‏إظهار الرسائل ذات التسميات مصر. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مصر. إظهار كافة الرسائل

قناة الجزيرة و«قطر» فى خطر


يسرى فودة
استقالتى من قناة الجزيرة لا تعنى أننى خاصمتها. ببساطة هى تعنى فقط أننى لا أريد أن أبقى رقماً فى معادلاتها الجديدة. إذا كان جانب منى حزيناً على فراق شاشتها، فإن جانباً آخر منى سعيد بانضمامى إلى مشاهديها. وإذا كان جانب منى يرجو لزملائى بها (هؤلاء فقط الصادقون المهنيون الذين يحترمون أنفسهم فيحترمهم الآخرون) كل التوفيق وكل النجاح ما وسعتهم الظروف، فإن جانباً آخر منى يدعونى إلى أن أتحمل واجبى ومسئوليتى تجاه نفسى وتجاه من أتوجه إليهم بما قدرنى الله عليه من عمل.

تجربة الحرية، بمعنى من المعانى، كتجربة الموت؛ فمثلما لا يستطيع المرء أن يزور الموت ثم يعود منه، لا يستطيع المرء أيضاً أن يزور الحرية ثم يعود منها. وقع عقلى على هذه الصورة الملهمة بينما كان هؤلاء الذين شاركوا فى تأسيس قناة الجزيرة (وأنا واحد منهم) فى نشوة اللحظات الأولى لانطلاقة القناة عام 1996.

كان الأمر مفاجأة لنا جميعا،ً فلم يكن أحد (حتى من هؤلاء الذين تخرجوا فى تليفزيون بى بى سى) ليتوقع ربع النجاح الفورى الذى أحرزته قناة انبثقت فجأة من صغرى الدول العربية. وأقولها صراحةً وإنصافاً إن الغالبية العظمى لهؤلاء الذين شكلوا نواة القناة غادروا لندن حين غادروها فى طريقهم إلى الدوحة مضطرين بعد انهيار مشروع بى بى سى (بقيت أنا لمجرد أننى استطعت البقاء مهنياً)، وأن أحداً منا لم تكن لديه فكرة عن كنه المشروع القطرى.

سريعاً بات من الواضح أن قناة الجزيرة وجدت ضالتها فى شارع عربى يعانى حرماناً على مستويات عديدة: سياسية وإعلامية وثقافية وإنسانية، ومن ثم استحوذت فجأة على خانة لا منافس لها فيها. ولأن المرء يتفوق على أقران الصف لسبب من ثلاثة، إما لأنه اجتهد أو لأن الآخرين أهملوا أو لمزيج من الاثنين، فقد بدا تفوق الجزيرة لأول وهلة فى تقديرى للسبب الثانى أكثر منه للسببين الآخرين دون أن أنكر على زملائى جهودهم.

فمن الناحية المهنية، لم نضف كثيراً إلى عالم الصحافة التليفزيونية عندما وضعنا مذيعاً فى استوديو ومعه ضيف أو اثنان. لكنّ الواقع العربى اكتسب الكثير عندما أضيف إلى الاستوديو عنصر آخر لم يعرفه من قبل، ولم يكن فى حاجة إلى ميزانية ولا إلى عبقرية: خط هاتف مفتوح لمن يريد أن يتكلم على الهواء أمام الملايين داخل بلاده وخارجها. لقد كان هذا ببساطة انقلاباً فى واقع المواطن العربى لا فضل كثيراً فيه للعاملين فى الجزيرة بقدر ما عاد الفضل فيه لما وصف وقتها بـ«سقف الحرية».

ولأن ما مُنح من أعلى يمكن أن يُسترد فى أى لحظة، فقد كانت تلك ظاهرة سياسية أكثر منها ظاهرة إعلامية جعلت رد فعل الآخرين عليها يمر بثلاث مراحل. كانت ملامح المرحلة الأولى منها سياسية بحتة، تمثلت فى أمور من مثل سحب سفراء من الدوحة واتصالات مكثفة وضغوط حثيثة لاحتواء هذه التى أطلق عليها البعض مصطلح »الظاهرة الصوتية«. وكالطفل الصغير الذى جرب المشاغبة فاكتشف أنها تلفت الأنظار، اكتشف المسئولون فى قطر، صغرى الدول العربية (ولا عيب فى ذلك)، أن بين أيديهم الآن ما يمكن أن يتحول إلى كنز وبين أيديهم دائماً حجة ألا شىء يحدث فى قطر يستحق التغطية (وهو ما ليس صحيحاً).

هذا فى الوقت الذى بدأ رد فعل الآخرين ينتقل إلى المرحلة الثانية تقوده طاقة سلبية أكثر منها إيجابية. فبدلاً من تطوير الأداء الإعلامى بدأت حملات لاذعة، بعضها تحت الحزام، صاحبها إغلاق مكاتب وتوقيف مراسلين و«شغل فى الأزرق». وكلما زاد ذلك زادت نشوة «الطفل المشاغب»، يوازيها شغف واهتمام متزايد فى دوائر إسرائيلية وأمريكية كانت تتابع انعكاسات هذه الظاهرة بدقة وعناية. ومن ثم بات واضحاً أننا أمام طوفان يحاصر البيت، وأننا إذا لم نبادر بإحداث بعض الثقوب فى الأبواب والنوافذ بأنفسنا، فلن يكون للطوفان سوى نتيجة واحدة حتمية.

كانت تلك لحظة فارقة تُحسب طبعاً لقناة الجزيرة، لكنها تُحسب أيضاً لهؤلاء الذين قبلوا التحدى وانطلقوا بطاقة إيجابية نحو تحسين الأداء الإعلامى، فبدأنا نرى ألواناً جديدة من التغطية الخبرية وبرامج الأحداث الجارية، حتى بدأنا نرى قنوات بأكملها تنطلق تعبيراً عن هذه المرحلة، ومنها قناة النيل للأخبار فى عام 1998 وقناة أبوظبى فى عام 2000 وقناة العربية فى عام 2003. والمستفيد الأول دون شك هو المواطن العربى أينما كان.

غير أن النجاح غير المشكوك فيه لقناة الجزيرة حتى تلك النقطة لم يكمن تماماً فى إزعاج الحكام العرب، وإنما ظهر واضحاً، كما يرى متابع جيد مثل أمير طاهرى، فى استغلال حالة ما يوصف بالشارع العربى واستدرار تعاطفه، عن طريق افتراض أن الأصولية الإسلامية فى تصاعد فى كل الدول العربية، وأن الغالبية العظمى تؤيدها سراً. ورغم ذلك كان هناك مجال لا يزال حتى تلك النقطة لمن يعتمدون العمل الصحفى الميدانى القائم على المهنية والبحث والتدقيق، للخروج عن هذا الخط، طالما أن ما يوصف بالبرامج الحوارية (التى يسهل السيطرة عليها) لا يزال «مسلّياً»، والأهم من ذلك أنه بطبيعته البحتة لا يستطيع الاستمرار بعيداً عن ذلك الخط.

بدأت مرحلة جديدة فاصلة بعد خمس سنوات صارت الجزيرة فيها أهم من قطر، وهو وضع غير طبيعى فتح باباً واسعاً لكثير من المتناقضات، حتى أن أحد الضيوف من غير العرب سأل الزميل محمد كريشان يومها (وهذه ليست نكتة): «و كيف حال الطقس هذه الأيام فى الجزيرة؟» ظناً منه أن قطر هى القناة والجزيرة هى الدولة. وكانت قناعة المسئولين فى قطر قد اكتملت بأن لديهم الآن جيشاً قوى البنية حان الوقت لاستخدامه فى بعض الغزوات، ومن ثم رفضوا تماماً (على عكس ما كان مفترضاً وفق قانون إنشائها) طرح أسهم الجزيرة فى الأسواق بعد خمس سنوات، وبدأنا نلحظ وتيرة متصاعدة للتدخلات التحريرية. حتى ذلك الوقت فقط كانت الإدارة قد رفضت إذاعة ثلاثة تحقيقات جادة من برنامج «سرى للغاية».

دشنت المرحلة التالية بدورها مرحلة أخرى على صعيد آخر: نظرة الغرب عموماً إلى مدى قدرة الإنسان العربى على ممارسة صحافة جادة قادرة على المنافسة العالمية، والأهم من ذلك نظرة دوائر بعينها فى إسرائيل وفى أمريكا إلى هذه «الورقة» الجديدة. ولأننا نعلم من قوانين الجغرافيا السياسية أن أى دولة فى حجم دولة كدولة قطر (مع صادق احترامنا لأهلها) لابد كى تحيا من أن تعيش تحت ظل دولة كبرى، عادةً تكون إحدى دول الجوار، فقد كان الموقف فى حالة دولة قطر كالتالى: إلى يمينها إيران «المتوثبة»، وإلى يسارها السعودية «كاتمة الأنفاس»، ومن فوقها عراق صدام، وعلى مرمى البصر إسرائيل ومصر. ثم بعد ذلك هناك شيخ الحارة كلها: أمريكا.

ولأننا نعلم أى خيار استراتيجى ذهب إليه المسئولون فى قطر فقد صارت الجزيرة، خاصةً لدى بداية تلك المرحلة، عضلة تبدو عملاقة، وإن كانت فى الواقع عضلة هشة يمكن ببساطة إغلاقها بمكالمة هاتفية مختصرة، مثلما يمكن ببساطة «اختطافها» لخدمة أهداف بعينها بعضها فورى وبعضها الآخر استراتيجى، بعضها يمكن رؤيته بالعين المجردة، وبعضها الآخر يحتاج إلى أكثر من ذلك بكثير. فى لحظات المصير، رغم ذلك، تسقط الأقنعة وتبين الملامح.

بدأت التهيئة الإعلامية لغزو العراق الذى أدى فى النهاية إلى كثير من النتائج، من بينها ذبح صدام حسين، لكن ذبحاً آخر كان قد سبقه لم يلتفت كثيرون إلى معناه: ذبح المدير العام للقناة حتى ذلك الوقت، محمد جاسم العلى. كانت مرحلة «اختطاف» قناة الجزيرة قد بدأت، وكنت أنا قد قدمت استقالتى منها رسمياً لأول مرة، الأمر الذى استدعى تدخلاً مباشراً من أمير قطر. وتلك قصة أخرى.

الفيل والتنين «4»


من أول السطر
إبراهيم عيسي

تحكي النكتة عن مسئول مصري رفيع المستوي زار الصين فاستقبله الرئيس الصيني الذي أخذ يروي متفاخراً إنجازات الصين فقال له المسئول المصري إن دولته كانت يمكن أن تفعل ذلك لولا عدد السكان فأسرَّها الرئيس الصيني في نفسه، حيث إن عدد سكان الصين قارب علي المليار ونصف المليار نسمة فليس هناك عدد سكان في الأرض أكثر منها، ومع ذلك تقدمت وتفوقت علي العالم كله
لكن الرئيس الصيني - احتراماً لضيفه - لم يعلق واستمر يروي إنجازات الصناعة الصينية فعاجله المسئول المصري بأن دولته كانت يمكن أن تفعل ذلك لولا عدد السكان، أمسك الرئيس الصيني أعصابه وتماسك خشية الانفلات وكرر الكلام عن منجزات الصين العلمية فأصر المسئول المصري علي نفس جملته «أن دولته كانت يمكن أن تفعل ذلك لولا عدد السكان»، هنا لم يتمالك الرئيس الصيني نفسه وسأله: هُوَّ عدد سكان مصر كام؟ فرد المسئول المصري تمانين مليون نسمة، فابتسم الرئيس الصيني وقال له : بس.. يا راجل ومجبتهمش معاك ليه!!

بعد أن شرحنا كيفية تطور وتحول الهند والصين من «طور» الدول النامية التعسة والمفلسة والفقيرة إلي «دور» الدول الكبري والعظمي اقتصادياً وصناعياً في أقل من عشرين عاماً، مازلنا نسأل : لماذا لم تتحول مصر مبارك إلي كيان اقتصادي وصناعي عالمي وهائل مثل هاتين الدولتين، خصوصاً أن حجة الرئيس التي يرددها عن زيادة السكان تتبخر تماماً أمام الزيادة السكانية الرهيبة للهند والصين، طبعاً حجج نظام مبارك لا تتوقف ولا تتعطل، فالحاصل أن هذا الحكم المستمر منذ 28عاماً علي عرش مصر لم يعد متميزاً في شيء إلا في التحجج، ولم ينجح هذا النظام في شيء إلا في الفشل!

المهم أن الهند والصين (الفيل والتنين) نجحتا في الانتقال الرائع ومصر لم تبرح مكانها في الدول النامية النائمة؛ لأنه قد غاب عنا ما حضر في نيودلهي وبكين، التخطيط والنزاهة!

نعم هذا هو العمود الفقري لأي نجاح اقتصادي لأي دولة في العالم، التخطيط الذي هو وضع خطط علمية ومدروسة ومحترمة وهذا التخطيط قد يقوم به نظام مستبد وديكتاتوري لا يعرف الديمقراطية ولا يعرف ربنا حتي مثل نظام بكين، لكنه يعرف احترام التخطيط والخطط، يعتمد علي الخبراء وأصحاب الكفاءة والعلماء ذوي الدراية، لا يجمع حوله وداخله الأفاقين والمنافقين الذين يرفعون شعار أحلامك أوامر يا أفندم، نظام مستبد وديكتاتوري لكنه علمي ومنهجي لا يتعامل مع الرئيس الحكيم الذي يفهم كل شيء في الزراعة والصناعة والتجارة وبناء الكباري وخطط مباريات المنتخب، نظام مستبد لكنه لا يعبد الرئيس ولا يقدس سيادته ومن ثم فهو يرفع من قيمة العقل والمنطق والعلم وليس لديه جوقة من المحبظاتية من ترزية القوانين والخطط حسب الكيف ورقبتي ياريس، الصين تعيش تحت حكم ديكتاتوري وحزب واحد محتكر للسلطة لكنه ليس حزب العشوائية والفهلوة وشيل ده من ده يرتاح ده عن ده، حزب محتكر للسلطة ولكنه ليس محتكرً للحقيقة ولا للفهم ولا للعلم ثم ليس فيه رجال أعمال ومليارديرات خطتهم الوحيدة هي نفخ ثرواتهم، حزب مستبد لكنه علي الأقل لا يضع رجل أعمال متهماً بالاحتكار مسئولاً عن الخطة والموازنة، إذن يمكن أن يلتزم بالتخطيط حزب ديكتاتوري ولكنه يملك عقيدة وطنية لتطوير بلده وليس لإثراء أعضائه كما أنه لا يقوم علي تقديس رئيسه ولا تأليه زعيمه (ليس غريباً أن هذا التفوق يظهر بعد رحيل الزعيم الصيني المؤله ماوتسي تونج) والتخطيط كذلك قد يصدر عن حكومة منتخبة ديمقراطياً مثل حكومة الهند التي تملك عقلاً وطنياً ووعياً قومياً ومسئولية تجاه مجتمعها وشعبها فتخطط لبلدها مستعينة برجال العلم والخبرة والكفاءة وبدقة وبالتزام وأمانة لأنها تعرف أن الشعب سوف يسائلها ويحاسبها وأنها لن تبقي للأبد في الحكم وأنها جزء من هذا الوطن وليست هي الوطن وغيرها خونة وعملاء، التخطيط هو بداية وأساس أي تطور وتقدم اقتصادي وتنموي سواء جاء عن حكومة ديمقراطية كالهند أو ديكتاتورية كالصين.

نأتي للحتمية الثانية لأي تطور وهو النزاهة، طهارة اليد شرط نجاح تنفيذ أي خطط، وهذه النزاهة قد تتحقق كما في الصين عبر توفر شفافية داخلية في حزب محتكر وسلطوي ولديه قدرات عالية علي المحاسبة والرقابة علي مسئوليه ولا يتهاونون في أي فساد أو إفساد إلي حد تنفيذ عقوبات الإعدام في المرتشين والفسدة ثم هو حزب محتكر للسلطة لكن يتم داخله تداول للسلطة وصعود وإبعاد لقياداته ومن ثم يحقق هذا التداول الشفافية الواجبة والرقابة الذاتية ومسئولية المحاسبة، وليس هو الحزب الذي يركن إلي قيادات مستقرة في مقاعدها لا تغير ولا تتغير وتأبي المحاسبة وتتحصن بمقاعدها فتفسد وتُفسد كما شاءت وساءت، وقد تتحقق النزاهة عبر نظام ديمقراطي كالهند يملك برلماناً محترما وفاعلا بلا موافقين ومصفقين وانتقال لجدول الأعمال، برلمان قادر علي محاكمة وزراء وسحب ثقة من حكام وصحافة حرة نابهة ومتعددة الرؤي والمصالح ومجتمع مفتوح ورأي عام قادر علي مراقبة ومحاسبة حكومته والعصف بها إن أراد!

عند الفيل والتنين في الهند والصين تخطيط ونزاهة وفي مصر رمز الجمل تخبيط وتخليط.. ونزيهة!

قارن إذن بيننا وبينهم وتحسر وتحسبن.. حسبي الله ونعم الوكيل!

الفيل والتنين 3


من أول السطر


قبل أن أقول لك لماذا لم تصبح مصر مثل الهند والصين؟

لماذا لم تتحول مصر خلال عشرين عاماً أو أقل مثلما تحولت الهند والصين من دولة نامية يأكل الفقر نصف سكانها ومفلسة تقريباً إلي دولة عظمي تتصدر العالم في التصنيع والتصدير وتشكل قوة اقتصادية كبري تغير موازين الكون ويعمل لها العالم ألف حساب؟

قبل أن أقول لك لماذا؟ (علي الأقل من وجهة نظري) تعال نتأمل الرموز التي يتم استخدامها في جميع أنحاء الدنيا لوصف تلك الدولتين، أما الهند فهي الفيل، وكما نعرف فالهند دولة تعيش وتنتشر فيها الأفيال ولكن قارة أفريقيا كذلك تشتهر بالأفيال لكنها لم تستخدم في وصف أفريقيا اللهم إلا في لقب فريق كوت ديفوار في كرة القدم، ويبدو السبب أن الأفيال وسيلة نقل في أماكن كثيرة بالهند في وقت من الأوقات ولم تكن حيواناً للترفيه أو للعيش في الغابات، ثم هي استطاعت ترويض هذه الأفيال وتحويلها إلي حيوانات صديقة وأليفة ولها كذلك احترامها الواجب بين أفراد الشعب كما أن في الهند شبهاً بالفيل فعلاً فهي ضخمة العدد واسعة المساحة ثقيلة وقوية وبعيدًا عن الهزار السخيف الذي يردده المصريون عن المهراجا والفيل الأزرق والألماظة وهذا الحشد من البلاهات فإن الفيل رمز صادق للهند.

أما التنين الذي يرمزون للصين به فهو كائن أسطوري كما حضارة الصين الأسطورية القديمة كما أنه أخطبوطي التكوين كما الصين المترامية والغامضة، ثم هي دولة تمكنت من مزاحمة وممازحة الوحوش الكامنة في تاريخها، ما يشكل التنين جزءاً أصيلاً من تراثها في الحكايات والمهرجانات الشعبية!

ومن ثم يأتي السؤال منطقياً ومفاجئاً في الوقت نفسه : بماذا يمكن ان نشبه مصر؟ ما الحيوان أو الطائر الذي يمكن أن نرمز به لمصر؟

ممكن يبقي النسر؟ حيثيات هذا الاختيار هو ان النسر أهم شيء في التعامل اليومي والإداري في مصر فلا أعرف من أين استوحي الموظف المصري النسر علي علم مصر الوطني (قبل أن يصبح الصقر) وكيف تحول النسر إلي ختم وشعار الجمهورية الذي لا تتم مكاتبة ولا تصدر وثيقة إلا ممهورة ومختومة بختم النسر؟ فالحقيقة أن 99%من المصريين لم يشاهدوا نسراً في حياتهم ولا مصر معروفة بالنسور ولا تجد في ثقافتها حكاية واحدة عن نسر ولا في حواديت الجدات، فضلاً عن أن مصر بلد لا يشتهر بعلاقة كبيرة بالطيران مثلا حتي يكون النسر بطلاً أو رمزًا وأقرب الطيور إلينا هي الحمامة وسيجد المصريون عيباً كبيراً في وصف مصر بالحمامة علي اعتبار أن مصر لا يمكن أن تبيض فهي بلد ولادة وليست بلداً بياضة!

أو ربما يكون رمز مصر هو الجمل حيث إن الجمل هو رمز الحزب الوطني الحاكم في الانتخابات وهو الذي تمارس حكومتنا أكبر عملية تزوير من أجل إنجاحه وفوزه بالانتخابات، ومن هنا فهو الحيوان الأهم والمتحكم في مصيرنا وأمورنا وهو كذلك سفينة الصحراء وأنت تعرف أن مصر في هذا العصر سفينة غارقة فهي في أمس الحاجة إلي سفينة أخري، ثم إن البلد كله يعاني الأمرِّين بين الجمل والجمَّال.

إذا لم يكن النسر أو الجمل هو نظير الفيل والتنين عندنا فما البديل؟ هل هو الحمار؟ فالحمار هو أشهر حيوان في مصر وهو جزء أصيل من منظومة العمل اليومية وهو صديق الفلاح ورأسماله وهو وسيلة النقل الأشهر وله في ثقافتنا عشرات القصص والحكايات وهو كذلك مثل ومسبة وطرفة ونكتة في حياتنا، فضلاً عن أن شبهاً ما يحوم بين الحمار وواقعنا فنحن نصف العامل بهمة بأنه حمار شغل، ويصف بعضنا بعضاً بالحمير التي تعمل وهي راضية بقليل من الطعام والغذاء والتي تشقي دون أن تحصل علي مكافأتها من الدنيا وهي صبورة وغلبانة وهي طيبة وربما غبية وهي حمولة وحمالة وهي تأخذ علقة لم يأخذها حمار في مطلع، ثم إن شعار مصر كلها «اربط الحمار مطرح ما عايزه صاحبه»، ونحن شعب لا يفعل في الحياة شيئاً أكثر من ربط الحمار مطرح ما صاحبه عايزه!!


الفيل والتنين 2


من أول السطر
إبراهيم عيسي

حين نعرف كيف نجح الآخرون سنعرف لماذا فشلنا نحن؟
لقد دفع اليأس الهند إلي التغيير الاقتصادي بالسرعة التي حدث بها في الصين، لكن بعد أكثر من عقد وفي شكل مختلف تماما، في عام 1991 كانت الهند مفلسة تماما، ألقت المقادير خلال عامي 90و91 فقط بمائة وعشرين مليون هندي إلي حضيض الفقر، وأدي التضخم - الذي بلغ 17 في المائة إلي تآكل الدخول المنخفضة - وبحلول العام 1991، أصبح 330 مليون نسمة أو( اثنان من بين كل خمسة هنود) يعيشون تحت خط الفقر، وانهارت الموارد المالية للحكومة، وأضحت الهند أمام كارثة محققة.
كان البلد مفلساً، أوقفت المصارف الإقراض للهند، كما ألغت بطاقة الائتمان لعدم السداد، وهبط احتياطي الصرف الأجنبي إلي مستويات تكاد لا تفي إلا بتكلفة أسبوعين من واردات النفط. وطارت حمولة طائرة بأكملها من احتياطي الذهب الهندي إلي لندن تم دفعها رهانا مقابل ضمان قروض قصيرة الأجل من الغرب، خلال هذه الأعوام ماذا حدث للهند بعد أن قررت النهوض؟

نما الاقتصاد بأسرع مما كان علي مدي عقود، وبدأت الشركات تشغيل العاطلين، وانخفض حجم التضخم من أكثر من عشرة إلي ما دون العشرة، بحيث يمكن التحكم فيه، وانخفض الدَّين، كما تم استرداد احتياطي الصرف الأجنبي النفيس، وتجنبت الهند الأزمة، وظلت الأضواء مشتعلة لم تنطفئ في أعظم بلاد الدنيا في هندسة الكمبيوتر وأكبر عدد مهندسي البرمجيات في العالم.

أما الصين عندما تولي «هسياو دنج» مقاليد الأمور زار في نوفمبر 1978 بانكوك وكوالامبور وسنغافورة، وصل «دنج» إلي سنغافورة مرتديا البدلة الصينية (هي تقريبا البدلة الصيفي الشهيرة للموظف المصري )، وقام بجولة في أنحاء سنغافورة، ووجد في البلد نموذجا حديثا متقدما تكنولوجيا جديرا بأن تقتدي به الصين لتطوير نفسها، وقال السيد لي بعد ذلك بعقود: «كانت هذه الرحلة بمنزلة جرعة استنفار ونقطة تحول»، وكانت كذلك حقا سواء بالنسبة إلي دنج شخصيا أو إلي كل الصين، ولقد كانت ولا تزال سنغافورة - التي هي دولة صينية عرقيا - مشهورة علي نطاق العالم بما تتمتع به من استقرار، وأنها خاضعة لحكم الحزب الواحد، وتفتقر إلي الحريات واشتهرت كذلك بتحولها السريع والمثير من بلد نام إلي بلد حديث ورأسمالي، وتتدخل الدولة بقوة في عملية التخطيط الاقتصادي في سنغافورة، كذلك تقوم بإقامة بنية أساسية حديثة وجذب الاستثمار الأجنبي.، وبينما كان دنج يحاول في العام 1992 الإسراع في الإصلاحات، أرسل ما لا يقل عن أربعمائة وفد صيني متفرقين - من المحافظين ورؤساء البلديات وسكرتارية الحزب وغيرهم من الرسميين - إلي سنغافورة خلال سنة واحدة ليشاهدوا- في تعجب- الصورة التي يمكن أن تكون عليها الصين بعد التحديث. والنتيجة علي سبيل المثال في سنة 2000 كانت الصين تُصَدِّر 30 في المائة من لعب الأطفال في العالم، وبعد خمس سنوات كانت الصين تُصَنِّع 75 في المائة من كل اللعب الجديدة في العالم!

وأصبحت الصين علي مدي العشر سنوات الأخيرة صانع الأحذية العالمي، وتُصَدِّر زوجا من بين كل ثلاثة أزواج أحذية في العالم، وصدّرت الصين في العام 2001 ما قيمته 3.1 مليار دولار قطع غيار للسيارات، ووصل الرقم إلي 9 مليارات دولار خلال السنوات الأربع التالية، وصدرت الصين في العام 1996 ما قيمته 20 مليار دولار أجهزة كمبيوتر وهواتف خلوية وأجهزة تسجيل «سي دي» وغيرها من الأجهزة الإلكترونية، وبحلول العام 2004 صدّرت الصين أكثر من أي بلد آخر ما قيمته 180 مليار دولارأي حوالي تسعة أضعاف، وتصدر الصين الآن في اليوم الواحد أكثر ما كانت تبيعه في الخارج علي مدي عام 1978 وقتما شرعت في الانفتاح الاقتصادي!

نجحت الصين والتي هي سلطة ديكتاتورية ونجحت الهند وهي دولة ديمقراطية حكامها ملزمون بالمحاسبة أمام البرلمان وأمام صحافة حرة (جدا)، فلماذا لم نفلح نحن في مصر؟ أخذنا من الصين ديكتاتوريتها ولم نأخذ تقدمها؟ ولم نأخذ من الهند لا تقدمها ولا ديمقراطيتها!

ليه؟

أقولك ليه !..

الفيل والتنين


من أول السطر

إبراهيم عيسى
كي تعرف أن نظام الرئيس مبارك الذي يستمر منذ 28 عامًا فشل في أن يصنع من مصر شيئًا كبيرًا وعظيمًا بين الأمم، وكي تدرك أن ما نعيشه من ظروف اقتصادية بائسة إنما هي بفعل فشل هذا النظام في إدارته للبلد، تعال نذهب معًا إلي الفيل والتنين أو الهند والصين وكيف نجحت هاتان الدولتان في الصعود إلي قمة العالم الاقتصادية والانتقال بشعبيهما من درك الإفلاس والفقر الدكر إلي أن يتحولوا إلي ذكور العالم الاقتصادية، كيف تغير الهند والصين مصيريهما؟ وكيف تغيران - بفضل هذا كله - مصير العالم، وتنتقلان من بين صفوف بلدان العالم النامي لتحتلا موقع القوي العظمي؟ هذه ليست قصة نجاح الصين والهند بقدر ما هي ملحمة فشل مصر، ففي خلال أقل من عشرين عامًا حدثت المعجزة الآسيوية في الهند والصين!

سأستند في معلوماتي هنا إلي كتاب (الفيل والتنين) لكاتبة أمريكية متخصصة هي روبين ميريديث (صدر عن سلسلة عالم المعرفة من ترجمة الكبير شوقي جلال) لم ترد فيه كلمة واحدة عن مصر لكن في كل سطر فيه يقفز في وجهك السؤال: إشمعني إحنا؟ لماذا لم نصبح في عصر مبارك الطويل مثل هاتين الدولتين، لقد كسر (أو بالأحري حطم) الصعود الصيني والهندي كل الأوهام التي يروجها لنا نظام الرئيس مبارك كمبررات للوضع الاقتصادي الهزيل والمخجل الذي تجد مصر فيه نفسها بين دول العالم؛ حيث تقبع في قاع الدول المصدرة والمصنعة أو المكتفية ذاتيًا أو المؤثرة اقتصاديا، فضلاً عن وجود 44% من الشعب المصري تحت خط الفقر، ناهيك عن الانتشار الهائل للبطالة والتي تصل نسبتها حسب بعض الخبراء إلي 18% ويمكن لأي قارئ كريم أن يتكرم ويضيف لهذا المقال مزيدًا من الأمثلة علي حال الشعب المصري، فالكاتب ليس أعلم من المكتوب له. لكن لنركز الآن في الأوهام التي عاش عليها النظام المصري، الوهم الأول الذي ضربه النجاح الهندي والصيني وَهْم أعملكوا إيه وأجيب لكم منين؟وهذا الكلام الذي تسمعه من كبير مسئوليك، فالدرس الصيني هو أنك يمكن أن تنجح! نعم، فالفشل ليس قَدَرًا والتأخر والتدهور الاقتصادي ليس قضاء محتومًا ونقدر نعمل حاجة وحاجة كبيرة مش علي طريقة أجيبلكوا منين؟.. الوهم الثاني الذي تحطم هو أن التقدم والنجاح الاقتصادي المذهل حِكْرٌ علي الغرب سواء أوروبا أو أمريكا. أبدًا أي بلد عفي في أي مكان في العالم يمكن أن يفعلها. الوهم الثالث الذي تم نسفه نسفًا هو التحجج الملح والمخجل بأن الزيادة السكنية هي سبب استنزاف الثروة؛ حيث الهند والصين أعلي بلاد العالم كثافة وزيادة سكانية. الوهم الرابع هو الجملة الرزلة والممجوجة التي يرددها كل مسئول من عام 81 وحتي الآن وهي عنق الزجاجة التي يمر بها اقتصادنا، أو سخف الحديث عن إصلاح اقتصادي لمدة 28عامًا، فهل يصدق عاقل أو حتي مخبول أن اقتصادًا يتم إصلاحه 28عامًا ولا ينصلح أبدًا، إلا إذا كان الذين يصلحونه إنما هم مفسدون؟ في الهند والصين يتحقق إصلاح وتطور ونقلة هائلة في أقل من عشرين سنة تجعل من دولة نامية موشكة علي الإفلاس تتحول إلي دولة عظمي اقتصاديًا. الهند تحركت ببطء لكن في ثبات مطرد، علي عكس الصين التي صعدت بسرعة الصاروخ. ومع ذلك الهند بدأت نهضتها سنة 1991وهوب في السما، أما الصين فقد بدأت من 78 وسبقت أسرع وارتفعت أعلي، رغم أن الهند والصين، من نواح أخري كثيرة، متعارضتان؛ الهند ديمقراطية والصين تتبع نظام حكم ديكتاتوري، والهند أمة فيها مائة مِلَّة ويتحدث شعبها أكثر من ثلاثين لغة مختلفة، بينما الصين لغة واحدة وملة واحدة لكن ثمة شيئًا واحدًا فقط مشتركٌ بين البلدين الآن؛ الهند والصين أسرع الاقتصادات الكبري نموًا علي ظهر الكوكب، وفجأة أصبح كل منهما أرضا خصبة لأصحاب الأعمال والعاملين والعملاء والمنافسين، واستطاع المديرون التنفيذيون في مجالس إدارات الشركات من نيويورك إلي طوكيو ومن لندن إلي فرانكفورت التقاط حمي الهند الآن مثلما التقطوا منذ عقد مضي حمي الصين، وها هم كبار أصحاب مشروعات الأعمال يتحركون جيئة وذهابًا في سفريات مكوكية حول العالم؛ لأن الأمتين الصاعدتين تحققان نموًّا سريعًا للغاية، بحيث جعلتا اقتصادات الولايات المتحدة وأوروبا واليابان تبدو كأنها اقتصادات راكدة، وفجأة أيضًا أصبحت إقامة مشروعات الأعمال في الهند والصين الأمل الوحيد للشركات الغربية التي قررت الإسراع لكسب عملاء جدد.. مرة أخري تخيل أن الصين بدأت كل هذه النهضة منذ عام 1978فقط حيث كانت وقتها مبددة وضائعة تقريبًا، بينما الهند بدأت صعودها المدوي منذ حوالي 17عامًا فقط.. إزاي؟

أقولك إزاي!

أمن غزة أمننا وأمن سوريا كذلك


يسرى فودة
ربما لا يعلم البعض أن صاحب فكرة إقامة دولة حملت بعد ذلك اسم »إسرائيل» هو نابليون بونابرت؛ إذ إن هذا الداهية العسكرى الفرنسى هو الذى التفت حوله فأمعن النظر فاستطاع أن يقرأ واقع الجغرافيا السياسية للشرق الأوسط ببراعة لم يسبقه أحد إليها من قبل. «إذا أردت السيطرة على قلب العالم العربى فعليك أن تقصم وسط الساحل الشرقى للبحر الأبيض المتوسط». هذه هى فلسفته قبل أكثر من قرنين من الزمان، وهذه هى مصيبتنا اليوم.

من نوافل القول الآن إن فلسطين، وبخاصة غزة، تدخل مباشرةً فى قلب مفهوم الأمن القومى المصرى. تهتز غزة فتلين بوابة مصر الشرقية، وتصمد غزة فتمتنع مصر كلها. هذه عصارة تاريخ طويل من أيام الفراعنة والرومان والعرب والتتار والصليبيين والاستعمار الحديث والإسرائيليين. اختلفت طبائع الصراعات من عصر إلى عصر لكنها اتفقت جميعاً على ظاهرة واحدة: أن مصر تنتصر حين تدافع عن نفسها خارج حدودها، أو حين يدافع عنها الآخرون.

فليفكر إذن مرةً أخرى أولئك الذين «تكرموا» فى مصر بالتعاطف مع ضحايا مذبحة غزة الأخيرة. فهؤلاء الذين استشهدوا بقنابل اليهود الإسرائيليين استشهدوا فى الواقع دفاعاً عن مصر، سواء أدركوا هذا أو لم يدركوه، سواء أحبوه أو كرهوه. وليفكر إذن مرةً أخرى أولئك الذين يخلطون، عن عمد أو عن سهو أو عن جهل، بين أهداف سياسية مرحلية مؤقتة زائلة وبين ثوابت الأمن القومى وأعمدة الجغرافيا السياسية. وليفكر إذن مرةً أخرى أولئك الذين أرادوا أن يكونوا أنانيين ففشلوا حتى فى استيعاب مفهوم الأنانية.

جوهر الأنانية «الإيجابية» فى هذه الحالة يقبع فى دفاعك «عمليا» عن نفسك عن طريق دعم من يقف أمامك فى الصف، لا عن طريق رفع شعار عاطفى أجوف مثل «مصر أولاً»، ولا عن طريق ركل من يقف أمامك فى مؤخرته. تعيش مستور الصدر إذا عاش وتواجه الطوفان عارى الصدر إذا مات. أنا أرفع شعار «أنا أنانى» ولهذا أنا أبدأ بنصرة من هو مثلى «أنا»، ثم أتحسس مسدسى حين أسمع كلمة «مصر أولاً».

فليفكر إذن مرةً أخرى «أسيادنا» حين يعلمون أن «عبداً» مملوكاً، اسمه الظاهر بيبرس، هو الذى أدرك جوهر الأنانية «الإيجابية» من منظور مصر فخرج لنصرة الشماليين على التتار فعاشت بلاده. وليفكر إذن «أسيادنا» لماذا تثور ثورة من يعتبروننا أعداءهم (و يعاملوننا على هذا الأساس) كل مرة يقترب فيها جنوب الساحل الشرقى للبحر الأبيض المتوسط من شماله (مصر وسوريا بلغة اليوم). حدث هذا أيام صلاح الدين الأيوبى وأيام محمد على، كما حدث أيام جمال عبد الناصر وأيام حرب أكتوبر المجيدة، وسيحدث دائماً كل مرة يقترب فيها القطبان.

هذا هو واقعنا وهذا هو قدرنا، ومن لا يدرك هذا فهو إما جاهل أو مُغرض. أما وأننا لا نعتقد أن صناع القرار، سواءٌ فى مصر أو فى سوريا، يندرجون تحت أى من هذين التصنيفين فإن من الحكمة، ومن المسئولية فى آنٍ معاً، أن نرتفع جميعاً فوق مستوى الحسابات المرحلية والاستمزاجات الشخصية قبل أن يتحول المرحلى إلى متكرر ويتحول المتكرر إلى منهجى ويتحول المنهجى إلى ثابت.

الحكومات تأتى وتروح. لكل منها رؤيتها للواقع بناء على ما ترى فيه مصلحتها ومصلحة شعبها. وحتى إذا تلخصت رؤيتها لمصلحتها فى مجرد البقاء فى السلطة رغم أنف الشعب (مثلما هو الحال مع معظم الحكومات العربية) فإن ذلك لا يمنحنا الحق فى استخوانها ولا يمنحها الحق فى استغفالنا، ولا يمنح أياً منا الحق فى مصادرة الثوابت.

مثلما أن من الواجب أن يسعى المرء بكل الطرق المشروعة إلى استعادة الحق، فإن من الواجب كذلك حين يدرك أن ظروفه لدى لحظة زمنية معينة لا تسمح له باستعادة الحد الأدنى من حقه ألا يحرم الأجيال القادمة من شرف المحاولة لعل الظروف تتغير، وهى متغيرة لا محالة. وبالمقابل، مثلما أن من الواجب أن يكون لدى المرء رؤيته الخلاقة فى قراءة موقف متراوح، فإن من الواجب كذلك أن تكون لديه القدرة على التمييز بين ما هو مرحلى وما هو ثابت. بعبارة أخرى: أن يكون قادراً على تحديد مواقع الخطوط الحمراء، وأن يكون من الحكمة (ومن الواقعية) بحيث ينحنى تواضعاً أمامها وإلا كانت نهايته.

من الحكمة والواقعية كذلك (و أيضاً من شجاعة القلب) أن تنصر الحاكم على المتزلفين والمنافقين والذين لا يعلمون. إنها لمسألة تدعو إلى الأسف أن يعقد البعض منا، ومن بينهم «الزعيم» عادل إمام، دم شهداء غزة بناصية المقاومة (بغض النظر عن رأيك فى منهجها وفى أعضائها)، وإنها لمسألة تدعو إلى الحزن أن تقوم بعض الجماعات بإهدار دمه لأنه عبر عن رأيه فخانه الفارق بين المرحلى والثابت. وإنها لمسألة تدعو إلى التأمل أن تكون لدى البعض منا فى مصر كل هذه القدرة على التعالى والغرور (وأحيانا العنصرية) حين نواجه نقداً من هؤلاء «العرب»، حتى ولو كان بناءً وراقياً وعلى حق.

غير أن المسألة التى تدعو إلى القلق، أشد القلق، هى انتقال هذا اللغط من دائرة النخبة إلى دائرة العامة بصورة تهدد بخلط المرحلى بالثابت ربما إلى أمد بعيد على مرأى ومسمع من جيل نما فى ظروف هشة.

بين أيدينا فى مصر جيل يفصله عن حرب أكتوبر أكثر من خمسة وثلاثين عاماً، جيل لم يدرس مادة «التربية القومية»، جيل لم يعد حكراً على الآلة الإعلامية للدولة، جيل خرج منه من تزوج إسرائيليات وخرج منه من التحق بالقاعدة، جيل لا يعلم إذا تسلل لص إلى منزله بأى رقم هاتفى يتصل. لقد وصل «جيل كامب ديفيد» بين ليلة وضحاها إلى مرحلة الشباب فلم يجد موقعاً له فى البلد أفضل من موقع «فيس بوك».

على هؤلاء ينبغى أن نقلق وعلى أولادهم، لكننا بدلاً من ذلك «نستخدمهم» فى إطار ألعاب سياسية شخصية مرحلية عبثية تنتمى إلى عصور سحيقة، تماماً مثلما استخدم عبد الناصر (بغض النظر عن رأيك فيه) صوت العرب (بغض النظر عن رأيك فيه) كى يؤلب الرأى العام العربى (بغض النظر عن رأيك فيه) على النظام السعودى (بغض النظر عن رأيك فيه). فلا فشل عبد الناصر ولا فشل صوت العرب ولا فشل الرأى العام العربى ولا فشل النظام السعودى. فقط أضعنا وقتنا فى عبثية ضارة لا نزال نشتم رائحتها حتى اليوم فى عقدة «الفوقية/الدونية» لدى بعض النماذج فى الشعبين الشقيقين.

إننا لا نريد لمثل ذلك أن يحدث اليوم بين الشعبين المصرى والسورى. سيغضب كثيراً فى قبره نابليون بونابرت. لا نريد للمرحلى أن يتكرر ولا نريد للمتكرر أن يتمنهج. إن الخطر يكمن فى أن يتجاوز الخلاف مستوى الساسة إلى مستوى الأمنيين إلى مستوى الإعلاميين إلى مستوى المثقفين إلى مستوى الفنانين إلى مستوى عامة الشعب. عندها يتحول الخلاف إلى شك ويتحول الشك إلى كراهية، ويتحول نابليون بونابرت فى قبره إلى البحث عن تحدٍّ آخر أكثر تشويقاً.

هذه الأشياء الصغيرة



أحمد المسلمانى

ما الذى فعله رئيس الوزراء التركى العظيم أردوغان مع إسرائيل؟ الإجابة: لم يفعل الكثير.. لا قطع العلاقات الدبلوماسية، ولا أوقف المعاملات التجارية، ولا ألغى اتفاقيات التعاون العسكرى.

لكن أردوغان الذى يعرف جيداً ما هى السياسة، فعل تلك الأشياء الصغيرة.. المبادئ التى لا تكلف الكثير من الجيش ولا المال ولكنها تعنى الكثير من الاعتبار والاحترام.

استثمر أردوغان فى المبادئ ونال بعائد الأخلاق ما لم ينله زعيم آخر فى تلك المحنة، قال أردوغان عن الحرب ما هو لازم، وقال عن الضحايا ما هو واضح، وقال عن إسرائيل ما هو شائع. لم يفعل أردوغان إلا هذة الأشياء الصغيرة الكبيرة. لم يطالب أحد تركيا بقطع العلاقات، ولم يتظاهر عربى واحد يطلب من أنقرة طرد السفير، ولم يخطب ثائر أو تاجر يزايد على موقف رجل استقبل كل قادة إسرائيل واحداً تلو الآخر.

■ لكن.. لماذا لم يحدث الأمر نفسه مع مصر؟ ولماذا تجرأ على بلادنا كل من هب ودب وما لم يهب وما لم يدب؟ ولماذا أصبحت القاهرة مرمى نيران العرب بديلاً عن تل أبيب؟ ولماذا تجاسر قادة فصائل وفسائل على الهجوم على بلادنا دون اكتراث بحاضر المحنة أو قادم الأيام؟

■ الإجابة أسهل من الأسئلة.. ذلك أن فى مصر دبلوماسية تساوى صفراً وإعلاماً يساوى صفراً.. لأن الذين يعبرون عن بلادنا أقل من مستوى قرانا ونجوعنا.. لأن لدينا وزير خارجية لا يعرف شيئاً عن مصر أو العالم.. لا يعرف كيف يؤيد ولا كيف يهاجم ولا كيف يرد ولا كيف يجادل ويناور.. وزير خارجيتنا فشل فى الصمت بمثل ما فشل فى الكلام.. كلامه من تراب وسكوته من ذهب.

أسس وزير خارجيتنا نوعاً جديداً من الدبلوماسية هو دبلوماسية المصطبة مزيج من أحاديث ربات البيوت وثرثرات المراهقين وانفعالات العامة.. لا فكر ولا رؤية.. لا تكتيك ولا استراتيجية.. ولا أى شىء.

■ فى كل مرة يخطئ الآخرون ويظهر للجميع حجم المزايدات والرياء الذى هم فيه يرتعون، يقوم وزير خارجيتنا بما ينزع عنا الهيبة ويعيد إليهم الاعتبار، لو صمت وزير خارجيتنا تماماً لكسبت مصر ثلاثة أرباع المشهد الراهن.. ولو أنه أجاد بعض العبارات لكسبت مصر المشهد بكامله.

■ كان يمكن للوزير ألا يهاجم حماس ولا حزب الله ولا قطر، كان يمكن ألا يوقع بلادنا فى خصومات لا تجوز ولا تليق. وكان يمكنه أن يُظهِر بلادنا طرفاً لا وسيطاً وداعماً لا مشاهداً.. وكبيراً فوق جميع الأدوار والرجال.

كان يمكنه أن يطلق تصريحاً قوياً بالتفكير فى طرد السفير، والشروع فى وقف الغاز والتمهيد لإلغاء أبوحصيرة، والمرونة فى إدارة المعبر، والإعداد لمحاكمة إسرائيل. وحتى لو لم يفعل الوزير أى شىء من ذلك فإن أردوغان أيضاً لم يفعل، ولكنها السياسة والقيادة.. إنها المسافة الشاسعة بين دبلوماسية الدولة ودبلوماسية المصطبة.

المستشار طارق البشري يكتب هذه إمارة شرم الشيخ.. فأين دولة مصر؟
لكي نفهم ما يجري في بلدنا وما تنتهجه السياسة الرسمية لدينا، علينا أن نستحضر نص خطاب ذكره السيد رئيس
الجمهورية فيما ذكر، أمام الهيئة البرلمانية للحزب الوطني الديمقراطي، وهو الحزب الحاكم لأكثر من ثلاثين سنة مضت، وذلك بمناسبة بدء الدورة البرلمانية لمجلسي الشعب والشوري في سنة 2003 - 2004.

جاء هذا الخطاب في 11 نوفمبر سنة 2003 وأذاعه السيد صفوت الشريف الامين العام للحزب بصحيفة الأهرام في 12 نوفمبر في الصفحتين الأولي والثالثة.

تحدث رئيس الجمهورية عن زيادة السكان في مصر ونبه إلي مخاطرها بقوله: «إننا لا نريد يوماً أن نصل إلي تلك الدول التي لا تهتم سوي بنسبة 10% من سكانها، وتترك الآخرين في العشوائيات دون رعاية أو تعليم، نريد أن نحافظ علي مقومات هذا البلد وزيادة مواردنا.. وكان من عناوين الصفحة الثالثة، «.. ولا نريد
الوصول إلي مستوي دول لا تهتم سوي بنسبة 10% من سكانها وتترك الآخرين في العشوائيات».


وهكذا، وضعت الحكومة ضمن بدائلها السياسية التي تطرحها أمام نفسها بوصفها القوامة علي شئون المجتمع ألا تهتم بأكثر من 10% من «سكان مصر» وتترك الباقي بغير رعاية، لأن «السكان» أنجبوا كثيرا، وكان مما يتلاءم مع هذا الأمر أن يشار إلي المصريين باعتبارهم «سكاناً»، لأن وصف المواطنة لن يعني في هذه السياسة إلا نسبة 10% فقط.

ونحن في الحقيقة لم يصل إلي معارفنا أن أي حكومة أعلنت لشعبها هكذا جهارا أنها لن تهتم إلا بنسبة 10% وأن تترك باقيهم «بغير رعاية»، ولكن هذا ما حدث وقد أعلن السكان المصريون بهذا الأمر علي صفحات الجرائد واسعة الانتشار وفي عناوين صدر الصفحات.

وبعد ذلك بقي «السكان» يتساءلون في دهشة عجيبة: لماذا تصنع الحكومة كذا ولا تصنع الحكومة كذا ولا تصنع كذا، ولماذا تتخذ هذه السياسة ولا تتخذ سياسة أخري متاحة وممكنة؟ وذلك دون أن يتفكروا في سؤال آخر، وهو هل هذا الصنيع أو هذه السياسة مما ينتج عن اختيار بديل الـ 10%، ومن ثم يتحول أمر 10% من بديل محتمل إلي اختيار تم وينفذ فعلاً، وإلي واقع يجري عملاً.

وعلينا أن نتأمل هذا التصور في التطبيق وفي واقع الحال الذي يدور حولنا، وذلك عندما
ننظر في التعليم مثلاً وكيف ترك التعليم العام الذي تديره الحكومة يتهدم ويستشري فيه فساد الدروس الخصوصية، وهو التعليم المعد للشعب المصري بطبقاته الوسطي، ثم ظهرت مدارس خاصة أجنبية لأبناء صفوة الصفوة في المجتمع بمصروفات بالغة الارتفاع لا يقدر عليها أبناء طبقة المهنيين الذين تتكون منهم أجهزة إدارة الدولة ولا فئات ذوي الدخل المحدود من أصحاب الرواتب والأجور والمهايا، وكذلك عندما ننظر في أمر التعليم الجامعي وتهدم أركان الجامعات المصرية ذات التاريخ والشموخ العلمي والرصانة الفكرية، ونشوء أكثر من ست عشرة جامعة أجنبية بمصروفاتها الباهظة، وكذلك الشأن في الصحة ونفقات العلاج، وكذلك عندما تنظر في أسلوب تعامل الحكومة مع حادث مثل غرق العبارة، فإن كل خسائر العبارة من أرواح إنما ينتمي لا إلي نسبة 10%، ولكن إلي غيرهم من السكان، فلم يكن ثمة اهتمام بالأمر يتناسب مع ما ظننا أنه يستأهله وكذلك الشأن بالنسبة لحادث صخرة الدويقة التي ردمت تحتها من أجساد البشر أفراداً وأسراً بكاملها مالم يعتن أحد حتي بإحصائهم، ثم مسألة الخبز نوعا وجودة وشحا ووجودا، وهل هو مما يناسب غذاء البشر أم يقف عند حدود علف البهائم، وهذا كله وغيره من تطبيقات «ترك الآخرين في العشوائيات دون رعاية»، لأن الحكومة يمكن أن تكتفي بنسبة 10% من السكان كما أعلنت.

لسنا في مجال متابعة التطور التاريخي للدولة المصرية وتصوراتها علي مدي الثمانينيات والتسعينيات من القرن العشرين والعشر الأوائل من القرن الحالي، ولكن يمكن القول بإيجاز شديد إن وضع الدولة المصرية الآن وبعد تردد شديد وأخذ وجذب متتالتين علي مدي الثمانينيات والتسعينيات، حُسمت الأوضاع بداخلها لصالح هذا البديل، بديل الاكتفاء باهتمام الدولة بنسبة 10% من «السكان»، وذلك من نهايات سنة 1999 بالتعديل الوزاري الذي جري في أكتوبر 1999 وتعيين الدكتور عاطف عبيد رئيساً للوزراء، وهو كان مسيطراً علي قطاع الأعمال العام منذ 1991 عندما صدر القانون رقم 203 لسنة 1991، وسيطر علي أكثر من ثلاثمائة شركة إنتاج صناعي وزراعي وتجاري وسياحي وغيره، وأدت سياسته المنفذة غير المعلنة إلي ما أصاب هذا القطاع من توقف الأعمال وف
قد العمالة الماهرة والخروج من الأسواق وتراكم المديونيات وغير ذلك وكان تولي الوزارة منبئاً عن سيادة هذا الاتجاه السياسي في إدارة شئون البلاد توطئة للبيع وإكمال تفكيك الأبنية الإدارية للهيئات والمؤسسات والشركات وغيرها.

وجاء خطاب الهيئة البرلمانية سالف الذكر في 11 نوفمبر 2003 في ظل هذا الوضع الذي ساد وسيطر وحده في قمة الدولة، ثم تلاه بعد ثمانية أشهر تعديل وزاري رأس فيه الوزارة الدكتور أحمد نظيف في 10 يوليو سنة 2004 ومعه الطاقم الذي نشهده حالياً، والذي قام ويقوم بتنفيذ هذه السياسة التي تبلورت علي مدي السنوات الأربع السابقة منذ 2000 وأعلنت في 2003.

وقد طرحت للتنفيذ الفعلي والسريع هذا المشروع، ومارست وتمارس ما أظنه مفاصلة تامة مع ما لا يقل عن نسبة 90% من «السكان»، أو بعبارة أدق أنها تمارس سياسة لا تفهم إلا علي أساس أنها تتبع هذه المفا
صلة، وطرحت ما سمته ببيع أصول مصر، من شركات ومصانع سبق توقيفها ومرافق سبق تعطيلها وأراض ومستشفيات وفنادق كان لحقها البوار، وذلك لتدخل الملكية العامة الثابتة بنسبة 90% من «السكان» في نطاق المال المملوك للجماعة السياسية الجديدة، جماعة نسبة 10% أو أقل حسبما قرر هذا الوضع الجديد.

وهكذا يجري الأمر، فرز وتجنيب ثم مفاصلة، ونحن لا نعرف حقيقة النسب، وهل هي 10% أو أقل؟ ومن يقدر علي إجراء الفرز يستطيع أن يحدد ما يريد وما يحتمل من نسب قد تكون أقل، ومن لم يخش من 90% لن يخشي أيضا من 95% من «السكان».

ولكننا هنا نقيد أنفسنا بما قيل عيانا جهارا بياناً نهاراً لندرك كيف يفكر المسئولون وبأي تصور سياسي يديرون الأمور؟

لقد كان من أهم العقبات التي تواجه تنفيذ هذا التصور هو التركيب العضوي لجهاز إدارة الدولة، المدني وال
خدمي والاقتصادي والعسكري والأمني، لأن جهاز إدارة الدولة في مصر إنما يتكون من عينة مصرية لا تميز أهل إقليم علي آخر ولا أهل طائفة علي أخري ولا أهل مذهب ولا أهل قبيلة أو أسرة، لما تتمتع به مصر من امتزاج شعبي نادر الحدوث في مجتمعات أخري كثيرة، وما يدعو للتساؤل هو كيف يجري الإعداد العضوي والثقافي والطبقي لجماعة محدودة تدير شأن هذه النسبة المتصورة للجماعة السياسية المصغرة المختارة نسبة الـ 10%، ولكي تنمحي النظرة الشاملة التي اعتادها العاملون بجهاز إدارة الدولة وتحل محلها نظرة محصورة لجماعة محصورة في هذا النطاق الضيق.

لقد جري ذلك عبر التسعينيات من القرن العشرين، وكنت أشرت إليه في كتابات سابقة، وذلك بتفكيك المجتمع وجهاز إدارة الدولة، فلم يعد أي مكون من مكونات المجتمع أو جهاز الدولة قادرا علي معارضة سلطات رئيس الدولة بوصفه فردا يتربع في أعلي السلطة، ولا قادرا علي الممانعة لأي سياسة تتخذ حتي إن كانت ضد هيئات الدولة ومؤسساتها ذاتها.


ذلك إنه أعيدت هيكلة نظم التوظيف في الدولة في بدايات التسعينيات بحيث صارت وكأن جميع القيادات في الدولة وظائف مؤقتة تمد سنة بسنة أو سنتين أو ثلاث بمثل مدتها، وسواء في ذلك الوظائف القيادية في أجهزة الدولة المعنية المتعلقة بالسيادة وبالخدمات، وأجهزتها في قطاع الأعمال الاقتصادي أو في الجيش أو في الشرطة، وأدي ذلك إلي أن تحول أي من هذه القيادات من ذوي مركز قانوني يكفل لهم قدرا من الضمانات في البقاء في عملهم وقدرا من الاستغلال في اتخاذ القرار وإبداء الرأي الفني والمهني، تحولوا من ذلك إلي مجرد تابعين لمن يعلونهم سواء وزيراً أو رئيس جمهورية، إن لم يأتمروا بالأوامر فسيسقطون كأوراق الشجر الذابلة بغير حاجة إلي فصل.

يضاف إلي ذلك أن أجر أي وظيفة كان يكفي صاحبها، كفالة لضرورياته هو وأسرته وفق المستوي الاجتماعي للشريحة الاجتماعية التي تحيط به، وكان لوظيفته ولأجره منها من الضمانات القانونية والقضائية ما يكفل تأمين العامل، ثم حدث أن زادت الأسعار علي مدي العقدين الماضيين بما يفوق زيادة الرواتب أضعافا مضاعفة، فلم يعد أي راتب يكفي صاحبه وأسرته ضرورات عيشهم، وألجأ هذا الوضع العاملين إلي البحث عن مورد آخر مكمل، فانحرفت قلة ووجدت في الفساد وأساليبه مغنما، والأغلبية بحث أفرادها عن عمل آخر إضافي مكمل، فتوزع انتماؤهم بين عملهم الأصلي وعملهم
الإضافي، ولأن العمل المكمل يكون لقاء أجر غير ثابت بغير ضمانات قانونية، فقد صار هو ما يخشي عليه العامل ويوليه اهتمامه الأكبر، وذلك علي حساب عمله الأصلي، وشيوع هذا الأمر بين العاملين من شأنه انهيار المؤسسة الأصلية التي يعملون بها لانصراف العاملين فيها عن مدِّها بالقدر الأهم من أنشطتهم واهتماماتهم.

يضاف إلي ذلك أن أي مؤسسة إنما تنشأ بوصفها تشكيلاً نظامياً يضم من الخبرات والمهارات ما يتفق مع نوع نشاطها، وهي في عملها تكتسب خبرات متزايدة بما يضاف إلي رجالها من تجارب وما يؤدونه من أعمال، فإذا توقفت فقد فقدت هذا النبع من الخبرات ولحقها من الصدأ ما يلحق الآلات التي لا تعمل، والحاصل أن كثيرا من الأجهزة والمؤسسات في الدولة وقطاع الأعمال قد توقف عن أداء عمله المنوط به في هذين العقدين الأخيرين، لأنه لم يعد ثمة خطة اقتصادية تتبع ولا مشروعاً وطنياً ينفذ ولا خدمة اجتماعية تؤدي بجدية ولا مالاً ينفق بما يكفي أيا من ذلك.


وانصرف العاملون ذوو الخبرة عن أعمالهم، وكذلك الشأن إذا ارتبط بأي مؤسسة ما يجاوز أصل تخصصها وما أعدت من أجله.

هذا من ناحية تفكك أجهزة إدارة الدولة ومؤسساتها، أما من ناحية هيئات المجتمع الأهلي مثل النقابات والاتحادات وغيرها، أو الهيئات الرسمية ذات الاستقلال الذاتي كالجامعات، فقد جرت في كل ذلك تعديلات في القوانين بما يفقد أيا منها درجة استقلاله الذاتي مثلما حدث بالنسبة للجامعات، وكذلك صدرت قوانين واتبعث إجراءات كان من شأنها تفكيك الهيئات ذات التماسك كالنقابات المهنية أو السيطرة الكاملة الأمنية علي الهيئات الأخري كالنقابات العمالية واتحادات الطلبة، ولا أريد أن استطرد في ذكر التفاصيل حرصاً علي الوقت والمساحة، وحرصاً علي سرعة بلوغ المسألة التي أريد إيضاحها.

والحال أن القوة الاجتماعية والسياسية ترد من العمل الجماعي لا من الجهود الفردية، وهي ترد من العمل الجمعي المشمول بتشكيل تنظيمي، ولا فعل إلا بقوة ولا رد فعل إلا بقوة، ولا تأثير إلا بقوة ولا ممانعة إلا بقوة، والحال أيضا أن الحركة الاجتماعية والسياسية لا تنفذ بآثارها إلا بهذه القوة الجماعية المنظمة، وأن أي حراك شعبي أو جمعي من أي نوع وفي أي مجال يرد بغير قوة منظمة وإنما يكون حراكا عشوائيا ما يلبث أن يتفرق شعاعاً وأن يتشتت بددًا لا يبقي له أثر يذكر، لذلك فإن التنظيم هو ما يكون عليه المعول في حساب القوي وإدراك الآثار المتفاعلة في المجتمع للجماعات والفرق المختلفة.

ومن هنا ندرك مغزي ما سبق ذكره عن التفكك الحادث، وندرك أي خسارة فادحة لحقتنا من جراء هذه السياسة التي اتبعت منذ التسعينيات بشكل منظم وآتت بنتائجها المدمرة من نهاية التسعينيات حتي اليوم، إذا ننظر إلي أنفسنا اليوم فنجد أنفسنا ساخطين دون همة، وغاضبين دون عزم، وأن السخط والغضب يأتي منهما الوعي بالسوء والقبح والفساد، أما الهمة والحزم فيأتي بهما التشكيل التنظيمي للساخطين والغاضبين، وأنا لا أقصد هنا فقط انفكاك التنظيمات الشعبية والأهلية، ولكن أقصد أيضاً انفكاك تنظيمات الدولة فيما عدا ما يقوم علي الأمن السياسي للنظام الحاكم، ومن هنا نلحظ هذا الوهن العجيب، فننظر إلي الجماعة الحاكمة فنراها لا تعرف كيف تحكم ونراها واهنة العزم خائرة القوة إلا فيما يتعلق بمنع المظاهرات، ثم ننظر إلي المعارضة فنراها تقف عند حدود التعبير الكلامي عن المواقف وعند حدود الإدراك الصحيح الصائب لما يتعين أن يقوم، ولكنها لا تستطيع أن تحول هذه الرؤية إلي قدرة تغيير فعلي.


لقد حدث في مصر علي مدي الثلاثين سنة الماضية ما حدث في العراق علي مدي السنوات الخمس الماضية، نحن دائماً في مصر نجري التغييرات بالأسلوب «السلمي المشروع البطيء» والتعديلات الهيكلية الجزئية البطيئة التي تتراكم، وهم دائماً في العراق تجري التغييرات بالأسلوب العنيف السريع، سواء كان التغيير للأحسن أو للأسوأ.

في مصر خضعت الإرادة الوطنية للدولة لإملاء الهيمنة الأمريكية عليها، خضعت بالتدريج وكمل ذلك علي مدي عشر سنوات أو أكثر، وفي العراق أجري ذلك بعملية احتلال عسكري أمريكي سريع وتعيين حكومة موالية «للأمريكيين».

في مصر تحطم النظام الاقتصادي الوطني المستقل علي مدي ربع القرن وصار إلي التبعية للهيمنة الدولية، وفي العراق جري هذا التحول في أشهر قليلة بعد الاحتلال العسكري الأمريكي، وفي مصر تعطلت المصانع ــ مصانع القطاع
العام ــ بالترك العمد والإهمال المقصود علي مدي نحو خمس عشرة سنة وفي العراق جري ذلك في شهور أيضاً، وبالنسبة لجهاز إدارة الدولة في مصر فقد جري تفكيكه وجرت العملية من أوائل التسعينيات، وتمت ذات العملية بالتدمير السريع في العراق فور دخول القوات الأمريكية، أما من حيث الخسائر البشرية فهي في العراق تحدث بالرصاص والتفجيرات، وفي مصر تحدث بغرق العبارات وتصادم القطارات والحافلات وسقوط الصخر علي البشر أي بالطريق السلمي المشروع، والنتيجة أن المجتمع مفكك والدولة مفككة وأن القوة النظامية الوحيدة وهي شرطة الأمن السياسي، لم تعد حافظة لحكومة القلة فقط، ولكنها حافظة أيضاً لوضع التفكك الذي يضمن بقاء هذه القلة. وقد شكلت أجهزة الإدارة التي تناسب المجتمع الجديد المصغر، فتفتق الحزب الوطني عن لجنة السياسات، وجرت السيطرة علي بنوك القطاع العام بطاقته التمويلية عن طريق كوادر جديدة، ومع تغير الوزارة، نشأت حول كل مجموعة شباب، اختير بغير خبرة سابقة في أجهزة الدولة وبرواتب ضخمة جدا، وكل ذلك بعقود مؤقتة حلت محل الوظائف الثابتة حتي لا يكون لأحد قدرة علي الاعتراض.

هذا هو الوضع السياسي والاجتماعي والتنظيمي الذي يتناسب مع تحقيق مجتمع الــ 10% المعلن عنه، وقد يعمل العاملون علي تخفيفه بنسبة أقل من ذلك كثيرا، فنحن لا نعرف النوايا، ولكن المهم هو الإشارة إلي ما هي خصائص هذا المجتمع التي يمكن أن نستقرئها من الواقع الحالي ومن متابعة الأحداث الجارية. فنحن نلحظ مثلاً أن القاهرة لم تعد هي المدينة التي تمارس فيها فعلاً حكومة البلاد ولم تعد مقرًا لحاكم مصر الفرد القائم علي أزمة أمور البلد والمقرر لسياستها فيما كبر أو صغر من الشئون، صار مقره الدائم أو الذي يقيم فيه عادة هو مدينة شرم الشيخ علي شاطئ خليج العقبة جنوب شبه جزيرة سيناء وصارت هي المقر الذي يقابل فيه رجال الدولة ويعقد فيه اجتماعاته مع رؤساء وممثلي الدول الأجنبية وهو مكان عقد فيه ما يسمي بلقاءات القمة وبلغ من اطراد هذا الأمر والاعتياد عليه أن المؤتمر الدولي للاتحاد الأفريقي الذي ينعقد بحضور رؤساء الدول الأفريقية كان انعقاده الأخير السنة الماضية في شرم الشيخ رغم أن شرم الشيخ في آسيا وليست في أفريقيا بما يعني أن مؤتمر قمة الاتحاد الأفريقي لم تجد له حكومة مصر في أرضها الأفريقية الفسيحة مكانا لانعقاده فانعقد في آسيا.

وأن شرم الشيخ التي تمارس فيها وظائف العاصمة هي في الجزء الشرقي من سيناء وهو الجزء منزوع السلاح المصري بنص الاتفاقية المصرية - الإسرائيلية وهي ليست تحت سيطرة القوات المسلحة المصرية فمحظور علي مصر بموجب هذه الاتفاقية أن تتواجد فيها قوة من قوات مصر المسلحة، وهذا يعني أن أقرب القوات المسلحة لشرم الشيخ بحكم التواجد وبحكم إمكان التواجد الدولي المتاح هي القوات المسلحة الإسرائيلية براً وجواً وبحراً وهذا يذكرنا تاريخياً بوضع السلطان «محمد وحيد الدين» سلطان الدولة العثمانية الأخير بعد الحرب العالمية الأولي إذ كانت إقامته في اسطنبول وكانت تحيط به القوات الأجنبية المنتصرة علي تركيا في تلك الحرب وهذا ما من أجله نقل «كمال أتاتورك» العاصمة إلي أنقرة في قلب بلده وفي وسط الأناضول.

إن كان هذا هو شأن المدينة التي تمارس فيها الدولة مهام العاصمة في هذا الوضع الجديد وهي بعيدة عن وادي النيل الذي يسكنه ما جري التعبير عنه بأنه 90% من السكان فما هو شأن التمويل إننا نعلم أن ميزانية الدولة تمول بمصادر إيراد يرد من شئون المصريين كلهم، مما ينتج عن الزراعة في وادي النيل وعن المصانع التي تنتشر علي طول مدن الوادي وأرضه ومن عمل العاملين المصريين عمالاً وموظفين ومهنيين وحرفيين ومن ضرائب استهلاك هؤلاء جميعاً فكيف يمكن الاستغناء «بقدر الإمكان» عن هؤلاء بوصفهم مصادر إنتاج واستهلاك وعمل وغيره، إن تمويل هذه الإدارة الجديدة للدولة في وضعها المصغر يمكن أن يأتي من دخل البترول والغاز وهو مبلغ يدور حول 9 مليارات ودخل قناة السويس وهو يدور 4 مليارات وعوائد المصريين المقيمين بالخارج وهو يدور حول 6 مليارات ثم السياحة وهي تدور حول 8 مليارات وكل هذه الدخول لا تحتاج إلي وادي النيل في مصر وهو موطن أكثر من 90% من السكان ولا تنتج في الأساس عن أنشطة إنتاجية خاصة بسكان هذا الوادي وهم يزيدون علي 90% من السكان وحتي النشاط السياحي صار جزءاً غالباً فيه يرد من سياحة شواطئ البحر الأحمر وليس من أرض الوادي ولا من آثار هذا الوادي.

ونحن هنا أمام مداخيل اقتصادية تتشابه إلي حد ما مع مداخيل إمارات الخليج العربي وأن الاعتماد الأساسي عليها في تشكيل دولة الــ 10% يحيل الدولة إلي إمارة شبه خليجية والفارق أن إمارة شرم الشيخ تقع علي الشاطئ الغربي للجزيرة العربية بينما تقع قريناتها علي الشاطئ الشرقي لشبه الجزيرة وإماراتنا قد تحتاج إلي بعض عمالة تأتيها من وادي النيل، خاصة في شأن الخدمات وفي شأن حفظ الأمن وهذا من الصفات الشبيهة بصفات تجدها في إمارات الخليج التي تعتمد علي عمالة تأتيها من خارجها ولأنها إمارة تعتمد علي الدخل الريعي وليس الدخل الإنتاجي فهي لا تحتاج إلي فلاحين ولا إلي عمال، يكفيها خبراء في الإدارة وموظفين صغار وخدمة كما يكفيها من القوات الحامية لها قوة الشرطة علي أن تكون هذه القوة شديدة البأس صعبة المراس ذات بطش وقسوة.

وأن نظرية الأمن القومي لهذه الإمارة لابد أن تكون مختلفة تماماً عن مثيلاتها الخاصة بمصر التي نعرفها أو بعبارة أخري عن باقي مصر الذي نعرفه وهذا الباقي من مصر الذي يشكل 90% أو أكثر هو أرض وادي النيل والذي لم يعد وطناً مشمولاً بالرعاية وما عليه من بشر هم سكان وليسوا شعباً بالمعني الذي يعرفه القانون الدولي العام، إن ثمة إمارة انسلخت من الدولة الأم وأخذت اسمها ووصفها القانوني ومركزها الدولي وأن أي دولة منسلخة تختلف نظرتها إلي أمنها القومي عن النظرية السائدة لدي الدولة الأم بل هي تكون ضد هذه النظرية لذلك فإن الجزء المنسلخ يعتبر الدولة الأم عدوه الأول والأكبر ومصدر الخطر الدائم عليه ومتي تعين العدو الأول، فقد تعين أيضاً الحليف الأول وهو عدو العدو، والإمارة المنسلخة في هذا التصور لا تجد حليفاً لها إلا من كان يخشاه الوطن الأم ويعتبره خصماً له وخطرا عليه، من هنا نفهم الموقف الأخير الذي كشفت عنه أحداث غزة الأخيرة في ديسمبر 2008، كما نفهم هذه السياسة التي قامت وهي سياسة تمارس وتطبق ضمنا وعلانية وسراً وجهراً وهي أن ثمة تحالفاً استراتيجياً يقوم بين الحكومة الحاضرة والولايات المتحدة الأمريكية وليس من الممكن فهم هذه السياسة إذا نظرنا إلي الأمر بوصفه علاقة بين مصر والولايات المتحدة، لأن الولايات المتحدة ومعها إسرائيل شنت علي هذه المنطقة من الحروب ولا تزال تفعل ما يجعلنا نراها عدوانا مستمراً من الجانب الأمريكي الصهيوني علينا.

إنما يُفهم الأمر إذا نظرنا إليه باعتباره وصفاً للعلاقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وبين الإمارة المنسلخة من مصر، إمارة الــ 10% أو أقل من السكان، من جهة أخري.

أمامنا مهمة كبيرة، أن نعيد مصر إلي الوجود بإذن الله تعالي فنجمع ما تفرق ونركب ما تفكك وأن نرمم أبنيتها الإدارية المتصدعة وأن نجبر ما تكسر من عظامها هذا بالنسبة لأجهزة إدارة الدولة، أما بالنسبة للتنظيمات الشعبية والأهلية فأمامنا مهمة الإعداد الجديد لتنظيمات جديدة علي كل مستويات العمل الشعبي والأهلي النقابي وغير النقابي والجمعيات والاتحادات وغيرها.

بيان وقف إطلاق النار..

بيان وقف إطلاق النار../ د.عزمي بشارة
* وقف إطلاق النار (لم يستخدم أولمرت في خطابه عبارة "هفسقات إيش" (وقف إطلاق النار) " بل استخدم مصطلح "نتسيرت إيش" أي بمعنى ما لجمها وكبحها، والمقصود هو "وقف مؤقت" لإطلاق النار، وقف مرحلي) الذي أعلن ليلة السابع عشر من كانون الثاني\ يناير 2008 هو تعبير عن عدم قدرة إسرائيل على الاستمرار بالحرب، وذلك في حملة برية لاحتلال غزة بأسرها. لقد فحص جيش الاحتلال ذلك عمليا باقتحامات شتى ووجهت بمقاومة شرسة. وقلّب قادته الأمر، فوجدوه مكلفا غير مضمون العواقب. ولكن اقتصار الحرب على القصف الجوي والمدفعي لا يحسم المعركة. صحيح أنه يدمر ويقتل ويحرق دون تمييز، وصحيح أنه يكلف المجتمع الفلسطيني ثمنا باهظا، ولكنه لا يحسم المعركة. ومن ناحية أخرى لم يتمكن مبعوثو المخابرات والرئاسة المصرية من فرض الشروط السياسية الإسرائيلية على حركات المقاومة. وهي تتلخص بالتعهد بوقف المقاومة ونزع سلاحها. لقد كان المطلوب هو توقيع المقاومة على "منع تهريب السلاح" وعلى "تهدئة" دائمة أو طويلة المدى. فما كان من إسرائيل ان أوقفت النار من طرف واحد مدعية انها أنجزت الأهداف من الحملة. ولكنها لم تنجزها.

* كانت رايس جاهزة لمنح ليفني أية ورقة تمكِّنها من العودة إلى المجتمع الإسرائيلي بإنجاز ما، ودون انتظار تحقق الإملاءات المصرية على حماس ناهيك بتفاهمات معها.

لا نعرف تفاصيل الاتفاق، وأقصد عدا الأمور العامة المتعلقة بتجند الولايات المتحدة لمنع وصول السلاح إلى حماس. وطبعا سوف يتعلق الأمر بمدى استعداد إدارة أوباما لمتابعة التنفيذ ومدى تعاون مصر معهم في ذلك. وبالمجمل، هذه اتفاقيات غير ممكنة التنفيذ دون تعاون عربي.

* ما هي الأهداف التي حققتها إسرائيل من حربها على غزة؟ هل هي مدارس وكالة الغوث "الأونروا"؟ هل هو حرق البشر بالفوسفور؟ هل انتصرت الإف 15 على من هم في سن الـ15 عاما مستعيدة هيبة الردع، أو الرعد أو الرعب؟

ردعت إسرائيل الأطفال في غزة وفي كافة منازل الوطن العربي. مرحى مرحى مرحى، هورا هورا هورا. لتستمر مقاهي تل أبيب (المدينة دون توقف كما يحبون تسميتها هناك) باحتضان الطيارين الشباب والفنانين والصحفيين الذين يروون النكات عن غزة، وعن أطفال ونساء غزة. فهذا لا يثير انطباعا عند من انطبعت الصور في أذهانهم. كل شيء هنا توقف غير تلك الصور في الأذهان، وكل شيء هنا يتوقف على إنجاز مهمة واحدة، أن يعود التاريخ إلى نفسه في المنطقة العربية وهو لا يشمل إسرائيل. إنه لا يشمل تل أبيب ولا بطرها من حروب قليلة الضحايا عند من يملك الطائرات، ولا فائض سخريتها ممن لا يملكها.

* إن ما يحتاج إلى دراسة هو تحول قتل المدنيين، والتباهي باستهدافهم إلى مركب في الثقافة الإسرائيلية.

هنالك ميل سادي كولونيالي واضح لدى الشباب الإسرائيلي على مر الحروب لتحويل عذاب الفلسطينيين إلى تسلية. أما رسم الابتسامات وعلامات النصر من قبل الجنود العائدين من المجزرة إلى الحضارة، ومن قتل العائلات إلى عائلاتهم ومن التنكيل بالمدنيين إلى الحياة المدنية. فهو ليس فرح الجبناء فحسب بل طقوس العبور لتشكل الرجولة في مجتمع المستوطنين المستعمرين العابرين.

* إذا كان المقصود بتحقيق الأهداف هو الأهداف المعلنة في بداية الحرب، فليس صحيحا ما أعلنه رئيس الحكومة الإسرائيلي من تحقيق الأهداف. فلم تحقق الحرب الأهداف العلنية المتعلقة بتغيير الوضع الأمني في "جنوب إسرائيل". أما إذا كان الهدف الذي تحقق هو اغتيال قيادات في المقاومة، فقد بات هذا من مسلمات المقاومة. ليس ذلك إنجازا، لأن قيادات المقاومة بحكم تعريفها تتوقع الاغتيال في أي وقت.

* توحدت الأمة العربية مع المقاومة، وتوحدت الشعوب معها، إلا في لبنان حيث ينقسم الشعب، ولكن ليس إلى مواقف، بل إلى طوائف.

* وانقسم النظام الرسمي العربي إلى اثنين لكل منهما هوامش ما زالت تتقاطع. ويمكن تمييزها باختصار شديد بما يلي: يعتبر الموقف الأول الاحتلال هو المشكلة وهو سبب الحرب، في حين يعتبر الموقف الثاني مقاومة الاحتلال هي المشكلة ويحملها مسؤولية الحرب.

* ومن هذه الزاوية فإن القمة العربية في الدوحة هي استجابة بالحد الأدنى ليس للانقسام الرسمي، بل للرأي العام العربي. والأمر الأهم الذي أنجزته هو كونها أول مراجعة رسمية لخط التسوية. لأول مرة تحصل انعطافة في الخطاب الرسمي العربي منذ أن سيطر عليه خطاب التسويات المنفردة مع إسرائيل.

* إعلان رئيس الحكومة الإسرائيلي المتأخر أن وقف إطلاق النار هو استجابة لطلب الرئيس المصري هو محاولة لإنقاذ المعتدلين العرب. فمن مصلحة إسرائيل أن يبدو المعتدلون شركاء يحظون ببعض المصداقية. لقد كان ضحية القصف الأولى هم المدنيون الفلسطينيون، أما الضحية الثانية فهو التسوية وجماعة عملية السلام.

* كان غضب مبارك وأبو الغيط (الذي سعد لدقائق أن تتطلب الوظيفة مرة واحدة تقمص شخصية تشي جيفارا) غضبا تكتيكيا. حماس لم تقبل بشروط المخابرات المسماة أفكارا مصرية، وإسرائيل لم تنتظر. وقد أوقفت إطلاق النار مستغنية عن الجهد المصري. كما كانت هنالك قمة الدوحة التي أثارت غضبا غير تكتيكي إذ طرحت أفكارا أخرى غير المبادرة المصرية، وشاركت فيها أنظمة رسمية متجاوبة بالحد الأدنى مع رأيها العام. كان لا بد من إنقاذ مبارك بتصريح مفاده أن وقف إطلاق النار هو استجابة لطلب مبارك. ولكن هذا التصريح الإسرائيلي تحول إلى إهانة وإساءة لمصر. فإذا كان بوسع مبارك وقف إطلاق النار وإذا كانت إسرائيل تصغي له، فلماذا لم يطلب فيستجاب طلبه قبل عشرين يوما؟

* حين ظهر هذا الخطاب المصري الجديد من وقف إطلاق النار الفوري وغير المشروط وحتى الانسحاب، واصل ممثلو السياسة الخارجية استخدام نفس النبرة واللهجة القديمة في حديثهم مع ممثلي حماس في القاهرة، أي واصلوا مطالبتهم بالتعهد بوقف تهريب السلاح وبتهدئة طويلة المدى والعودة إلى اتفاق عام 2005 بشأن معبر رفح. كان ذلك خطابا للاستهلاك المحلي. * يوم 18 التالي لوقف إطلاق النار تنادت بسرعة فائقة دول متفاجئة من استدعائها على عجل. لقد اجتمعت في شرم الشيخ نفس القوى التي بررت وأيدت قتل الأطفال والنساء في فلسطين، والتي تعتبر قتل الأطفال دفاعا عن النفس وقتل الجنود إرهابا.

اجتمعت القوى التي تعتبر مصير جندي مثل شاليط جاء لقصف المدنيين من دبابة أكثر أهمية من مصير أهل غزة. دعاهم رئيس عربي يشاركهم تقدير حياة شاليط، ويتعامل مع حياة أبناء شعبه في قطار محترق وعبّارة تغرق وبنايات تنهار باحتقار أشد حتى من احتقاره لأهل غزة.

* وما اجتماع القوى الاستعمارية الكهلة في شرم الشيخ سوى إخراج لوقف إطلاق النار، لكي يبدو كأنه نزول عند رغبة مبارك والدول الأوروبية وعملية السلام، وغير ذلك من الكلام الفارغ. وقد جرى إخراج وقف إطلاق النار بعد أن اتخذ القرار في هذه المسرحية لمصلحة إسرائيل والرئيس المصري. اتخذ القرار من طرف واحد، وتبعه إخراج من هذا النوع.

قمة شرم الشيخ هي عبارة عن مساندة لدور الرئيس المصري الذي تضرر في هذه المرحلة داخليا وخارجيا. فهو إخراج لوقف إطلاق النار في إطار قوى التسوية ليظهر وكأنه "إنجاز لها"، وليس رغما عن هذه القوى.

فنحن لم نر هذه القوى أو نسمع بها طيلة الحرب. لم تحاول تكبيل أيدي إسرائيل أو إدانة قتلها للأطفال، ولم تبد حرصا على حياة المدنيين. وحين يئست إسرائيل من تحقيق أهدافها وتوقفت، تقدمت هي لتقطف وقف إطلاق النار كأنه نتيجة لتحركاتها وليس كنتيجة لصمود المقاومة والمجتمع الفلسطينيين في غزة.

* للبنان حدود مع سوريا وإسرائيل والبحر، وتحد غزة مصر وإسرائيل وبحر مغلق. وهذا هو الفرق كل الفرق. إن كان ذلك بالنسبة للمدنيين، وإن كان ذلك بالنسبة للمقاومة. وقد جرت الحرب على أساس هذا الفرق. الدولة العربية المجاورة لم تكتف بعدم دعم المقاومة بل أرادات تلقينها درسا قاسيا. لقنت إسرائيل الدرس القاسي للمواطنين ولم تحقق أهدافها وتوقف إطلاق النار.

* وبعد وقف إطلاق النار يدرك المجتمع ما جرى له وما حل به وهو يضمد الجراح ويتفقد الأنقاض. سيبدأ الضغط من أجل المساعدات ومعالجة الجرحى وإعادة الإعمار. ويبدو أن إلإغلاق المستمر للمعبر في رفح، وإمكانيات الدخول والخروج عبر مصر سوف تستخدم للاستمرار في ابتزاز المقاومة لقبول الشروط بعد وقف إطلاق النار.

* لذلك فالمهم الآن هو الضغط لفتح المعبر للإغاثة وإعادة البناء، وعدم السماح لإسرائيل أن تتملص بجريمتها، وأن يرفع الحصار. ويجب عدم التسامح مع الأنظمة التي صمتت أو تواطأت، وما زالت، يجب عدم التوقف الآن عن الحملة لفضحها، وذلك لأن هذه السياسة مستمرة ولم تتأثر. فما يقال في الخطابات شيء وما ينفذ على أرض الواقع شيء آخر تماما. ولن يصح أي تعهد تتخذه الدول العربية أو غيرها للمساعدة في إعادة الإعمار، إذا لم يفتح المعبر ولم تصل المساعدات لغزة.

* جمع الأموال لإعادة الإعمار يجب ألا ينسي الدول والمؤسسات التي أعلنت نيتها التقدم بدعاوى مطالبة إسرائيل بدفع التعويضات على ما لحق بالناس. لم نسمع عن محاكمات لإسرائيل عن ما اقترفته أيديها في لبنان عام 2006، ونأمل ألا تؤول التهديدات الحالية إلى المصير ذاته.

* أما سياسيا فإن المرحلة هي مرحلة وقف توسع خطاب التسوية والتطبيع مع إسرائيل ورده على أعقابه وبدء صعود خطاب سياسي جديد. وهذه عملية بدأت في الدوحة ويجب أن تستمر وتندفع وأن يدافع عنها في الكويت بقوة.

* من أهم إنجازات المقاومة في هذه الحرب أن إسرائيل لم تعد خارج القطاع من طرف واحد كنوع من إعادة الانتشار. لقد خرجت في العام 2005 بخيارها كي تجتاحها متى شاءت. وها هي تدرك الحقيقة المرة. لقد تغيرت الأمور خلال عامين. وهي مضطرة أن تحارب كي تعود. فعودتها إلى غزة يعني حربا، وهي حرب غير محمودة العواقب. لم يتحرر قطاع غزة عام 2005، بل تحرر الآن من الاحتلال. لأول مرة منذ عام 1967 لا تجتاح إسرائيل المناطق التي احتلت عام 1967 بسهولة كنوع من إعادة الانتشار، بل تضطر أن تحارب لاجتياحها

* وبقيت قوات إسرائيلية في غزة. ليس لهذا الغرض تصح المقاومة، بل لأن فلسطين كلها محتلة، القدس محتلة والضفة محتلة. وطالما هنالك احتلال هنالك حق بمقاومته. وفلسطين وطن واحد، وقضى الحال والتجربة أنه يمكن مقاومة احتلال غزة من القدس، ومقاومة احتلال القدس من غزة.

* ليست غزة دولة مستقلة، ولا شعبا ولا كيانا. ويجب أن تتوقف النبرة التي تتعامل معها كذلك، (وهي نبرة قائمة حتى عند أوساط قليلة في حركة حماس). وهي تقاوم احتلال فلسطين وليس احتلالها وحدها. ولكن غزة لا تستطيع أن تحمل وحدها قضية فلسطين، فهي في ظل الحصار بالكاد "تحمل حالها". ولذلك لا يجوز أن تبقى بقية جوالي الشعب الفلسطيني في الشتات والضفة خارج إطار التنظيم الوطني الذي يجب أن يقود المقاومة. وهو أوسع من حماس.

لقد آن الأوان أن تفكر حماس والجهاد والجبهة وغيرهم من طاقات وقوى الشعب الفلسطيني بتشكيل إطار تحرر وطني موحد مقاوم في كافة أماكن تواجد الشعب الفلسطيني، يحمل برنامجا وخطابا مؤهلا لقيادة الشعب الفلسطيني. وجود هذا الإطار وهذا الخطاب هو الذي سوف يشكل القوة الضاغطة والرافعة لإعادة بناء منظمة التحرير.

في هذه الحرب أدرك الجميع ما معنى دور الأجهزة الأمنية في الضفة، وما معنى تغييب منظمة التحرير حتى في الشتات وتهميشها من قبل السلطة. ولذلك فإن المهمة أعلاه مهمة تنظيم وتأطير بقية مناطق تواجد الشعب الفلسطيني، هي مهمة لا تحتمل التأجيل. فليست مهمة غزة أن تقاوم عن كل الشعب الفلسطيني، ولا مهمة الآخرين أن يتضامنوا.

* لقد قاومت بقية الجاليات الفلسطينية في الماضي، وواصلت الضفة الانتفاضة في حينه حتى حين حوصرت في غزة. فهي ليست جديدة على الموضوع. وما تغير هو قيام السلطة وتهميش الشتات وقيام جيل من الأجهزة الأمنية يقمع شعبه من يناضل ضد إسرائيل وينكل به. وهذا أمر لا يجوز تجاهله عند استخلاص النتائج وإعادة بناء المؤسسات على ضوء ما جرى في هذه الحرب.

* لا مشروعية لأية تسوية. ليس الجميع قادرا أو مضطرا للمقاومة، ولكن الجميع قادر على رفض التسوية غير العادلة، وعلى استنباط وسائل للحياة دون تسوية مع إسرائيل والصهيونية.



نص كلمة الرئيس حسنى مبارك التى وجهها إلى الأمة حول التحرك المصرى لوقف العدوان على غزة


الإخوة المواطنون ..

يتواصل العدوان الإسرائيلى على غزة للأسبوع الثالث، بما يشهده من فظائع وإزهاق للأرواح وإراقة الدماء، وما يؤدى إليه من تدمير واسع النطاق للبنية الأساسية ومقومات الحياة.

يمثل هذا العدوان تصعيداً خطيراً فى تاريخ الصراع العربى الإسرائيلى، وعبر ما شهدته القضية الفلسطينية من مراحل وتطورات خلال الستين عاماً الماضية. لقد رعت مصر هذه القضية منذ عام 1948، وقدمت من أجلها ما لم يقدمه أحد آخر من تضحيات .. انطلقت من أرض مصر منظمة التحرير الفلسطينية، ودعمناها بالمال
والسلاح .. تمسكنا بأن يصاحب السلام المصرى الإسرائيلى اتفاق للحكم الذاتى للفلسطينيين وصولاً لإقامة دولتهم المستقلة .. كنا مع أبو عمار فى نضاله من أجل شعبه وأخرجناه من حصاره فى لبنان .. كنا معه فى مؤتمر مدريد ووضعنا أسس ومبادئ السلام العادل .. دعمناه كرئيس للسلطة الوطنية الفلسطينية فور تشكيلها .. أعادته مصر إلى غزة وقمت بمرافقته - شخصيا - حتى رفح فى أول عودة له وللقيادات الفلسطينية للأراضى المحتلة منذ عام 1967 .. رفضنا تشجيعه على قبول تسوية ظالمة فى كامب ديفيد عام 2000، كنا معه ومع الشعب الفلسطينى فى الانتفاضة الأولى والثانية .. ومع أبو مازن فى جهوده من أجل الدولة الفلسطينية المستقلة .. ولم نحاول يوماً إملاء مواقف بعينها على الفلسطينيين.

نعم .. لقد احتضنت مصر شعب فلسطين وقضيته بمواقف واضحة .. ودور يسعى إليها لاعتبارات عديدة تمارسه بشرف وتجرد منزه عن الغرض، وتتحمل على طريقه الكثير من العناء والمصاعب .. ومزايدات تأتى ممن لم يقدموا شيئاً لشعب فلسطين وقضيته .. ولا يستطيعون.

لقد تواصلت جهودنا لتحقيق الوفاق الوطنى الفلسطينى .. دعونا لأن يكون قرار أبناء فلسطين بأيديهم، بعيداً عن التدخلات الخارجية وضغوطها وإغراءاتها .. ودعونا لأن تقف المقاومة الفلسطينية وراء المفاوض الفلسطينى .. تشد أزره فى الدفاع عن قضيتهم .. وسعيهم لإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة.

قلنا لمن يقسمون الصف العربى بين "دول الاعتدال" و"دول الممانعة" .. ماذا فعل الممانعون لشعب فلسطين وقضيته؟ وماذا فعلوا لتحرير الأراضى العربية الرازحة تحت الاحتلال؟ لقد تحسبت مصر من وقوع هذا العدوان الراهن، وبذلت جهوداً متواصلة كى تحول دون وقوعه .. سعياً - دون كلل - لتمديد التهدئة .. أبلغنا الإخوة الفلسطينيين بأن رفض التمديد سيمنح إسرائيل الذريعة للعدوان .. وقمنا - فى ذات الوقت - بتحذير إسرائيل من الاعتداء على غزة، وطالبنا قادتها بممارسة أقصى درجات ضبط النفس.

عندما وقع العدوان على غزة .. كان موقفنا أن فظائعه، المدانة والمرفوضة، لا تحتاج لبيانات الشجب والاستنكار، بقدر ما تحتاج لتحرك عملى عاجل .. يوقف العدوان ويحقن الدماء.

رأينا أن التحرك العملى هو الأكثر جدوى لوقف العدوان .. تحرك يحتوى تداعياته على أهالى غزة بعيداً عن الخطب الرنانة والشعارات الفارغة .. واجتماعات تكتفى ببيانات الإدانة والمزايدة وتبادل الاتهامات، تدفعها محاولات للعب الأدوار وبسط النفوذ .. تؤدى لتعميق الخلافات العربية .. وتمعن فى شق الصف العربى.

بذلت مصر جهوداً مضنية ـ ولا تزال - لوقف العدوان واحتواء تداعياته الإنسانية على الأهل فى غزة .. فتحنا معبر رفح منذ اليوم الأول للعدوان .. أدخلنا من هذا المعبر ما يزيد على 1000 طن من مساعدات الإغاثة والأطقم الطبية .. وما يقرب من 400 جريح فلسطينى للعلاج بمستشفياتنا .. قمنا بدفع ما يزيد على 2000 طن من المساعدات الإنسانية من معبر العوجة، وضغطنا على إسرائيل لفتح باقى المعابر أمام مساعدات الغذاء والدواء والوقود.

طرحنا المبادرة الوحيدة للخروج من الأزمة .. وسعينا لإنجاحها باتصالات لم تتوقف مع الجانبين الفلسطينى والإسرائيلى والأطراف الدولية الفاعلة .. طرحت مصر هذه المبادرة فى غياب أية مبادرات أخرى لوقف نزيف الدماء، وفى مواجهة مماطلة مجلس الأمن الدولى فى النهوض بمسئوليته. وبرغم اعتماد قرار المجلس (1860) بعد يومين من طرح المبادرة المصرية، فإن العلميات العسكرية الإسرائيلية لا تزال متواصلة بقطاع غزة المحتل.

لقد استمر التحرك المصرى، فى سباق مع الزمن، لوقف إطلاق النار، وشهد حلقات متتالية من المفاوضات المكثفة والصعبة مع الجانبين الإسرائيلى والفلسطينى، كما شهد تمسك كلا الجانبين بمواقف لا يحتملها نزيف الدم المتواصل فى غزة.

إن مصر، فى سعيها لوقف العدوان، تعمل على تأمين حدودها مع إسرائيل وقطاع غزة، ولن تقبل أبداً أى تواجد أجنبى لمراقبين على أرضها، وأقول إن ذلك خط أحمر لم ولن أسمح بتجاوزه.

الإخوة المواطنون ..
إن مصر ترفض العدوان الإسرائيلى المستمر على غزة، وتطالب بوقفه على الفور ودون إبطاء، وتحذر من عواقبه على أمن واستقرار الشرق الأوسط، وأقول لقادة إسرائيل إن هذا العدوان لن يوقف المقاومة، ولن يحقق أمن إسرائيل وشعبها، أقول لهم إن العدوان يزيد من صمود شعب فلسطين، يعمق مشاعر الغضب والكراهية تجاه إسرائيل وشعبها، ويقطع الطريق إلى السلام.

وتأسيساً على ما دعت إليه المبادرة المصرية، وما تم فى إطارها من مشاورات، فإننى أطالب إسرائيل اليوم بوقف عملياتها العسكرية على الفور، أطالب قادتها بوقف فورى غير مشروط لإطلاق النار، وأطالبهم بالانسحاب الكامل للقوات الإسرائيلية خارج القطاع.

إننى أدعو مخلصاً لمواقف مسئولة من إسرائيل والفصائل الفلسطينية، تستجيب لنداء العقل والضمير، وتضع نهاية لما يسقط كل يوم من الشهداء والضحايا وتنهى معاناة أهلنا فى غزة وآلامهم.

سوف تواصل مصر جهودها، فور وقف إطلاق النار، من أجل استعادة التهدئة فى غزة وإعادة فتح المعابر ورفع الحصار عن أهاليها. وسوف يظل معبر رفح مفتوحاً أمام مساعدات الإغاثة المصرية والعربية والدولية وأمام الحالات الإنسانية، إلى حين التوصل لترتيبات إعادة تشغيله وفق اتفاق المعابر لعام 2005 بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل والاتحاد الأوروبى.

كما أن مصر عازمة على مواصلة جهودها لتحقيق الوفاق الوطنى الفلسطينى بما ينهى الانقسام الراهن ويضع حداً لتداعياته على شعب فلسطين وقضيته العادلة. وفضلاً عن ذلك، فسوف تدعو مصر لمؤتمر عالمى للدول والمؤسسات الدولية المانحة من أجل حشد الموارد اللازمة لإعادة إعمار غزة وتعويض ما لحق ببنيتها الأساسية ومنشآتها من تدمير وخسائر فادحة.

إن الوضع الراهن فى غزة رغم خطورته لا ينبغى أن يصرف انتباهنا عن جوهر القضية الفلسطينية، وهو إنهاء الاحتلال وإقامة الدولة المستقلة، ولا ينبغى أن يصرف أنظارنا عن خطورة تكريس الانقسام الحادث بين الأراضى المحتلة فى الضفة والقطاع. لقد وجهت مأساة غزة ضربة قاسية لجهود السلام .. إلا أن الأمل فى تحقيقه لن يخبو فى قلوبنا وعقولنا وضمائرنا.

سيبقى السلام العادل هدفاً نسعى إليه .. سلام يحقن الدماء .. ينهى الاحتلال فى الضفة الغربية وغزة، يقيم الدولة الفلسطينية المستقلة .. يضمن الأمن للشعبين الفلسطينى والإسرائيلى وباقى شعوب المنطقة .. ويحقق استقرار الشرق الأوسط والعالم.

ستبقى مصر على عهدها للشعب الفلسطينى الصامد .. تعلى مصالحه فوق مصالح الفصائل .. تدعم قضيته بعيداً عن الخطب والشعارات .. ترفض المتاجرة بأرواح ودماء أبنائه .. تمضى مصر فى ذلك بصدق وتجرد .. ولا تلتفت للمزايدات والمهاترات والصغائر.

وبرغم الظرف العربى الراهن .. فسوف تظل مصر راعية لقضايا أمتها .. مدافعة عن مصالحها .. تحفظ الهوية العربية والشأن العربى من محاولات الاختراق .. وتسعى كعهدها لما يجمع العرب ولا يفرقهم.

رحم الله شهداء غزة .. وحمى الشعب الفلسطينى .. وهيأ لقادته من أمرهم رشداً.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته ..

مفتي مصر يطالب بإخراج زكاة النفط لغزة كجهاد دفع



لندن ـ القدس العربي ـ من احمد المصري ـ طالب مفتي مصر، الدكتور علي جمعة، الدول العربية والإسلامية المنتجة للنفط بإخراج زكاة نفطهم باعتبارها "فرضا" لقطاع غزة، وتدخل في باب "جهاد الدفع" لمساعدة المسلمين في أرض المعركة على الصمود أمام العدو.

وقال في بيان له السبت: "إنه يجب إخراج أموال زكاة الركاز (النفط) للمحاصرين والمشردين من إخواننا الفلسطينيين، وعدم تعطيل أحد أركان الإسلام وأهم مصادر الزكاة التي ستسهم وبشكل مؤثر وكبير في إعادة إعمار ما دمره العدوان الغاشم على غزة".

ودعا جمعة "جموع المسلمين إلى إخراج زكاة أموالهم إلى المنكوبين من ضحايا العدوان الإسرائيلي الغاشم على قطاع غزة".

وأردف قائلا: إن أبناء الأرض المحتلة الآن لهم أولوية في استحقاق أموال زكاة المسلمين نظرًا لشدة ظروفهم وحاجتهم المؤكدة إلى الغوث، لا سيما في قِطاع غزة.

خبر عاجل / سقوط أربعة صواريخ على رفح المصرية

رفح ـ عبد الحليم سالم

كثف الطيران الإسرائيلى من طراز (إف16) غاراته على الحدود المصرية الفلسطينية منذ فجر اليوم السبت، مما تسبب فى سقوط صاروخين على منطقة حى السلام برفح المصرية دون أن ينفجرا، تلاهما صاروخان آخران قبل أقل من نصف ساعة.

وقال عدد من سكان المناطق الحدودية، إن طائرة (إف 16) إسرائيلية قصفت رفح المصرية بصواريخ فى منطقة حى السلام شمال منفذ رفح البرى، ولم تنفجر حتى الآن. مما يذكر أن هذه هى المرة الثانية التى تسقط فيها صواريخ على رفح المصرية.

وقال شهود العيان، إن طول الصاروخ الواحد الذى سقط على رفح المصرية يتعدى المترين، وقال مصدر فى الأمن المصرى إنه من المتوقع تفجير الصاروخين بمعرفة خبراء المفرقعات المصريين خلال الساعات القليلة القادمة. وحول أسباب عدم انفجار الصواريخ االتى تطلق على رفح المصرية قال المصدر الأمنى إن برامج التوجيه عن بعد فى طائرات (إف 16) تمنع الصواريخ التى تنحرف عن مسارها من الانفجار.

وأدى القصف الإسرائيلى إلى إصابة العديد من المنازل فى رفح المصرية بشظايا، مما أدى إلى تصدعها.

إبراهيم عيسى يكتب : أحضان الرئيس


إبراهيم عيسى يكتب : أحضان الرئيس

لا أعرف كيف سيستقبل الرئيس مبارك رئيس وزراء إسرائيل أولمرت أو غيره خلال الأسابيع المقبلة بالأحضان، كما يفعل دائمًا مع رؤساء ومسئولي إسرائيل؟! لا أعرف كيف سيبتسم ويتبادل القبلات والمصافحات أمام الكاميرات والضحكات التي تظهر في الصور الملتقطة قبيل اللقاء المغلق؟!

سيقول البعض إنها لوازم السياسة وبروتوكول الدبلوماسية، لكن الحقيقة أن أحدًا لم يلتق هتلر بعد ما فعله من حروب وتدمير بهذه الابتسامات والأحضان، ولم يستقبل أحد سلوبودان مليسوفيتش بعد مجازر الصرب ضد المسلمين بالأحضان والقبلات، ثم إن السياسة والدبلوماسية لا تقولان لنا: «احضنوا القتلة وابتسموا للمجرمين وعانقوا السفاحين»، بل السياسة واللياقة والعدالة تقول: «عاقبوهم وقاطعوهم وامنعوهم من دخول أرض مصر لأنهم مجرمو حرب وقتلة أطفال ومرتكبو جرائم ضد الإنسانية».. أتذكر في مباحثات الكيلو 101بين مصر وإسرائيل ـ وهي المفاوضات التي جرت عقب انتهاء حرب أكتوبر ووقف إطلاق النار من أجل الاتفاق علي ترتيبات ما بعد الحرب، فيما يخص تبادل الأسري واعتبارات أخري ـ أن وجه الفريق عبدالغني الجمسي ورفاقه من أبطال أكتوبر الذين يتفاوضون مع الصهاينة كان جادًا وقسماتهم حادة ومعبرة عن حوار مع عدو وليس صديقا نأخذه بالأحضان، لكن التعامل العادي والطبيعي والدبلوماسي مع القتلة أمر غريب ومذهل في إسقاطه لكرامة وكبرياء ودم العرب وشهداء العدوان الإسرئيلي الذي استخدم أسلحة محرَّمة دولياً ومجرَّمة إنسانيًا ضد أطفال ونساء بترن أطرافهم وأحرقت عيونهم وجلودهم.. كيف يسمح لنفسه الرئيس مبارك أن يصافح باسم شعب مصر وباعتباره رئيس هذا البلد (أيا ما كان رأينا في تزوير انتخابات الرئاسة) أن هؤلاء المجرمين؟!
لكن الرئيس فعلها بعد حرب إسرائيل الهمجية والمجرمة علي لبنان وبعد مجزرة قانا في 2006 .. ابتسم مبارك وصافح مرتكب هذه المذبحة مجرم الحرب إيهود أولمرت وعانقه في ابتسام الرضا، ولف مجرم الحرب ذراعه حول كتف رئيسنا، والأغلب أن مبارك لن يلتفت ولا مستشاروه لمشاعر ومواقف العرب والمصريين ولن يمانع في مقابلة ومعانقة مجرمي الحرب، كأن مصر تكافئهم بقبلات رئيسها وحرارة الأحضان علي قتل الأطفال والشيوخ وهدم المساجد، سيحدث ذلك وأكثر، خصوصا أن الحكومة التي رفعت المشانق الإعلامية لحركة حماس بسبب استشهاد ضابط مصري في تبادل إطلاق نار عشوائي أثناء محاولة دخول فلسطينيين إلي رفح المصرية (طبقا للرواية الرسمية الأولي قبل اللعب أو التلاعب الأمني فيها ) هي التي سكتت بإعلامها وطنينه وزنه عن إصابة جنود مصريين علي الحدود مع رفح بإطلاق الصواريخ والمدافع الإسرائيلية، بل وتقرأ نص بيان وزارة أبو الغيط (المعروفة إعلاميا باسم الخارجية المصرية) الذي يقول لا فض فوه إن سفير إسرائيل في القاهرة شالوم كوهين قدم اعتذار بلاده يوم الإثنين لإصابة خمسة مصريين في القصف للمنطقة الحدودية مع غزة يوم الأحد. وقد جاء الاعتذار الإسرائيلي وكان مصدر أمني مصري قد أعلن أن صاروخًا إسرائيليًا آخر سقط يوم الإثنين علي الجانب المصري من الحدود لكنه لم ينفجر.

وكان ثلاثة من رجال الشرطة المصريين وطفلان في الثانية والخامسة من عمريهما قد أصيبوا يوم الأحد بشظايا صواريخ بالقرب من الحدود بين مصر وغزة إثر قصف إسرائيلي استهدف أنفاق التهريب.وقال المتحدث الرسمي باسم وزارة الخارجية المصرية حسام زكي(مش بس حسام لا وكمان زكي !): إن السفير الإسرائيلي بادر بهذا التحرك بتعليمات من حكومته، حيث أعرب للجانب المصري عن اعتذار الحكومة الإسرائيلية عن ذلك موضحًا أن هذا القصف كان المقصود به بعض أهداف عسكرية علي الجانب الفلسطيني(كأن ضرب أهداف فلسطينية أمر مشروع وعادي وفيها إيه يعني الراجل كان بيضرب في فلسطين جت النار في مصريين، نيران صديقة يعني ماتقدش ). وأضاف أن السفير الإسرائيلي قدم كذلك اعتذار حكومته عما حدث من تداعيات علي الجانب المصري! والسؤال: إذا كان السفير الإسرائيلي قد اعتذر فهل قبلت مصر اعتذاره؟.. يا نهار أسود ما هذا الهوان وما هذه الإهانة (كأنك تحصل علي عبوة الهوان فتأخذ عبوة الإهانة مجانا) أهذا ما قدرت عليه مصر، طبعاً سيصرخ صارخ فوراً ويقول يعني عايزنا نحاربهم عشان غلطة مش الحمدلله إنها جاءت علي قد الإصابات والعيلين لم يموتا، والإجابة: لا يا سيدي لا نريد حرباً ولا ضرباً ولا نطلب ولا نطالب هذه الحكومة، إلا بأن تتوقف عن وضع رأسنا في الطين السياسي كما تفعل!.. حيث إن هناك حدوداً دنيا للإهانة والمذلة، لم يقل لكم أحد حاربوا ولا ناضلوا ولا قاوموا ولكن كونوا محترمين.

أليست هناك أي فرصة في أن تتشددوا ويتشدد الحكام العرب معكم قليلا، وأن يفتح الله عليكم وعليهم بكلمتين فيهما بعض الحرارة وسمت الرجولة و رائحة كبرياء، كي يتوقف شلال الضرب والشلاليت والركل في مؤخرة الأمة العربية التي نتلقاها يوميا من قادة إسرائيل وأمريكا، ألا يمكن أن يغامر وزير لا راح ولا جاء من مصر (وما أكثرهم) أو من السعودية أو الأردن ويقول كلاما قويا فيه موقف واضح يرفض التذلل الذي تعيشه التصريحات العربية ويندد بحالة الغرام بالخيار الإستراتيجي الذي تأكله الأمة كل ليلة قبل أن تنام؟! لماذا لا يخرج سياسي رسمي (نظمي) عربي ويصرح بأن الحكومات العربية لم تعد تتحمل الوعود الفارغة التي تطلقها أمريكا لهم ولم تعد تستطيع السكوت عن الهوان أمام إسرائيل وحكامها الذين يتبارون أمام الناخب الإسرائيلي في ارتكاب المذابح ضد الفلسطينيين والعرب لا يهمهم كلام ولا تحذير ولا رجاء من رئيس مصر أو ملك الأردن أو السعودية أو أمير قطر ولا يعيرون تهديدات رئيس سوريا ولا شخط القذافي أي اهتمام ولا أهمية ولا يفرق معهم أي حاكم من حكامنا من أكبر كبير إلي أكبر وريث؟.. كل ما نسمعه من حكامنا وتابعيهم ومنافقيهم هو هذا الكلام السقيم المريض عن السلام والخيار، هذا الإصرار المدمن علي التذلل، وهم أحرار في أنفسهم لكن الذي يدفع الثمن هو الشعب الذي بدأت السجون في أوطانهم تفتح أبوابها لمن يقود المظاهرات ضد إسرائيل وبدأت الشرطة تجرجر زعماء المظاهرات إلي مديريات الأمن والتخشيبة، والنيابات تستدعي رموزهم وصحف عسس الدولة تستعدي الأمن والحاكم عليهم وتتهمهم بالعمالة والخيانة بل وتطلب من إسرائيل أن تلقنهم درساً. الشعوب الآن تري حكامها يهانون من إسرائيل التي تشخط فيهم وتأمرهم وتهددهم، ورغم ذلك فهؤلاء الحكام يتذللون من أجل أن يرضي عنهم أولمرت أو ليفني أو باراك ليجلسوا علي مائدة تفاوض تحت رعاية ودعم ومباركة ومشاركة من الولايات المتحدة الأمريكية التي تحب أن تري حكام العرب في حظائر الطاعة وتحت السيطرة ويعملون محافظين أمريكيين للأقاليم العربية، وتحب أن تري خصوم وأعداء إسرائيل من القوي العربية الوطنية مضروبين و ممزقين ومحبوسين ومنتهين تماما.. و يبدو أنها سوف تري ما تحبه، لكن المشكلة أن الحاكم «حمامة» سلام أمام إسرائيل و«أسد غضنفر» علي شعبه،فالحاكم العربي مقبول أمريكيا ومسنود صهيونيا طالما أنه يطبِّع ويسلِّم ويستسلم لإسرائيل، أما لو كان الحاكم ديمقراطيا ومحترما لحقوق الإنسان ولكنه ضد إسرائيل واحتلالها وعنصريتها فهو حاكم مكروه ومطلوب انكساره ودمه لدي أمريكا، من هنا فما يريده الأمريكان من حكامنا ليس إصلاحا ولا ديمقراطية ولا حرية انتخابات ولا حقوق إنسان، وإنما المطلوب الاستسلام أمام إسرائيل،.. تأمل برقية الشكر والإشادة التي أرسلها جورج بوش إلي مبارك يحييه فيها علي موقفه الحكيم في العدوان الإسرائيلي علي غزة!! كم أن بوش راضٍ عن مبارك وسياسته، فهل مازلت تصدق أنه كان يطالبه بالإصلاح السياسي والديمقراطية؟!.. لتذهب الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان العربي أمام مصالح إسرائيل إلي أقرب مقلب زبالة !!

العالم العربي يدور في دوائر من الكذب السياسي المقيت والسقيم، فهناك منافقون يطبلون ويزمرون لكل حاكم (من يوالي أمريكا ومن يساند إسرائيل ومن يعادي أمريكا ومن يعاند إسرائيل) ويسبحون بحمده ويقدسونه كأنه الولي الصالح أو الإله العادل ويبيعون ضمائرهم وأوطانهم مقابل البقاء في المقاعد والحصول علي الفوائد واكتناز الذهب والفضة، وهناك حكام بلغ بهم الإحساس بالعظمة ومرض السلطة وشهوة الحكم وشراهة الفساد فتخيلوا أنفسهم آلهة وأنبياء ووضعوا لحذاء أولادهم مكانا علي رقبة الوطن يرثون العواصم والخزائن والفساد والاستبداد من بعدهم، والمضحك المبكي أنهم (هم وأبناؤهم) يتحدثون طول الوقت عن ديمقراطيتهم وحريتهم وحرية مواطنيهم في كذب مريع وفصام شخصية ونفاق سياسي مذهل، الأمثلة كثيرة وأكتر من الهم علي القلب في الوطن العربي طولا وعرضا، لكن دعنا نعود إلي مصر ونتأمل ما يردده أصحاب السيادة من السادة المسئولين بالأسطوانة اليومية بتاعة مصلحة مصر وأن تصرفات الحكومة والحكم تجاه العدوان الإسرائيلي علي غزة قال إيه تنبع من مصلحة مصر ( لا أعرف لماذا تتداعي إلي ذهني جملة مصلحة السجون كلما سمعت جملة مصلحة مصر علي لسان مسئول لا يسائله أحد كالعادة !!) ولا نعرف هل هي مصلحة مصر أم مصلحة الحكم والحكومة في طول البقاء والجلوس علي الكراسي أبد الدهر وحتي الموت (موتهم هم وموت الشعب أيهما أقرب !!)؟ هل مثلا يعني مصلحة مصر أن تصبح دولة مرتشية من أجل قروض معونات ( تبددها الدولة كالعادة وتفلسنا كالمعتاد وتسرق منها طبعا وتفسد من خلالها وشييء لزوم الشيء وأبجني تجدني.. وما إلي ذلك ثم ذلك نفسه !!)؟!.. نرتشي بالقروض مقابل أن نبيع رأينا ونتخلي عن شعب لا تملي علينا فقط أوامر الإسلام والمسيحية مناصرته ودعمه والقتال معه بل تملي ذلك أيضاً الإنسانية والقيم الأخلاقية، فلو أن ما يجري في غزة من مذابح ومجازر ليس موجها ضد بشر بل ضد حيوانات لكان واجبا علينا أن نواجه عدوان إسرائيل ضد هذه الحيوانات، آه والله العظيم لو هذه المجازر الإسرائيلية تتم ضد مجموعات وقطعان ماشية لكان واجبا علينا أن نواجه العدوان بكل قوة وصلابة ورجولة فما بالك وهؤلاء ليسوا حيوانات يا قساة ياغلاظ القلب يا عديمي الرحمة والمروءة بل هم بني آدمين من دمنا ومن ديننا، مسلمين ومسيحيين وإخوتنا وبني جلدتنا ولغتنا وثقافتنا وعشرتنا وعشيرتنا. الضمير والواجب بل والمصلحة المصرية المباشرة تحتم علينا مواجهة إسرائيل والتصدي لها حتي لو كانت غزة حديقة حيوان مفتوحة وليست إقليما غاليا وعزيزاً وعظيما يحتشد فيه أعرق الشعوب وأكثرها حضارة، شعب المسجد الأقصي وكنيسة القيامة ومهد المسيح ومسري الرسول محمد صلي الله عليه وعلي آله وسلم، فهل مصلحة مصر أن نبيع أمنها القومي وواجبها العربي والإنساني من أجل رضا أمريكي ومعونات وحتي لا نفقد قرابة اتنين مليار دولار منحا وقروضا سنوية من الولايات المتحدة الأمريكية؟!.. بلا ستين خيبة، رجال الأعمال «السوداء» هربوا وضيعوا أكثر من المعونة الأمريكية سنويا تحت بصركم وربما من خلالكم شخصيا، ثم لو كان مال قارون هل هذا يجعلنا دولة ساكتة ساكنة خائبة كل ما تفعله هو الاتصال التليفوني بكوندوليزا رايس وتسيبي ليفني لنطالبهما بسرعة الانتهاء من ضرب وتدمير غزة واحتلالها لأن هناك عواقب وخيمة علي المنطقة لو قاومت حماس وطالت الحرب؟! طيب بالذمة تسمي هذا الرأي وذلك التصرف إيه في عالم السياسة؟ بلاش السياسة في عالم الأخلاق والكرامة، ثم مصلحة مصر يا حبايب مصر حبايبنا، ليست مصلحة حكام مصر ، ألم تر ماذا فعلت تركيا فهي دولة ديمقراطية حقا، يحدد الشعب التركي مصلحته ومصلحتها بنفسه وليس عبر مجموعة من المستبدين والوارثين الذين يسيطرون علي بلد منذ أكثر من ربع قرن وظنوا أن مصلحة تركيا هي مصلحتهم الشخصية في البقاء علي الحكم أبديا وسرمديا، تركيا رفضت يا حكامنا ستة مليارات دولار منحة كاملة من أمريكا (وليس اتنين مليار قرض بفائدة بنكية زي جماعة) في فترة ضرب العراق ورفضت مرور طيران أمريكي في سمائها، مجرد مرور وعبور طائرات أمريكية سماء تركيا لضرب العراق كان ممنوعا ومرفوضا من تركيا، ثم في الحرب الإسرائيلية القذرة علي غزة كانت تركيا بلدا عظيما شامخا وبكل كبرياء إسلامي يستعيد عظمة ومجد الدولة العثمانية أدانت تل أبيب ولقنتها درسا وهددتها وخرج الشعب التركي في مظاهرات بالملايين وحافظت تركيا علي مكانتها واحترامها وقيمها وإسلامها واستقلالها عن القرار الإسرائيلي والأمريكي، ليه ؟ لأنها بلد ديمقراطي حر ولم تذعن للترغيب ولا للترهيب، فأردوجان لا يريد توريث ابنه ولا ابن أخيه مقعد الحكم، والشعب الذي اختار هناك حكامه اختارهم كي ينفذوا إرادته، وليس ليكونوا أوصياء عليه ويتصرفوا من وحي مصلحتهم الشخصية الضيقة التي يدعون أنها مصلحة بلدهم !! ثم هي بلدهم وليست عزبتهم!!