‏إظهار الرسائل ذات التسميات طارق البشرى. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات طارق البشرى. إظهار كافة الرسائل
المستشار طارق البشري يكتب هذه إمارة شرم الشيخ.. فأين دولة مصر؟
لكي نفهم ما يجري في بلدنا وما تنتهجه السياسة الرسمية لدينا، علينا أن نستحضر نص خطاب ذكره السيد رئيس
الجمهورية فيما ذكر، أمام الهيئة البرلمانية للحزب الوطني الديمقراطي، وهو الحزب الحاكم لأكثر من ثلاثين سنة مضت، وذلك بمناسبة بدء الدورة البرلمانية لمجلسي الشعب والشوري في سنة 2003 - 2004.

جاء هذا الخطاب في 11 نوفمبر سنة 2003 وأذاعه السيد صفوت الشريف الامين العام للحزب بصحيفة الأهرام في 12 نوفمبر في الصفحتين الأولي والثالثة.

تحدث رئيس الجمهورية عن زيادة السكان في مصر ونبه إلي مخاطرها بقوله: «إننا لا نريد يوماً أن نصل إلي تلك الدول التي لا تهتم سوي بنسبة 10% من سكانها، وتترك الآخرين في العشوائيات دون رعاية أو تعليم، نريد أن نحافظ علي مقومات هذا البلد وزيادة مواردنا.. وكان من عناوين الصفحة الثالثة، «.. ولا نريد
الوصول إلي مستوي دول لا تهتم سوي بنسبة 10% من سكانها وتترك الآخرين في العشوائيات».


وهكذا، وضعت الحكومة ضمن بدائلها السياسية التي تطرحها أمام نفسها بوصفها القوامة علي شئون المجتمع ألا تهتم بأكثر من 10% من «سكان مصر» وتترك الباقي بغير رعاية، لأن «السكان» أنجبوا كثيرا، وكان مما يتلاءم مع هذا الأمر أن يشار إلي المصريين باعتبارهم «سكاناً»، لأن وصف المواطنة لن يعني في هذه السياسة إلا نسبة 10% فقط.

ونحن في الحقيقة لم يصل إلي معارفنا أن أي حكومة أعلنت لشعبها هكذا جهارا أنها لن تهتم إلا بنسبة 10% وأن تترك باقيهم «بغير رعاية»، ولكن هذا ما حدث وقد أعلن السكان المصريون بهذا الأمر علي صفحات الجرائد واسعة الانتشار وفي عناوين صدر الصفحات.

وبعد ذلك بقي «السكان» يتساءلون في دهشة عجيبة: لماذا تصنع الحكومة كذا ولا تصنع الحكومة كذا ولا تصنع كذا، ولماذا تتخذ هذه السياسة ولا تتخذ سياسة أخري متاحة وممكنة؟ وذلك دون أن يتفكروا في سؤال آخر، وهو هل هذا الصنيع أو هذه السياسة مما ينتج عن اختيار بديل الـ 10%، ومن ثم يتحول أمر 10% من بديل محتمل إلي اختيار تم وينفذ فعلاً، وإلي واقع يجري عملاً.

وعلينا أن نتأمل هذا التصور في التطبيق وفي واقع الحال الذي يدور حولنا، وذلك عندما
ننظر في التعليم مثلاً وكيف ترك التعليم العام الذي تديره الحكومة يتهدم ويستشري فيه فساد الدروس الخصوصية، وهو التعليم المعد للشعب المصري بطبقاته الوسطي، ثم ظهرت مدارس خاصة أجنبية لأبناء صفوة الصفوة في المجتمع بمصروفات بالغة الارتفاع لا يقدر عليها أبناء طبقة المهنيين الذين تتكون منهم أجهزة إدارة الدولة ولا فئات ذوي الدخل المحدود من أصحاب الرواتب والأجور والمهايا، وكذلك عندما ننظر في أمر التعليم الجامعي وتهدم أركان الجامعات المصرية ذات التاريخ والشموخ العلمي والرصانة الفكرية، ونشوء أكثر من ست عشرة جامعة أجنبية بمصروفاتها الباهظة، وكذلك الشأن في الصحة ونفقات العلاج، وكذلك عندما تنظر في أسلوب تعامل الحكومة مع حادث مثل غرق العبارة، فإن كل خسائر العبارة من أرواح إنما ينتمي لا إلي نسبة 10%، ولكن إلي غيرهم من السكان، فلم يكن ثمة اهتمام بالأمر يتناسب مع ما ظننا أنه يستأهله وكذلك الشأن بالنسبة لحادث صخرة الدويقة التي ردمت تحتها من أجساد البشر أفراداً وأسراً بكاملها مالم يعتن أحد حتي بإحصائهم، ثم مسألة الخبز نوعا وجودة وشحا ووجودا، وهل هو مما يناسب غذاء البشر أم يقف عند حدود علف البهائم، وهذا كله وغيره من تطبيقات «ترك الآخرين في العشوائيات دون رعاية»، لأن الحكومة يمكن أن تكتفي بنسبة 10% من السكان كما أعلنت.

لسنا في مجال متابعة التطور التاريخي للدولة المصرية وتصوراتها علي مدي الثمانينيات والتسعينيات من القرن العشرين والعشر الأوائل من القرن الحالي، ولكن يمكن القول بإيجاز شديد إن وضع الدولة المصرية الآن وبعد تردد شديد وأخذ وجذب متتالتين علي مدي الثمانينيات والتسعينيات، حُسمت الأوضاع بداخلها لصالح هذا البديل، بديل الاكتفاء باهتمام الدولة بنسبة 10% من «السكان»، وذلك من نهايات سنة 1999 بالتعديل الوزاري الذي جري في أكتوبر 1999 وتعيين الدكتور عاطف عبيد رئيساً للوزراء، وهو كان مسيطراً علي قطاع الأعمال العام منذ 1991 عندما صدر القانون رقم 203 لسنة 1991، وسيطر علي أكثر من ثلاثمائة شركة إنتاج صناعي وزراعي وتجاري وسياحي وغيره، وأدت سياسته المنفذة غير المعلنة إلي ما أصاب هذا القطاع من توقف الأعمال وف
قد العمالة الماهرة والخروج من الأسواق وتراكم المديونيات وغير ذلك وكان تولي الوزارة منبئاً عن سيادة هذا الاتجاه السياسي في إدارة شئون البلاد توطئة للبيع وإكمال تفكيك الأبنية الإدارية للهيئات والمؤسسات والشركات وغيرها.

وجاء خطاب الهيئة البرلمانية سالف الذكر في 11 نوفمبر 2003 في ظل هذا الوضع الذي ساد وسيطر وحده في قمة الدولة، ثم تلاه بعد ثمانية أشهر تعديل وزاري رأس فيه الوزارة الدكتور أحمد نظيف في 10 يوليو سنة 2004 ومعه الطاقم الذي نشهده حالياً، والذي قام ويقوم بتنفيذ هذه السياسة التي تبلورت علي مدي السنوات الأربع السابقة منذ 2000 وأعلنت في 2003.

وقد طرحت للتنفيذ الفعلي والسريع هذا المشروع، ومارست وتمارس ما أظنه مفاصلة تامة مع ما لا يقل عن نسبة 90% من «السكان»، أو بعبارة أدق أنها تمارس سياسة لا تفهم إلا علي أساس أنها تتبع هذه المفا
صلة، وطرحت ما سمته ببيع أصول مصر، من شركات ومصانع سبق توقيفها ومرافق سبق تعطيلها وأراض ومستشفيات وفنادق كان لحقها البوار، وذلك لتدخل الملكية العامة الثابتة بنسبة 90% من «السكان» في نطاق المال المملوك للجماعة السياسية الجديدة، جماعة نسبة 10% أو أقل حسبما قرر هذا الوضع الجديد.

وهكذا يجري الأمر، فرز وتجنيب ثم مفاصلة، ونحن لا نعرف حقيقة النسب، وهل هي 10% أو أقل؟ ومن يقدر علي إجراء الفرز يستطيع أن يحدد ما يريد وما يحتمل من نسب قد تكون أقل، ومن لم يخش من 90% لن يخشي أيضا من 95% من «السكان».

ولكننا هنا نقيد أنفسنا بما قيل عيانا جهارا بياناً نهاراً لندرك كيف يفكر المسئولون وبأي تصور سياسي يديرون الأمور؟

لقد كان من أهم العقبات التي تواجه تنفيذ هذا التصور هو التركيب العضوي لجهاز إدارة الدولة، المدني وال
خدمي والاقتصادي والعسكري والأمني، لأن جهاز إدارة الدولة في مصر إنما يتكون من عينة مصرية لا تميز أهل إقليم علي آخر ولا أهل طائفة علي أخري ولا أهل مذهب ولا أهل قبيلة أو أسرة، لما تتمتع به مصر من امتزاج شعبي نادر الحدوث في مجتمعات أخري كثيرة، وما يدعو للتساؤل هو كيف يجري الإعداد العضوي والثقافي والطبقي لجماعة محدودة تدير شأن هذه النسبة المتصورة للجماعة السياسية المصغرة المختارة نسبة الـ 10%، ولكي تنمحي النظرة الشاملة التي اعتادها العاملون بجهاز إدارة الدولة وتحل محلها نظرة محصورة لجماعة محصورة في هذا النطاق الضيق.

لقد جري ذلك عبر التسعينيات من القرن العشرين، وكنت أشرت إليه في كتابات سابقة، وذلك بتفكيك المجتمع وجهاز إدارة الدولة، فلم يعد أي مكون من مكونات المجتمع أو جهاز الدولة قادرا علي معارضة سلطات رئيس الدولة بوصفه فردا يتربع في أعلي السلطة، ولا قادرا علي الممانعة لأي سياسة تتخذ حتي إن كانت ضد هيئات الدولة ومؤسساتها ذاتها.


ذلك إنه أعيدت هيكلة نظم التوظيف في الدولة في بدايات التسعينيات بحيث صارت وكأن جميع القيادات في الدولة وظائف مؤقتة تمد سنة بسنة أو سنتين أو ثلاث بمثل مدتها، وسواء في ذلك الوظائف القيادية في أجهزة الدولة المعنية المتعلقة بالسيادة وبالخدمات، وأجهزتها في قطاع الأعمال الاقتصادي أو في الجيش أو في الشرطة، وأدي ذلك إلي أن تحول أي من هذه القيادات من ذوي مركز قانوني يكفل لهم قدرا من الضمانات في البقاء في عملهم وقدرا من الاستغلال في اتخاذ القرار وإبداء الرأي الفني والمهني، تحولوا من ذلك إلي مجرد تابعين لمن يعلونهم سواء وزيراً أو رئيس جمهورية، إن لم يأتمروا بالأوامر فسيسقطون كأوراق الشجر الذابلة بغير حاجة إلي فصل.

يضاف إلي ذلك أن أجر أي وظيفة كان يكفي صاحبها، كفالة لضرورياته هو وأسرته وفق المستوي الاجتماعي للشريحة الاجتماعية التي تحيط به، وكان لوظيفته ولأجره منها من الضمانات القانونية والقضائية ما يكفل تأمين العامل، ثم حدث أن زادت الأسعار علي مدي العقدين الماضيين بما يفوق زيادة الرواتب أضعافا مضاعفة، فلم يعد أي راتب يكفي صاحبه وأسرته ضرورات عيشهم، وألجأ هذا الوضع العاملين إلي البحث عن مورد آخر مكمل، فانحرفت قلة ووجدت في الفساد وأساليبه مغنما، والأغلبية بحث أفرادها عن عمل آخر إضافي مكمل، فتوزع انتماؤهم بين عملهم الأصلي وعملهم
الإضافي، ولأن العمل المكمل يكون لقاء أجر غير ثابت بغير ضمانات قانونية، فقد صار هو ما يخشي عليه العامل ويوليه اهتمامه الأكبر، وذلك علي حساب عمله الأصلي، وشيوع هذا الأمر بين العاملين من شأنه انهيار المؤسسة الأصلية التي يعملون بها لانصراف العاملين فيها عن مدِّها بالقدر الأهم من أنشطتهم واهتماماتهم.

يضاف إلي ذلك أن أي مؤسسة إنما تنشأ بوصفها تشكيلاً نظامياً يضم من الخبرات والمهارات ما يتفق مع نوع نشاطها، وهي في عملها تكتسب خبرات متزايدة بما يضاف إلي رجالها من تجارب وما يؤدونه من أعمال، فإذا توقفت فقد فقدت هذا النبع من الخبرات ولحقها من الصدأ ما يلحق الآلات التي لا تعمل، والحاصل أن كثيرا من الأجهزة والمؤسسات في الدولة وقطاع الأعمال قد توقف عن أداء عمله المنوط به في هذين العقدين الأخيرين، لأنه لم يعد ثمة خطة اقتصادية تتبع ولا مشروعاً وطنياً ينفذ ولا خدمة اجتماعية تؤدي بجدية ولا مالاً ينفق بما يكفي أيا من ذلك.


وانصرف العاملون ذوو الخبرة عن أعمالهم، وكذلك الشأن إذا ارتبط بأي مؤسسة ما يجاوز أصل تخصصها وما أعدت من أجله.

هذا من ناحية تفكك أجهزة إدارة الدولة ومؤسساتها، أما من ناحية هيئات المجتمع الأهلي مثل النقابات والاتحادات وغيرها، أو الهيئات الرسمية ذات الاستقلال الذاتي كالجامعات، فقد جرت في كل ذلك تعديلات في القوانين بما يفقد أيا منها درجة استقلاله الذاتي مثلما حدث بالنسبة للجامعات، وكذلك صدرت قوانين واتبعث إجراءات كان من شأنها تفكيك الهيئات ذات التماسك كالنقابات المهنية أو السيطرة الكاملة الأمنية علي الهيئات الأخري كالنقابات العمالية واتحادات الطلبة، ولا أريد أن استطرد في ذكر التفاصيل حرصاً علي الوقت والمساحة، وحرصاً علي سرعة بلوغ المسألة التي أريد إيضاحها.

والحال أن القوة الاجتماعية والسياسية ترد من العمل الجماعي لا من الجهود الفردية، وهي ترد من العمل الجمعي المشمول بتشكيل تنظيمي، ولا فعل إلا بقوة ولا رد فعل إلا بقوة، ولا تأثير إلا بقوة ولا ممانعة إلا بقوة، والحال أيضا أن الحركة الاجتماعية والسياسية لا تنفذ بآثارها إلا بهذه القوة الجماعية المنظمة، وأن أي حراك شعبي أو جمعي من أي نوع وفي أي مجال يرد بغير قوة منظمة وإنما يكون حراكا عشوائيا ما يلبث أن يتفرق شعاعاً وأن يتشتت بددًا لا يبقي له أثر يذكر، لذلك فإن التنظيم هو ما يكون عليه المعول في حساب القوي وإدراك الآثار المتفاعلة في المجتمع للجماعات والفرق المختلفة.

ومن هنا ندرك مغزي ما سبق ذكره عن التفكك الحادث، وندرك أي خسارة فادحة لحقتنا من جراء هذه السياسة التي اتبعت منذ التسعينيات بشكل منظم وآتت بنتائجها المدمرة من نهاية التسعينيات حتي اليوم، إذا ننظر إلي أنفسنا اليوم فنجد أنفسنا ساخطين دون همة، وغاضبين دون عزم، وأن السخط والغضب يأتي منهما الوعي بالسوء والقبح والفساد، أما الهمة والحزم فيأتي بهما التشكيل التنظيمي للساخطين والغاضبين، وأنا لا أقصد هنا فقط انفكاك التنظيمات الشعبية والأهلية، ولكن أقصد أيضاً انفكاك تنظيمات الدولة فيما عدا ما يقوم علي الأمن السياسي للنظام الحاكم، ومن هنا نلحظ هذا الوهن العجيب، فننظر إلي الجماعة الحاكمة فنراها لا تعرف كيف تحكم ونراها واهنة العزم خائرة القوة إلا فيما يتعلق بمنع المظاهرات، ثم ننظر إلي المعارضة فنراها تقف عند حدود التعبير الكلامي عن المواقف وعند حدود الإدراك الصحيح الصائب لما يتعين أن يقوم، ولكنها لا تستطيع أن تحول هذه الرؤية إلي قدرة تغيير فعلي.


لقد حدث في مصر علي مدي الثلاثين سنة الماضية ما حدث في العراق علي مدي السنوات الخمس الماضية، نحن دائماً في مصر نجري التغييرات بالأسلوب «السلمي المشروع البطيء» والتعديلات الهيكلية الجزئية البطيئة التي تتراكم، وهم دائماً في العراق تجري التغييرات بالأسلوب العنيف السريع، سواء كان التغيير للأحسن أو للأسوأ.

في مصر خضعت الإرادة الوطنية للدولة لإملاء الهيمنة الأمريكية عليها، خضعت بالتدريج وكمل ذلك علي مدي عشر سنوات أو أكثر، وفي العراق أجري ذلك بعملية احتلال عسكري أمريكي سريع وتعيين حكومة موالية «للأمريكيين».

في مصر تحطم النظام الاقتصادي الوطني المستقل علي مدي ربع القرن وصار إلي التبعية للهيمنة الدولية، وفي العراق جري هذا التحول في أشهر قليلة بعد الاحتلال العسكري الأمريكي، وفي مصر تعطلت المصانع ــ مصانع القطاع
العام ــ بالترك العمد والإهمال المقصود علي مدي نحو خمس عشرة سنة وفي العراق جري ذلك في شهور أيضاً، وبالنسبة لجهاز إدارة الدولة في مصر فقد جري تفكيكه وجرت العملية من أوائل التسعينيات، وتمت ذات العملية بالتدمير السريع في العراق فور دخول القوات الأمريكية، أما من حيث الخسائر البشرية فهي في العراق تحدث بالرصاص والتفجيرات، وفي مصر تحدث بغرق العبارات وتصادم القطارات والحافلات وسقوط الصخر علي البشر أي بالطريق السلمي المشروع، والنتيجة أن المجتمع مفكك والدولة مفككة وأن القوة النظامية الوحيدة وهي شرطة الأمن السياسي، لم تعد حافظة لحكومة القلة فقط، ولكنها حافظة أيضاً لوضع التفكك الذي يضمن بقاء هذه القلة. وقد شكلت أجهزة الإدارة التي تناسب المجتمع الجديد المصغر، فتفتق الحزب الوطني عن لجنة السياسات، وجرت السيطرة علي بنوك القطاع العام بطاقته التمويلية عن طريق كوادر جديدة، ومع تغير الوزارة، نشأت حول كل مجموعة شباب، اختير بغير خبرة سابقة في أجهزة الدولة وبرواتب ضخمة جدا، وكل ذلك بعقود مؤقتة حلت محل الوظائف الثابتة حتي لا يكون لأحد قدرة علي الاعتراض.

هذا هو الوضع السياسي والاجتماعي والتنظيمي الذي يتناسب مع تحقيق مجتمع الــ 10% المعلن عنه، وقد يعمل العاملون علي تخفيفه بنسبة أقل من ذلك كثيرا، فنحن لا نعرف النوايا، ولكن المهم هو الإشارة إلي ما هي خصائص هذا المجتمع التي يمكن أن نستقرئها من الواقع الحالي ومن متابعة الأحداث الجارية. فنحن نلحظ مثلاً أن القاهرة لم تعد هي المدينة التي تمارس فيها فعلاً حكومة البلاد ولم تعد مقرًا لحاكم مصر الفرد القائم علي أزمة أمور البلد والمقرر لسياستها فيما كبر أو صغر من الشئون، صار مقره الدائم أو الذي يقيم فيه عادة هو مدينة شرم الشيخ علي شاطئ خليج العقبة جنوب شبه جزيرة سيناء وصارت هي المقر الذي يقابل فيه رجال الدولة ويعقد فيه اجتماعاته مع رؤساء وممثلي الدول الأجنبية وهو مكان عقد فيه ما يسمي بلقاءات القمة وبلغ من اطراد هذا الأمر والاعتياد عليه أن المؤتمر الدولي للاتحاد الأفريقي الذي ينعقد بحضور رؤساء الدول الأفريقية كان انعقاده الأخير السنة الماضية في شرم الشيخ رغم أن شرم الشيخ في آسيا وليست في أفريقيا بما يعني أن مؤتمر قمة الاتحاد الأفريقي لم تجد له حكومة مصر في أرضها الأفريقية الفسيحة مكانا لانعقاده فانعقد في آسيا.

وأن شرم الشيخ التي تمارس فيها وظائف العاصمة هي في الجزء الشرقي من سيناء وهو الجزء منزوع السلاح المصري بنص الاتفاقية المصرية - الإسرائيلية وهي ليست تحت سيطرة القوات المسلحة المصرية فمحظور علي مصر بموجب هذه الاتفاقية أن تتواجد فيها قوة من قوات مصر المسلحة، وهذا يعني أن أقرب القوات المسلحة لشرم الشيخ بحكم التواجد وبحكم إمكان التواجد الدولي المتاح هي القوات المسلحة الإسرائيلية براً وجواً وبحراً وهذا يذكرنا تاريخياً بوضع السلطان «محمد وحيد الدين» سلطان الدولة العثمانية الأخير بعد الحرب العالمية الأولي إذ كانت إقامته في اسطنبول وكانت تحيط به القوات الأجنبية المنتصرة علي تركيا في تلك الحرب وهذا ما من أجله نقل «كمال أتاتورك» العاصمة إلي أنقرة في قلب بلده وفي وسط الأناضول.

إن كان هذا هو شأن المدينة التي تمارس فيها الدولة مهام العاصمة في هذا الوضع الجديد وهي بعيدة عن وادي النيل الذي يسكنه ما جري التعبير عنه بأنه 90% من السكان فما هو شأن التمويل إننا نعلم أن ميزانية الدولة تمول بمصادر إيراد يرد من شئون المصريين كلهم، مما ينتج عن الزراعة في وادي النيل وعن المصانع التي تنتشر علي طول مدن الوادي وأرضه ومن عمل العاملين المصريين عمالاً وموظفين ومهنيين وحرفيين ومن ضرائب استهلاك هؤلاء جميعاً فكيف يمكن الاستغناء «بقدر الإمكان» عن هؤلاء بوصفهم مصادر إنتاج واستهلاك وعمل وغيره، إن تمويل هذه الإدارة الجديدة للدولة في وضعها المصغر يمكن أن يأتي من دخل البترول والغاز وهو مبلغ يدور حول 9 مليارات ودخل قناة السويس وهو يدور 4 مليارات وعوائد المصريين المقيمين بالخارج وهو يدور حول 6 مليارات ثم السياحة وهي تدور حول 8 مليارات وكل هذه الدخول لا تحتاج إلي وادي النيل في مصر وهو موطن أكثر من 90% من السكان ولا تنتج في الأساس عن أنشطة إنتاجية خاصة بسكان هذا الوادي وهم يزيدون علي 90% من السكان وحتي النشاط السياحي صار جزءاً غالباً فيه يرد من سياحة شواطئ البحر الأحمر وليس من أرض الوادي ولا من آثار هذا الوادي.

ونحن هنا أمام مداخيل اقتصادية تتشابه إلي حد ما مع مداخيل إمارات الخليج العربي وأن الاعتماد الأساسي عليها في تشكيل دولة الــ 10% يحيل الدولة إلي إمارة شبه خليجية والفارق أن إمارة شرم الشيخ تقع علي الشاطئ الغربي للجزيرة العربية بينما تقع قريناتها علي الشاطئ الشرقي لشبه الجزيرة وإماراتنا قد تحتاج إلي بعض عمالة تأتيها من وادي النيل، خاصة في شأن الخدمات وفي شأن حفظ الأمن وهذا من الصفات الشبيهة بصفات تجدها في إمارات الخليج التي تعتمد علي عمالة تأتيها من خارجها ولأنها إمارة تعتمد علي الدخل الريعي وليس الدخل الإنتاجي فهي لا تحتاج إلي فلاحين ولا إلي عمال، يكفيها خبراء في الإدارة وموظفين صغار وخدمة كما يكفيها من القوات الحامية لها قوة الشرطة علي أن تكون هذه القوة شديدة البأس صعبة المراس ذات بطش وقسوة.

وأن نظرية الأمن القومي لهذه الإمارة لابد أن تكون مختلفة تماماً عن مثيلاتها الخاصة بمصر التي نعرفها أو بعبارة أخري عن باقي مصر الذي نعرفه وهذا الباقي من مصر الذي يشكل 90% أو أكثر هو أرض وادي النيل والذي لم يعد وطناً مشمولاً بالرعاية وما عليه من بشر هم سكان وليسوا شعباً بالمعني الذي يعرفه القانون الدولي العام، إن ثمة إمارة انسلخت من الدولة الأم وأخذت اسمها ووصفها القانوني ومركزها الدولي وأن أي دولة منسلخة تختلف نظرتها إلي أمنها القومي عن النظرية السائدة لدي الدولة الأم بل هي تكون ضد هذه النظرية لذلك فإن الجزء المنسلخ يعتبر الدولة الأم عدوه الأول والأكبر ومصدر الخطر الدائم عليه ومتي تعين العدو الأول، فقد تعين أيضاً الحليف الأول وهو عدو العدو، والإمارة المنسلخة في هذا التصور لا تجد حليفاً لها إلا من كان يخشاه الوطن الأم ويعتبره خصماً له وخطرا عليه، من هنا نفهم الموقف الأخير الذي كشفت عنه أحداث غزة الأخيرة في ديسمبر 2008، كما نفهم هذه السياسة التي قامت وهي سياسة تمارس وتطبق ضمنا وعلانية وسراً وجهراً وهي أن ثمة تحالفاً استراتيجياً يقوم بين الحكومة الحاضرة والولايات المتحدة الأمريكية وليس من الممكن فهم هذه السياسة إذا نظرنا إلي الأمر بوصفه علاقة بين مصر والولايات المتحدة، لأن الولايات المتحدة ومعها إسرائيل شنت علي هذه المنطقة من الحروب ولا تزال تفعل ما يجعلنا نراها عدوانا مستمراً من الجانب الأمريكي الصهيوني علينا.

إنما يُفهم الأمر إذا نظرنا إليه باعتباره وصفاً للعلاقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وبين الإمارة المنسلخة من مصر، إمارة الــ 10% أو أقل من السكان، من جهة أخري.

أمامنا مهمة كبيرة، أن نعيد مصر إلي الوجود بإذن الله تعالي فنجمع ما تفرق ونركب ما تفكك وأن نرمم أبنيتها الإدارية المتصدعة وأن نجبر ما تكسر من عظامها هذا بالنسبة لأجهزة إدارة الدولة، أما بالنسبة للتنظيمات الشعبية والأهلية فأمامنا مهمة الإعداد الجديد لتنظيمات جديدة علي كل مستويات العمل الشعبي والأهلي النقابي وغير النقابي والجمعيات والاتحادات وغيرها.

البشري: شعار "مصر أولا" لم يحل قضية


البشري: شعار "مصر أولا" لم يحل قضية

حوار - مصطفي عاشور - عبد الله الطحاوي

اعتبر المفكر الإسلامي البارز الدكتور "طارق البشري" أن المعركة الدائرة الآن ضد قطاع غزة هي معركة تتعلق بالحركة الوطنية الشعبية العربية الإسلامية في مواجهة الاستعمار الأمريكي والعدوان الصهيوني والأنظمة العربية المتحالفة معهم.

ورأى أن ثمة تمايزا أو فرزا سريعا حدث بما لم يشهده تاريخنا من قبل؛ فمع اليوم الثالث فقط من بدء المعارك تبين من الذين يقفون مع إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية ومن الذين يقفون مع الفلسطينيين، بل لم يعد هناك أحد يخفي موقفه.

وفي حواره مع شبكة إسلام أون لاين. نت، حول تفسير هذا التمايز ورصد المواقف الرسمية والجماهيرية، رأى البشري أن لا أحد مرتبك في تلك المعركة، فالنخبة المصرية على سبيل المثال غير مرتبكة وتدرك مواقفها جيدا؛ إذ لها مصالح في الانعزال من جانب، ولها مصالح أخرى اقتصادية مع الولايات المتحدة تبلورت بشكل جلي منذ خمس سنوات.

كما أكد البشري على أن الجماهير أيضا غير مرتبكة في مواقفها السياسية، فهي تدرك من العدو، إنما ينقص الجماهير البعد الحركي التنظيمي الذي يحول نظرتها إلى الاحتلال والاستبداد إلى واقع ملموس.

وانتقد البشري رافعو شعار (مصر أولا)، والمتخوفون من وجود ما يسمى إمارة إسلامية على الحدود المصرية الشرقية، موضحا أن تحقيق الأمن القومي المصري لا يجري عبر تسويق مثل هذا الشعار الذي يختلف عن شعار رفعه المصريون سابقا لمواجهة الاستعمار هو (مصر للمصريين)، وإنما من خلال مواجهة النفوذ الأجنبي المحاط بضغوطات اقتصادية، ومن خلال إرادة سياسية وطنية تعتبر قضية فلسطين قضية أمن قومي مصري وعربي.

وفيما يلي نص الحوار:

** شهدنا أثناء الحرب الإسرائيلية على لبنان صيف العام 2006 خلافا عربيا واضحا حول طبيعة الحرب.. لكن هذه الظاهرة، أي الانقسام حول الحرب ومضمونها، قد ازداد تفاقما الآن في ظل المحرقة التي تقوم بها إسرائيل في غزة.. ما تفسيركم؟.

بداية إذا أردنا أن نصف هذه المعركة الراهنة، فهي معركة تتعلق بالحركة الوطنية الشعبية العربية الإسلامية في مواجهة الاستعمار الأمريكي والعدوان الصهيوني والأنظمة العربية المتحالفة معهم.

ووفقا لذلك يجب أن نرى من الذي يقف في صف المقاومة، ومن الذي يقف في الصف المعارض، حيث لدينا صف المقاومة الفلسطينية والحركة الوطنية في غزة والجماهير الشعبية العربية العريضة، وفي الصف المقابل للمقاومة نجد الولايات المتحدة وإسرائيل وأنظمة عربية كثيرة منها ما يحكمنا. وفي تقديري أن الذي يحدد طبيعة هذه المعركة هو حجم هذا الحشد، سواء في هذا الطرف أو ذاك.

وإذا كانت ملامح هذا التمايز بين الفريقين قد ظهرت في حرب لبنان 2006، لكن حساسية هذه القضية أقل بالطبع من قضية فلسطين، ولذا لم يظهر فيها التباين والتمايز بشكل واضح وصريح مثلما ظهر في الحرب على فلسطين.

فالمعركة ضد غزة قد بدأت يوم 27 ديسمبر الماضي، وبعد مرور ثلاثة أيام فقط حدث فرز سريع وجلي للقوى، أي أنها من أكثر المعارك التي أظهرت سريعا ما يسمى بـ "التمايز"، ومن اليوم الثالث للعدوان تبين من الذين يقفون مع إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية ومن الذين يقفون مع الفلسطينيين، بل لم يعد هناك أحد يخفي موقفه.

** ولكن التمايز هذه المرة قد ظهر بشكل واضح على المستوى القطري، سيما في دولة بحجم مصر.. هل تؤيدون هذا القول؟ وكيف تقرؤنه؟.

هذه النظرة مرتبطة بوجود تيار ظهر داخل حركة القطرية في القرن العشرين، ظهرت في السبعينيات أيام الرئيس أنور السادات، والتي نادت بأن مصر بدون عروبة، وأنها أولى بنفسها من غيرها. وقد ظهر هذا التيار تحديدا عام 1975، وخفت صوته بعد ذلك لأن الوضع عندنا هو أن الحكومات لا ترعى أقطارها، وأقاليمها الداخلية، وبالتالي الشعوب أصبحت لا تتأثر بشكل متوال ومستمر لمثل هذه الحيل السياسية.

ولأنه قد نشأت مجموعة من المرتبطين بهذا التيار، فطبيعي أن يتجسد ذلك بتلك التمايزات التي وضحت بشكل واضح في ارتباك الأداء الإعلامي.

راقب معي الحملة الإعلامية الشديدة بمصر، والتي تحاول أن تظهر ما تسميه بـ "العدوان الفلسطيني" على الحدود المصرية؛ فقد كتبت العديد من المقالات في هذا الموضوع. وما يحدث في الإعلام المصري والصحف هو أداء مرتبك يجسد هذه التمايزات حينما يهدف في حملته الإعلامية الكبيرة التأثير في حشد الشعب المصري حتى لا يكون متجاوبا مع حركة المقاومة الفلسطينية.

** هذا يقودنا إلى سؤال يرتبط بحالة الارتباك هذه.. فهل النخبة الآن أصبحت مرتبكة تجاه ما يجري من عدوان على غزة؟

يخيل إليً في تلك المعركة خاصة، وخلال الفترة الأخيرة عامة، أن النخبة ظهرت على أنها غير مرتبكة، إذ يبدو أن لها مصالح في الانعزال، كما أن مصالحها على المستوى الاقتصادي متبلورة منذ خمسة سنوات.

وهذا الخط واضح لدى النخبة تماما، والاتجاهات النخبوية معبر عنها من خلال التصريحات الرسمية التي قيلت، والتي بعدت عن الذوق السياسي، وضربت أي إحساس تجاه مشاعر الجماهير. ومن تلك التصريحات –مثلا- من يقول أنه ضد المقاومة ومؤيد لهذه الحرب، وأنه من حق الاحتلال أن يعرف ما يدخل إلى قطاع غزة بل وأن يقيم الاحتلال الحظر متى يشاء.
وربما باتت تلك النخبة تدفع إلى القول بأن هناك حق للاحتلال! والحقيقة أنه ليس هناك قانون دولي يقول أن الاحتلال له حق، باعتبار أن الاحتلال أمر واقع، وحتى الاحتلال عليه بعض الحقوق.

لكن لا يمكن أن يكون للاحتلال أي حق، فهذه الحقوق موجودة في ميثاق الأمم المتحدة، وأبرزها حق تقرير المصير. ولكن في الفترة الأخيرة تم تجاهل مثل هذه الحقوق حتى داخل الأمم المتحدة.

وهذا يدفعنا للحديث موجزا عن اتفاقية المعابر في العام 2005. هذه اتفاقية، وليست ميثاقا لتكون مرجعية ثابتة، وهذه الاتفاقية قابلة للتغيير. أماعن اتفاقية فلادلفيا، فهي بين السلطة الفلسطينية والاتحاد الأوروبي وإسرائيل... فأين مصر في هذه القضية!!

وللعلم أيضا، فإن من حق الدولة المجاورة للدولة المحتلة أن تفتح إمكانيات المقاومة، وهذا نص عليه القانون الدولي. ناهيك عن خصوصيات كل ما يرتبط بالوضع الإنساني في الدولة أو الإقليم المحتًل.

** من المهم هنا استحضار البصر التاريخي.. فهل عرف تاريخ مصر الحديث هذا الحجم من الانقسام حول الأساسيات أو حول المرجعية فيما يخص قضايا تمس الأمة العربية كلها؟.

رأينا في بداية القرن العشرين أناسا يتحدثون في الصحف عن الانغلاق المصري الذاتي عن الخارج... وهذا الانغلاق كان يؤيده الاستعمار الإنجليزي بالذات لكي يعزل مصر عن غيرها، وكان مفكرا مثل "لطفي السيد" من مؤيدي هذا الاتجاه.

لكن ما يجب التأكيد عليه في أن شعارا مثل شعار (مصر للمصريين) والذي ظهر خلال هذه المرحلة الزمنية، إنما كان مطلبا تحريريا ضد النفوذ الأجنبي والنخبة الحاكمة المنفتحة على هذا النفوذ، وأن تكون مصر دولة ديمقراطية، وأن يحكمها المصريون لا سواهم.

وهذا الشعار يختلف عن شعار (مصر أولا) الجاري تسويقه الآن، رغم أنه لا يوجد في مصر حاليا احتلال أجنبي، ولكن هناك نفوذ أجنبي قوي فيها عن طريق الإحاطة الاقتصادية والضغط الاقتصادي والعلاقات الوثيقة بين النخبة الحاكمة والولايات المتحدة.

** ألهذا يجوز القول أن ثمة انفصال بين حركة الجماهير وبين أداء النظم، أو هل بات التناقض مؤكدا بين تعريف الأمن القومي وأمن النظام؟

كما سبق لم يعد هناك قوات احتلال أجنبية بالنسبة لمصر، وبالتالي فإن قضية الاستقلال المصري ليست إبعاد القوات الأجنبية عنها كما كان في الماضي. والقضية العربية اليوم، والقضية الوطنية المصرية أيضا، أضحت متمثلة في أمرين؛ الأول: هو رفض النفوذ الأجنبي والمشيئة الأجنبية الداخلية والخارجية والمحافظة على مقتضيات الأمن المصري، وهذه قضية تقتضي سياسات عربية يكون فيها مصر مع سوريا والحجاز.

والأمر الثاني هو قضية فلسطين، فهي من أهم القضايا التي تؤثر على الأمن القومي المصري. وقد أشار إليها رجال الفكر العسكري والمؤرخون العسكريون؛ فالدفاع عن مصر يبدأ من هذه المنطقة. ولذلك فإن الإرادة السياسية الداخلية الوطنية تعاني من ضغوط الخارج عليها في سياستها الداخلية والخارجية.

وإضافة لذلك، ثمة نقطة مركزية غير منفصلة عن هذا السياق، وتتعلق بمراعاة الأمن القومي المصري، وأن مصر بلد مستقل له سيادة. وهذه قضية محورية اليوم ومن القضايا الأسياسية ضد إسرائيل وسياساتها مع الأطراف العربية.

** واضح أن شعارات الجماهير في مصر تبصر تلك الحقيقة من واقع ما تطالب به.. لكن أداء الجماهير بحسبانها الحاضنة للقضية الفلسطينية والحارسة لوعيها التاريخي لا يكافيء ثقل اللحظة؛ وبدا أن الجميع فاقد للتأثير، نظما وشعوبا..

لو كنت تقصد بذلك أجندة الداخل.. برأيي ليست هناك مشكلة كامنة في إدراك الجماهير لقضيتها وليس هناك ارتباك فكري فيما تريده، لكن مشكلتها الأسياسية هي تفكك العلاقات التنظيمية بين الناس وبعضهم البعض، وهذا كان سببا في ارتباك وضعف الحياة السياسية المصرية، لأنه خلال السنين المنقضية قد فككت كل التجمعات الممكنة من خلال المؤسسات المختلفة بحيث لم تعد مؤسسة قادرة على تحريك من بها من الناس، سواء أكانت نقابة عمالية أو مهنية أو جمعية أو اتحاد.

ولذا أعتقد أن ما نشكو منه من وهن وضعف اليوم ليس مرده إلى ارتباك فكري أو ارتباك سياسي، إنما مرده التكوين التنظيمي الخاص بالمجتمع المصري.

** البعض يعتقد أن تفكك قوى المجتمع هدف للنظام.. فكيف يمكن الحفاظ على أو الدفع بهذا بزخم الحركة الجماهيرية؟

إن أي قوى شعبية تحتاج أولا لجهود تنظيمية. ومن الواضح أن الدولة تدرك ذلك وهي متابعة له، كما أنه من الواضح أن فكرة وجود المجتمع مفككا هو هدف للنظام، وأن أي رئيس مع مرؤسيه يعمل على تفكيك مجتمعه لكي يرأسهم، وهناك قوانين تخرج لكي تؤدي إلى التفكيك.

وفي أي ظرف سياسي تحدث حركة شعبية وتخمد.. لكن إذا كانت هناك حركات تنظيمية حركية قاردة على الاستمرار بشتى الطرق والتأثير على الشعب، والأهم أن يتجاوب الشعب مع هذه الحركة؛ فسوف يوجد مثل هذا الزخم، ويمكن الجمع بين الإطار الثقافي والإعلامي في الإطار الحركي الذي هو اليوم بيد أناس آخرين وليس بأيدي الحركات الجماهيرية.

** هل ترون أن ظاهرة التمايز أو الفرز السريع، وهي واضحة عبر المواقف العربية والإقليمية أو ما يفضل البعض قوله بسياسة المحاور، قد امتد إلى الجماهير أيضا في تلك الحرب الإسرائيلية الهمجية؟

مرة ثانية أقول إن هناك تياران؛ الأول: يتعامل مع المقاومة باعتبارها حقا مشروع للشعوب، والثاني: يعتبر أن هذا الحق غير قائم؛ فهو مؤيد للأمر الواقع بمقوماته واحتلاله دون أن نغيرها وطنيا... هناك نداء اعتدال ونداء آخر يقول ثمة إمكانية للشعوب، وأرى أن النداء الثاني أو التيار الثاني يبقى له التأثير في النظم العربية المختلفة.

وبالتالي ليست هناك محاور متعلقة بتضارب مصالح حقيقي بين الشعوب بعضها ببعض؛ فالمحاور هي حركة نظم سياسية وليست حركة شعوب لها موقف ثابت من الاستبداد ومن الاحتلال.

لكن الجديد على هذه المحاور هو إلهاء الناس وفق معايير مختلفة؛ أو لإدخالهم في معارك ثانوية؛ أو لتغيير أولويات الناس في التفكير.. وكل هذه أدوات للصراع. لكن لايجب أن يضيع وسط هذا الإلهاء خطاب تعريف هذه المعركة بحسبانها تدور حول الموقف من الاستبداد الذي تمارسه الولايات المتحدة الأمريكية ومعها إسرائيل وتؤيدها بعض النظم العربية، وبين مطلب التحرر من هذا الأمر واسترداد الإرادة الوطنية في داخل كل بلد.

** ولكن لماذا زادت حدة الاستقطاب إلى هذا الحد خلال الحرب على غزة وعلى المقاومة الفلسطينية؟ وهل عودة الاعتبار جماهيريا لقضية فلسطين كما نرى من تظاهرات حول العالم قد يمس النظم أو يحدث بها أي تحولات؟

لا أستطيع التحدث عن المستقبل.. لكن تختلف الأقطار بعضها عن بعض في قدرتها على اكتساب هذا العزم.. وكل ما أود قوله هو وجود استقطاب تم بشكل واسع.. والحدث الأخير جعل هناك استقطاب بين فكر وفكر وسياسة وسياسة على امتداد الشعوب العربية، وكان هذا ظاهرا في حرب لبنان، لكنه أصبح كامل الوضوح في حرب فلسطين الراهنة نتيجة حساسية هذه القضية وأهميتها، ولأن قوة حزب الله واستعداده كان له دور في تخفيف هذا الشعور.

ونحن أمام ظاهرة حرب ضد غزة المحاصرة، أصبح هناك استقطاب للفكر السياسي، بل إنك قد لا تستطع معرفة سير التاريخ.. ويعود ذلك لهذه الحملة الإعلامية ذات التأثير على الناس فيما يتعلق بأزمة غزة، والتي ساهمت في عزل الكثيرين عن الفهم الحقيقي لهذه المعركة.

وأعتقد أن الحديث المتبادل بين الجميع يجب أن يركز على إسرائيل؛ فهي جزء أمريكي مستوطن في المنطقة، أما الفكر والانتماء فمرتبط بالحتمية، بمعنى أنني لا أستطيع تجاوز فكرة معينة؛ فالانتماء هو ما لا أستطيع أن نتجاوزه. وإذا وضع الانتماء على محك الاختيار فقد قوته الدافعة، ومن ثم فالانتماء مفروض علينا قبل أن نختاره؛ والفلسطينيون أكثر انتماء للأرض من الإسرائيليين.

ومن هنا فالمسألة اليوم هي توضيح الخطر الحقيقي في تلك الحرب الحالية، بغض الطرف عن الانتماء المذهبي أو سياسة الاستقطاب، فهذه الحرب تعتبر الثانية عشر في ستين عاما بمنطقتنا، اثنتان منهما بالعراق، والباقي متعلق بفلسطين. وبالتالي القضية الآن هي مواجهة العدو الرئيسي والأساسي لنا منذ النصف الثاني من القرن والعشرين، أي الولايات المتحدة وإسرائيل، وإذا ما تقاربت مصر وإيران وتركيا في السياسة من أجل الصالح العام لهذه المنطقة والأمة، سنجد أن كل الخلافات ستجد طريقها للحل.

** على ضوء ذلك.. هل ترون أن إنتاج خطاب التحرير من جديد يجب معه إعادة تعريف من هو العدو مرة أخرى؟

أعتقد أن الناس على مستوى الوطن العربي والعالم الإسلامي يعلم من هو العدو.. ما حدث في تركيا.. والمظاهرات التي تخرج في كل مكان.. وما حدث في الدول العربية، كان خير دليل على مدى إدراك الشعوب بالعدو. لكن الغريب حقا أن يذكر أحد أحد السياسيين المصريين في محاضرة ألقاها قبل الحرب الأخيرة بعشرة أيام، أن "مصر لا تحتمل قيام إمارة إسلامية عند حدود الشمالية الشرقية"، بمعنى أنها تحتمل الوجود الإسرائيلي ولا تحتمل الوجود الإسلامي!

ما نحتاج إليه الآن ليس إعادة تعريف العدو، لكن استغلال هذا الزخم الجماهيري الكبير وتحوله إلى شكل حركي يناوئ ما يدور من حرب إعلامية تقودها الصهيونية والولايات المتحدة، وانظر ستجد الولايات المتحدة قد جندت ضدك كل مؤسساتها العلمية والإعلامية والاقتصادية.. بالتالي أقول إن البداية هي أن نتبع سياسة صحيحة.. ولنبدأ بأنفسنا أولا!!