
لا أقوى على مغادرة مغتربى المصرى إلى مغترب جديد، من دون صحبة جيدة أو سند من العظماء الكبار: ماركيز، بورخيس، فلوبير، أو دستويفسكى.



أحمد المسلمانى
ما الذى فعله رئيس الوزراء التركى العظيم أردوغان مع إسرائيل؟ الإجابة: لم يفعل الكثير.. لا قطع العلاقات الدبلوماسية، ولا أوقف المعاملات التجارية، ولا ألغى اتفاقيات التعاون العسكرى.
لكن أردوغان الذى يعرف جيداً ما هى السياسة، فعل تلك الأشياء الصغيرة.. المبادئ التى لا تكلف الكثير من الجيش ولا المال ولكنها تعنى الكثير من الاعتبار والاحترام.
استثمر أردوغان فى المبادئ ونال بعائد الأخلاق ما لم ينله زعيم آخر فى تلك المحنة، قال أردوغان عن الحرب ما هو لازم، وقال عن الضحايا ما هو واضح، وقال عن إسرائيل ما هو شائع. لم يفعل أردوغان إلا هذة الأشياء الصغيرة الكبيرة. لم يطالب أحد تركيا بقطع العلاقات، ولم يتظاهر عربى واحد يطلب من أنقرة طرد السفير، ولم يخطب ثائر أو تاجر يزايد على موقف رجل استقبل كل قادة إسرائيل واحداً تلو الآخر.
■ لكن.. لماذا لم يحدث الأمر نفسه مع مصر؟ ولماذا تجرأ على بلادنا كل من هب ودب وما لم يهب وما لم يدب؟ ولماذا أصبحت القاهرة مرمى نيران العرب بديلاً عن تل أبيب؟ ولماذا تجاسر قادة فصائل وفسائل على الهجوم على بلادنا دون اكتراث بحاضر المحنة أو قادم الأيام؟
■ الإجابة أسهل من الأسئلة.. ذلك أن فى مصر دبلوماسية تساوى صفراً وإعلاماً يساوى صفراً.. لأن الذين يعبرون عن بلادنا أقل من مستوى قرانا ونجوعنا.. لأن لدينا وزير خارجية لا يعرف شيئاً عن مصر أو العالم.. لا يعرف كيف يؤيد ولا كيف يهاجم ولا كيف يرد ولا كيف يجادل ويناور.. وزير خارجيتنا فشل فى الصمت بمثل ما فشل فى الكلام.. كلامه من تراب وسكوته من ذهب.
أسس وزير خارجيتنا نوعاً جديداً من الدبلوماسية هو دبلوماسية المصطبة مزيج من أحاديث ربات البيوت وثرثرات المراهقين وانفعالات العامة.. لا فكر ولا رؤية.. لا تكتيك ولا استراتيجية.. ولا أى شىء.
■ فى كل مرة يخطئ الآخرون ويظهر للجميع حجم المزايدات والرياء الذى هم فيه يرتعون، يقوم وزير خارجيتنا بما ينزع عنا الهيبة ويعيد إليهم الاعتبار، لو صمت وزير خارجيتنا تماماً لكسبت مصر ثلاثة أرباع المشهد الراهن.. ولو أنه أجاد بعض العبارات لكسبت مصر المشهد بكامله.
■ كان يمكن للوزير ألا يهاجم حماس ولا حزب الله ولا قطر، كان يمكن ألا يوقع بلادنا فى خصومات لا تجوز ولا تليق. وكان يمكنه أن يُظهِر بلادنا طرفاً لا وسيطاً وداعماً لا مشاهداً.. وكبيراً فوق جميع الأدوار والرجال.
كان يمكنه أن يطلق تصريحاً قوياً بالتفكير فى طرد السفير، والشروع فى وقف الغاز والتمهيد لإلغاء أبوحصيرة، والمرونة فى إدارة المعبر، والإعداد لمحاكمة إسرائيل. وحتى لو لم يفعل الوزير أى شىء من ذلك فإن أردوغان أيضاً لم يفعل، ولكنها السياسة والقيادة.. إنها المسافة الشاسعة بين دبلوماسية الدولة ودبلوماسية المصطبة.

أحمد المسلمانى
هذه سطور من مقدمة الطبعة الثانية لكتابى «ما بعد إسرائيل» والتى تصدر عن «دار ميريت» قريباً.
■ كأن الطبعة الأولى لهذا الكتاب قد صدرت قبل قرن من الزمان.. لقد أصبحت الأوضاع فى الشرق الأوسط تمضى أسرع من البصر وأبعد من البصيرة، فلا النظرة كافية للفهم ولا النظرية كافية للعلم.
فى وقت محدود تحول التساؤل عما بعد إسرائيل إلى ما بعد فلسطين.. قبل عشر سنوات كانت إسرائيل تراجع نفسها فى مناسبة مرور نصف قرن على إعلانها، وكان كثيرون فيها يلقون ظلال شك حول الماضى وظلال يأس حول المستقبل. لكن احتفالات إسرائيل بعيدها الستين جاءت وسط مشهد آخر وعالم آخر. كان الظن أن العام الستين هو عام التقاعد لإسرائيل.. هو بداية خريف مفتوح أو غروب قريب.. غير أن ما جاء كان خارج المنطق وخارج التاريخ.
لم يعد الهدف العربى هو حدود الرابع من يونيو، بل صغر الهدف إلى إزالة الجدار الفاصل، ثم ضمر الهدف إلى فتح معبر وإدخال طعام ودواء.
تحولت القضية من الصراع على الأرض إلى الصراع على الضوء.. وكانت أضواء الكاميرات باهرة وشاسعة.. تغطى كل فصيل وكل فسيلة وضعها فصيل! وأصبح لدينا رجال طرب لا رجال سياسة.. وحل الصوت والضوء محل الوطن.
■ فى أثناء الهبوط رحل شاعر فلسطين الكبير محمود درويش.. ليغيب حلم اللغة بمثل ما غاب حلم السياسة.. ليموت القلب بعد أن مات العقل، لتنكسر الروح بعد انكسار الجسد!
وأذكر أننى قابلت الشاعر الكبير قبل الرحيل بعامين.. وكان الرجل بشوشاً مشرقاً يضحك من الأعماق.. وكان يواصل النكتة بالنكتة ولا يستريح من ذكر اللطائف والطرائف.. وقد كنت أعجب لتلك القهقهة الكبرى والابتسامة الفسيحة.
فقد كانت معطيات الساحة الفلسطينية لا تدعو إلى ابتسامة واحدة.. ثم أدرك الرجل ما أدركت.. فقال لى: إننى مثل تلميذ بليد أدى الامتحان ورسب، وقد سكب من البكاء ما يكفى ألف فشل.. ثم فقد البكاء دلالته.. لم تعد الدموع قادرة على غسل الآلام.. فكان الخيار الآخر.. كانت الحركة القاتلة نحو النقيض.. إننى أضحك لأواصل الحياة والبكاء.. ولكننى إذ أضحك وأبكى، أوقن تماماً أن كل شىء قد انتهى.. الأشعار والرجال.. القصيدة والوطن.
■ تقع سطور هذا الكتاب فى نطاق ما وراء البكاء.. هى سطور تؤمن بأن الجهل خيانة واليأس خيانة.. وأنه فى لحظات المصير القاسى.. فإن الأمل يعادل الوطن.
خصائص العدوان على غزة.. والجدال - مرة أخرى - حول النصر أو الهزيمة
ضيـاء رشـوان
يوضح النظر المدقق للحرب الغاشمة التى شنتها آلة الحرب الإسرائيلية لأكثر من ثلاثة أسابيع على غزة أنها اتسمت بمجموعة من الخصائص التى انفردت بها عن الحروب السابقة التى هاجمت فيها إسرائيل أطرافاً عربية بينما اشتركت معها فى خصائص أخرى.
وأولى الخصائص الرئيسية التى تفردت بها هذه الحرب هى أنها الأولى منذ عام ١٩٤٨ التى يمكن وصفها بأنها حرب إسرائيلية – فلسطينية صافية.
فالحرب دارت على جزء من أراضى فلسطين التاريخية وطرفها المعتدى عليه كان هو الشعب الفلسطينى وحده والقوى التى قاومت العدوان كلها فلسطينية دون أى مشاركة من جندى أو مقاتل واحد عربى أو مسلم، وهو ما لم يكن عليه الحال فى جميع الحروب والاعتداءات السابقة التى شنتها الدولة العبرية وامتدت إلى أراض عربية خارج فلسطين وشملت بالإضافة للفلسطينيين أطرافاً عربية غير فلسطينية.
فقد كان الفلسطينيون فى غزة وفى مقدمتهم قوى المقاومة الباسلة وعلى رأسها حركة حماس هم وحدهم الذين يواجهون العدوان كما كانوا وحدهم قبل أكثر من ستين عاماً عندما اجتاحت بلدهم العصابات اليهودية – الصهيونية لتقتلهم فيها وتطردهم منها وتقيم عليها دولتها المغتصبة، قبل أن تدخل الجيوش العربية الحرب ضدها بعد إعلانها فى ١٥ مايو ١٩٤٨ وتحيق الهزيمة بها جميعاً.
وكان الانفراد الثانى لهذه الحرب على الساحة الفلسطينية، حيث عرفت للمرة الأولى منذ قيام الدولة العبرية وانطلاق المقاومة المسلحة بجميع فصائلها انقساماً حاداً بينها فى لحظة عدوان عسكرى إسرائيلى هو الأوسع من نوعه على الشعب الفلسطينى منذ ١٩٦٧، ظهر فيه تحالف يضم بعض هذه الفصائل أو أجنحة منها يقوده رئيس السلطة الفلسطينية المنتهية ولايته محمود عباس مسانداً بأحد أجنحة حركة فتح، وكأنه يدعم «العدو» فى مهمته الساعية إلى تصفية وتدمير صفوف وقواعد المقاومة فى غزة التى تمثلها حركة حماس والجهاد الفلسطينى والجبهة الشعبية وغيرها من الفصائل المتحالفة معاً فى مواجهته.
إلا أن تورط قيادات هذا التحالف الفلسطينى الفصائلى المعادى للمقاومة فى كثير من المواقف السياسية والإعلامية التى بدت مبررة للعدوان الإسرائيلى ومساندة له، قابله على النقيض تماماً موقف عام من أبناء غزة المدنيين ساندوا فيه المقاومة دون أى تخاذل أو شكوى من الثمن الباهظ الذى دفعوه من دماء الأبرياء من الشهداء والجرحى، فلم يجد أى من خصوم المقاومة من الفلسطينيين أو العرب أو أى وسيلة إعلام واحداً من هؤلاء المدنيين الصامدين لكى يكرر حججهم الفارغة حول مسؤولية حماس وفصائل المقاومة عما أحدثه الإسرائيليون بهم أو أن يدين المقاومة على دفاعها المستميت عن شعبها وأرضها.
وهنا تظهر الخاصية الثالثة لهذه الحرب العدوانية على غزة وهى قد ظهرت للمرة الأولى بنفس الطريقة تقريباً فى العدوان الإسرائيلى على لبنان عام ٢٠٠٦، فقد تكرر على المستوى العربى الرسمى وبعض فئات النخب العربية ما ظهر على ساحة الفصائل الفلسطينية من وجود تحالفات ومواقف مساندة للعدوان الإسرائيلى كانت تتمنى فى لبنان أن يسحق مقاومة حزب الله وفى غزة أن ينهى وللأبد مقاومة حماس وشقيقاتها من فصائل المقاومة المسلحة.
نعم تشير بعض الوثائق السرية التى نشرت مؤخراً لمجريات بعض الحروب الإسرائيلية – العربية السابقة إلى أن أنظمة عربية معروفة قد ساندت سراً الدولة العبرية فى عدوانها من أجل التخلص من أنظمة أخرى تعاديها فى الفكر والتوجه، إلا أن ذلك كان يتم سراً ودون مجاهرة به كما حدث للمرة الأولى فى حرب لبنان ٢٠٠٦ وتكرر بفجاجة وفجور فى حرب غزة الأخيرة. وتبدو الخاصية الرابعة متكررة أيضاً وفقط فى الحربين الإسرائيليتين الأخيرتين على لبنان وغزة دون غيرهما من الحروب السابقة،
حيث ظهر فيها دور إقليمى غير عربى مثلته إيران التى بدت من ناحية الداعم العسكرى والسياسى الأكبر لقوى المقاومة سواء فى لبنان أو فلسطين، وبدت من ناحية أخرى وللمفارقة «العدو الأخطر» الذى انصرفت جهود النظم العربية المسماة بالمعتدلة لمواجهته – ومعه المقاومة – فى تحالف معلن أو مستتر مع إسرائيل التى اشتبكت مع بعض بلدان تلك النظم فى حروب عديدة خلال الأعوام الستين الماضية بينما لم تكن إيران طرفاً فى حرب مع بعضها خلال تاريخها كله وخاضت حروباً مع بعضها الآخر يعود أقربها إلى أكثر من ١٤٠٠ عام.
أما الخاصية الخامسة الرئيسية للحرب الإسرائيلية على غزة فهى قد تكررت فى جميع الحروب الإسرائيلية العربية تقريباً ما عدا نكبة ١٩٤٨ وعدوان ١٩٦٧، وهى التنازع ما بين الطرفين العربى والإسرائيلى وبداخل الساحة العربية حول نتيجة الحرب بعد أن تضع أوزارها، وهل كانت نصراً أم هزيمة لأى من الجانبين.
فقد كانت نتيجة حربى ١٩٤٨ و١٩٦٧ واضحة بما لا يدع مجالاً للاختلاف حولها، فقد منى العرب بهزيمة ثقيلة ضاعت فى الأولى منها معظم أجزاء فلسطين التاريخية وفى الثانية ما تبقى منها بالإضافة لأراض مصرية وسورية. أما الحروب الأخرى، بما فيها حرب أكتوبر ١٩٧٣ المجيدة والتى حقق فيها الجيش المصرى نصراً استراتيجياً لاشك فيه فى بدايتها، فقد دب النزاع حول نتائجها النهائية وبخاصة على الجانب العربى وما إذا كانت انتهت بالنصر أو الهزيمة له.
والحقيقة أن أحداً لا يمكنه أن يحسم نهائياً مثل هذه النوعية من الجدال حول نتائج حروب متعددة الأهداف والجوانب مثل تلك التى جرت مؤخراً فى غزة وقبلها فى لبنان، إلا أنه يبقى مع ذلك بعض المعايير التى يمكن الاحتكام إليها للانحياز إلى نتيجة أقرب إلى النصر أو الهزيمة.
وقد نكون هنا بحاجة إلى استعادة بعض ما نشرناه فى هذه المساحة حول نفس الجدال أثناء العدوان الإسرائيلى على لبنان من أجل قراءة أدق لنتيجة ما جرى فى غزة. وأول ذلك هو أن الحرب لم تكن أبداً مجرد استخدام أعمى لوسائل العنف والقوة من أجل التدمير والقتل، بل هى بالأساس تشن هجوماً أو دفاعاً من أجل الوصول لتحقيق أهداف سياسية عبر إخضاع إرادة الخصم أو العدو بحيث يقبل بعد هزيمته فيها ما كان يرفضه قبلها.
هذا التعريف البديهى للحرب الذى استقرت عليه الدراسات السياسية هو الذى يجب أن يكون المدخل الحقيقى للتعرف على ما انتهت إليه الحرب الإسرائيلية الغاشمة على غزة.
كذلك فإنه من البديهى الحديث عن الآثار المدمرة للحرب، أى حرب، على المدنيين والبلد الذى يخوضها وبخاصة إذا ما كان هو الأضعف فى ميزان القوى العسكرية من عدوه، وبخاصة أيضاً إذا كان هذا العدو غير ملتزم بأى قواعد قانونية دولية أو أخلاقية إنسانية فى ممارساته العسكرية.
إذاً فعلى الرغم من الأهمية الفائقة للنتائج المادية الكارثية للحرب سواء على المدنيين أو على البنية التحتية والهياكل الاقتصادية للبلد الذى يخوضها، فهى ليست المعيار الوحيد الذى يقاس به النصر أو الهزيمة فيها.
وبذلك يبدو واضحاً لنا أن عويل كثير من الكتابات والتصريحات وافتعالها الفزع من جراء التدمير الشامل الذى أوقعته آلة الحرب الإسرائيلية الإجرامية بغزة وأهلها من المدنيين الأبرياء لا يمكن أن يؤخذ بجدية فى هذا القياس.
فإسرائيل شنت تلك الحرب من أجل تحقيق أهداف ثلاثة أعلنها قادتها بوضوح: أولها هو تدمير البنية العسكرية والتحتية للمقاومة فى غزة وعلى رأسها حماس، وثانيها هو إنهاء قدرتها على إطلاق الصواريخ على جنوب إسرائيل، وثالثها هو إنهاء السيطرة السياسية لحماس على القطاع وتأليب سكانه عليها باعتبارها سبب ما أصابهم من دمار.
ولعل نتيجة أول الأهداف توضحها المصادر الإسرائيلية أكثر من غيرها والتى تحدثت عن مقتل نحو ٥٠٠ مقاتل من حماس بما يعادل ما بين ٣ و٥% فقط من عدد قواتها وهو نفس التقدير الذى تشير إليه مصادر قيادية بداخل الحركة.
كما بدا واضحاً أن العدوان الإسرائيلى على اتساعه وجنونه لم ينجح فى القضاء على مصادر دخول السلاح للمقاومة مما دفع الحكومة الإسرائيلية إلى توقيع اتفاقها الأمنى مع أمريكا للسعى إلى ذلك وهو ما تحاول الآن إشراك أوروبا الموحدة فيه، مما يدل وبوضوح على الفشل الذريع فى تحقيق الهدف الأول للعدوان.
أما إطلاق الصورايخ، والتى لو كانت غير مؤثرة كما يزعم بعض المتنطعين العرب والمصريين لما وضعت إسرائيل إيقافها فى مقدمة أهداف عدوانها، فقد تواصل حتى لحظة إعلان إيهود أولمرت وقف إطلاق النار الأحادى، وظل لدى المقاومة مخزونها الكبير منه كما تؤكد جميع المصادر الإسرائيلية المطلعة.
أما عن إنهاء السيطرة السياسية لحماس على قطاع غزة فقد كان هو الفشل الأكبر للعدوان الإسرائيلى والتواطؤ الفلسطينى الفصائلى والعربى الرسمى،
فكما أشرنا من قبل بدا جلياً التماسك الداخلى المبهر لجميع طوائف وفئات المجتمع الفلسطينى فى غزة حول حماس والمقاومة مما مكنهم من الصمود العسكرى فى مواجهة الآلة العسكرية الأكبر فى المنطقة والتى فشلت فى إخضاع غزة الصغيرة لها بعد أن احتلتها لنحو أربعين عاماً وظلت تراقبها بكل الوسائل الإلكترونية والبشرية بما يمكنها من معرفة كل شبر فيها.
خرجت حماس من العدوان أكثر قوة وسيطرة على غزة ومساندة من أهلها الصامدين، مما دفع إسرائيل وحلفائها إلى تغيير الإستراتيجية لتحقيق هدف إنهاء هذا الوضع عن طريق الحصار السياسى والمعونات الدولية لإعادة إعمارها، وهو ما يتطلب ربما رؤية أخرى لما يمكن أن تسير إليه الأمور خلال الفترة القريبة القادمة.

كتبت سهام الباشا
"حرب البسوس"، هو عنوان التقرير الصادر عن مشروع "عين على الصحافة"، الذى أعده مركز الأندلس، يوصف فيه التجاوزات التى يمارسها الصحفيون ضد بعضهم البعض، والتى تتركز معظمها على اختلاف التوجهات الفكرية لكل منهم.
يتضح من عملية رصد ما احتوت عليه الصحافة المصرية من انتهاكات لبعض الصحفيين ضد زملائهم، أن مهنة البحث عن الحقيقة تحولت إلى التراشق بالألفاظ والهجوم على أشخاص الكتاب، على اختلاف تياراتهم وأطيافهم الأيديولوجية والسياسية، بدلاً من التحاور ونقد الأفكار للأشخاص. كما أن النقد غير الموضوعى تسرب للغة الصحافة، بالرغم من مسئوليتها فى توجيه المجتمع نحو الرقى والتحاور، عن طريق العقل ومواجهة الفكر بالفكر، ورصد التقرير أن نسبة التحيز والتعصب كانت الأعلى بين أنواع الانتهاكات التى تم رصدها ومارستها الصحف فى مواجهة بعضها البعض.
تصدرت جريدة روزاليوسف المركز الأول، بين الصحف التى رصد بها انتهاكات ضد الصحف الخاصة والمعارضة، وذلك بنسبة 35.6%، تأتى بعدها جريدة الوطنى اليوم بنسبة 13.6%، بينما جاءت أقل الصحف تجاوزاً بحق الصحفيين هى مجلة المصور، وجريدة الكرامة، فى حين لم يتم رصد أى انتهاكات ضد الصحفيين فى صحيفتى الخميس ووطنى ومجلة الشباب، كما أظهر التقرير.
وحصل الشكل الصحفى "مقالات رئيس التحرير" على النسبة الأعلى بين الأشكال الصحفية التى ورد بها انتهاكات، حيث وصلت نسبة الانتهاكات إلى 41.3%، وحصل رئيس تحرير جريدة روزاليوسف "عبد الله كمال" على النسبة الأعلى من التجاوزات التى وصلت إلى 26.1% من بين الكتاب الصحفيين، فى حين احتل رئيس تحرير الأهرام أسامة سرايا أقل ترتيب فى الانتهاكات.
ويرصد التقرير الانتهاكات التى وجهها الصحفيون لبعضهم البعض من خلال تصنيفهم فى فئات محددة، والتى بلغت 12 فئة، وذلك فى الفترة من شهر فبراير 2007 حتى شهر يناير 2008. وجاء محمد حسنين هيكل كفئة خاصة احتل فيها المركز الأول بنسبة 17.5% من إجمالى مساحة التجاوزات التى تعرض لها الصحفيون، بسبب أفكاره وآرائه التى يعبر عنها، وكانت أكثر الصحف تجاوزاً ضده هى جريدة روزاليوسف.
فى حين حصلت الصحف الخاصة على المرتبة الثانية من مساحة التجاوزات الصحفية نتيجة لتعرضها للتشهير من قبل بعض الصحف القومية، التى تتهمها بالتلفيق والكذب نتيجة للتعميم وانتقائية موضوعات معينة، بالإضافة إلى اتهام بعض الصحف القومية بعض الصحف الخاصة وبالترويج للفتنة وإشاعة الفوضى فى المجتمع، بل واتهامها بالعمالة وتحقيق أجندة خارجية.
واعتبر التقرير كلاً من جريدتى الدستور والمصرى اليوم، فئتين مستقلتين عن الصحف الخاصة بسبب حصولهما على انتهاكات كبيرة، حيث جاءت الدستور فى المركز الثالث والمصرى اليوم فى المركز السادس، واحتلت الصحف المعارضة خاصة الحزبية المركز الرابع.
كما احتل إبراهيم عيسى رئيس تحرير جريدة الدستور، المركز الخامس من بين الصحفيين المعرضين لانتهاكات، وذلك على خلفية قضية صحة الرئيس، والتى كانت سبباً فى تعرض الصحف الخاصة لانتهاكات من قبل الصحف القومية.
كما كان لعادل حمودة رئيس تحرير جريدة الفجر، نصيب من التجاوزات، حيث أكد التقرير على احتلاله المركز السابع فى الانتهاكات التى تعرض لها بسبب موقفه وآرائه. فى حين احتلت الصحف القومية نسبة قليلة من الانتهاكات من قبل الصحف الخاصة والمعارضة، مما جعله
ا فى المركز الثامن.
فهمى هويدى من الكتاب الذين تعرضوا لتجاوزات من بعض الصحفيين الذين انتقدوه بسبب أفكاره، التى يعبر عنها فى مقالاته الصحفية، مما جعله فى المركز التاسع، جاء بعده مجدى الجلاد رئيس تحرير المصرى اليوم، والذى انحصرت الانتهاكات ضده فى جريدتى روزاليوسف والوفد.
أما عبد الله كمال فقد جاء فى المركز الحادى عشر، حيث تعرض لانتهاكات من قبل أربع جرائد على رأسها المصرى اليوم، كما وضع التقرير عدداً من الصحفيين فى المركز الثانى عشر، لأن نسبة التجاوزات ضدهم كانت ضئيلة مقارنة بما سبق.
وأكد التقرير على أن مشكلة الصحافة المصرية تكمن فى ندرة المعلومات، وغياب تداولها، الأمر الذى أدى إلى فتح باب الاجتهادات الشخصية لدى الصحفيين، مما أدى إلى تضارب المعلومات عند القارئ، بالإضافة إلى تحول الصحف إلى ساحة للصراعات بين القوى السياسية.
كما أكد مركز الأندلس لدراسات التسامح مناهضة العنف، على أهمية التزام الصحفيين بميثاق الشرف الصحفى، ومحاسبة النقابة كل من يخالف الميثاق من الصحفيين.

أحمد المسلمانى يكتب: هيكل.. وقفة مع الأستاذ
تأملت طويلاً مشروع الكاتب الكبير الأستاذ محمد حسنين هيكل، كنت ألجأ إلى كتاباته ملتمسا الرأى كلما ضاقت المعلومة أو متقصَّيا المعلومة حين يختلط الرأى.. فوجدته - فى حالات عديدة - شاهداً حين يجب أن يكون قاضياً، وقاضياً حين يجب أن يكون شاهداً، وغائباً حين تتعقد القضايا وترتبك الأحكام وتتبدل مواقع الادعاء والاتهام!
■■
يرى المفكر الكبير د. جمال حمدان، فى أستاذنا الكاتب الكبير محمد حسنين هيكل، الصحفى الأول فى العالم.. ويراه جيلى أكبر من ذلك بكثير.. فهو يتجاوز الصحفى إلى ما هو أبعد وأوسع وأعمق.. وأبقى.
ولأنى واحد من ذلك الجيل الذى يرى فى الأستاذ هيكل ربما أكثر مما يراه فى نفسه، ويضعه فى مكانة.. ربما لم يبذُل هو الجهد الذى يضعه فيها، بقدر ما بذلنا نحن الحب لنبقيه عليها.
ولأنى واحد من جيل عاصر عدداً وفيراً من رؤساء التحرير الذين يتفاوتون فى الفساد ويتساوون فى الجهل.
ولأنى واحد من جيل عاصر مشهداً سياسياً مضطرباً يتصدره زحام من سياسيين عديمى الموهبة وآخرين حديثى الولادة.
ولأنى من جيل تجاوز الأيديولوجيا إلى المنطق، والصراخ إلى العلم والخطابة إلى المعرفة.. لأنى من ذلك كله فقد أذهلنى إلى حد الصدمة الحديث الأخير للأستاذ هيكل فى قناة «الجزيرة»، والذى نشرته «الدستور» و«الأسبوع» و«العربى».
■■
لقد فكرت فيما إذا كان مناسبا الرد على الأستاذ هيكل، وسط حملة عليه يقودها أناس قد أُملى عليهم، فكانوا لما تلقوا من أمر صاغرين.
ولكن حديث الأستاذ الذى اعتبره أضعف حديث أدلى به كاتب كبير فى شأن كبير.. لم يتركنى فى حيرتى طويلا، فقد كان احتمالى لحجم الأخطاء أضعف مما أحمل من مودة، وتحمّلى لصدمة الضعف أكبر مما أحمل من قوة الصبر.. أو فضائل التقدير.
السطور التالية هى فقط عناوين شارحة لبعض مما يسمح به المقال والمقام.
(١)
قال الأستاذ فى تفسير صمته الطويل فى التعليق على ما يجرى فى غزة: «عندما تصل الأحداث إلى هذه الدرجة من السخونة فإننى أفضل باستمرار النظرة على مجمل الحوادث».. وهذا قول غريب، فماذا يفيد التحليل بعد بلورة الحدث وانتظام الوقائع واكتمال المشهد.. إنها حكمة بأثر رجعى.. يتسنّى لصغار الصحفيين التحلى بها.. وأما مقام الأستاذ فكان الأجدر به أن يتحدث ويشرح وينصح فى اليوم لا فى بداية الأسبوع الثالث.
لقد أصبح الأستاذ كالآخرين.. صمت حين صمت الجميع، وتحدث حين تحدث الجميع!
(٢)
قال الأستاذ «إن قناة الجزيرة قد لعبت دورا كبيرا فى التعبئة».. وهو قول غير صحيح، ذلك أن الجزيرة التزمت المهنية والحياد، وسمحت لقادة إسرائيل بمثل ما سمحت لقادة حماس.. وجودا وحدودا.. وطبقت الجزيرة بدقة تامة شعارها «الرأى.. والرأى الآخر».. وهو شعار يقف على النقيض تماما من فكرة التعبئة.. لقد قال الأستاذ فى شأن «الجزيرة» ما لم تقله فى نفسها.
(٣)
قال الأستاذ عن أعضاء حركة حماس «جاء أناس تختلف أو تتفق معهم» ثم مضى يغازل حماس بمديح رقيق، ولم يلتفت الأستاذ إلى خطورة هذه العبارة «تتفق أو تختلف» واعتبرها جملة عرضية لا تهم فى التحليل.. رغم أن هذه هى الجملة المركزية فى التحليل.. هل تتفق مع حماس أم تختلف؟ وفيمَ الاتفاق وفيمَ الاختلاف؟.. وكعادة الأستاذ ترك أخطر القضايا إلى جاذبية الحكى وبلاغة السرد!
(٤)
قال الأستاذ عن تعقب أجهزة السلطة لحكومة حماس بعد وصولها الحكم إن «حماس قامت بإزاحة هذا الطابور الخامس وبدون عواطف.. وكان لديها حق شرعى» وهكذا وصف الأستاذ السلطة الفلسطينية قولا واحدا بأنها «طابور خامس» أى سلطة تجسس إسرائيلية.. أى أن السلطة فى التحليل الأخير هى جزء من جهاز الموساد، وهذه هى الترجمة السياسية لوصف «الطابور الخامس» وهو اتهام خطير لا دليل عليه، ثم شامل لم يستثن أحداً.. وهو فوق ذلك يؤسس للانقسام.. إنه بمثابة إعلان مبادئ للحرب الأهلية.. حماس تحارب الموساد!
(٥)
قال الأستاذ إن رغبة الرئيس بوش تمثلت فى أن يكون عام ٢٠٠٨ هو عام التسوية.. وأن الخطة الأمريكية التى كانت إسرائيل عنصرا فاعلا فيها تستهدف حلا دائما ينهى الصراع العربى الإسرائيلى.. وهو تحليل فى مجمله غير صحيح.
والكل يجمع أن حكم الرئيس بوش، الذى تأسس تحت حطام مركز التجارة العالمى وانتهى تحت حذاء منتصر الزيدى.. وبينهما حرب فى العراق وأخرى فى أفغانستان وثالثة فى وول ستريت.. لم يكن أبدا ليخطو بالقضية الفلسطينية خطوة واحدة.. فضلا عن أن يقوم بوش بحل شامل.. إن كلام الأستاذ يضئ وجه بوش ويحسن صورة واشنطن.. ويلقى كل التبعات على حماس!
(٦)
قال الأستاذ: «إننى أعرف أن إدارة بوش وافقت وشجعت». وقال: «فيما أعرف فقد ذهبت مجموعة من الدفاع والمخابرات الخارجية وأحاطت أوباما علماً» واستخدام الأستاذ عبارات «إننى أعرف».. «فيما أعرف» يوحى بأن الأستاذ قد اتصل بأى من الرئيسيين بوش أو أوباما أو قادة الإدارة الأمريكية.. ولكن الأستاذ لم يقل من أين يعرف.. لاسيما أن ما قاله الأستاذ لا جديد فيه على الإطلاق.. بل هو المنطق العام للأمور.. يمكن أن يصل إليه عامة المشاهدين والقراء!
(٧)
قال الأستاذ «الدول العربية التى تسمى معتدلة.. لا أعرف هى معتدلة فى ماذا؟».. وهى سخرية ليست فى محلها.. ذلك أن هذه الدول تعتمد الواقعية السياسية، التى تتوسط الحفاظ على الحقوق دون التورط فى خسائر جديدة.. والمدهش أن الأستاذ هيكل أنهى حواره ناصحا «علينا أن نجد طريقا ما بين المذلة والكبرياء لنسير فيه».. وكنت أفهم أن تكون هذه مواءمة السياسى لا طموحات المثقف.. ذلك أن المثقف لا يتوسط طريقين أحدهما مذلة.. وإنما يختار حتماً «طريق الكبرياء».
(٨)
دعا الأستاذ حزب الله ألا يتدخل فى المعركة، وقال: «إن دواعى النصرة والجهاد ليست مطلوبة»، وقال «إن تدخل حزب الله اليوم فيه خطأ.. ولا ينبغى أن ندفعه ولا ينبغى ابتزازه».. وهذا كلام رقيق ودافئ، ولكن الرقة هنا خارج السياق.. وذلك أن الشرعية الدينية والسياسية لحزب الله إنما تنهض على عقيدة «النصرة والجهاد».
إن الأستاذ إذ يصف الداعين لحزب الله بالاتساق مع مشروعه وعقيدته بالابتزاز.. إنما يقوم بإبطال حتمية النصرة وفريضة الجهاد، وهكذا يدعو الأستاذ حزب الله إلى عكس مبادئ حزب الله.. إلى ترك ما يؤمن إلى ما لا يؤمن.. وما يعتقد إلا ما لا يعتقد!.
(٩)
قال الأستاذ: «إن حماس لا تعرف حركة العالم بالقدر الكافى» وأن «حماس لم تستفد من التهدئة».. والأخطر هو قول الأستاذ: «كنت أتمنى ألا تطلق حماس صواريخها»..
وقد أذهلتنى هذه العبارات، ذلك أن الأستاذ طيلة حديثة كان يغازل حماس غزلاً صريحاً، ويلتمس لها كل الأعذار.. ويمنحها الدلال الكافى فى كل مواقع الحوار.. وقد مر على أخطر العبارات دون أن يتوقف أو يوقفه المحاور أو تلتفت القناة أو الصحف الناشرة.. إن حماس برأى الأستاذ لا تفهم فى السياسة الداخلية ولا الخارجية.. وقد أخطأت بإطلاق الصواريخ. وظنى أن هذا هو منطق إسرائيل، أن حماس حركة جاهلة، وأنها أخطأت فى إدارة الهدنة وعدم تجديدها.. وأن صواريخها هى سبب الحرب عليها.
كانت الأمانة تقتضى أن يكون الأستاذ صارماً وحاسماً فى شرح رأيه فى حماس وفى تعقيدات الصراع، ولكن الأستاذ عاد إلى شعر الغزل من جديد ليقول: «إن حماس تعرضت لأكثر مما هو لازم»، إن الأستاذ لم يقل ما هو اللازم وما هو الأكثر من اللازم.. والشاهد عندى أن الأستاذ لا رأى له فى حماس.. وأنه ليس عميقاً فى شأن الخريطة الفلسطينية الجديدة بما يكفى.. وأننا إزاء احتمالين.. إما أنه لا يعرف.. أو أنه لا يريد.. وفى كل ضعف.
(١٠)
قال الأستاذ «يجرحنى الاعتقاد عن دور مصر فى حصار حماس».. وكلمة الجراح فى كلام الأستاذ غريبة، وهى أقرب إلى قول شاعر، وكان الأنسب أن يقول الأستاذ اعتقاده.. هل تشارك مصر فى حصار حماس؟ وإذا كانت إجابته نعم.. ففيم زيارات الوزيرين عمر سليمان وأحمد أبوالغيط إلى الأراضى المحتلة؟ وفيم زيارات خالد مشعل وقادة حماس إلى القاهرة؟ وفيمَ مجمل لقاءات المسؤولين المصريين مع حماس، والتى تزيد أحياناً عن المرة فى اليوم الواحد.
وفيمَ اتهام صحف وأجهزة العالم لمصر بتهريب السلاح وغض النظر عن الأنفاق؟..
.. إذا كان وصف الأستاذ لذلك بالحصار.. فما يكون الحوار؟
(١١)
قال الأستاذ: «مصر موجودة فى الصراع العربى الإسرائيلى للدفاع عن مصر فى حد ذاتها، حتى بدون انتماء عربى». وهذا قول يخالف حقائق التاريخ.. ذلك أن ثورة ١٩١٩ قد تنبهت لخطورة الحركة الصهيونية فى نهاية العشرينيات، وسجل تراث الوفد والزعيم مصطفى النحاس رغبة قديمة فى خوض القتال ضد الصهيونية، أثناء ثورة ١٩٣٦ وبعدها.. وبعد عقد من الزمان خاضت مصر حرب ١٩٤٨ فى فلسطين.. ولم يكن الدافع وراء كل ذلك وما بعده ما يقوله الأستاذ من أنه دفاع عن مصر فى حد ذاتها.
إن تحليل الأستاذ هنا ليس ضعيفاً وخاطئاً فحسب، ولكنه يحرم مصر من المكانة الأخلاقية التى احتلتها بفضل دفاعها عن القضية الفلسطينية.
(١٢)
قال الأستاذ: «أنت فى مصر على حدودك إسرائيل فيها ٢٠٠ قنبلة نووية».. «وهذا يفرض عليك إما أن تخضع لابتزاز القوة فتصبح فى أزمة.. أو تطلب حماية أمريكية أو أن تملك سلاحاً نووياً.. والظروف صعبة جداً، والتكلفة غير معقولة وأنت وقعت على الاتفاقية».. ثم يمضى الأستاذ هيكل بعد أن حطم باب الأمل وأغلق باب السياسة: «عندما تكون إلى جانب دولة نووية وأخرى لا تملك هذا السلاح.. هذا لا يحتاج لأن ترسل إسرائيل أكثر من سكرتير ثالث فى سفارتها لإبلاغ ما تشاء لوزير الخارجية»، هكذا فى حالة تيئيس شاملة.. أطفأ الأستاذ كل الأنوار.. إما الانبطاح أو العمالة.. ولا سبيل غير الاستسلام أمام سكرتير ثالث من سفارة إسرائيل.. وحيث إننا لا نملك لعقود قادمة أى قنبلة نووية.. فلا حل غير الانبطاح أو العمالة!.
(١٣)
قال الأستاذ نقلاً عن ساركوزى نقلاً عن «هاآرتس» نقلاً عن الموساد: «إن الرئيس مبارك قال إنه لا يجب أن تنتصر حماس».. هكذا الأستاذ الذى علمنا التحقق من المصادر.. ينقل أخطر اتهام من صحيفة إسرائيلية ليعيد ويزيد فيها.. كأنه وقع على سبق صحفى نادر.
إن اللحظة التى كانت الوطنية المصرية فيها تحتاج حماية الأستاذ.. خذلها الأستاذ لينضم إلى صحافة صفراء وقنوات صفراء، نقلت الصراع مع إسرائيل إلى الصراع مع مصر.. وحوّلت اتجاه الحجارة من رشق جنود إسرائيل إلى رشق نوافذ القاهرة.
(١٤)
قال الأستاذ رداً على سؤال الجزيرة: هل تطرد مصر السفير الإسرائيلى؟ أم تجمد خطوات التطبيع أم توقف تصدير الغاز؟.. قال: «ولا أى حاجة من ذلك».. ثم عاد ليقول «صدِّر كما تشاء».. و«حتى فيما يخصّ صفقة الغاز فإن فيها مصالح ضيقة».. وهكذا لم يدن الأستاذ بوضوح تصدير الغاز لإسرائيل، بل قال «صدِّر كما تشاء».. وقال على مطالب الحركة الوطنية المصرية «ولا أى حاجة من ذلك» ثم ذهب الأستاذ يحدثنا عن أن كل ما يرجوه هو «الاتساق بين مصر السياسية ومصر التاريخية».. أى أن الأستاذ ترك السياسة، حين كان يجب أن يتحدث فى السياسة، واستدعى نظريات التاريخ حين كان يجب أن يستدعى حقائق المشهد.
(١٥)
وبعد.. كانت هذه معالم وقفة قصيرة مع الأستاذ.. فى حديث رأته بعض الصحف المصرية «أخطر حديث للأستاذ» ورأيته ـ فى اجتهادى المتواضع ـ أضعف حديث للأستاذ.. وهنا تبقى المعضلة الأكبر.. ذلك أن الأستاذ الذى كان يجالس ويناقش كبار رجال الفكر والسياسة ذات يوم، بات يجالس عدداً من المعجبين والحواريين الذين لا يملكون إزاء سحر الأستاذ غير آيات التسبيح.
وظنّى أن أغلب أخطاء الأستاذ إنما جاءت من رجال حول الأستاذ.. يهتفون إذا أشار، ويخشعون إذا تحدث، ويستشهدون إذا أمر.
فى السابق صنع المفكرون مكانة الأستاذ، وفى الحاضر يكسر المريدون ما صنعه المفكرون.