‏إظهار الرسائل ذات التسميات القدس العربى. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات القدس العربى. إظهار كافة الرسائل

أزمة معابر المعرض!


عزت القمحاوى
'رضينا بالهم والهم بنا لم يرض'.
هذا المثل المصري ينطبق على علاقتنا معشر القراء بمعرض القاهرة الدولي للكتاب طوال أربعين عاماً، حيث تكرار تأخر وصول الكتب إلى ما بعد الافتتاح، وحواديت الرقابة التي لا يمكن للشيطان ذاته أن يعرف الجهات التي أمرت بالمصادرة ولا حجم الظاهرة. وعندما يتسامح محبو الكتب مع كل هذا ويحملون أنفسهم إلى مركز المعارض الفسيح، يشعرون بأنهم في سيرك حقيقي، أو سوق شعبية، تختلف عن الأسواق بوجود الكتب إلى جوار بائعي البالونات والشاورما والمحارم الورقية وملابس البحر وكاسيتات واسطوانات الدعاة الجدد، جنباً إلى جنب مع حاملي 'بطاريات التنوير' على منصات يجري الكلام من فوقها موجة وراء موجة، عاماً بعد آخر، من دون الشعور بأثر للنور في آخر المعرض أو النفق!
ومع كل هذا، كان ذلك الكرنفال مناسبة للقاء بين الكتاب العرب، قليلهم من المدعوين وكثيرهم ممن يأتون خصيصاً إلى المعرض على نفقتهم أو يوقتون رحلاتهم السياحية في وقت إقامته ليعبروا منه ليوم أو يومين.
هذا المعرض الضخم والفارغ، ككثير من الأشياء والكيانات المصرية، كان أهم ما فيه المقهى الذي يقدم المشروبات الساخنة والشيشة، ويمثل استراحة ومكاناً للتجمع واللقاء.

' ' '

هذا العام فقد المعرض نصف قيمته بفقدانه المقهى، وفي هذا قولان، إذ يقول موظفو هيئة الكتاب المنظمة إنها مسألة إدارية وتعذر في الاتفاق مع متعهد للمقهى، بينما يبدو الأمر أغرب من هذا، حيث الهواجس الأمنية، والخوف من التجمعات في وقت لم تزل فيه تفاعلات الحرب على غزة مستمرة، ومن الخطر اختلاط الغضب المصري المقيم بالغضب العربي الزائر!
وتسبب هذا الخوف في اعتداء ثان على تقاليد المعرض بافتتاح متأخر يوم الجمعة، في الثانية ظهراً لتفادي مظاهرات ما بعد الصلاة.
أما البوابات والمعابر فهي الأزمة الحقيقية، حيث لا صوت يعلو فوق صوت الأمن.
تفتيش ذاتي للرواد وتطفل على الأوراق الخاصة ومشاجرات مع المثقفين، خلقت رهاب الزيارة، لدى كثير من محبي الكتب، الذين يجدون في المعرض فرصة لاقتناء كتب الدور الزائرة، التي لم يزل الوصول إلى كتبها صعباً على مدار العام، على الرغم من كل ما قيل تحت خيمة الجامعة العربية، وتحت خيام معارض الكتب العربية في هذه العاصمة أو تلك عن معاملة أكثر إنسانية للكتاب من سلطات الجمارك، لكن ظلت الأفكار على المعابر العربية تتعذب عذاب الفلسطيني على معابر إسرائيل. ولم تزل المعارض، على الرغم من كل سلبياتها، فرصة لعبور الكتب.

' ' '

قبل خسارة الناشرين الذين لم يبيعوا، والقراء الذين لم يشتروا، تأتي خسارة وزير الثقافة الطامح إلى قيادة ثقافة وآثار العالم، ويتصور أن الطريق إلى اليونسكو يبدأ من القاهرة، ويرى في المعرض فرصة لتمجيد إنجازاته الرهيبة، عبر مناسبة أهدته محور ندوات (خمسون عاماً على إنشاء وزارة الثقافة المصرية).
خمسون عاماً ليست شيئاً، إذا كان وزير واحد يحتكر عشريناً منها. هل لهذا التجميد علاقة بالحياة أم بالموت؟
لا أحد مجبرا على الإجابة، ويستطيع المثقف النزيه أن يغلق عينيه عن مشكلات الرقابة المتصاعدة والانصياع لكل جهات الحجر على الرأي، ولن يضيره أن يتغاضى عن محرقة راح ضحيتها نصف الحركة المسرحية المصرية، وعن تساقط مساعدي الوزير المزمن في أيدي العدالة، وعن الثروة الشخصية للوزير، وعن سعر لوحاته قبل وبعد الاستوزار. بعد التعالي الواجب فوق هذه التفاهات لا يعود هناك وزر أو غضاضة أو حياء في كيل المديح لوزير رسخ عشرين عاماً على قلب الثقافة المصرية، وبنى عشرات المتاحف التي لا يدخلها أحد، وأقام عشرات المهرجانات التي لا تفيد أحداً، وأتى بمهرجان المسرح التجريبي، بينما بنى الوزراء الأوائل المسارح وشجعوا العروض الكلاسيكية البالية!
والحقيقة أن مرور خمسين عاماً على الوزارة المصرية يصلح مناسبة للنظر فيما فعله تأميم الأفكار، وتكفي مقارنة حيوية النصف الأول من القرن العشرين في الثقافة المصرية، وموات النصف الثاني، لكي نرى أثر الزواج المحرم بين السلطة والمثقف الذي لم يذق لذة العيش في حظيرة السلطة المصرية حتى تلقفته حظائر الخليج الأكثر بذخاً.
خمسون عاماً كان أكبر أهدافها تحويل سؤال المثقف عن موقع رأسه بين الرؤوس، إلى البحث عن موقع لمؤخرته على كرسي في جلسة افتتاح ندوة أو معرض، وحتى هذه حرم منها كبار المفكرين، إذ جرى افتتاح المعرض من قبل رئيس الوزراء المصري بدلاً من الرئيس.
وهكذا تحققت اشتراكية الثقافة، وتساوى المفكرون مع مستهلكي الأفكار، إذ حيل بينهم وبين متعة الاختيار لحفل الافتتاح، مثلما حيل بين القراء والكتب على مدار أيام المعرض!

بداية مقلقة للرئيس اوباما

بداية مقلقة للرئيس اوباما
عبد الباري عطوان
بدأت ملامح السياسة الخارجية لادارة الرئيس الامريكي الجديد تتبلور بشكل تدريجي، فقد اغلق الملفات السوداء للحرب على الارهاب التي اعلنها سلفه جورج دبليو بوش، مثل معتقل غوانتنامو ومراكز التعذيب السرية المنتشرة في بقاع عديدة من العالم، معظمها في دول عربية للأسف، منهيا أسوأ التجاوزات وانتهاك حقوق الانسان في التاريخ الامريكي الحديث، ولكن الجانب المتعلق بمنطقة الشرق الاوسط، والصراع العربي ـ الاسرائيلي جاء ملتبسا وحافلا بالكثير من الثغرات المقلقة.
صحيح ان الرئيس اوباما طالب بفتح المعابر ليتاح ادخال المساعدات الانسانية والمبادلات التجارية لأبناء قطاع غزة، واظهر تعاطفا مع معاناة ابناء القطاع، ولكنه لم يتطرق مطلقا الى المجازر الاسرائيلية وقتل الاطفال واستخدام القنابل الفسفورية المحرمة دوليا، وتدمير اكثر من ستة آلاف منزل وتشريد اربعة آلاف شخص.
توقعنا من الرئيس الامريكي الجديد موقفا قويا ضد هذا الاجرام الاسرائيلي، خاصة بعد تسلمه مهام منصبه، وهو القادم من رحم المعاناة والفقر والحرمان والتمييز العنصري، حيث كان ممنوعا على والده ان يرتاد معظم المطاعم والنوادي بحكم لونه واصله الافريقي قبل خمسين عاما. توقعنا منه ان يدين هذه الوحشية الاسرائيلية بكلمات واضحة لا لبس فيها او غموض، تؤشر الى بدء مرحلة التغيير الذي وعدنا به، وتترجم اقواله حول التعامل مع المسلمين وفق اسس الاحترام والمصالح المشتركة.
يبدو ان الرئيس اوباما نسي ان الفلسطينيين الذين تطحن عظامهم الدبابات وتحرق اجساد اطفالهم الطرية القنابل الفسفورية هم مسلمون بل وبشر ايضا. فقد ساوى في كلمته التي القاها اثناء تعيينه مبعوثيه الى المنطقة بين الضحايا الاسرائيليين والفلسطينيين عندما قال 'قلقت للغاية للخسائر في ارواح الفلسطينيين والاسرائيليين خلال الايام الاخيرة'.

مثل هذه اللغة يمكن ان نفهمها لو ان الرئيس الامريكي الجديد استخدمها اثناء حملته الانتخابية، او حتى قبل تسلمه مهام منصبه في البيت الابيض، ولكن ان يمسك العصا من الوسط الخطأ، وبهذه الطريقة، مساويا بين الجلاد والضحية، فهذا امر غير مقبول ومستنكر ويكشف عن بداية سيئة.
الضحايا الاسرائيليون في هذه الحرب لم يزيدوا عن ثلاثة من المدنيين، وعشرة من العسكريين بينما استشهد اكثر من 1350 فلسطينيا في القصف الاسرائيلي الوحشي للقطاع معظمهم من الاطفال والمدنيين، فكيف يمكن التعامل مع خسائر الطرفين بالقدر نفسه من القلق والألم، ومن قبل رئيس امريكي يعرف جيداً جذور الصراع وأسبابه، مثلما يعرف جميع مستشاريه، ووزيرة خارجيته على وجه الخصوص، حجم التغول الاسرائيلي لسفك الدماء الفلسطينية بطريقة غير مسبوقة في التاريخ الحديث؟
جميل ان ينهي الرئيس الجديد حرب بلاده على الارهاب، واقراره باستحالة الفوز فيها، وحجم الدمار الذي خلفته على صورة بلاده، والنزيف المالي لاقتصادها وأموالها، ولكن الاجمل ان يلتفت الى الارهاب الاسرائيلي ايضاً، وقد شاهد فظاعاته بعينيه عبر شاشات التلفزة، حيث الصور المتفحمة للأطفال، والأب المكلوم الذي فقد زوجته وخمسة من أطفاله، او الأسر التي ابيدت بكاملها. والصورة لا تكذب مثلما يقول اول درس في الصحافة وعلوم الحروب.
فإذا كان ايهود اولمرت رئيس الوزراء الاسرائيلي اعترف بأنه اجهش بالبكاء لدى مشاهدته استغاثة طبيب فلسطيني خسر اطفاله الثلاثة عبر شاشات التلفزة، فإنه من المتوقع من رئيس امريكي ان يكون أكثر تأثراً بهذه المجازر، وأكثر تعاطفاً مع ضحاياها، مع تسليمنا بكذب اولمرت وكل المسؤولين الاسرائيليين الآخرين من امثاله، الذين يستمتعون بالولوغ في الدم الفلسطيني حتى الارتواء.

لا نريد التعجل في استصدار الاحكام المسبقة على ادارة ما زالت في الايام الاولى لتوليها السلطة، ولكن المقدمات السيئة لا يمكن ان تؤدي الا الى نتائج اكثر سوءاً، ولهذا نجد لزاماً علينا ان نرفع صوتنا محذرين ومنبهين، قبل ان تقع الكارثة ويصعب التراجع عن الأخطاء.
مطالبة حركة 'حماس' بالاعتراف باسرائيل في أول خطاب للرئيس الامريكي لشرح سياسته الخارجية هي احد ابرز الأمثلة على هذه المقدمات الخاطئة،خاصة ان هذه المطالبة تزامنت مع الالتزام الكامل بأمن اسرائيل، ودون توجيه اي لوم لها على افشال العملية السلمية والاستمرار في الاستيطان، وخنق الاقتصاد الفلسطيني، وبناء السور العنصري العازل، وقتل الآلاف من الفلسطينيين العزل، واسر اكثر من عشرة آلاف من خيرة ابنائهم.
فلماذا المساواة في التعاطف مع ضحايا الجانبين، وعدم المساواة في اللوم، وتسمية الاشياء بأسمائها دون لف او دوران؟ فالفلسطينيون لا يحتلون ارض اسرائيل، ولا يرسلون طائرات 'اف 16' ومروحيات الاباتشي الامريكية الصنع لقصف الابرياء في حرب من اتجاه واحد.
انهاء الحرب على 'الارهاب' دون انهاء الارهاب الاسرائيلي المستمر منذ ستين عاماً وبحماية امريكية، سيؤدي الى ظهور 'ارهاب' عربي اسلامي جديد اكثر خطورة وشراسة، لأن هؤلاء الاطفال الذين فقدوا اشقاءهم وامهاتهم وآباءهم، وشاهدوا الطائرات الاسرائيلية تطلق حممها فوق رؤوسهم، هؤلاء سيكونون أكثر شراسة في انتقامهم المشروع والمبرر في كل الشرائع الالهية والوضعية، اذا ما استمروا مشردين دون أمل ودون مستقبل.
فمجازر غزة لم تدمر ثقافة السلام والاعتدال فقط، وانما اعادت إحياء ثقافة المقاومة بشكل أكثر قوة على طول العالم الاسلامي وعرضه، وكشفت السقوط الاخلاقي الغربي، والأمريــــكي بشكل عــــام في أبشع صوره وأشكاله، وإذا لم يعِ الرئيس الأمريكي الجديد وطاقمه هذه الحقيقة الناصعة فإن كل نواياه المعلنة حول اصلاح صورة بلاده البشعة جداً في العالم الاسلامي ستذهب سدى.

ما زلنا نملك بصيص أمل في قدرة الرئيس الأمريكي الجديد على إحداث التغيير المطلوب في سياسة بلاده الخارجية، ليس لأن اسم والده 'حسين'، ولا لانه أفريقي الأصل والملامح، وانما لان الاستمرار في سياسات الادارة السابقة في الضغط على الضحية، وابتزازها، لدفعها إلى تقديم التنازلات تلو التنازلات تحت ذريعة دفع عجلة السلام إلى الأمام سينعكس دماراً على الولايات المتحدة ومصالحها، في وقت هي في حاجة ماسة إلى الأمن والاستقرار لانقاذ اقتصادها المنهار، واستعادة قيادتها للعالم بأسره.
الشعب الفلسطيني ليس بحاجة إلى مؤتمر للدول المانحة لتخصيص الأموال لاعادة الاعمار، وتمويل سلطة فاسدة فاشلة لم تعد تمثل أحداً، وانما بحاجة إلى مؤتمر سلام يستند إلى قرارات الشرعية الدولية، ويقول للاسرائيليين انكم اصبحتم عبئاً اخلاقياً وسياسياً وأمنياً على كاهل الغرب وشعوبه جميعاً، وبتّم مصدر تهديد لأمن العالم واستقراره بجرائمكم الارهابية ضد شعب أعزل، وهي الجرائم التي تغذي التطرف والتشدد، وتجعل من تنظيم 'القاعدة' تنظيماً معتدلاً بالمقارنة بما يمكن ان يظهر من تنظيمات جديدة في المستقبل.

في الافتتان بالعدو


عزت القمحاوى
اسمحوا لي أن أعلن افتتاني بالخصوم والأعداء، حيث أهداني حفل تنصيب أوباما ما يشبه متعة مشاهدة السينما الحلوة.
ولا تندهشوا من تصنيف أوباما عدواً، فليس هو المقصود، لكن بلاده التي قامت على الاستيطان ونذرت نفسها لخدمة الاستيطان الصهيوني في فلسطين، والحق أن هذه العداوة ليست محسومة بداخلي بشكل قطعي؛ فأعدائي هنا، قزموا بلادنا وأهانوها فأهانها الغرباء البيض الشريرون، ولن يختلف عنهم السمر الطيبون، فلا أحد يتطوع بإنصاف شعوب لم تحاول إنصاف نفسها.
ولا أعرف ما يمكن أن يقدمه أوباما، ولم يساعدني على المعرفة تصريحه الملتبس عن التطلع إلى علاقات جديدة مع قادة الشرق الأوسط تقوم على الاحترام والمصالح المشتركة. لا بد أن أوباما واع بأن مصالح الأوطان تختلف عن مصالح الحكام في هذه البلاد الحزينة، فإن كان ما يعنيه مصالحهم فلا احترام ولا تقدم ولا جديد تحت سقف العلاقات مع أمريكا. وإن كان ما يعنيه هو 'مصالح الشعوب' فأهلاً به.
ولتسعد به أمريكا، وليس نحن، وإن كان الاعتراف بالحق فضيلة، فمن الحق الاعتراف بأن حفل تنصيبه كان مبهجاً كفيلم حلو.
الفرق أن متعة الساعتين في قاعة مظلمة تنتهي دائماً بالتأسي لأن الحياة ليست كالأفلام، ثم نسيان الأسى والتصالح سريعاً مع الحياة، لكن متعة مشاهدة تنصيب أوباما لم تنته بمثل تلك المصالحة، بل بمزيد من الخصام مع الحياة، إن كانت حياة تلك التي نحياها، وبافتتان بالخصوم وبحياتهم، أقاومه واعياً، لكنهم لا يفتأون يجدون أسباباً جديدة للفتنة!

التنصيب هو العلا في كل أمر، حتى في اللغة، النصب تنتصب به الكلمة في الحلق، وهو الوقوف بلغة المشرق، والانتصاب بلغة مغربنا. ولكننا لا نكاد نعرفه خارج اللغة.
لدينا النصب، والغصب والاحتيال، لا التباري الحر الذي ينتهي بحفل تنصيب، يحتفي فيه السابق باللاحق، الذي سيجلس على كرسيه، ويحرمه من الأبهة، وهي أبهة حقيقية وتستحق.
الاحتفال المماثل في عالمنا العربي هو عيد الجلوس، لا الوقوف ولا الانتصاب. الجلوس وهناً، الجلوس شيخوخة، الجلوس جبناً، الجلوس تكبراً، الجلوس فوق رؤوس العباد، لا الانتصاب والوقوف بينهم بشراً بجوار بشر، ثقلهم جميعاً على الأرض.
هذا هو الفرق بيننا وبين أعدائنا وخصومنا. الفرق الذي نعبره عبور الكرام في الصور. مجالس وزرائنا مثل مضافات العزاء وديوانيات ومقاهي الاجترار والثرثرة، هذه هي الصورة التي نراها لوزاراتنا ورئاساتنا، من دون أية مؤامرة خارجية أو سوء قصد من المصورين، بينما لا نرى من مجلس وزراء الكيان الصهيوني إلا الجري في الممرات وهم يتأبطون ملفاتهم، وإن دخلت الكاميرا إلى القاعة، فلكي تشهد على حيوية وخلافات تصل حد العراك، لا التأمين البليد على حكمة القائد.
بالتأكيد مسؤولونا يصلون إلى مقار اجتماعاتهم مشياً أيضاً، لكن لا صور لهم في حالات الوقوف هذه، هل هي مؤامرة من الإعلام أم أن انتصابهم أقل من أن تلاحظه الكاميرا، وجرجرتهم لأقدامهم أبطأ وأوهن مما يتطلبه البث الفضائي؟!
هل هم أنفسهم يخافون وضع الوقوف حتى لا تتهمهم إسرائيل بالاستعداد للحرب؟!
أيدي مسؤولينا فارغة كقلوبهم، لا ملفات لديهم، لأن العلم في الرأس وليس في الكراس، والوقار في القعود والبطء.
وحده الشعر الآن يحاول أن يذكرنا بانتصاب القامة، بينما نحاول أن نذكر أنفسنا: القاعدون لا يمثلوننا، نحن مثل بقية البشر، لا أقل ولا أكثر، ولابد أن نمشي منتصبي القامة، ونقاوم مخاوف القلب وذعر البدن.

تنصيب أوباما فيلم خيالي، مبروك عليهم، أو مبارك.
هناك أسباب للفخر أعلنها الأمريكيون الذين حاورتهم السي إن إن، فخر بشباب رئيسهم، فخر بلونه، فخر برحابة بلادهم وحيويتها.
طابور من الرؤساء السابقين يشهد اللحظة، آخرهم ترك لخلفه في الدرج (الجارور) الأعلى من المكتب ملحوظات بالعالق من الأعمال، بينما تقع في عداد المعجزات عندنا أن يحمل أحدهم صفة رئيس سابق وحي في الوقت ذاته.
لا بعد الرئيس ولا قبله، هو الواحد، إلى أن تتولى السماء أمره. وعندما لا تفعل ذلك في الوقت المناسب لأي سبب كان، يتطلب التغيير جندولاً يسبح في نهر من الدم.
نجوم مجتمع، صبايا وشباب، فرح حقيقي، وضحك من القلب، قسم ديني، وعشرون حفل رقص، فساتين وماكياج، وأجساد حرة لا تتوجس خوفاً من صفعة شرطي أو هبشة متحرش.
نحو ثلاثة ملايين من البشر، لا يجتمعون في مكان واحد على سطح الأرض إلا على جبل عرفات، اجتمعوا للمشاركة في حفل تنصيب أوباما.
حدث تاريخي بالمقاييس العادلة، وليس في أوصاف الصحافة الحكومية ومستشاري السوء، الذين 'يترخنون' الضراط.
واللغة، عنوان أية أمة، ودليل صحتها!
لغة حقيقية، مليئة بالأفعال، وليس مثل لغتنا التي لم يبق لها سوى أفعال الرجاء.
أوباما الشاب المرح الواثق، يخبر بما سيفعل، يأمر ولا (يطالب) أو ينصح أو يأمل؛ فالأمل بين أنامله.
ياله من حفل؛ حفل تنصيب رئيس!

يتامى في العراء الإعلامي

يتامى في العراء الإعلامي
مالك التريكي
قبل أيام كتب قارئ إلى جريدة 'الاندبندنت' البريطانية يقول: 'إنها لمسألة محيرة حقا. كل المتحدثين الإسرائيليين الذين يظهرون على قنوات التلفزيون الغربية هم من اليهود ذوي الثقافة الراقية واللسان الإنكليزي المُبِين وممن يعبرون برصانة تامة عن وجهة نظر مدروسة بعناية، هذا مع أن الإسرائيليين هم الذين يقترفون جرائم الهدم والتذبيح! أما المتحدثون الفلسطينيون فعلاوة على أن جميعهم تقريبا من أصحاب اللحى الكثة والمظهر المنفر، فإنهم لا يستطيعون التحدث بالإنكليزية ويخفقون إخفاقا ذريعا في مجرد التعبير عن محنة أهل غزة. فأخبروني، هل هذا شيء متعمد ومُبَيَّتٌ بِليْل؟
سؤال قديم جديد لطالما آلمنا وأخجلنا وأنزلنا منزلة اليتامى. نبدو أمام العالم بأسره مرتجفين في العراء الإعلامي كأنه لا يوجد في بني قومنا امرئ واحد ينطق بلسان حالنا بالجدارة الواجبة والبراعة اللازمة. سؤال قديم جديد لطالما نكأ جرحنا وعمّق شعورنا بالهوان. ذلك أنه لا يتعلق بالمقارنة بين أسلوبين في الدعاية السياسية أحدهما أنجح من الآخر (إذ ليت الأمر كذلك) بل إنه يتعلق بالإقرار بمهنية الدعاية الإسرائيلية وانضباطها وثباتها المنهجي على مجهود الدُّربة والمران، كما يتعلق في الوقت ذاته بالحسرة على انعدام المتحدث الفلسطيني القادر على مجرد استخدام اللغة، ناهيك عن مخاطبة القوم بما يفقهون! إذ منذ أن اختفت السيدة حنان عشراوي من شاشات التلفزيون الغربية (فهي لا تظهر الآن إلا لماما)، لم نعد نرى متحدثا فلسطينيا، سواء من فصائل منظمة التحرير أم من 'السلطة' أم حماس، يستطيع مخاطبة الإعلام الأمريكي والبريطاني بما ينبغي من وضوح البيان وقوة الحجة.
هذا الضعف الفادح الفاضح في الأداء الإعلامي مشكلة عربية شاملة، وحقيقة بديهية 'لا يتناطح فيها عنزان' حتى أن النظام الرسمي العربي نفسه، الذي لا يشق له غبار في مضمار إنكار الحقائق، قد اعترف بهذه الحقيقة وبدا كأنه يقدّر مدى كارثيتها عندما دارت مناقشات في أروقة الجامعة العربية قبل عامين أو ثلاثة حول وجوب وضع استراتيجية في مجال التعامل المهني العصري مع الإعلام الغربي، وشاعت آنذاك أنباء عن احتمال تكليف السيدة عشراوي بهذه المهمة....
لم نعد نرى منذ سنوات، سواء من منظمة التحرير أم من الفريقين المتنازعين على وهم الحكم، متحدثا فلسطينيا بالإنكليزية يجدر أن ينطبق عليه هذا الوصف. الاستثناء الوحيد الذي نحمد الله عليه هو الدكتور مصطفى البرغوثي العضو المستقل في المجلس التشريعي. إذ ان أداءه يتميز دوما، في جميع إطلالاته في الإعلام البريطاني، بمتانة الموقف وسلاسة التعبير وسهولة الإتيان بالدليل. بل إن حنكته أصبحت تسمح له بتفكيك الكليشيهات السياسية وبوضع مواقف الإعلام الغربي المسبقة موضع السؤال وبأخذ زمام المبادرة السجالية بدل الاكتفاء بموقف الدفاع السلبي.
ومن أسف أن السيدة ليلى شهيد مندوبة فلسطين لدى الاتحاد الأوروبي والسيد إلياس صنبر مراقب فلسطين لدى اليونسكو، وهما مثقفان لامعان، لا يظهران بشكل لافت إلا في الإعلام الفرنسي. كما أن السيد عفيف صافية الذي يتقن اللسانين الإنكليزي والفرنسي، والذي يتميز بالمهارة في الاستدلال وبسعة الثقافة التي تتيح له الاستشهاد بما يسمح به المقام من اقتباسات أدبية أو شواهد تاريخية، قد قل ظهوره في الإعلام الغربي منذ أن غادر لندن، ثم واشنطن، ليصبح ممثلا لفلسطين في موسكو. كما أننا لم نعد نرى أو نسمع السيد مايكل طرزي خريج جامعة هارفارد الذي كان مستشارا قانونيا للسلطة الفلسطينية، والذي مثل الموقف الفلسطيني تمثيلا جيدا لمدة عامين أو ثلاثة على قنوات التلفزيون العالمية مثل 'بي بي سي'، و'سي ان ان' و'سكاي'.
أما من نسمعهم ونراهم الآن من المتحدثين الفلسطينيين فإنهم جميعا، إلا استثناء أو اثنين، لا يسجلون أهدافا إعلامية إلا ضد مرماهم. يسيئون إلى القضية وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا لاعتقادهم، على ما يبدو، بأن الأداء الإعلامي ما هو إلا مسألة 'صدق في القول'! (ويا ليت ذلك كان صحيحا، إذن لأصبح الأداء السياسي مجرد مسألة 'إخلاص في العمل'!) يسيئون إلى القضية ويرسخون لدى العالم صورة العربي الذي لا يحسن الخطاب لأنه لا يحسن التفكير. هذا بينما ينصّب الشعب الأمريكي رئيسا مثقفا متميزا بحُسن البيان، وبينما يستعد شعب إسرائيل لاحتمال اختيار رئيس وزراء أمريكي اللكنة معروف بحضور البديهة وذرابة اللسان.

'وحدة الفلسطينيين لأجل تحقيق السلام'



مقال خاص بـ'القدس العربي': 'وحدة الفلسطينيين لأجل تحقيق السلام'
بقلم ديفيد ميليباند
منذ اندلاع القتال في غزة طالبت المملكة المتحدة بوقف إطلاق النار فورا وبذلت أقصى جهودها لتحقيق ذلك. وبالتالي فإننا نشارك العالم بالشعور بالارتياح عندما أوقفت إسرائيل عملياتها العسكرية في غزة يوم السبت، وعندما أوقفت حماس إطلاق صواريخها يوم الأحد. لكن شعورنا هذا بالارتياح يضاهيه شعورنا بالألم الشديد لأن وقف إطلاق النار استغرق وقتا طويلا للتوصل إليه. وقد تسبب هذا التأخير بخسائر إنسانية فادحة للكثيرين.
إن وقف إطلاق النار، كما أوضح قرار مجلس الأمن رقم 1860، كان يعتبر دائما الخطوة الأولى الضرورية. وإننا نناشد إسرائيل إتمام انسحاب قواتها من غزة بأقصى سرعة. كما يتعين على حماس وضع نهاية مؤكدة لإطلاق الصواريخ باتجاه إسرائيل. وقد ذهب رئيس الوزراء إلى شرم الشيخ يوم الأحد للانضمام لقادة آخرين من دول العالم للمطالبة بأن يحترم الطرفان وقف إطلاق النار، ولعرض المساعدة العملية لأجل أن يدوم.
خلال اثنين وعشرين يوما من العمليات العسكرية فقد ما يربو على 1200 فلسطيني حياتهم، بينما بلغ عدد الجرحى أكبر من ذلك بكثير. ومازلنا لم نكتشف بعد الحجم الكامل للدمار، إلا أنه يمكننا مشاهدة ذلك من واقع التقارير والصور الرهيبة التي ملأت نشرات أخبارنا. وإننا على يقين بأن حياة أهالي غزة، وهي كانت حتى الآن حياة كئيبة ومليئة بالمعاناة، قد أصبحت بائسة جدا. وأنظمة تشغيل الطاقة وشبكات الصرف الصحي وأنظمة توزيع الغذاء باتت منقطعة أو أنها مجهدة تماما. وفي تلك الأثناء فإن الصواريخ المنطلقة من غزة وصلت إلى أبعد مدى لها على الإطلاق داخل إسرائيل. وقد تردد صدى تأثير أزمة غزة في أنحاء العالم، حيث جرت مظاهرات كبيرة مؤيدة لأهالي غزة في الشرق الأوسط وكذلك في دول غربية كثيرة.
يواجهنا الآن تحديان فوريان: البدء الفوري بإدخال المساعدات الأساسية إلى غزة ومنع تدفق الأسلحة. والأولوية الملحّة هي تلبية الاحتياجات الإنسانية الماسّة. يجب السماح للإمدادات بدخول غزة: هذا لا يعني بكل بساطة مجرد الغذاء والأدوية، بل كذلك معدات الوقاية الصحية والمواد اللازمة لإعادة إعمار البنية التحتية المدمرة بالكامل في غزة وإعادة تشغيل شبكات الكهرباء والمياه. وقد تعهدت الحكومة بتقديم 20 مليون جنيه إسترليني إضافي إلى جانب 6.8 مليون جنيه إسترليني كانت قد تعهدت بتقديمها في بداية الصراع. بينما استطاعت الجمعيات الخيرية البريطانية جمع ملايين إضافية من خلال التبرعات.
وقد أوضح رئيس الوزراء أثناء زيارته لمصر وإسرائيل بأن إعادة فتح المعابر يعتبر حيويا. وإننا على استعداد لتقديم المساعدة، بما في ذلك من خلال إعادة بعثة الاتحاد الأوروبي للمساعدة على الحدود عند معبر رفح، وتوسيع هذه البعثة إن لزم الأمر.
لكن اللاعبين الأساسيين لأجل ضمان إحراز تقدم، ناهيك عن تحقيق السلام، هم الفلسطينيون أنفسهم. فإعادة الإعمار على الصعيد الإنساني ستكون مستحيلة ما لم يصاحبها إعادة البناء السياسي. والوحدة في السياسة الفلسطينية تعتبر حيوية لتحقيق الكثير من الأمور: إعادة إعمار غزة، وإجراء الانتخابات، وتحقيق السلام.
لقد جادلتُ في عدة مناسبات بأن أزمة غزة كانت من مظاهر الفشل السياسي. ولكي نتجنب تكرارها فإننا بحاجة إلى عملية سياسية: عملية قوية. وقد أوضحت جامعة الدول العربية في رسالتها التي وجهتها في شهر ديسمبر (كانون الأول) للرئيس المنتخب آنذاك أوباما بأنها جادة في عرضها المميز لتحقيق السلام المتمثل بمبادرة السلام العربية: قيام دولة فلسطينية مقابل تطبيع الدول العربية لعلاقاتها مع إسرائيل. وهو حل حقيقي يضم 23 دولة.
لكن كل من لديه شك بأن السلام في الشرق الأوسط يتطلب مشاركة كاملة ومكثفة من المجتمع الدولي ما عليه سوى مشاهدة شوارع غزة اليوم. ولكي تكون المشاركة الدولية كاملة ومكثفة فإنها تتطلب مشاركة فورية من الرئيس الأمريكي الجديد وإدارته. وسيكون لهذا الموضوع الأولوية في محادثاتي المبكرة مع وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون وغيرها في إدارة الرئيس أوباما.
التحدي هو ضمان منع أزمة غزة أن تصبح بمثابة أحد المعالم الكئيبة في صراع لا نهاية له. وبينما نساعد أهالي غزة في لملمة جراحهم وإعادة تأسيس حياتهم، علينا إيجاد السبيل لضمان ألا يتعرض أهالي غزة للمعاناة مرة أخرى. هذا يعني البرهنة على إحراز تقدم جدي تجاه قيام دولة فلسطينية قوية وفاعلة وقادرة على البقاء إلى جانب حدوث تحسن بأمن إسرائيل.
سوف يسأل الفلسطينيون والإسرائيليون أنفسهم اليوم ما إذا كان قدَرُهم هو الصراع المستمر بينهم. والتحدي الذي نواجهه خلال عام 2009 هو كسر هذه الدائرة واتخاذ خطوات شجاعة وعازمة تجاه تحقيق السلام الشامل.

انقلاب عربي يصعب تصديقه


انقلاب عربي يصعب تصديقه
عبد الباري عطوان
ما حدث في قمة الكويت الاقتصادية من مصالحات بين اطراف متنافرة، بل ومتصادمة، جاء مفاجئاً للكثيرين، فحروب القمم العربية، التي اشتعل اوارها طيلة الايام القليلة الماضية، وما شهدته المنطقة من مقاطعات واستقطابات واصطفافات رسخ انطباعا بأن الشروخ التي اصابت الجسم الرسمي العربي باتت اصعب من ان يتم التئامها، وأنها بصدد الاتساع.
فمن كان يصدق منظر العاهل السعودي الملك عبد الله بن عبد العزيز وهو يسير متشابك الأيدي مع الرئيس السوري بشار الأسد، ومن كان يتوقع ان يرى امير قطر الشيخ حمد بن خليفة يجلس جنباً الى جنب مع الرئيس المصري حسني مبارك بعد المعارك الاعلامية الطاحنة، يتبادلان الابتسامات والأحاديث الودية وكأن شيئاً لم يحدث؟
مشهد صعب هضمه، ناهيك عن تفسيره، يعكس لوغاريتمات السياسة العربية، والطبيعة الغريبة، واحيانا غير المنطقية، لمواقف اقطاب النظام الرسمي العربي، وطريقة تفكيرهم، ومواصفات خلافاتهم او تحالفاتهم، الامر الذي يدفعنا الى طرح العديد من الاسئلة حول اسباب هذا الانقلاب المفاجئ، ومدى جديته، وما يمكن ان يترتب عليه من خطوات عملية في اتجاهات عديدة، وعلى الصعد كافة.
هل هي دماء أطفال غزة التي حققت هذه المعجزة، ام انها العربدة الاسرائيلية التي فاقت كل التصورات في تغولها ووحشيتها، ام هو الصمت الامريكي والغربي، ام هو الهوان العربي، ام انها جميع العوامل هذه مجتمعة حتمت هذا التحول؟
لا نستطيع ان نغرق كثيراً في التفاؤل، لأن خيباتنا من النظام الرسمي العربي ورموزه لا تعد ولا تحصى، فقد شبعنا من الخطابات الرنانة، والكلمات النارية، وعبارات 'العين بالعين، والسن بالسن' وتكرار الجمل الخالدة مثل 'ما أخذ بالقوة لا يسترد بغيرها'، دون ان نرى غير اعتداءات اسرائيلية مهينة ومتواصلة، وقادة عرب يديرون الخد الأيسر لمن يصفع خدهم الأيمن.
هل ما حدث أمر جدي فعلاً، ومؤشر على بداية مرحلة جديدة من العمل العربي المشترك تضع حداً لمسلسل الاهانات الاسرائيلية، والازدراء الامريكي، والاحتقار العالمي لكل ما هو عربي؟ اما انه حدث طارئ لامتصاص حالة غضب شعبي عبّرت عن نفسها بقوة في شوارع المدن والعواصم العربية والاسلامية؟

خطاب العاهل السعودي كان نقطة التحول الرئيسية خلف كل التداعيات التي اطلت برأسها في قمة الكويت، وانعكست في المصالحات التاريخية، في توقيت عربي وعالمي حساس، حيث يقف العالم بأسره امام مرحلة جديدة ومختلفة تنبئ بالكثير من التغييرات، الامر الذي قد يوحي بان المملكة العربية استعادت زمام المبادرة الذي فقدته طوال سنوات التيه السابقة ومنذ مطلع هذا القرن على وجه التحديد، مما قزّم دورها، وصنّفها في خنادق تتناقض مع تطلعات شعبها.
هناك مجموعة من النقاط يمكن استخلاصها من القراءة السريعة لبعض الوقائع التي تبلورت على المسرح العربي، والقمم العربية الاخيرة، والكويتية منها على وجه الخصوص:
اولا: ادرك النظام الرسمي العربي انه يقف امام تحد اسرائيلي شرس ينسف كل الآمال بجدوى التعامل السياسي السلمي معه، مما يعني ان الاستمرار في استجداء السلام بدأ يعطي نتائج عكسية تماما.
ثانيا: اكدت الاتفاقات الامنية الامريكية ـ الاسرائيلية لمراقبة الحدود المصرية مع قطاع غزة لمنع تهريب الاسلحة، ودون دعوة القيادة المصرية او حتى التشاور معها، ان العلاقة الامريكية مع دول محور الاعتدال العربي، ليست علاقة تحالفية وانما 'خدمية' حيث ترى واشنطن العرب كمجموعة من التابعين باتت وظيفتهم محصورة في خدمة حروبها، وحماية اسرائيل. والشيء نفسه يقال ايضا عن تجاهل اسرائيل للمبادرة المصرية لوقف اطلاق النار، وانهاء الحرب من طرف واحد ودون التشاور مع الوسيط المصري.
ثالثا: نجح الرأي العام العربي المغيّب في فرض نفسه على النظام الرسمي العربي، من خلال مظاهراته الاحتجاجية الصاخبة والمستمرة، الامر الذي اعطى ثماره في اجبار الانظمة على وقف نظرتها الازدرائية غير المبالية للشارع العربي.
رابعا: صمود اهل قطاع غزة الاسطوري لأكثر من ثلاثة اسابيع في وجه العدوان الاسرائيلي، ودون اي دعم رسمي عربي، عسكري او سياسي، وفشل كل الرهانات على رضوخهم للابتزاز الارهابي الاسرائيلي والانقلاب على المقاومة وفصائلها وثقافتها.
خامسا: تعاظم المعارضة لحال الخنوع العربي الراهنة، واقدام دول على خطوات عملية للمرة الاولى لتبرئة نفسها من تهم التواطؤ مع الاحتلال، وتبلور حالة من الفرز في اوساط الانظمة، بين من يريد ان يفعل شيئا عمليا كرد على الاذلال الاسرائيلي ـ الامريكي، ومن يتحلى بفضيلة الصمت، واعطاء اسرائيل فرصة لانهاء المقاومة. ورأينا قطع علاقات مع اسرائيل، ومطالبة قوية بسحب مبادرة السلام العربية، والتلويح بخطوات اخرى قادمة.
سادسا: مساء اليوم تنتهي فترة حكم اكثر الزعماء الامريكيين كراهية للعرب والمسلمين، وصداقة وتأييدا للاسرائيليين ومشاريعهم وحروبهم ضد العرب والفلسطينيين خاصة، وتبدأ فترة ادارة جديدة تعد بالتغيير، وتقليص الاعتماد على العرب ونفطهم، وفرض احترام قيم حقوق الانسان والديمقراطية، الامر الذي يفرض على النظام العربي، او رموزه الاساسية اعادة ترتيب اوضاعها، والتخلي عن بعض جوانب غطرستها وجنوحها، ومحاولة اصلاح الجسور مع انظمة اخرى اختلفت معها، وعادتها لاسباب شخصية محضة، وليست استراتيجية.
سابعا: لعب الاعلام العربي، والشريف منه على وجه الخصوص، دورا فاعلا في تعرية المتواطئين مع العدوان، والمتدثرين بعجز مفتعل عن مواجهته لاسباب غير وجيهة، علاوة على كونها غير مقنعة، سواء من خلال ابراز الوحشية الاسرائيلية في قطاع غزة، ومظاهر الصمود الاعجازية للثكالى والاطفال المقطعة اوصالهم، او الاطباء الذين يعملون ببطولة لانقاذ المصابين، او تحريض الشارع العربي ضد الانظمة، وتعبئته خلف عملية التغيير على مستوى القمة.

لعلها 'صحوة'، او بوادر حراك في اتجاه صحيح، وفق بوصلة جديدة، ترتكز قاعدتها على معجزة مساحتها مئة وخمسون ميلا مربعا اسمها قطاع غزة، تضم شعبا من الجبارين فعلا، قد تكون حلما كاذبا يدفعنا الى التريث والحذر لاننا لدغنا كشعوب في مرات سابقة، وانخدعنا بخطابات نارية مماثلة، وقد تكون 'انتفاضة' حقيقية وجدية تؤشر لمرحلة جديدة.
نفضل التريث قليلا، وانتظار الايام المقبلة، حيث سيهدأ غبار قمة الكويت، ويعود الزعماء العرب الى بطانتهم وقصورهم، بعدها سنرى الحقائق على الارض، واضحة للعيان، ونأمل ان تكون شكوكنا وحذرنا وعلامات استفهامنا في غير محلها.
ختاما نقول ان اي مصالحة عربية ـ عربية، او فلسطينية ـ فلسطينية لا تستند الى ارضية مقاومة المشروع الاسرائيلي هي مصالحة مغشوشة، ستصطدم حتما بالشارع العربي، ولن تنقذ النظام الرسمي العربي.

حماس توقف إطلاق النار وتمهل إسرائيل أسبوعا للانسحاب



عباس يطالب قمة شرم الشيخ بقوات دولية لحماية الفلسطينيين
غزة- قال أيمن طه المسؤول الكبير بحركة المقاومة الإسلامية الفلسطينية حماس لرويترز إن حماس أعلنت وقفا فوريا لإطلاق النار من جانب نشطائها والفصائل المتحالفة معها في قطاع غزة الأحد، مضيفا أن الحركة الإٍسلامية أمهلت إسرائيل أسبوعا لسحب قواتها من القطاع.

وكانت كتائب عز الدين القسام الذراع المسلح لحركة حماس قد أعلنت عن قصف بلدتين إسرائيليتين بأربعة صواريخ وتجمع وموقع عسكري بأربع قذائف هاون.

وقالت القسام في بيان لها تلقت يونايتد برس انترناشونال نسخة منه إنها قصفت مدينة المجدل الإسرائيلية بصاروخي قسام محلي الصنع، ومدينة كريات غات بصاروخي غراد.

وذكرت أنها قصفت في وقت سابق تجمع العين الثالثة وموقع الإرسال العسكري المحاذيين لجنوب قطاع غزة بخمسة قذائف هاون.

واعتبرت أن ذلك في إطار معركة الفرقان التي تخوضها تصدياً للحرب التي يشنها العدو الصهيوني ضد قطاع غزة الأبية الصامده ورداً على المجازر المتواصلة.

وكانت إسرائيل أعلنت وقف إطلاق نار من جانب واحد بدأ عند الثانية فجر الاحد دون أن يوقف ذلك إطلاق النار من القوات الإسرائيلية التي قتلت شاب فلسطيني وطفلة وأصابت آخرين خلال محاولتهم تفقد منازلهم جنوب وشمال القطاع، ودون أن يوقف استمرار إطلاق الصواريخ أيضاً تجاه البلدات الإسرائيلية.

وفي غضون ذلك قال أحد المسئولين في السلطة الوطنية الفلسطينية بأن الرئيس محمود عباس سيطالب الأحد بقوات دولية لحماية الشعب الفلسطيني وحسب القيادي في السلطة نبيل عمرو سيصر عباس على هذا الطلب على هامش مشاركته في قمة شرم الشيخ 

علمه عند أولمرت


علمه عند أولمرت
عزت القمحاوى



الإجرام فاق كل التوقعات. بعد أن تأكدت إسرائيل أنها اللاعب الوحيد في مجتمع دولي صامت، ونظام عربي متداع، بلبه ولبابه. واللب لم يكن يوماً معطوباً بهذا القدر، وجاءت هذه المحنة لتقشر وتكشف عن لونه ورائحته.
منذ ولدت القضية الفلسطينية صار التغيير في مصر مرتبطاً بنتائج المواجهة مع العصابة الصهيونية.
لكنها المرة الثانية بعد النكبة التي تتشابك فيها خطوط الإحباط على الجبهة الفلسطينية مع الإحباط الداخلي، في مجتمع يشبه مجتمع عشية النكبة (مجتمع النصف في المئة).
بدا الربط واضحاً لدى كثير من المعلقين كتابة وشفاهة، من خلال مقارنتين أساسيتين، أولاهما مقارنة عدد شهداء 'الحرب' على غزة بعدد شهداء العباّرة 'السلام' التي راح ضحيتها 1030 مصرياً. أما الثانية فتتعلق بمقارنة مساحة غزة بمساحة الأرض التي أهدتها الدولة لأقل من عشرة أفراد أبرزهم هشام طلعت مصطفى، المحبوس بتهمة قتل سوزان تميم.
والمقارنتان الموجعتان تردان في سياقات مختلفة، في إطار الجدل حول مسؤولية حماس، أو الجدل حول الفساد الذي صار أقسى من الاحتلال، لتنتهي المناقشة في صالح المقاومة، حيث بالإمكان تحمل مثل هذه الخسائر في حرب وطنية، مادام العدد نفسه يروح عبثاً من دون حرب.
المقارنتان تؤكدان على وعي الغاضبين بحقيقة تشابك الفساد الداخلي مع الهزيمة الخارجية وتقلص خيارات الدولة المصرية على الجبهة القومية.
وعلى الرغم من أن مسيرة تقليص العدالة في المجتمع المصري قد بدأت في منتصف السبعينيات، إلا أن الحجم المحدود للمشروعات التي ولدت على أيدي الانفتاحيين الأوائل ومستويات الفساد في ذلك الوقت، وكفاءة الأداء في جهاز الدولة وحجم الخدمات التي تقدمها للأغلبية، كل هذا لم يصل بالمجتمع المصري إلى الانقسام الحاد الذي تجسد في الثماني سنوات الأخيرة، من بداية الألفية الثالثة.
كانت أشهر محاكمات ما بعد عصر السادات، هي محاكمة شقيقه عصمت بتهمة الإتجار في الحشيش. وهي تهمة تثير الشفقة اليوم، لأن تجارة الحشيش عمل شاق، ويتضمن الكثير من الهدر، بما يصل بالربح إلى ما فوق ربح البقالة بقليل، بينما استقرت في السنوات الأخيرة عادة منح آلاف الأفدنة لشخص واحد، تترجم إلى مليارات في يديه فوراً. وعندما يتهم في جريمة قتل، يقال إنها محاولة لتدمير 'إمبراطورية اقتصادية'.. متى بنيت هذه الامبراطورية وكيف، لا أحد يعلم!
هذا التوزيع المجاني للثروة جرى من قبل في بدايات القرن الثامن عشر على يدي محمد علي، لكن ضمن فلسفة بناء دولة، فأقطع شيوخ قبائل البدو لتوطينهم وعائلات الريف مساحات من الأرض الزراعية المستصلحة لضمان ولائهم.
أي كانت هناك استراتيجية لبناء تماسك الدولة، وزيادة الإنتاج الزراعي، وقد شكلت هذه العائلات فيما بعد القوة الاقتصادية لبرجوازية مصرية، رفعت مشروع طلعت حرب الاقتصادي في مواجهة استغلال البنوك الأجنبية والأرستقراطية التركية، بينما تركزت منح هذا العصر على أراضي البناء.
وقد حولت هذه المنح المجانية بضعة شباب أو رجال عاديين، بلا مواهب خارقة أو ماض اقتصادي إلى مليارديريين في لمح البصر. ولم تؤد فقط إلى حالة الاحتقان والإحباط لدى ملايين العاطلين، بل إن هذه الثروة التي هبطت دون فطنة أو خيال خاص، بقيت كما هي عديمة الخيال، محصورة في الاستثمار العقاري الفاخر، لا تزرع أو تحصد أو تساهم في صناعة، ولو فانوس رمضان الذي تستورده مصر من الصين!
ثروات فجة، لم تساهم في توفير فرص عمل متنوعة، ولم تعمق فقط الانفصال بين بناتها وبقية الشعب فقط، بل عمقت الانفصال الاجتماعي، بين أغلبية تسكن المدن الرثة، وقلة تسكن معازل مسورة في تجمعات ترابض على حدود العاصمة والمدن الكبرى، مثل ثكنات جيش يستعد للاقتحام!
تزامن التسارع في بناء ثكنات الغزاة مع تدهور آلة الدولة، التي اختار رموزها سكن المنتجعات بدلاً من الحفاظ على كفاءة النقل والمرور وسائر الخدمات بالعاصمة.
نادت المنتجعات سكانها من المسؤولين وكبار الصحافيين الذين تلقوا بيوتهم في شكل هبات أحياناً، بالإضافة إلى عدد من المستخدمين لدى النصف بالمئة المتحكم، مع بعض التكنوقراط ممن أفنوا أعمارهم في بلاد عربية، ويسمعون عن توحش الفقر والعنف والتلوث بالمدن، ويبحثون عن مختتم هادئ لحياتهم يستحقونه، أو عن إقامة مريحة للأسرة في غيابهم.
هذا الانفصال العمراني، جعل عزلة مجتمع 'النصف في المائة' مضاعفة إذا ما قيست بعزلة الطبقة نفسها إبان النكبة، حيث كانت أحياء الأغنياء (الزمالك وجاردن سيتي والمعادي) امتداداً طبيعياً لفضاء المدينة، تستطيع الطبقات الأخرى التنزه فيها بحرية.
كما كانت ثروة الطبقة الأرستقراطية قبل الثروة معتقة، بنيت على مدى أكثر من جيل من الأسرة الواحدة ونسيت مصادرها الفاسدة، مما يقلل الإحساس بالظلم، بعكس ثروات اليوم الواحد، حيث يتخرج شابان في ذات الكلية، وينامان ذات ليلة ليستيقظ أحدهما مليارديراً والآخر أجيراً لا يجد قوت يومه!
واليوم يتغذى سخط الانفـــصال التام في مصر من الموت الزؤام في غزة، فما أسوأ اليوم عن البارحة، لأن الحرب لم تكن متلفزة كما هي اليوم، وهذه الجموع التي تبكي على غزة بعين وعلى مصر بالأخرى، إلى متى ستلتزم بأدب البكاء؟ الجواب بيد أولمرت.

مفتي مصر يطالب بإخراج زكاة النفط لغزة كجهاد دفع



لندن ـ القدس العربي ـ من احمد المصري ـ طالب مفتي مصر، الدكتور علي جمعة، الدول العربية والإسلامية المنتجة للنفط بإخراج زكاة نفطهم باعتبارها "فرضا" لقطاع غزة، وتدخل في باب "جهاد الدفع" لمساعدة المسلمين في أرض المعركة على الصمود أمام العدو.

وقال في بيان له السبت: "إنه يجب إخراج أموال زكاة الركاز (النفط) للمحاصرين والمشردين من إخواننا الفلسطينيين، وعدم تعطيل أحد أركان الإسلام وأهم مصادر الزكاة التي ستسهم وبشكل مؤثر وكبير في إعادة إعمار ما دمره العدوان الغاشم على غزة".

ودعا جمعة "جموع المسلمين إلى إخراج زكاة أموالهم إلى المنكوبين من ضحايا العدوان الإسرائيلي الغاشم على قطاع غزة".

وأردف قائلا: إن أبناء الأرض المحتلة الآن لهم أولوية في استحقاق أموال زكاة المسلمين نظرًا لشدة ظروفهم وحاجتهم المؤكدة إلى الغوث، لا سيما في قِطاع غزة.

رجال غزة لا يريدون فتاتكم


رجال غزة لا يريدون فتاتكم 
عبد الباري عطوان
لا نعرف كم من الاطفال والنساء تحتاج اسرائيل الى قتلهم وتمزيق اجسادهم بقذائف دباباتها وصواريخ طائراتها حتى تروي ظمأها، وتوقف عدوانها الوحشي الحالي على قطاع غزة. فيبدو ان تجاوز رقم الضحايا حاجز الألف شهيد، وخمسة آلاف جريح ليس كافيا، فهناك تعطش للمزيد.
ولا نعرف ايضا كم سيحتاج الزعماء العرب من الوقت حتى يتحركوا من اجل انقاذ كرامتهم، او ما تبقى منها، هذا اذا تبقى شيء، قبل الاستجابة لنداءات الثكالى، وأنين الجرحى، وصراخ الاطفال المرعوبين من القصف الاسرائيلي المتواصل.. ثلاثون يوما، اربعون يوما، ام عدة اشهر؟
عشرون يوما، والحكومة المصرية تتفاوض مع نظيرتها الاسرائيلية على مبادرة مهينة، تحقق للمعتدي كل ما يتطلع اليه من اهداف، ومع ذلك يتدلل، ويطلب المزيد من التنازلات والدماء.
كنا نتطلع الى قمة عربية حاسمة، تعكس تحركا عربيا رسميا يوظّف إمكانات هذه الامة، وهي كثيرة ومؤثرة، لوقف هذا العدوان، فانتهينا بثلاث قمم، هبطت علينا دفعة واحدة، اولها خليجية انعقدت فعلا في الرياض امس، والثانية طارئة بايعاز من معسكر دول الممانعة، جرى اجهاضها بشكل مؤسف، وكان من المقرر ان تبدأ اعمالها اليوم، وثالثة قادمة ستكون الكويت مسرحها يوم الاثنين المقبل.
دول ليست لها علاقة بالعروبة، ولا تنتمي الى العقيدة الاسلامية انتصرت لاستغاثات الضحايا في قطاع غزة، وبادرت الى قطع علاقاتها فورا مع الدولة العبرية (فنزويلا وبوليفيا)، بينما ما زالت الاعلام الاسرائيلية ترفرف، في استفزاز غير مسبوق، في اكثر من عاصمة عربية.
من يريد ان يتحرك لا يحتاج الى انعقاد قمم عربية، عادية او طارئة، فقط يبادر باتخاذ خطوات عملية، كل قدر امكانياته، حتى يترجم اقواله الى افعال، ويبرئ نفسه، امام الله ومواطنيه، من تهمة التواطؤ مع هذه المجازر التي نتابع تفاصيلها الدقيقة، ساعة بساعة، عبر شاشات التلفزة.
اعتقدنا ان ضخامة الفجيعة في غزة ستكون عامل توحيد للعرب والمسلمين، وكم كنا متفائلين سذج، فقد استخدمها البعض بطريقة بشعة لتعزيز هذا المحور في مواجهة ذاك، او العكس تماما، الامر الذي شجع اسرائيل وآلتها الدموية الجبارة على مواصلة عمليات التصفية والتطهير العرقي دون رادع.

السيدة تسيبي ليفني وزيرة خارجية اسرائيل قالت انها تخوض هذه الحرب نيابة عن معسكر المعتدلين العرب، ولخدمة اهدافهم في التخلص من 'ارهاب' حركة 'حماس' والفصائل الاخرى، ويبدو انها اصابت في اقوالها هذه، لان هذا المعسكر هو الذي يعرقل اي تحرك عربي فاعل، ويقوم بعضه بدور الوسيط المنحاز ضد بني قومه.
اهالي قطاع غزة الصامدون لا يريدون اكفانا يرسلها اليهم اشقاؤهم في عواصمهم المترفة، ولا خبزا، او حفنة ادوية، وانما الاسلحة، والمواقف العملية الرجولية، فماذا سيفعل هؤلاء بالخبز وهم يواجهون الموت في اي لحظة، ويهيم اطفالهم وسط انقاض البيوت المدمرة يبحثون عن امهاتهم بين ركامها ؟ .
الحكام العرب يفضلون شد الرحال الى قمة الكويت الاقتصادية، للاتفاق حول كيفية استثمار اموالهم وفوائضهم بشكل اكثر ربحية، وتنسيق المواقف لضمان اسعار افضل لنفوطهم، اما دماء اطفال غزة فتحتل مرتبة متدنية على جدول اولوياتهم، هذه هي الحقيقة المخجلة التي يبتعد الكثيرون عن ذكرها.
العالم الغربي الذي يدعم اسرائيل، ويوفر الغطاء الشرعي لعدوانها المتواصل، لا يفهم الا لغة المصالح. ومصالحه تنحصر في امرين اساسيين هما أمنه وجيبه، ومن المؤسف انه لا يوجد اي تحرك عربي او اسلامي، يهدد أيا منهما، لا من دول الممانعة ولا من دول الاعتدال، فقد تساوى الجميع في حالة العجز المزرية التي نراها حاليا بأم اعيننا.

السيد احمدي نجاد رئيس الجمهورية الاسلامية الايرانية ينتقد عجز الزعماء العرب المعتدلين، مثلنا تماما ككتاب ومعلقين، ولكننا لا نملك غواصات وصواريخ وحرسا ثوريا مثله، ولا نستطيع اغلاق مضيق هرمز في وجه الملاحة الدولية، فلماذا لا يفعل السيد نجاد وحلفاؤه شيئاً عملياً لتخفيف العدوان على أهل غزة؟ نستجديهم ان يقدموا على أي خطوات عملية، تثبت لنا انهم مختلفون عن الحكام العرب الآخرين المتواطئين مع العدوان الاسرائيلي.
ندرك جيداً انهم مستهدفون، وان العدوان على غزة هو مقدمة لعدوان قادم عليهم، ولا نريدهم ان يقعوا في مصيدة الاستفزاز الاسرائيلي، ولكن لا بد ان هناك اوراقاً في ايديهم يمكن استخدامها بفاعلية لاظهار تميزهم، وتأكيد مشاعرهم الوطنية الطيبة في دعم المقاومة وفصائلها المتعددة في هذه الحرب المصيرية.
من حقنا ان نسأل العاهل السعودي الملك عبد الله بن عبد العزيز ما اذا كان يشاهد اشلاء اجساد الأطفال في قطاع غزة مثلنا عبر شاشات التلفزة، واذا كان يشاهدها فماذا ينتظر، وهو خادم الحرمين الشريفين، والحليف الأوثق للولايات المتحدة والغرب، وصاحب مبادرة السلام العربية، وحوار الأديان؟
نوجه السؤال نفسه الى الرئيس المصري حسني مبارك الذي نعتقد انه على قناعة تامة بأن دور الوسيط الذي يمارسه حالياً هو افضل ما في جعبته، ونسي وهو قائد سلاح الطيران اثناء حرب اكتوبر المجيدة، ان دور مصر هو اشرف وأكبر من ذلك بكثير، ولكن يبدو انه لا يريد احدا ان يذكره بأبسط واجباته كعربي ومسلم، بل وكإنسان، فقد سدّ اذنيه واغمض عينيه عن كل هذه المناظر والصور التي تزعج حياته، وتنغّص عليه استمتاعه بها فيما تبقى له من سنوات العمر.

اما السلطة الوطنية في رام الله فقد باتت تتصرف وكأنها احد كانتونات النظام العنصري السابق في جنوب افريقيا، تراقب الامور من بعيد، وتكتفي بارسال المعونات الغذائية والطبية الى القطاع، ومساندة المبادرة المصرية لوقف الحرب. سلطة لم تمارس اي نوع من الضغط على اصدقائها في اسرائيل، بل على العكس من ذلك سهلت مهمة عدوانهم بقمعها للمظاهرات الاحتجاجية في مدن الضفة الغربية.
يتحدثون في رام الله عن معارضتهم لفصل الضفة عن القطاع، ويؤكدون انهم لن يعودوا الى غزة على ظهور الدبابات الاسرائيلية، فليثبتوا هذا عملياً، وليقدموا على خطوات فعلية تؤكد نواياهم، وليكونوا القدوة الصالحة للعرب الآخرين، من حيث حل هذه السلطة واعلان موت العملية السلمية التي يراهنون عليها، والعودة الى خيار المقاومة.
قطاع غزة وقع تحت الاحتلال الاسرائيلي مرتين، وهذه هي المحاولة الثالثة، وقدم الآلاف من الضحايا والشهداء، وخرج في كل مرة قوياً، منتصراً وعنيداً في تمسكه بالمقاومة وثوابته الوطنية، ومن المفارقة ان 'حماس' لم تكن موجودة في المرتين الأوليين، وانما الادارة المصرية التي آمنت بوحدة المصير، ورفضت الرضوخ للمشروع الاستعماري الاسرائيلي الغربي، واختارت الانحياز للشهامة والكرامة والقيم العربية والاسلامية العريقة.
الاجيال الفلسطينية المقبلة التي ستنهض من ركام هذا الدمار قطعاً ستكون مختلفة، وقد لا تقبل بما يقبل به الجيل الحالي، وتسعى للانتقام من كل الذين خذلوا آباءها، وتواطأوا مع العدوان، وتتعامل مع هؤلاء تماماً مثلما ستتعامل مع المعتدين، ان لم يكن اكثر. وعلينا ان نتذكر حلم وأمنية اسحق رابين بان يصحو يوما من النوم ليجد غزة وقدغرقت في البحر واختفت كلياً.

زمن يحيى عياش والسفير المصري الذي شارك في أربع حروب!


زمن يحيى عياش والسفير المصري الذي شارك في أربع حروب! 
زهرة مرعي
عندما يهرب المشاهد للشاشات في هذه الأيام من صور الفظاعات أو الهولوكست الذي يرتكبه الصهاينة يومياً بحق سكان غزة الأبطال، عليه أن يلتقي مع مسلسل 'عياش' على قناة 'المنار'، ليرى في البطل يحيى عياش مثالاً لما يفكر به الفلسطيني المقاوم. فقد جاء عرض مسلسل 'عياش' في زمنه الصحيح مئة بالمئة لأننا حقيقة في زمن 'عياش' وما أكثر 'العياشين' في فلسطين.
البطل يحيى عياش معروف كمقاوم أقلق وقض مضاجع الإسرائيليين لسنوات إلى أن تمكنوا من إغتياله عبر تفخيخ هاتفه النقال بالتعاون مع أحد عملائهم من الفلسطينيين. فيحيى عياش كان مهندس العبوات المفخخة التي أودت بالكثير من الصهاينة دون أن يتمكنوا من إعتقاله، ودون أن يتمكنوا من تفكيك الغاز تحضير تلك العبوات بمواد بدائية. 
في'عياش' الذي أخرجه باسل الخطيب وكتبته ديانا جبور يكون المشاهد على تماس مع الحياة الفلسطينية اليومية التي يجب أن تسلك وتسير تبعاً لحياة كل الناس من طعام وشراب وتعلُم وزواج وإنجاب، لكن كل ذلك محكوم بالمفاعيل التي يُحتمها الإحتلال على هؤلاء البشر. فالمسلسل يُظهر لنا الحياة اليومية للبشر العاديين، وللشبان المنخرطين بالمقاومة ضد الإحتلال، لكنه في الوقت نفسه يظهر العائلات بأنها على قدر كبير من القناعة بحياة المقاومة التي يؤديها أبناؤهم كواجب وطني. يقدم المشاعر على حقيقتها. فالأم التي تدرك في سرها وجود إبنها في المقاومة لا تتعالى على هواجسها وخوفها بل تظهرها إنما بتماسك وتسليم لمشيئة الخالق. كذلك هنّ الزوجات والحبيبات. فالحبيبة التي تنتظر حبيبها المعتقل تصف حالها بـ 'إشي زي الإيمان... إشي زي الوفاء'.
مسلسل 'عياش' يدخل إلى التفاصيل الإنسانية في حياة الإنسان الفلسطيني. فيحيى عياش عندما يقرر الزواج بإصرار من والديه، يُخضع من وقع إختياره عليها لإمتحان في الوطنية وقدرتها على الصمود والمقاومة. وعروس المستقبل تنجح في الإمتحان بقولها' قد ما كبرت همومك إلك مرا بتنتظرك وبتشيل الهم عن قلبك'.
يحيى عياش يناقش مع رفاقه مسألة المتعاملين مع العدو من الفلسطنيين لكنه يرفض قتلهم إلا مع وجود البرهان والدليل وليس الإستنتاج، لكنه للأسف يُستشهد لاحقاً نتيجة وشاية عميل من أبناء جلدته.
المقاومون في فلسطين يخوضون مقاومتهم إنطلاقاً من حب الحياة حيث يقول يحيى عياش: 'نحنا منحب الحياة ونحنا أصحاب حق'. كما ويردد مقاوم آخر بأن الصهيوني بن غوريون قال بعد إحتلال فلسطين: 'بعد 10 سنوات ما حدا راح يتذكر وين كانت فلسطين'. لكن الحاضر وبعد 60 سنة يقول بأن فلسطين صارت أكثر قرباً مما مضى.
في مسلسل 'عياش' الذي يؤدي دوره الممثل السوري سامر المصري يشعر المتابع للتفاصيل بأنه وجهاً لوجه أمام الواقع. فالممثلون ملتصقون بأدوارهم متماهون معها بعمق وكأنها تحولت إلى جزء من نسيجهم. والنص فيه الكثير من الإنسانية الحقيقية غير المبالغ فيها. وهو جدير جداً بالمشاهدة خاصة في مثل هذه المرحلة من تاريخنا العربي. 

محمود عباس يرفض التقدم بشكوى ضد إسرائيل!

عندما كنا نتابع على قناة 'الجزيرة' في مساءٍ من هذا الأسبوع الجديد الدامي في فلسطين، محامياً عربياً نروجياً يناشد محمود عباس على الهواء التقدم بشكوى ضد إسرائيل إلى محكمة الجنايات الدولية، وجدنا الرجل وكأنه سيسعى بعد قليل لتقبيل رجلي من يسمى برئيس السلطة الفلسطينية ليفعل ذلك من أجل مقاضاة من قتل شعبه بالآلاف. لكن على ما يبدو محمود عباس غائب عن السمع، لأن الرجل قال أننا توجهنا إليه بعشرات الرسائل ولا من يسمع، والآن نناشده عبر قناة الجزيرة ليفعل ذلك لأن جيشاً من المحامين الأوروبيين ينتظرون ذلك ليكونوا في خط الدفاع ضد الجاني ودون بدل.
نحن بدورنا نسأل محمود عباس لماذا لا يفعل؟ مِن مَن هو خائف؟ ونقول له إنه إن لم يفعل سيكون واحداً من المتآمرين على شعبه. فهل من الطبيعي أن ينتظر محامون من النروج من فلسطيني مسؤول أن يشعر بمآسي شعبه ويتقدم بشكوى لمقاضاة الفاعل؟ ألم يشاهد محمود عباس صور الأطفال بالعشرات وهم شهداء؟ هل أصبح المواطنون الأوروبيون أكثر حرصاً على دمائنا نحن العرب من محمود عباس؟ للأسف هذا ما يبدو جلياً حتى الآن. فمحمود عباس إختار أن يكون من ضمن ما يسمّى معسكر الإعتدال، والذي نراه معسكر الإستسلام المجاني. فمبروك عليه إن قُدر له أن يبقى موجوداً في مكانه. وشعب فلسطين المظلوم ليس له سوى المحامين النروجيين يأخذون حقه ويقاضون الجناة والنازيين الجدد على أفعالهم. وهم كما علمنا خرقوا حتى الآن 172 مادة من مواد القانون الدولي الإنساني.

كرسي الموسوي فارغ بحضور البسيوني

كانت غزة هي قضية برنامج 'كلام الناس' من قناة الـ 'أل بي سي' في الأسبوع الماضي. وكان مسؤول العلاقات الخارجية في حزب الله نواف الموسوي هو ضيف الإستوديو بوجود ضيوف آخرين عبر (اللينك) من الخارج. وكان الموسوي لا ينفك يردد الدعوة لفتح معبر رفح للمساعدات الطبية ليس إلا. وعندما حضر على الشاشة السفير المصري الأول في الكيان الصهيوني محمد البسيوني أطلت الكاميرا على كرسي الموسوي فكان خالياً. فهو كما قال لا يجلس في دائرة واحدة مع من كان سفيراً في الكيان الصهيوني. أما البسيوني فراح يتذكر مشاركاته في الحروب التي خاضتها مصر ضد الكيان الصهيوني قائلاً: 'اللي قدامك حارب في أربع حروب الـ 56 الـ 67 الـ 73 وحرب الإستنزاف. أياميها كان اللي إنسحب بيلعب'.
وراح البسيوني في سرد لبطولاته وبطولات حكومته مستنكراً الدعوة لفتح معبر رفح بالقول: 'إش معنى رفح؟ ما في ست معابر أخرى لتتم المطالبة بفتحها؟' فهل سنتظاهر نحن العرب يا سيد بسيوني لنطلب من الجزار والقاتل والسفاح الصهيوني فتح المعابر التي يسيطر عليها؟ أم نطلب ذلك من الشقيق الأقرب والأكبر مصر؟
في كل الأحوال إنتهت وصلة البسيوني بتكذيب من محمد نزال الذي قال له بأن أحداً من مصر لم يتصل بنا لبحث تجديد التهدئة. وعاد الموسوي إلى كرسيه ليسأل عن الذي فعله السفير المصري في إسرائيل من أجل تحديد مصير مئات الجنود والمواطنين المصريين المفقودين في الحروب مع العدو؟ بسيوني كان غائباً ولو كان حاضراً لما تمكن من الدفاع عن نفسه لأنه كان في تل أبيب يرقص في المرابع مكتفياً بسيرته الذاتية ومقاتلته في أربع حروب، أما الحاضر فليس بالحسبان.

هل سينجح 'التمرد' ضد هيمنة النظامين المصري والسعودي على اليات العمل العربي؟




هل سينجح 'التمرد' ضد هيمنة النظامين المصري والسعودي على اليات العمل العربي؟ 
خالد الشامي
 كانت الضبابية مازالت تخيم امس على ما بدت وكأنها 'حرب قمم عربية' لاتقل في شراستها عن العدوان الاسرائيلي على غزة. وكانت الشكوك تتراكم حول اذا ما كانت اي من القمم ستنجح في اتخاذ القرارات القادرة على انقاذ اهل غزة من الثور الاسرائيلي الهائج. 
وبين قمة الكويت الاقتصادية المقررة الاثنين، وقمة الدوحة الطارئة من اجل غزة المقررة الجمعة، وقمة الرياض الخليجية الطارئة المخصصة لغزة المقررة اليوم، تزدهر بورصة التكهنات والتوقعات، ولسان الحال لدى البعض يقول: تعددت القمم والعجز العربي واحد. 
فهل قمة الرياض تهدف لمساعدة غزة حقا ام الى اجهاض قمة الدوحة؟ وما الجديد الذي ستقدمه لغزة هذه المرة، ولم تقدمه في اجتماعها الاخير؟ وهل ستنجح قمة الدوحة في حال انعقادها بمن حضر في اتخاذ قرارات عملية، ام انها ليست الا فرصة للانقلاب على هيمنة النظامين المصري والسعودي على آليات العمل العربي الرسمي؟ واين كل هذه القمم بينما كان اهل غزة يتعرضون للذبح طوال العشرين يوما الماضية؟ وهل سيؤدي جرح غزة الى تعميق الانقسام العربي بين محوري مصر ـ السعودية / قطر ـ سورية بدلا من ان تساعد في تقليصه؟ ام ان صراخ الضحايا في غزة ليس سوى دليل على المخاض الصعب الذي سيؤدي الى ولادة نظام عربي جديد، لايحتكره قادة ما يسمى بمحور الاعتدال؟
تبدو الاسئلة اكثر من الاجابات الا ان مجرد دعوة الدوحة للقمة الطارئة نجح دون شك في وضع ضغوط قوية على القاهرة والرياض اثمرت في الحالة الاولى عن تعديل الخطاب الرسمي المصري تجاه موقف حماس من مـــبادرة الرئيس مبارك بهدف التوصل الى وقف العدوان قبل يوم الجمعة مما سيؤدي عمليا الى افـــراغ قمة الدوحة من مغزاها، وفي الحالة الثـــانية اجبرت السعودية على الدعوة الى قمة 'استبــاقية' بهدف حرمان قطر من شرف السبق لعقد قمة من اجل غزة. 
انه صراع قديم/ جديد يتجاوز السياسة الى الاعلام ولا تقصه الابعاد الاقليمية، لكنه يبدو عند هذه النقطة يصل الى ذروة غير مسبوقة، قد لا يخرج النظام العربي منها بأي قدر من المصداقية على اي حال. 
ويرى مراقبون ان العدوان على غزة وما يصاحبه من تقلصات وحروب داخل النظام العربي تؤكد مجددا حاجته الى اعادة انتاج نفسه في مواجهة عالم واقليم متحولين. 
ويبدو ان الانظمة العربية التي تقود ما يمكن وصفه بتحدي هيمنة المحور المصري السعودي لا تقتصر على اولئك المحسوبين على ما يعرف بالمحور الايراني، بل تشمل زعامات شابة عديدة ترى ان الوقت حان لاعادة النظر في فاعلية عمل النظام العربي عبر تطويرميثاق الجامعة العربية الذي مازال يشـــترط الاجماع لاتخاذ القرارات، ناهيك عن افتقاره الى آليات لتنفيذ القرارات الضرورية للحفاظ على القدر الادنى من المصــداقية. وكان الامين العام للجامعة العربية عمرو موسى اقر ضمنيا بمدى 'الاهتراء والهوان' في العمل العربي، ما اعتبره البعض خطاب نعي للنظام العربي الرسمي التقليدي دون ان تتضح ملامح نظام جديد، ما يترك الجميع في حالة من الفراغ او الفوضى بين مرحلتين.
ولا شك ان قادة النظام العربي 'القديم' اصبحوا يشعرون بمدى التهديد الذي يواجهونه، ما دفعهم الى حملة دبلوماسية واسعة لمنع النصاب المطلوب لقمة الدوحة من الاكتمال، الا انهم لن يستطيعوا تفادي الضرر الذي سيلحق بهم، حتى اذا كان ما ستشهده الدوحة مجرد اجتماع بمن حضر وليس قمة رسمية برعاية الجامعة العربية. وسيرى كثيرون في الشارع العربي ان نظامي مصر والسعودية يتحملان مسؤولية تكريس الانقسام العربي، ناهيك عن التقاعس عن انجاز تحرك عربي ملموس لانقاذ غزة. 
وفي القاهرة التي اصبحت مركزا اساسياً للتحركات الدبلوماسية خلال الايام الماضية، بدا وزير الخارجية احمد ابو الغيظ مستاء من الدعوة لقمة الدوحة، معللا مقاطعة مصر بانها تهدف الى'حماية قمة الكويت'، كما انه لم يتورع عن تسمية الدول الرافضة للحضور في تجاوز للاعراف الدبلوماسية التي تقتضي ان تعلن تلك الدول مواقفها بنفسها.
الا ان مصدرا دبلوماسيا اكد ان الموقف من قمة الدوحة تمليه عوامل لا علاقة لها بقمة الكويت، وهي:
ـ ان القاهرة تعتبر ان قمة الدوحة ستنفذ جدول اعمال ايرانيا يقضي بالضغط على مصر بشأن معبر رفح وقطع العلاقات مع اسرائيل.
- ان القاهرة تشعر باستياء من اي دعوة لقمة عربية طارئة لا تتم بالتشاور معها باعتبار انها دولة المقر، وترى فيها محاولة لعزلها.
- ان القاهرة تحمل القيادة القطرية مسؤولية ما ترى انها حملة اعلامية قادتها قناة الجزيرة ضد الموقف المصري منذ بداية الازمة.
الا ان ما لا يتحدث عنه المسؤولون المصريون والسعويون هو انهم غاضبون مما يعتبرونه 'تغولا' من قطر على مجالات نفوذهم الطبيعية وخاصة في السودان، والصــــومال، ولبنان واليمن وغيرها. وهكذا يبدو ان غزة تدفع ثمن تراث ثقيل من التعقيدات والخلافات العربية العربية. وليس من الواقعي تصور امكانية تجاوزها بين ليلة وضحاها.
ولا يساعد كون سورية الرئيس الحالي للقمة العربية على حضور مصر والسعودية لاي اجتماع برئاستها. بل ان معلومات تسربت في القاهرة تشير الى ان التمثـــل المصري للقمة الاعتيـــادية التي ستستضيفها قطر في نهــاية شهر آذار (مارس) المقبل سيكون في ادنى مستوى ممكن، ما سيطرح اسئلة حول ان كان النظام العربي قابل للاصلاح اصلا في صيغته الحالية ام ان العرب يحتاجون مؤسسة حديثة قادرة على تأمين مصالحهم في القرن الواحد والعشرين.
وهكذا اصبح حضور القمم العربية من عدمه او مستوى التمثيل فيها سلاحا سياسيا في العلاقات العربية العربية. وتشير دعاية تلفزيونية انتجتها حكومة الكويت حول القمة المقررة الاثنين المقبل الى ان الاهمية الدعائية للقمم العربية ربما اصبحت تفوق ما دون سواها. اما ما يمكن ان تتمخض عنه القمم فسيبقى غالبا محل تندر وسخرية في العالم العربي حتى اشعار اخر.

تغوّل 'التواطؤ' العربي


تغوّل 'التواطؤ' العربي

عبد الباري عطوان
تشهد العواصم العربية هذه الايام حربا اكثر ضراوة من العدوان الاسرائيلي على قطاع غزة. هدف هذه الحرب هو كيفية منع انعقاد قمة عربية طارئة في مدينة الدوحة، يكون زمام المبادرة فيها لدول مثل سورية والسودان والجزائر وقطر واليمن.
فالمملكة العربية السعودية ومصر، قطبا هذه الحرب الرئيسيان، يريدان مسح سورية كليا من الخريطة السياسية، وإحكام العزلة العربية عليها، ولهذا مارستا ضغوطا شرسة، مرفقة بتهديدات مبطنة للأطراف القوية، واغراءات مالية علنية لمن هو بحاجة اليها، للحيلولة دون تحقيق النصاب الذي يسمح بانعقاد هذه القمة التي قررتا مقاطعتها مسبقا، تحت ذريعة تقويضها لقمة الكويت الاقتصادية التي جرى الاعداد لها جيدا على مدى عام كامل.
ست عشرة دولة عربية وافقت على انعقاد القمة الطارئة، ثم بدأت الضغوط تعطي ثمارها: انسحابات متتالية او على شكل مساومات تشترط ان تأتي القرارات 'مائعة' او 'غير ثورية'، مقابل المشاركة في القمة.
وهكذا فإن الهمّ الاساسي لقادة محور الاعتدال العربي لم يعد التصدي للعدوان الاسرائيلي، وايقاف المجازر في قطاع غزة، وانما التصدي لاي دول من المحور الآخر تريد ان تنتصر للضحايا، وتتماهى مع الشارع العربي ومطالبه الملحة في ضرورة التحرك واتخاذ اجراء ما للخروج من حال الهوان الرسمي المخجلة. اما ابناء قطاع غزة فليذهبوا الى الجحيم ولتحصدهم الصواريخ الاسرائيلية.
لنفترض ان المحور السعودي ـ المصري حقق الانتصار الكبير الذي يقاتل حاليا من اجله، اي افشال قمة الدوحة، فماذا هو فاعل بعد ذلك ، هل سنراه يأخذ زمام المبادرة ويدفع باتجاه خطوات عملية تظهر مدى جدية العرب في الدفاع عن كرامتهم المهدورة في قطاع غزة؟
قمة الكويت التي ستعقد يوم الاثنين المقبل هي قمة اقتصادية، ستخصص جزءا من وقتها لاجراء مشاورات بين الزعماء المشاركين فيها لبحث الاوضاع في قطاع غزة، وكيفية وقف اطلاق النار، والوصول الى صيغة جديدة تؤدي الى فتح المعابر، وانهاء الحصار المفروض على مليون ونصف المليون فلسطيني، جميعهم من العرب، نقولها للتذكير فقط.
المنطق يقول ان تبحث هذه القمة، طالما انها تصدرت، وبسبب ضغوط قمة الدوحة الموؤودة (حتى الان) لاتخاذ زمام المبادرة لانهاء الحرب الاسرائيلية على القطاع، كيفية استخدام الاقتصاد كورقة ضغط للوصول الى هذا الهدف، جنبا الى جنب مع اوراق سياسية اخرى.
بمعنى آخر، هل سيلوح الزعماء المشاركون فيها، والعاهل السعودي الملك عبدالله بن عبدالعزيز على وجه الخصوص، بسلاح النفط في وجه امريكا والدول الغربية الداعمة لهذا العدوان الاسرائيلي، والمعرقلة لتطبيق قرار مجلس الامن الدولي المطالب بوقف فوري لاطلاق النار؟ ام ان هؤلاء سيستخدمون ارصدتهم المالية الضخمة كورقة ضغط، من حيث رفض التجاوب مع طلبات الادارة الامريكية وحكومات اوروبية اخرى لانقاذ النظام الرأسمالي الغربي من حال الانهيار التي يعيشها حاليا؟

فإذا كان استخدام سلاح النفط غير وارد، مثلما اكد الامير سعود الفيصل وزير الخارجية السعودي في مؤتمر صحافي عقده في نيويورك قبل اسبوع، لان الشعب السعودي بحاجة الى عوائده المالية، فهل نرى قمة الكويت تتخذ قرارا بتجميد عضوية دولها في الامم المتحدة بسبب ازدواجية معاييرها، وعدم جعلها القرارات الصادرة عن مجلس امنها بحق الصراع العربي ـ الاسرائيلي الزامية، على اساس البند السابع من ميثاق المنظمة الدولية، على غرار قرارات مماثلة صدرت بشأن تغيير النظامين في العراق وافغانستان.
لا نعتقد ان زعماء محور الاعتدال سيترجمون انتصارهم المظفر في افشال قمة الدوحة على شكل اجراءات عملية تلقن اسرائيل درسا موجعا عقابا لها على عدوانها. كما اننا لا نتوقع توظيف الاقتصاد بأذرعه المالية والتجارية والنفطية كسلاح في مواجهة الدول الغربية الداعمة للعدوان، لان هؤلاء لا يريدون الحاق اي اذى باسرائيل، الحليف المحتمل في اي حرب قادمة ضد ايران لتدمير مفاعلاتها النووية، والحد من قوتها العسكرية ونفوذها السياسي المتنامي في المنطقة.
فكيف يمكن تفسير هذا الصمت السعودي الرسمي تجاه العدوان الاسرائيلي الحالي، وتحريم القيام بالمظاهرات تعاطفا مع الضحايا العرب المسلمين في قطاع غزة، وجميعهم سنّة بالمناسبة، وكيف يمكن فهم الدور الرسمي المصري الحالي في إحكام الحصار والاكتفاء بدور 'ساعي البريد' لنقل الشروط الاسرائيلية في وقف اطلاق النار الى حركة 'حماس'، والضغط بكل الوسائل من اجل تمريرها؟
رجب طيب اردوغان ليس زعيما عربيا، ويملك كل الحق في ادارة ظهره الى الغرب بعد ان طعن العرب بلاده في الظهر بخنجر مسموم عندما تحالفوا مع القوى الغربية، وثاروا ضد الامبراطورية العثمانية بتحريض بريطاني، ولكنه لم يفعل ذلك، ووقف في البرلمان التركي يدين العدوان الاسرائيلي على القطاع بأقسى الكلمات، ويصفه بأنه بقعة سوداء في تاريخ البشرية، ويرد على بعض منتقديه بالقول بأن كلماته هذه ليست اقوى من قنابل الفوسفور الابيض التي تحرق اطفال غزة.
كنا نتمنى لو صدرت مثل هذه الكلمات عن المسؤولين السعوديين والمصريين، والملك عبدالله بن عبدالعزيز خادم الحرمين الشريفين، والرئيس حسني مبارك على وجه التحديد، ولكن امنياتنا لم تكن في مكانها للأسف الشديد. وهذا ما يشجع اسرائيل على المضي قدما في عدوانها ومجازرها وهي مطمئنة الى غياب اي مواقف عربية لايقافها.
هذا الانقسام العربي الذي نراه حاليا في ابشع صورة هو 'رحمة'، لانه يكشف عن مواقف الانظمة الحقيقية، والهوة المتسعة بينها وبين شعوبها. فلا نريد تضامنا عربيا على ارضية الخنوع لاسرائيل، واستجداء عطفها من خلال مبادرات سلام متخمة بالتنازلات، او حوار اديان يخفي نوايا متأججة نحو التطبيع المجاني.

تسيبي ليفني وعدت بتغيير المعادلة السياسية في قطاع غزة بالقوة العسكرية، ونجحت في تحقيق ذلك فعلا، فقد توجت فصائل المقاومة على عرش التمثيل الفلسطيني، وانهت العملية السلمية باطلاق رصاصة الرحمة عليها، وجعلت من حركة 'حماس' الطرف الفلسطيني الأقوى، تماماً مثلما أدى انتصار المقاومة في معركة الكرامة في آذار (مارس) عام 1968 إلى تتويج ياسر عرفات رئيساً لمنظمة التحرير الفلسطينية، وابعاد يحيى حمودة إلى زاوية النسيان.
ولعل التطور الأهم الذي كرسته هذه الحرب هو جعل حركة 'حماس' بمثابة الذراع العسكرية للحركات الاسلامية السنية، والاخوان المسلمين بشكل خاص، في موازاة 'حزب الله' كذراع عسكرية للحركات الاسلامية الشيعية على الحدود مع الدولة العبرية.
وهذا بلا شك انقلاب كبير في المعادلات السياسية العربية والاسلامية، يفسر حجم العداء المتنامي والسافر لهذه الحركة، أي 'حماس'، في دول عربية مؤثرة مثل مصر والمملكة العربية السعودية.
نحن الآن في انتظار قمة الكويت الاقتصادية، وما يمكن ان يتخذه فرسانها من قرارات، ولا نعلم كم من الأطفال والنساء والمدنيين ستسحق عظامهم صواريخ الدبابات والطائرات الاسرائيلية حتى موعد انعقادها يوم الاثنين المقبل، ولكن ما نعلمه ان ابطال المقاومة لن يرفعوا الرايات البيضاء مطلقاً حتى يثبتوا للأمتين العربية والاسلامية انهم ليسوا من طينة هؤلاء الزعماء المتواطئين المتخاذلين.
نصيحتنا للزعماء 'الموؤودة' قمتهم الطارئة ان يتداعوا إلى اجتماع تشاوري في الدوحة، يدعون إليه شرفاء الانسانية والكرامة، من أمثال هوغو تشافيز، ورجب طيب أردوغان، وأحمدي نجاد، ويصدرون بيانا يحددون فيه مواقفهم بكل صراحة ووضوح، ويشرحون كل ملابسات التخاذل، وتفاصيل الضغوط الارهابية التي تعرض لها البعض حتى لا يشارك في القمة الطارئة، ويعلنون سحب أو تجميد مساندتهم او اعترافهم بمبادرة السلام العربية، ويذهبون بعد ذلك إلى قمة الكويت على أرضية المواجهة وفرز المواقف، والتبرؤ من المتواطئين مع العدوان.

قمة 'الفرز' العربي


قمة 'الفرز' العربي
عبد الباري عطوان
بات من المؤكد، ان قمــــة عربيـــة طارئـــة ستعقد في الدوحة بعد غد الجمعة، رغم قرار غياب بعض قادة دول محور الاعتدال العربي عنها، وبالذات الرئيس المصري حسني مبارك والعاهل السعودي عبدالله بن عبدالعزيز.
انعقاد القمة هذه، بعد فشل محاولة وزراء الخارجية العرب تصدير ازمة المجازر الاسرائيلية في قطاع غزة الى الامم المتحدة، واستجداء وقف لاطلاق النار من حلفائهم الامريكان والغربيين، بات ضروريا حتى يتعرف المواطن العربي على مواقف زعمائه الحقيقية من هذا التغول الهمجي الاسرائيلي، والخطوات التي يمكن ان يتخذوها في مواجهته، بعد ان طفح الكيل، واتضحت حرب الابادة الاسرائيلية لمليون ونصف المليون فلسطيني في ابشع صورها.
هذه القمة ستحدث 'فرزا' في المواقف العربية، وستظهر للعيان من هو مع العدوان الاسرائيلي على قطاع غزة، ومن هو ضده، من يريد ان يعمل على وقفه، ومن يريد له الاستمرار حتى يحقق اهدافه كاملة في ترويض المقاومة، ونزع سلاحها، وكسر شوكتها، واعادة القطاع الى بيت الاستسلام العربي.
هذا الفرز مطلوب، بل هو حتمي، لتمزيق حالة النفاق، ونزع الأقنعة عن الوجوه المتواطئة مع العدوان، الداعمة للجلاد، بصورة مباشرة او غير مباشرة، ضد الضحية التي تسحق عظامها الصواريخ الاسرائيلية من كل الاتجاهات برا وبحرا وجوا.
من حق اطفال قطاع غزة الذين تحرق طفولتهم البريئة، واجسادهم الطرية، القنابل الفسفورية الاسرائيلية ان يعرفوا من هو معهم ومن هو مع العدو، الذي يقذف بحممه من كل الاحجام والاوزان ضدهم ويأسرهم في مركز الاعتقال الذي اسمه غزة، الذي هو اسوأ واكثر بشاعة من نظيراته النازية، لان الاخيرة لم تكن تتعرض للقصف المكثف والوحشي بالصورة التي نراها حاليا في القطاع الضحية.
فهذا الخذلان الرسمي العربي هو الذي يشجع اسرائيل على تصعيد عدوانها، وتكثيف قصفها، مثلما يشجع حلفاءها في الغرب على دعمها، وتوفير الحماية لها في المحافل الدولية. فطالما ان العرب، وكبارهم بالذات، لا يتحركون، ويديرون وجوههم الى الناحية الاخرى، ويفتحون إعلامهم لمن يؤيد الجلاد ويلوم الضحية، فلماذا يتحرك الاوروبيون والامريكيون لوقف العدوان؟
ومع ذلك لا نتردد في القول ان الحضور نفسه لا يعني الحصول على صك براءة من تهمة التواطؤ، والظهور بمظهر من فعل ما هومطلوب منه في هذه اللحظة الاكثر حرجا في تاريخ الأمة. فالقمم العربية التي اقتصرت على بيانات الشجب والتنديد كانت اسوأ من تلك التي لم تنعقد، لأن ما يجري حالياً في قطاع غزة اكبر كثيراً من كل القضايا السابقة التي استدعت التداعي الى عقد مؤتمرات قمة طارئة. فنحن امام حرب ابادة، وتطهير عرقي، وافناء شعب بكامله لم يرتكب اي ذنب غير التمسك بحقه في مقاومة احتلال عنصري ظالم همجي، وهو حق كفلته كل الشرائع الدولية.

لا نريدها قمة مثل كل القمم الأخرى، يلقي خلالها الزعماء خطبا ثورية رنانة، تنقلها محطات التلفزة العربية او بعضها، لأن فضائيات المقاطعين للقمة ستقاطعها ايضاً، وانما نريدها قمة أفعال، قمة تتخذ خطوات عملية تتصدى للعدوان، وتفرض عقوبات على من يدعمونه ويتسترون عليه،وفي الغرب خصوصاً.
هناك خطوت عملية كثيرة يمكن ان يتخذها الزعماء المشاركون، نوجزها في النقاط التالية:
اولا: وقف كل الاتصالات وقطع كل العلاقات الدبلوماسية مع اسرائيل، واغلاق سفاراتها ومكاتبها التجارية في العواصم العربية، ونتمنى من دولة قطر المضيفة لهذه القمة ان تبادر بهذه الخطوة وتغلق المكتب التجاري الاسرائيلي او تجمده، مثلما فعلت هي وسلطنة عمان كرد على مجازر اسرائيلية مماثلة، واستجابة لطلب دول عربية اسلامية قبيل انعقاد القمة الاسلامية في الدوحة قبل عشر سنوات.
ثانيا: ان تقدم الدول العربية النفطية المشاركة في هذه القمة على استخدام سلاح النفط، ولا نقول بوقفه تماما عن الدول المستهلكة، وانما بتخفيض كميات الانتاج حتى ترتفع الاسعار بصورة تؤذي هذه الدول الداعمة أساساً للعدوان الاسرائيلي، ومعظمها في اوروبا، مع بيع النفط للدول الفقيرة بأسعار تشجيعية. هذه الخطوة اذا اتخذت، وفي هذا التوقيت الذي يعاني فيه الاقتصاد الغربي من حالة ركود وانكماش، ستحدث اثراً كبيراً من حيث تغيير مواقف الدول الغربية المتواطئة مع العدوان.
ثالثا: تستطيع الدول المشاركة ان تبث الرعب في نفوس الامريكيين والاوروبيين اذا ما قررت وقف تعاونها الأمني والاستخباري معهم على صعيد محاربة تنظيم 'القاعدة' والجماعات الاسلامية المتشددة الأخرى، وعلينا ان نتذكر ان السعودية استخدمت هذا السلاح بفاعلية عندما هددت بريطانيا بوقف التعاون الأمني والاستخباري معها اذا لم توقف التحقيقات في رشاوى صفقة 'اليمامة' للأسلحة، التي تورط فيها امراء من الأسرة الحاكمة، وتجاوبت بريطانيا سريعاً مع هذا التهديد، وأوقفت التحقيقات فعلاً، وبررت ذلك بحماية امنها القومي وأرواح مواطنيها.
رابعا: دول شمال أفريقيا العربية، الجزائر والمغرب وليبيا وتونس وموريتانيا تملك سلاحا قوياً في يدها للضغط على أوروبا، وهي ورقة التعاون مع الاتحاد الأوروبي لوقف قوارب الهجرة السرية، ويكفي ان يقول زعماء هذه الدول إنهم سيتوقفون عن القيام بدور 'البوليس' لمنع المهاجرين من الانطلاق من سواحلهم، حتى تهرع الدول الأوروبية اليهم مستجدية التراجع عن هذا القرار. وتكفي الاشارة إلى أن سبعين الف مهاجر غير شرعي وصلوا إلى أوروبا في العام الماضي، رغم التنسيق المحكم بين هذه الدول ونظيراتها الأوروبية، ويمكن أن يتضاعف هذا الرقم خمس مرات أو أكثر اذا تراخت قبضة الحكومات العربية في هذا الصدد.
خامسا: تشكل الجزائر أهمية استراتيجية خاصة بالنسبة إلى أوروبا من حيث كونها المصدر الوحيد للغاز لهذه الدول، بعد الاتحاد الروسي، وأوروبا التي تحصل على أربعين بالمئة من احتياجاتها من الغاز من روسيا، تريد مصادر بديلة آمنة لتقليص اعتمادها على الغاز الروسي، خاصة بعد ما سمته أوروبا بـ 'الابتزاز' الروسي الأخير الذي تمثل في وقف هذه الامدادات لأسباب سياسية. فلعل الرئيس عبد العزيز بوتفليقة ابن الثورة الجزائرية يلتفت إلى هذه المسألة ويستخدم ورقة الغاز لانقاذ أشقائه من المحرقة في قطاع غزة.

اننا نناشد الزعماء المشاركين في هذه القمة ان يعتبروا هذه النقاط الخمس بمثابة ورقة عمل لقمّتهم، وان يخرجوا باجراءات عملية ترتقي إلى مستوى الخطوات المطلوبة هذه وغير المسبوقة. لأن من سيقاطعون هذه القمة، وهم من العيار الثقيل، ينتظرون فشلها، ويتمنون خروجها بعبارات الشجب والتنديد فقط حتى يسخروا منها من خلال آلتهم الاعلامية الجبارة.
عقد هذه القمة، ووسط هذه الظروف، ورغم الضغوط الهائلة من قبل الأطراف العربية المعارضة لها، هو انجاز كبير، وقمة التحدي، وتحرير للقرار العربي من هيمنة من يرهنون أنفسهم ودولهم للمشاريع الأمريكية - الاسرائيلية في المنطقة، ولن يكتمل هذا الانجاز إلا بقرارات عملية حقيقية تنزل برداً وسلاماً على أهل غزة، وكل الشعوب العربية التي انتصرت لهم في هبتها الاحتجاجية الرائعة. فإذا لم توقف هذه القرارات والخطوات المنتظرة العدوان، فإنها ستزيد من صلابة المقاومة، وستعزز قدرتها على الصمود، والاستبسال في ميادين المواجهة.

'مهنية' اعلامية بانتظار العلم الابيض!


'مهنية' اعلامية بانتظار العلم الابيض!
زهرة مرعي
في اليوم الثاني عشر للعدوان على غزة إستمر الإعلام العربي على حاله تماماً كما كان في اليوم الأول. هو منقسم إلى معسكرين كما هو حال الأنظمة العربية. فمعسكر الإعلام التابع للأنظمة التي تريد تأديب حركة حماس ظلّ متابعاً لبرامجه المقررة سلفاً كالمعتاد. ومعسكر الإعلام الوطني والقومي والحر من قيود تلك الأنظمة المتربعة على عروشها جندّ نفسه على مدى الأيام كاملة لتبيان ما تركته آلة الحرب والعدوان الصهيوني على أهل غزة من مآس. لبنانياً لم يتبدل المشهد عن اليوم الأول، وحدها قناة 'المنار' ظلت في حالة التأهب القصوى لنقل كل ما يجري في القطاع. قناة 'العربية' التي تصنف نفسها إخبارية لم تستطع الإبتعاد عن مهمتها، خففت بعد أيام من تواصل العدوان من إتهاماتها لحركة حماس. ومع تخطي عدد الشهداء الـ 660 بينهم 215 طفلاً و98 إمرأة لم يحظ هؤلاء من قناة 'العربية' بالتشرُف بمرتبة الشهداء. إنهم بنظرها 'قتلى'. هي المهنية التي قررت إعتمادها قناة 'العربية' فساوت بين المغتصب والمعتدي الصهيوني وبين صاحب الأرض والحق الفلسطيني. فمبروك لقناة 'العربية' مهنيتها العالية، ومشاعرها القومية المرهفة!
في اليوم العاشر للعدوان، حيث كانت 'الجزيرة' منذ اليوم الأول شاشة ترضي كل عقل عربي لم تخترقه سوسة السياسة الرسمية المتآمرة جهاراً وبوضوح ودون خجل أو وجل أو حتى أسف على مئات الضحايا الأبرياء. من هذه القناة تابعنا أخبار إبادة عائلة السمولي. أب يندب أبناءه، أبناء أشقائه ، أشقاءه ووالديه. بقي له طفل راح ينظر إليه كمن ينظر إلى كنز مفقود. تمنينا أن تكون عائلة السمولي آخر العائلات المبادة لأن أطفالها بحسب الناطق بإسم 'جيش العدوان الإسرائيلي': كانوا يقفون قرب مطلقي الصواريخ، وليس في منزل سقط على رؤوسهم بطبقاته الأربع. عائلة السمولي لم تكن الأخيرة المبادة، تبعتها عائلات عدة بينهما تلك العائلات بالأطفال والنساء الذين لجأوا إلى مدارس الأونروا بعد أن إنهارت منازلهم. وكانت مجزرة مدرسة الأونروا في عشية اليوم الحادي عشر حوالى الخمسين شهيداً من الأطفال والنساء.
يا للمفارقة! مجزرة اليوم الأول التي رفعت إلى السماء أرواح أكثر من 200 شهيد في خلال ثلاث دقائق لم تحرك الضمير العالمي ولا العربي. بقي الجميع يطالب بالأمن والأمان لسكان المستوطنات في جنوب الكيان الصهيوني. وبقي الجميع يبص على الشاشات خلسة مُعمياً عينيه عن صور الأشلاء المقطعة والأطفال الشهداء المحمولين بين أذرع آبائهم وأقاربهم والجيران إلى مثواهم الأخير. وبقي هؤلاء يتلصصون على الشاشات بإنتظار رؤية العلم الأبيض يرفعه المقاومون في غزة. وبما أنهم حتى اليوم الثاني عشر لم يبصروا ولم يروا سوى الدمار والنار والقذائف الفوسفورية المتلألئة في سماء غزة جاءت في ذلك المساء الدامي كلمة enough enough enough من القاهرة. وكانت رداً أرعب ليفني التي وقفت في القاهرة لتعلن العدوان على غزة. وكانت مبادرة لوقف إطلاق النار سيليها بكل تأكيد تجاذبات لا حدّ لها، يعمل فيها الجانب العربي قبل الغربي على الأخذ من مقاومة غزة بالمفاوضات ما لم تستطعه آلة الحرب الصهيونية.
في اليوم الحادي عشر للعدوان وبعد قصف إحدى مدارس الأونروا رغم ظلال علم الأمم المتحدة فوقها، شاهدنا على شاشة 'الجزيرة' جون كينغ مدير عمليات غوث اللاجئين في غزة والذي عاد إليها من القدس ليكون على تماس مع مسؤولياته. جون كينغ ذلك الإنسان الذي لا شيء يجبره على البقاء في غزة سوى إنسانيته قال بوضوح: 'المئات لجأوا إلى مدارسنا والجيش الإسرائيلي يعرفها بوضوح وعليها علم الأمم المتحدة فلماذا تُقصف؟' لكننا وللأسف لم نعرف ردة فعله بعد مجزرة المدرسة في تلك الليلة الموحشة المظلمة.

الإعلاميون العرب والتماس الكلامي مع الصهاينة

بما أنه مفروض على قناة 'الجزيرة' إستقبال الصهاينة على شاشتها، ومفروض علينا أن نتابعهم ونحن نعيش شعوراً مقيتاً حيالهم وحيال تدجيلهم. يبقى أن نشير إلى أننا نتساوى في هذه المشاعر مع الزملاء الذين نلمس مشاعرهم من خلال أعينهم وأسئلتهم ومحاولاتهم مقاطعة هؤلاء حين يسترسلون في كذبهم بعيداً عن السؤال المطروح.
هذا كان حال الناطق بإسم 'جيش العدوان الإسرائيلي' عندما سئل عن جعل مدارس الأونروا هدفاً وذلك بعد سقوط ثلاثة شهداء في إحداها خلال نهار اليوم الحادي عشر وقبل مجزرة المساء. راح يدور ويلف إلى أن أبرز صورة فيها فتيان يتحلقون حول مقاوم يتعامل مع مدفع ليقول أن وجودهم هذا يقتلهم. الزميل حسن جمول بادره للرد: لا نعرف صحة هذه الصورة ونسألك عن الأطفال في عمر الأشهر والسنوات الأولى وبالكاد يمشون يقتلون هل لأنهم كانوا حول مدفع؟ ومع ذلك بقيت الإجابة بعيدة عن السؤال.
في مثل تلك الحوارات على قناة 'الجزيرة' ليس لنا سوى التمني بأن يتمكن المحاورون من إسكات المفترين الصهاينة في الوقت المناسب، وأن نتمنى لهم الصبر والقوة لمواجهة هؤلاء النازيين.
في المقلب الآخر ومن داخل ما يعرف بالخط الآخر قلوبنا على الدوام مع وليد العمري، الياس كرّام وشيرين أبو عاقلة لهذا الضغط النفسي الذي يتحملونه كمواطنين فلسطينيين. ونحيي الياس كرّام عندما كان يغطي مظاهرة سَخنين العربية وكيف نهره ذلك المعتدي الصهيوني على الهواء مباشرة والذي وصفه باليميني، لكنه يا الياس صهيوني أولاً وأخيراً. كان الياس كرّام كما الأسد الذي يدافع عن أشباله.

ماجدة الرومي... مارسيل خليفة وغزة المستباحة

في ذلك اليوم الأول من السنة الجديدة أطلّ كلام'الناس مع الفنانة ماجدة الرومي فكانت إنسانة معصورة بالأسى والألم. مجبولة بالأمل والرجاء. مؤمنة بحق الشعب الفلسطيني بأرضه، كامل أرضه. قالت ماجدة الرومي: سوف ينتظر الفلسطينيون كثيراً لكن الرجاء موجود. وقالت للزعماء العرب: 'ما تعتبروا غزة بعيدة كثير عنكم. إسرائيل إلتهاب في الجسم العربي والإلتهاب يتمدد'. فهل يسمعون؟
الرجاء والأمل الذي بثته ماجدة الرومي في إستديو 'كلام الناس' دفع مارسيل غانم لسؤالها على ماذا تراهن؟ فكان ردها بسيطاً جداً: 'لو بقيت القوة بيد واحدة لكنا حتى الآن تحت الإحتلال الروماني'. وأضافت: 'إنتصار تموز (يوليو) أختصر المسافة بيننا وبين فلسطين'. وحيت السيد حسن نصرالله على إحساس الإنتصار الذي بثه في جسد الأمة العربية جمعاء.
وقد حلّ الفنان مارسيل خليفة مؤخرا ضيفاً على 'خليك بالبيت' الذي خصص الحلقة كتحية لأهل غزة. وفي هذه التحية تمنى مارسيل'خليفة لو كان قادراً على قتل الموت ورده عن أهل غزة وأطفالها. وقال لهم :'أحبكم'. وباح بأن 'فلسطين ذخيرة في صدري أتفقدها يومياً منذ بدأت الفن'.
في هذا اللقاء تحدث خليفة كثيراً عن محمود درويش الذي كان يصفه بـ 'توأم قلبي'. وبثت الشاشة الكثير من المشاهد عن حفلات مارسيل خليفة في سورية والتي كانت تحت عنوان 'ونحن نحب الحياة.. تحية لمحمود درويش'. وكأن زمن المقاطعة الإعلامية لدمشق إنتهى على شاشة المستقبل.
صحافية من لبنان
zahramerhi@yahoo.com

سقطة 'الوسيط' ساركوزي!


سقطة 'الوسيط' ساركوزي!
عبد الباري عطوان
خيّب الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي آمال مئات الملايين من العرب والمسلمين يوم امس عندما كشف عن انحيازه الكامل للمجازر الاسرائيلية المتواصلة في قطاع غزة حيث وجه اللوم الى الضحية، واعفى الجلاد الاسرائيلي من اي نقد حقيقي.
الرئيس ساركوزي اكد في تصريحاته التي ادلى بها امس، اثناء توقفه في رام الله، في بداية جولته الحالية، السقوط الاخلاقي لهذا الغرب الحضاري الديمقراطي، عندما لم يتردد لحظة في تحميل حركة حماس المسؤولية عما يحدث حاليا في قطاع غزة بقوله 'انها تصرفت بشكل غير مسؤول لا يغتفر بقرارها رفض تمديد التهدئة، واستئناف اطلاق الصواريخ على الدولة العبرية'.
امر مخجل ان يسقط الرئيس الفرنسي الذي يمثل دولة الحريات وقيم الانتصار للعدالة والضعفاء، هذه السقطة، في وقت تنقل الينا عدسات التلفزة العالمية صور عشرات الاطفال وقد مزقت اجسادهم الصواريخ الاسرائيلية.
الرئيس ساركوزي لم يذهب الى المنطقة في مهمة سلام، او لوقف اطلاق النار، مثلما ادعى، وانما لكي يعطي اسرائيل غطاء اوروبيا لاكمال 'الهولوكوست' الذي بدأته قبل عشرة ايام ضد اناس محاصرين مجوّعين وعزل.
فصول المؤامرة تتضح يوما بعد يوم، فبعد الصمت الغربي المريب، ومنع مجلس الامن الدولي من قبل امريكا والدول الاوروبية دائمة العضوية فيه من اصدار اي قرار يدين العدوان الاسرائيلي ويطالب بوقفه، ها هو الرئيس الفرنسي يختار منبر السلطة الفلسطينية في رام الله ليعلن ان حركة حماس 'تتحمل مسؤولية كبيرة عن معاناة الفلسطينيين في غزة' ،وهو صك براءة من زعيم احدى دول التحالف الغربي لاسرائيل، لاعفائها من اي مسؤولية او لوم، وصك ادانة للضحايا.. هذا هو النفاق الغربي الذي اوصل العالم الى هذا الوضع المأسوي الذي يعيشه، بدءا من تصاعد اعمال العنف والارهاب وانتهاء بالانهيار الاقتصادي الشامل.

من الواضح ان الحكومة الفرنسية تؤيد هذه المجازر الاسرائيلية، بعد ان اطلعت على الاهداف التي تسعى حكومة تل ابيب لتحقيقها اثناء زيارة السيدة تسيبي ليفني وزيرة الخارجية الاسرائيلية الى فرنسا يوم الخميس الماضي. فبعد هذه الزيارة الخاطفة تغير الموقف الرسمي الفرنسي كليا، وانقلبت جولة ساركوزي من مهمة سلام ووقف الحرب، الى مباركة لها واعطاء الحكومة الاسرائيلية كل الوقت والدعم للمضي قدما فيها، حتى تحقق اهدافها كاملة.
الهدف الاساسي من هذا العدوان ليس وقف اطلاق الصواريخ، وانما 'تغيير النظام' في قطاع غزة، اي اطاحة حكومة 'حماس' واعادة القطاع برمته الى بيت طاعة السلطة في رام الله.
اسرائيل تسير على خطى معلمها الامريكي، فطالما ان ادارة الرئيس بوش نجحت في تغيير نظامي العراق وافغانستان، تحت ذريعة انهما نظامان دكتاتوريان، فما المانع ان تغير اسرائيل حكومة منتخبة بصورة ديمقراطية في اقتراع حر في قطاع غزة؟
الحكومة الاسرائيلية اتخذت من اطلاق الصواريخ ذريعة للاقدام على هذه الخطوة، بتضخيم حجم اضرارها، لانه لا توجد لديها اي ذرائع اخرى، فلا توجد مقابر جماعية في قطاع غزة، ولا يوجد اي تنسيق بين حركة 'حماس' وتنظيم القاعدة، ولم تستطع المخابرات الامريكية او نظيرتها الاسرائيلية فبركة اي علاقة بينها وبين احداث الحادي عشر من ايلول (سبتمبر).
اسرائيل استخدمت اساليب الحصار والتجويع لتركيع أهل القطاع، ودفعهم الى الثورة ضد الحكومة، وعندما فشل هذا الاسلوب اللا اخلاقي المعيب، لجأت الى الهجوم الجوي، وعندما فشل هذا الهجوم في ترويع قادة حماس، وحركات المقاومة الاخرى ودفعها الى الاستسلام ورفع الرايات البيضاء تمّ اللجوء الى الغزو البري.

تغيير النظامين في العراق وأفغانستان لم يحقق النصر للادارة الامريكية والتحالف الغربي الذي دعم حروبها، بل اوقعهم في حرب استنزاف مادية وبشرية لا أحد يتنبأ كيف ستنتهي. وتغيير النظام في قطاع غزة ان تم بالقوة العسكرية، وعلى جثث المئات، وربما الآلاف من الاطفال والمدنيين، وهذا ما نشك فيه، فانه لن يحلّ مشكلة الصواريخ، ولن يوقف المقاومة، بل ربما يجعلها اكثر شراسة، تماماً مثلما حصل في العراق وافغانستان، وسيجعل اسرائيل تغرق في مستنقع غزة وبحرب دموية استنزافية، ستهرب منها مهزومة ورافعة الراية البيضاء.
تجارب الحروب الاسرائيلية الاخيرة، سواء ضد منظمة التحرير (اجتياح عام 1982) او ضد حزب الله (صيف 2006) وقبلها (حرب الحزام الامني) كشفت ان اسرائيل تخرج دائماً من هذه الحروب اضعف سياسياً وعسكرياً في الوقت نفسه، ومحاولة قلب هذه المعادلة في الهجوم على قطاع غزة 'الخاصرة' الاضعف في 'تحالف الشر'، حسب التوصيف الامريكي، مقامرة كبيرة قد تأتي بخسائر غير محسوبة بل وغير متوقعة.
احتلال غزة أمر مكلف.. والبقاء فيها امر اكثر خطورة، وعودة سلطة رام الله على ظهر الدبابات الامريكية امر مستبعد، ونفى ذلك السيد محمود عباس صراحة في مؤتمره الصحافي امس، اللهم إلا اذا كانت هذه السلطة تريد ان تستعيد تجربة 'حكومة فيشي' التي نصبها النازيون لحكم فرنسا تحت احتلالهم، ولن نستبعد ان يحاول السيد ساركوزي تسويق هذه الفكرة اثناء توقفه في رام الله بايعاز اسرائيلي.

اسرائيل ربما تكسب عسكرياً، لأنها تخوض حرباً من طريق في اتجاه واحد وضد عدو ضعيف جداً، محاصر ومعزول ومقطوعة كل طرق امداداته، حتى الطبية منها. ولكنها تخسر دبلوماسياً واخلاقياً وسياسياً. فقد بات العالم يشاهد جرائمها في صور الشهداء الاطفال وأجسادهم الممزقة.
التعتيم الاعلامي الاسرائيلي، ومنع الصحافيين من دخول قطاع غزة لتغطية الوقائع على الأرض، وهو امر لم يحدث في عهد صدام حسين الذي يتهمه الغرب بالديكتاتورية، لن يحول دون وصول الحقائق الى الرأي العام العالمي. وما يؤلمنا ان هذا الاعلام الغربي الذي يعطينا دروساً في المصداقية والموضوعية الصحافية يصمت على هذه الاهانة، بل وينحاز في معظمه الى هذه 'الدولة الديمقراطية' (من منظورهم) التي تمارس المنع لاخفاء مجازرها.
خيبة أمل كبرى أخرى تتمثل في موقف الرئيس الامريكي المنتخب باراك اوباما الذي صمت عن المجازر الاسرائيلية، بحجة الالتزام بالبروتوكول، وتكرار القول انه لن يعلق على أحداث غزة لأنه يوجد رئيس واحد في امريكا. اوباما نسي انه خرج عن هذه القاعدة عندما لم يتردد في ادانة الهجوم الدموي في مومباي بأكثر العبارات شدة. كل القواعد تتغيير عندما يكون الجلاد اسرائيلياً ويكون الضحية عربيا او مسلما.
اسرائيل لن تنجح في تغيير النظام في غزة، اللهم الا اذا غيرت الشعب الفلسطيني من سكان قطاع غزة، واستبداله بشعب آخر، ويبدو انها بدأت هذه المهمة بحرب الابادة والتطهير العرقي التي تشنها حالياً.

الدم الفلسطيني يوم السبت كاشير



الدم الفلسطيني يوم السبت كاشير
هيثم مناع

في الثقافات اليهودية قديمة ومعاصرة، أشكنازية وسفرادية، يوم السبت هو يوم الرب والعبادة، لا يجوز فيه العمل ومحظور فيه البحث عن المنافع الدنيوية الرخيصة. هو يوم الراحة الذي يصبح أكل الحلال فيه أكثر التزاما (في العبرية حلال: كاشير) ويخصص للعبادة والتصدق ويجوز فيه مساعدة محتاج أو نصرة مظلوم. في هذا اليوم، وهو أقدم شعيرة في التاريخ استمرت حتى يومنا لفكرة العطلة الإسبوعية، يراجع اليهودي نفسه فيما فعل ويحاسب نفسه قبل أن يحاسبه الله يوم لا ينفع وساطة أو شفيع. في هذا السبت المقدس 27/12/2008، بين عيد الميلاد ورأس السنة الميلادية، وقبل نهاية العام الستين لتوقيع الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وفي الساعة الحادية عشرة صباحا باشرت خمسون طائرة حربية إسرائيلية قصف نقاط استهداف لخمسين هدف حكومي وأمني في غزة تبعها بعد نصف ساعة هجمات لستين طائرة حربية على ستين هدفا إضافيا. واستمرت الهجمات لكن الساعة الأولى تكفلت وحدها بكسر الأرقام القياسية الإسرائيلية السابقة لكي تبدأ أكبر مجزرة بحق الفلسطينيين انطلقت في ساعة زمنية قياسية منذ حرب 1967.
السبت عبري والدم فلسطيني والقتل حلال (كاشير). وزير الخارجية البريطاني ينسى حرمة السبت ويصبح علمانيا، وكذلك زميله الفرنسي، المؤسسات اليهودية الصهيونية تبحث عن ألف مبرر ومبرر لجعل اختراق حرمة السبت المقدس من صميم الدين عبر شيطنة الفلسطينيين وتصوير غزة بوصفها تورا بورا الإرهاب الدولي. لا تنتظروا من مجلس الأمن إدانةً تسمي جنسية راكب القاذفات المقاتلة، ولا تنتظروا من خليل زاده (وهو بالصدفة أول مسلم يمثل الولايات المتحدة في مجلس الأمن) أن يطالب المعتدي بوقف العدوان، بل لا تنتظروا من العديد من عرب الخدمات في الأوساط الحكومية وأحيانا غير الحكومية، استنكارا لا يذّكر ويقسم الأيمان الغليظة على أنه لم يتوقف عن إدانة قتل المدنيين من أي طرف كان، وأنه إن يطالب بوقف 'إطلاق النار' فقد طالب بالأمس حماس بالتهدئة ولو من طرف واحد.. فحماس هي المجرم وهي القاتل الأول والأخير، ولأن هذا الفلسطيني قد صوّت في انتخابات حرة لحماس، فهو المجرم الثاني.. وأمام المجرمين يصبح 'الحق' في ارتكاب كل الجرائم حلالا في الدين والدنيا!!
ألم تقل لكم ليفني بأنها قد أعلمت كل من يهمه الأمر من المسؤولين العرب والغربيين بما سيفعل جيشها يوم السبت الأسود وبعده؟ وأن المشكلة ليست وقف الصواريخ البدائية بل قلب الأوضاع في غزة؟ أين ذهبت صرخات المطالبة بموقف حضاري ومتمدن التي سمعناها يوم حذاء الزيدي؟ أم أن الحصار حلال والخناق حلال والقتل حلال عندما يتعلق الأمر بالفلسطيني؟ الصمت على الاستيطان والصمت على التسلح الفائق والصمت على هدم ما هو فلسطيني بل حتى الصمت على الترانسفير لعرب 48 كل هذا صار من شروط المدنية والانتماء إلى نادي الاعتدال والمنطق والعقل و'الشرعية الدولية' ؟
قبل انتخاب حماس بخمسة عشر يوما، أصدرت المفوضية الأوروبية تعميما سريا بعد اجتماع في منتصف كانون الأول (ديسمبر) آنذاك يقول بأن نجاح حماس في الانتخابات التشريعية الفلسطينية يعني بشكل اتوماتيكي قطع المساعدات الأوروبية الرسمية عن الشعب الفلسطيني (بالطبع هذا القرار تم اتخاذه سرا من جانب واحد ودون قيد أو شرط). فكيف يمكن أن نصدق مسؤولا أوروبيا يتحدث عن ضرورة دفاع الدولة العبرية عن نفسها من صواريخ القسام وقد حدد معسكره مسبقا.. كل التهدئات كانت تحترم فلسطينيا، أو لنقل بتعبير آخر، كما هو الحال في كل دول العالم، الطرف الأضعف عسكريا يحترم اتفاقيات وقف إطلاق النار أكثر من الطرف الأقوى. كل الحيل على تقديم اعتراف بالمحتل يحمي ماء الوجه للمقاومة الإسلامية تم اللجوء إليها.. كل التنازلات الممكنة من وقف عمليات الاستشهاد الذاتي إلى ضبط المجموعات المسلحة الفلسطينية من الفلسطينيين أنفسهم في غزة والضفة أيضا حدثت.. لكن وكما يقول المثل الشعبي: عنزة ولو طارت.. لا مكان لهذه الحركة السياسية في خارطة المنطقة، لذا مطلوب التخلص منها عاجلا أو آجلا.
يحق للإسرائيلي أن يصوت لنتانياهو وأحزاب الترانسفير والمافيا الجيورجية بل والمومسات الروسيات. وليس من حق الفلسطيني أن يختار في قيادته السياسية إلا من يرضى عنه عدوه. ولأول مرة في التاريخ المعاصر، يعتقل من النواب والوزراء فوق المئة ولا نسمع شكوى أو احتجاج من منظمات مهمتها الدفاع عن منتخبي الشعب وممثليه؟ لأول مرة ترتكب جرائم متتالية بحق الإنسان الفلسطيني ترتقي كلها لجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية والعالم يتحدث عن ضرورة وقف العمليات العسكرية من الطرفين. لأول مرة يقتل زيد عمر فيطالب العالم عمر بوقف العدوان؟ هل يقامر العالم بكل إنجازاته مقابل إرضاء هذه الدولة العدوانية المركبة بقرار من الأمم المتحدة ودعم القوى الكبرى؟
لا يمكن الحديث عن صمود وانتصار أو هزيمة.. فالمعارك العسكرية في الأسلحة الحديثة ليست مبارزة متكافئة.. شعب تحت الحصار منذ انتفاضتين، وتحت الخناق منذ 18 شهرا، 80' منه تحت خط الفقر ومعظم الأدوية الضرورية للجرحى والمرضى غير متوفرة والطاقة الكهربائية تتحطم محطاتها منذ اعتقال الجندي شليط أما المواد الأساسية فتقدم بالقطارة.. فعن أي توازن في القوى يمكن أن نتحدث؟
إن ما يحدث كفيل بزرع كل طاقات الحقد والكراهية الممكنة تجاه قوة تحصل على ما تريد وعندها ما تريد وما لا تريد، مقابل شعب محروم من أبسط عناصر البقاء على قيد الحياة.. زرع هذا الحقد ليس فقط في المنطقة العربية والعالم الإسلامي، بل عند كل ضمير حي في العالم.. ومن المضحك بعد كل عدوان مشابه أن يطرح السؤال: لماذا أنتم ضد التطبيع؟ لماذا أنتم ضد دولة صارت قوة إقليمية وأمرا واقعا؟ إلى متى سيبقى العربي في أوهام فلسطين؟
تعيد أحداث غزة لأوليات كادت تنسى حق الاسترجاع، وتذكر من لا ذاكرة له بأن هذه الدولة المشوهة المسماة إسرائيل لا يمكن أن تتعامل مع الجوار إلا بمنطق القوة، وبالتالي عرض عضلاتها في الهدم والقصف والقتل لكل من لا ترضى عنه. طاحونة العنف هذه تقوم منذ ستين عاما على مبدأ بسيط هو ضرورة قتل الشبيه (أو من جئت مكانه) وفق نظرية رونيه جيرار في 'العنف والمقدس'. فزراعة شعب في أرض لشعب آخر يعني في أية إيديولوجية تفوق أن هناك شعبا زائدا عن الضرورة، وكل وسائل التخلص منه مشروعة. هنا تصبح عملية الإبادة الجماعية باردة بالاستيطان والحواجز والحصار وضرب مقومات الحياة للآخر، وساخنة بالتهجير والقتل والحرمان من أوليات البقاء على قيد الحياة. وفي كل أزمة، يظهر في الوعي واللاوعي الإسرائيلي السائد، هذا المخزون العدواني للفلسطيني ينصب الصهيوني رمزيا فوق فكرة الذنب أو الشعور بأي ذنب تجاه حقيقة أن تحت إسرائيل بلد اسمه فلسطين، وأن ما تبقى من هذه الفلسطين هو الذاكرة التي تمنع تزوير التاريخ والواقع. أليس الصديق العزيز لإسرائيل وأحد أقطاب اللوبي الصهيوني في فرنسا جاك أتالي هو الذي قال: 'بالحرب أو بالسلم، إسرائيل كما هي لا مستقبل لها'.
كاتب سوري مقيم في فرنسا