائيل بين أولمرت وهو «خايف»، وباراك وزير الدفاع وهو يريد أن يثبت نفسه، تسيبي ليفني وهي معتقدة أنها زعيمة حزب، نحن أمام مجموعة عناصر شريرة جداً.
الرئيس المنتخب أوباما نجد شيئاً غريباً وهو أن وزير الدفاع الأمريكي هو الوزير الوحيد الذي استمر من إدارة بوش إلي إدارة أوباما، هذه الخطط درست في وزارة الدفاع الأمريكي، ومن جانب الإسرائيليين لأنهم يعرفون أمريكا.

أوباما أحيط علماً بالعملية المقبلة وذهبت إليه مجموعة أحاطته بالمعلومات في CIA وأحيط علماً بما يجري.

الخطة الأمريكية موجودة أمامنا وتعلمها إسرائيل وموجود بها شيئان أساسيان أولاً: تسوية المنطقة في فلسطين وثانياً: إعداد المسرح لضغط دبلوماسي يغير النظام 
في إيران، لذلك نحن نستعد لحرب مقبلة في المنطقة.

أقدر تماماً ما قلته وإعادة ترتيب الأوراق

> حضرتك تتكلم من منظور الاستراتيجية العالمية وتسوية المنطقة فرضت حلاً للصراع العربي الفلسطيني وإعداد المسرح لضغط يغير النظام في إيران.
ـ إن الأوضاع المحلية والإقليمية والعالمية لا تنفصل والمطلوب إزاحة عنيفة معينة وتهيئة المسرح لمواجهة جديدة، ومن هنا تقدمت إسرائيل ليس فقط لأن أمريكا تريد تجديد عقد الوكالة الأمريكية ولكن لأن أمريكا في التعامل مع إسرائيل أكثر طواعية وتريد أن تقول أنا التي نجحت في إزاحة العقبة الموجودة في المنطقة وأنتم متفرجون.

> هل هذا معناه أن ما يحدث من قتل وتدمير للبنية التحتية في غزة هو نفس السيناريو الذي حدث في تموز 2006 لبنان مع حزب الله؟

ـ إلي حد كبير لكن هناك فوارق، حزب الله كان أكثر استعداداً وكان مطمئناً لقوي في الأقليم مثل إيران فكان أكثر
استعداداً وأكثر قدرة علي الحركة، لكن الحاجة الغريبة أن كان هناك تمهيد لضرب سوريا والبدء بحزب الله.
حزب الله كان مطلوباً إزاحته في حد ذاته لأنه كان قوة، لكن في غزة الوضع مختلف فالأمر ليس فقط حدود وموارد ولكن الأرض وتضاريسها فالوضع مختلف وإخواننا في غزة يواجهون قضية أخري.

> هل تعتقد أن ما قاله الأتراك وأطراف أخري أثناء الأزمة سيتحول لأزمة أقليمية ويتدخل حزب الله هل هذا مطروح؟

ـ لا يوجد أطراف تقترب من الأزمة والتدخل العسكري لأن غزة معزولة ومحصورة بين إسرائيل ومصر ولذلك نحن نطرح سؤالاً تعجيزياً للقوي المحيطة في الإقليم.
تدخل حزب الله يعني جرهم لمعركة وتوسع النطاق بطريقة غير ملائمة لحزب الله وحزب الله موجود في لبنان ودفاعه في لبنان حق مشروع لكن تدخله في مناطق أخري سندخل في منطق آخر وننظر باستمرار لبؤرة واحدة؟


حزب الله غير مستعد ولو دخل اليوم في المعركة سيكون خطأ.. وهناك فرق بين دفاعه الشرعي في لبنان لأنه موجود بها وخوضه معارك أخري لذلك لأعتقد ولا ينبغي دفعه ولا ابتزازه للدخول في هذه المعركة.

> إذا قلنا إن الولايات المتحدة كمحرك لإسرائيل تقابلت مصالحها مع إسرائيل في إزالة العقبة التي تحدثت عنها.. هل في الأداء الأمريكي ما تري إلقاء الضوء عليه؟
ـ الموقف الأمريكي أمامي ظاهر، أمريكا حصلت في المنطقة علي ما تريد وليس هناك بلد عربي إلا وفيه قاعدة أمريكية، مع الأسف الشديد أمريكا حصلت في المنطقة علي أكثر مما كانت تريد وأنا أقول هذا وأنا حزين.

إسرائيل أخذت سواء منا مباشرة أو عن طريق الأمريكان كثيراً وبعض الدول العربية للأسف تتصور أن طريقها إلي واشنطن يمر عبر إسرائيل.

> عناصر الموقف الأمريكي ظاهرة في الأزمة لكن الفترة الانتقالية الحالية ما تأثيرها؟

ـ تذكر أن هناك فراغ سلطة في أمريكا، في هذه الأزمة الراهنة لا يستطيع أوباما تكرير أن لأمريكا رئيساً واحداً فقط، وفي نفس الوقت بوش موجود، وهذا يعطي أو يعني وج
ود فترة فراغ طويلة في أمريكا، وأحب أن ألفت نظرك إلي حديث لـ«توني بلير» في صحيفة إسرائيلية منذ فترة قال فيه يجب أن ننتظر ما هو قادم وكأنه كان يلمح إلي الحرب الإسرائيلية في غزة، كثافة قوة النيران الموجودة في غزة والصور مرعبة ومستفزة والشعب يدفع الثمن ليس فقط ثمن القضية أو التسوية لكنه تصفية حسابات قديمة للجيش الإسرائيلي.

> تكلمت عن التحركات الدولية والإقليمية التي خلق
ت لاعبين جدد بأدوار جديدة مثل تركيا لكن نريد أن نلقي الضوء علي تحميل البعض حركة حماس المسئولية.. هل تعتقد أن إسرائيل ما كانت تقوم بهذه العمليات لو أن حماس كفت عن الصواريخ؟

ـ قد يكون هناك نظرتان للأمر الأولي: أن هذه عملية لابد منها لإزالة عقبة، فالقضية لم تكن لها علاقة بحماس بالرغم من أنني لي ملاحظات علي حماس لكن ليس هذا وقتها فأنا لن أفعل مثل العرب الذين يلقون كل المسئولية > الفلسطينيون لا يدفعون فقط ثمن رغبة إسرائيل في 
التهدئة بل يدفعون ثمن تصفية حسابات قديمة للجيش الإسرائيلي > العملية الإسرائيلية كانت ستحدث حتي لو لم تطلق حماس الصواريخ > هناك صراع شديد بين ايهود أولمرت وتسيبي ليفني وباراك وهم مجموعة عناصر شريرة جداً

علي حماس، ولكن حماس لا تعرف تحركات الع
الم والتركيز عليها دينياً لا يفيد القضية وهذه معركة قومية وإذا تحولت إلي قضية دينية ستنقسم إلي عالمين.

وهنا أعتقد أن أول شيء معرفتها بالعالم، وهي لا تعرف تحركات العالم.. والثانية: التركيز علي الدين.. حماس لم تستفد
من التهدئة والذي استفاد هو إسرائيل، أعتقد أنه ممكن نقول إن حماس ضربت صواريخ وكنت أتمني ألا تضرب، أعتقد أن الحصار المفروض الذي فرضته قوي إقليمية علي حماس منذ وصولها للسلطة كان بسبب نظرة هذه القوي للحركة علي أنها «ظاهرة خطيرة»، ويجرحني جداً الكلام الذي قيل في الجرائد عن أن مصر مشاركة في الحصار.

> الأداء السياسي والإعلامي لحماس في الأزمة.. هل تعتقد أنه ربما كان قاسياً علي بعض الأطراف العربية تجاه موقفها في الأزمة؟
ـ لا. وهم تعرضوا لأكثر مما هو لازم، فحينا يعاقب أحد علي وجوده فهذه كارثة، وأعتقد أنهم لم يتجاوزوا في حق أحد.

> هذه التحركات الدولية والفراغ في السلطة في أمريكا.. إلي أي حد يتفاءل الأستاذ هيكل بحل لا يكون به مزيد من الضياع؟


ـ هناك حلان، ما هو مطلوب هو تسوية كاملة للأزمة وهذا الهدف أصيب بنكسة لأن هذا العدوان الإسرائيلي أنتج عقبة أكبر بكثير من حماس، أما الأزمة الخاصة بحماس سنظل نتحدث منها كثيراً.
> تحدثت عن التحرك والموقف العربي، ومواقف كثيرة في التحركات العربية تحتاج لتحليل.. والموقف المصري تحديداً، البعض تحدث عن الأداء السياسي وكذلك الدبلوماسي والإعلامي، حتي الحديث عن تورط مصر في هذه العملية؟

تحدثت عن المطلوب تسويته ومسرح إقليمي بالكامل تفرض عليه تسوية لكنني طوال الوقت وأنا أفكر في الموقف المصري.. عندي هاجس بأنني عاجز عن فهم الموقف المصري فحاولت أن أضع حججاً.. هناك مسألة غزة وكل شيء.. موضوع غزة إما أن تنظر له علي المستوي الضيق وأن حماس امتداد للإخوان المسلمين وإما أن تنظر له بوجهة نظر السياسة العليا، عايز الناس تفهم إني لو كنت م
وجوداً في الصراع من أجل الشعب الفلسطيني فهناك حدود للتضحية، لكني أري وجودنا في الصراع من أجل الدفاع عن مصر، فهي تملك أسلحة نووية وأنت لا تملك أي شيء وهذا الوضع يجعلك تخضع لأي شيء، لكن للأسف السباق وقته فات، والمسألة كيف يمكن لمصر لمجرد أن تعرف وجود 200 قنبلة نووية ومصر لا تملك ما تملكه كوريا ولا أوروبا ودولها، لم تقبل هذا الوضع؟ مجرد هذا الوضع في حد ذاته يجعلني عرضة للابتزاز الإسرائيلي.

هناك مساءلة مهمة جداً وهي من غير ما نحار
ب، التوازن موجود في القوي، التهديد في حد ذاته يحدث خللاً في موازين القوي ويسبب التهديد.

> الموقف المصري لا ينظر فيه لا إلي استراتيجية عليا أو دوافع أمنية، أو أي دور لمصر في المرحلة المقبلة يمكن أن تؤديه، كيف يمكن أن تدافع عن نفسك إذا لم تكن لديك مصادر للقوة ولم يعد أمامك إلا القوي الناعمة؟

أنا مختلف مع السياسة المصرية ومع مبارك كثيراً لكن مهما اختلفت معه، فهو موجود وعنوان للسياسة المصرية، هناك مصر السياسية، هذه اعملوا فيها ما تريدون، لكن هناك مصر التاريخية فهذه لابد أن نظل نحافظ عليها دون أن يقوم أحد بالمساس بالدور التاريخي لمصر.

> المواقف التي اتخذت أقل بكثير من موقف مصر التاريخي نغمة أيام السادات والتوقيع علي كامب ديفيد.. إننا نظل نضحي من أجل فلسطين؟
انتماء مصر للعالم العربي حتي بالحساب المادي هو ميزانية رابحة، إذا لم يكن لك دور وقوي مؤثرة فمصر دون تلك القوي.

> السؤال المهم: هل تستطيع أن تظل تعيش في ظل هذا التهديد؟ الأمن القومي المصري لا يتعرض فقط لخلل القوي في التوازن؟!
- أخشي أن السفارة الإسرائيلية تلفت نظر مصر لكيفية التعامل مع البدو وقد انقسمت البلد، أصبح هناك سكان عشوائيات وسكان منتجعات في هذا البلد بسبب مصالح ورؤي.

> يعرف الناس من تاريخك أنك شارك
ت في صنع السياسة يعني أنك تعرف كيف يُصنع القرار في مصر، ما الذي كانت مصر تستطيع أن تفعله فعلاً؟ البعض طالب بطرد السفير أو سحب السفير المصري من تل أبيب أو الالتزام ببعض الأحكام الصادرة بعدم تصدير الغاز؟

> ولا كل هذا.. السياسة سياسة، اليوم بيوم وهو حر فيها لكن أفرق بين مصر التاريخية بكل قوتها ومصر السياسية.

مصر التاريخية هي الاقتصاد الحقيقي ومصر السياسية هي الاقتصاد المالي لابد أن يكون هناك توازن، عايز تصدر صدر، كل صفقات الغاز لإسرائيل ضيقة 
لكن هذا ليس وقت فتح الملفات، عاوز حاجة واحدة من الرئيس مبارك ومستشاروه هي أين مصلحة مصر الاستراتيجية؟! أين مستقبل مصر؟! أين قيمة مصر؟! هناك معيار للقوة الناعمة: ما مدي تأثيرك داخل حدود سلطتك؟ اعمل حاجة حافظ علي قوة مصر الناعمة وهذه القوة موجودة خارج الأقلية.

فأنا لا أفهم مصلحة في هذا الصدام المفتعل مع إيران وتقسيم العالم العربي لشيعة وسنة ومسلمين ومسيحيين، أشعر بالحرج أن تظهر صورتنا بهذا الشكل ونبدو متخلفين.

لابد وأنت تقرر وتفكر في غزة أن تعلم أنه لا يجوز أن تقف فقط بنظرتك للإخوان المسلمين أو حماس كحركة دينية
استعمل قوتك في كل مكان بالعالم العربي لكن وأنت تقرر موضوع غزة يجب أن تدرك أن إسرائيل كانت تحاصر غزة لكن هناك فرق بين أنها محاصرة وأنها محتلة.
العالم كله في حاجة خطيرة نحن نُقل عنا كثير جداً وكل الساسة العرب والأجانب نقلوا عنا أشياء كثيرة مثل ساركوزي عندما قال لإيهود أولمرت إنه سمع من الرئيس مبارك «أن حماس لا ينبغي أن تنتصر في المعركة» ـ هذا كلام!! ـ ومع ذلك لم يصدر عليه تكذيب!!، هذا يصيب القوي الناعمة لمصر في مقتل كدولة تحاول أن تحافظ بمعني قوتها الناعمة، معبر رفح كقضية تتعلق بشكل ما في مساءلة الحصار.. لم تدخل حبة قمح لشعب محاصر بدأت عليه الحرب منذ 12 يوماً؟
موقفنا من المعبر أنا أيضاً لا أفهمه، يحرجني جداً أن أجد صور لبعض العربات دخلت وبها دقيق من ناحية معبر إسرائيل في حين أن معبر رفح المصري لم يدخل منه شيء، هذا به ابتزاز وإرضاء لأمريكا.

> أردوجان والدور التركي يحتاج لتقسيم أكثر، لكن موقف مصر مع معبر رفح والنظرة الضيقة للتعامل مع القضية الفلسطينية، هل تعتقد أن اقتحام السفارة ا
لمصرية في عدن وغيرها قد يؤدي لعزل مصر كما حدث من قبل؟

ـ كل المظاهرات التي شاهدتها مع الأسف الشديد نجح الإعلام ـ بقصد ـ أن تظهر أن العالم العربي والخارجي يدين مصر وهذا يصيب القوي الناعمة لمصر في مقتل كدولة لها التزام معين وتأثير كبير، وأقول نحن نتكلم علي بلد له قيمة في التاريخ والمنطقة لكن نحن نعبر عن هذا البلد للأسف بطريقة.. لا أريد أن أستخدم أوصاف قبيحة.
أنا مجروح جداً، مصر أكبر من مبارك وناصر والسادات ولا يمكن لأحد أن يتعامل بهذا الشكل.

> في انتقاد بعض الأطراف العربية للأداء المصري كانت هناك ردود أفعال مثل حسن نصر الله الذي دعا الشعب للخروج والجيش للضغط علي الإدارة السياسية لاتخاذ مواقف أكثر ضد إسرائيل؟

- ردود الفعل ليس بها قوة لكن بها عنف وكان افتعال العنف بأكثر مما يجب، لقد قرأت تصريحات «نصرالله» وأنا أعرفه جيداً وأعتز بهذا الشخص وهو كان
 ينتظر مواقف أكبر من مصر، لكني أري أنه أخطأ في تصريحاته ورد فعله لأنه لم يفهم بالضبط ما الذي يمكن أن يقول في مواجهة مصر لقد أخطأ وأقولها بوضوح، لكن لا أعتقد أنه كان يدعو لانقلاب «بالعكس هو قال أنا لا سمح الله أدعو لانقلاب».

وحسن نصر الله والخميني كان ككل الشيعة يعتقدون أن مصر بقلبها وقربها من آل بيت الله، مصر لها قيمة كبيرة عندهم وأري 
كلاماً في الجرايد عن حسن نصر الله عيب أن يقال مثل «عميل أو مأجور لإيران».

حسن نصرالله أخطأ لكن هناك فرق بين أن تتصيد خطأ وتعتبره عدواً لك وتهاجم أو تعتبر أنه جزء من قواك الناعم وترده إليك فهو أخطأ كصديق.

> السيد حسن نصرالله، فعل ما فعله الرئيس السادات لأنه في الصلح كان يخير المصريين بين عربيتهم ومصريتهم ونصر الله خيرهم بين مصريتهم أو وطنيتهم وبين العروبة.. ما رأيك؟

- كلنا تحت ضغوط شديدة ونصر الله تكلم في أيام عاشوراء وهذه الأيام النبرة الاستشهادية تكون موجودة أكثر وعندما يخطئ أقول له إنه أخطأ، ولكن في المقابل هناك الجرائد الإسرائيلية والأمريكية وغيرها اتهمت مصر بالتواطؤ والعمالة ولم ترد.
لكن حين قال نصرالله كلمة خلاص مش طايق نفسه وفي رأيي أنه عندما ترد لكرامتك وتصبر علي غضبك فيجب أن تضع في ذهنك الاستراتيجية العليا لهذا الوطن..

> تحدثت عن الدور التركي الذي بدا لافتًا للنظر في هذه الأزمة.. هو استدعي من الدبلوماسية المقربة في لحظة ثم بدا مبادراً في هذه الأزمة.. هل تعتقد أن هذا يعكس محاولة للتحالف المعتدل لعزل إيران عن هذه الأزمة واستبدال إيران بتركيا كبديل لها.

- لا.. تركيا لن تدخل إلي المجتمع الغربي؛ لأنها ببساطة إسلامية، الدور التركي عائد للمنطقة وتري دائرة تستطيع أن تمارس بها دور... هذا دور لابد لنا جميعاً
 أن نرحب به، وتركيا لا تأتي علي حساب إيران، هناك أربع دول في المنطقة يمكن لها أن تؤثر بشكل كبير وهم إيران وتركيا في الشمال، ومصر وإسرائيل في الجنوب، إسرائيل محدودة جداً لأنه ليس لديها إلا قوة مسلحة وهي في كل الأحوال عاجزة، القوة بطبيعتها تستطيع أن تقتل وتدمر لكن اللي عملته إسرائيل في غزة أخَّر أي حديث عن السلام عشر سنوات للوراء.

> هناك حديث جدي يُطرح لأول مرة عن 
وجود قوات دولية علي الحدود مع غزة كان الرأي المصري باستمرار أن في ذلك تهديداً للأمن القومي المصري هل يمكن لمصر أن تقبل بهذا؟

ـ مصر لا يمكن أن تقبل هذا.. وجود قوات دولية به تصفية للقضية الفلسطينية بعيداً عن الشروط العربية، ومصر لا ينبغي لمصلحتها أن توافق علي وجود هذه القوات، كل المشاهد التي نراها في غزة تمزق قلبي ولكن أمام هذه المشاعر تجذبني المصلحة العليا لهذا البلد أيضاً.
> هناك محللون يرون ألاَّ نأمل في إتمام تسوية قبل نهاية هذا الشهر؟

ـ محضر مجلس الأمن ، يعني إيه تسوية وأنت عاوز تسوية بشروط إسرائيل ولا ينبغي لمصر ولا لأي دولة عربية أن توافق علي هذا وتسايره.
> تقديرك الزمني أن هذا قد يأخذ الوقت الذي يتحدثون عنه؟
ـ إذا مشيت الأمور كما هي ستأتي الإدارة الأمريكية وسيقبل العالم العربي بالشروط التي وضعتها كوندليزا رايس في جلسة مجلس الأمن أمس والتي تقول إن الأزمة سببها عدوان حماس علي إسرائيل.. مالم يحدث تغيير رئيسي تتبين فيه بشكل واضح المصالح العربية ستسير الأمور، كما تريد إسرائيل.
> من هم أكبر الرابحين وأكبر الخاسرين في هذا العدوان. البعض يقول إن مصر وإسرائيل هما أكبر من خسروا ، مصر لأنها لم تؤد ما كان يجب عليها من دور وإسرائيل؛ لأنها أجهضت أي محاولات للسلام؟

ـ «الربح والخسارة» أنا موافق بالفعل إن الاثنين فعلاً خسروا، لكن
 أيضاً العالم العربي كله خسر.