صحفيون بكبرياء وحكومة بأنغام الموسيقى


محمود عوض
لو لم أكن طرفا فى تلك المناقشة «العبثية» مع مدير مكتب رئيس الوزراء لما صدقت أن مشاعر البيروقراطية الحكومية نحو الصحافة والصحفيين مشوهة بهذا القدر، هو لا يشترط لحضور رئيس الوزراء كشفا بثلاثمائة صحفى فقط، وبأسمائهم الثلاثية وعناوينهم، وبأسبوعين على الأقل قبل أن نحدد موعد الاحتفال، يريد أيضا حجز خمس موائد فى الاحتفال (يعنى خمسين مقعدا) تحت عنوان «تأمين» رئيس الوزراء، تأمينه ممن؟ من صحفيين يحتفلون لأول مرة بمسابقة مهنية تحفز الصحافة المصرية نحو الأفضل؟ وعلى حسابهم؟

وقلت لمدير مكتب رئيس الوزراء: موعد الاحتفال قررناه فعلا ليكون فى الرابع من يوليو (1985)، ومن قبيل حسن الاستضافة وليس «التأمين» سنخصص لمرافقى رئيس الوزراء مائدة واحدة بعشرة مقاعد، وحضور رئيس الوزراء سيضيف إليه قبل أن يضيف إلى الصحفيين، وليس عندى كشوف بأى أسماء ثلاثية أو غير ثلاثية، وأمامنا يومان فقط قبل أن نطبع الدعوات، فإذا لم تتصل بى قبلها سأعلن فى الاحتفال أننا دعونا رئيس الوزراء وهو لم يستجب.

فى عودتى إلى البيت شعرت بالحيرة، هل كان خطأ من الأصل التفكير فى دعوة الحكومة؟ وأن نتوسع فى الاحتفال على هذا النحو؟ مالها حفلة شاى بسيطة لتسليم الجوائز وكفى الله المؤمنين شر القتال؟ ومن يريد الحكومة، عليه أن يذهب إليها لأنها لن تذهب إليه، إذن.. بلاها الحكومة.

فى المساء كان يزورنى الصديق الرسام مصطفى حسين ليسلمنى تصميمه لشهادة التقدير التى سيتسلمها الفائزون، حاملة شعار الكاتب المصرى، الرسم بديع والألوان رائقة بما عهدته دائما من مصطفى حسين، وبينما نتبادل الحديث دق جرس التليفون بجوارى لأجد المتحدث من الطرف الآخر مدير مكتب رئيس الوزراء، فى هذه المرة تختلف اللهجة بالكامل عن لهجة الصباح: يا أستاذ محمود.. السيد رئيس الوزراء يخطرك بترحيبه بالدعوة وسيحضر فى الموعد المحدد، فقط أريد أن أعرف منك كم من الوقت سيبقى رئيس الوزراء فى الاحتفال حتى ننسق جدول مواعيده، هل تكفيكم ساعة زمن؟
نعم، تكفينا.

حكيت لمصطفى حسين خلفيات المكالمة فاستغرب هو الآخر قائلا بسخرية: يبدو أن ملف الصحافة والصحفيين عند الحكومة مهبب، ولا تستبعد أن يكون بعض الصحفيين أنفسهم سببا فى هذا الهباب.

هذا ذكرنى بحكاية كان قد رواها لى أحمد بهاء الدين فى سياق آخر، فذات يوم جمعت إحدى المناسبات بين ممدوح سالم رئيس الوزراء فى حينها وأحمد بهاء الدين صاحب الرصيد الكبير فى المهنة وفوق ذلك نقيب سابق للصحفيين ورئيس تحرير سابق لجريدة «الأهرام»، وباعتبار أن ممدوح سالم ضابط شرطة أساسا ووزير سابق للداخلية قبل أن يصبح رئيسا للوزراء، فقد قال له بهاء مداعبا ومتسائلا: لماذا تعتمد وزارة الداخلية فى معلوماتها عن الصحافة والمجتمع الصحفى على صحفيين درجة عاشرة.. وغالبا متخلفين مهنيا؟

يومها رد عليه ممدوح سالم بكلمات تبدو مفحمة: إيدى على إيدك.. هات لى واحد ابن ناس وتخرج بتفوق فى جامعته واشتغل بالصحافة معتمدا على كفاءته.. وقل لى بذمتك.. هل يقبل هذا الموهوب أن يصبح «ناضورجى» لحساب الأمن داخل المهنة الصحفية؟!

بالعودة إلى المهنة كان إعلان نتائج المسابقة مدويا لأنه أكد عمليا للمجتمع الصحفى كله استقلالية المسابقة ونزاهتها ومسئولية أعضاء لجان التقييم عن كل خطوة فيها، لكن الفائزين اشتكوا من نقيصة غير متوقعة، فإذا كان عدد الفائزين 25 صحفيا وصحفية من صحف عديدة قومية وحزبية، إلا أن كل جريدة اكتفت بنشر أسماء وصور الفائزين منها فقط دون الآخرين، ووجدت أن هذا يتنافى مع روح المسابقة ذاتها، لأننى أؤمن بأن هذه مهنة صحفية وليست قبائل صحفية.

واتصلت بعدد من رؤساء التحرير أرجوهم نشر أسماء وصور الفائزين جميعا بمن فيهم المنتمون إلى صحف أخرى، وفعلا استجاب بعضهم وأعاد نشر أسماء وصور جميع الفائزين.. ربما لأن صحفا عربية عديدة نشرت نتائج «جوائز الصحافة المصرية» بالكامل بعد أن نقلتها إليهم وكالات الأنباء.

لكن الأهم من فرحة الفائزين كان رد الفعل فى المجتمع الصحفى ذاته، كثيرون ركزوا على نزاهتها واستقلاليتها لكننى سأكتفى هنا ببعض ما كتبه حافظ محمود نقيب الصحفيين سابقا لعدة مرات فى مقال بجريدة «الجمهورية» بعنوان «قصة الجوائز الصحفية»، زمان.. قبل الثورة.. قدم إدجار جلاد (باشا) صاحب جريدتى «الزمان» و«جورنال ديجيبت» جائزة من عنده أسماها «جائزة مولانا جلالة الملك فاروق الأول» تمنح لصحفى واحد من المتقدمين.

لكن السياق فى ذلك الوقت كان مختلفا بالكامل، وهذا ما شرحه حافظ محمود فى مقاله المطول مستهلا له بقوله: تحتفل نقابة الصحفيين يوم الخميس المقبل بتوزيع الجوائز المالية على الفائزين من شباب الصحافة فى المسابقة التى أخذت فيها لجنة الحريات فى النقابة بزمام المبادرة.. وهى مناسبة تستحق الاحتفال فعلا لأنها مسألة لا تتصل بنهضة أسرتنا الصحفية فقط، بل لسبب اجتماعى أقوى من هذا بكثير جدا وإن لم يلتفت إليه أحد من قبل.

«فأنت إذا قلبت النظر بين كل الفئات المهنية وغير المهنية لا تكاد تجد فئة لم تطرق فكرة الجوائز بابها فى هذا العصر.. إلا فئة الصحفيين الذين يروجون لجوائز كل الفئات الأخرى، لهذا فإننى كأب لجيل الصحفيين الجدد أرى من واجبى أن أقدم التهنئة للجنة الحريات بنقابة الصحفيين التى قامت بتنفيذ هذا المشروع، وأنوه بكل الكبرياء بأن هذه اللجنة لم تعتمد فى تمويل هذا المشروع إلا على الصحفيين أنفسهم».

والسطر الأخير تحديدا من كلمات حافظ محمود كان هو الذى ركزت عليه وكالات الأنباء والصحف العربية التى أبرزت نتائج المسابقة وفكرتها.. مكررة فى كل مرة أن هذه المسابقة الإيجابية غير المسبوقة لا تعنى الصحافة المصرية فقط وإنما أيضا الصحافة العربية بمجموعها.

واتصل بى عديدون يرجون دعوتهم لحضور الاحتفال وفى المقدمة منهم الدكتور رفعت المحجوب رئيس مجلس الشعب فى حينها، مداعبا لى بقوله إنه يستحق تلك الدعوة بصفته كان أحد أساتذتى بالجامعة. أنت تشرفنا يا دكتور رفعت وأرجوك تعتبر من الآن أن الدعوة وصلتك ونحن فى انتظارك.

وشىء آخر: اتصل بى الصديق محمد عبد الحميد رضوان، وزير الثقافة فى حينها، ليداعبنى متسائلا: هل صحيح الجوائز الجديدة يمولها الصحفيون أنفسهم؟ نعم.. صحيح، والله حاجة مشرفة يا ريتنى صحفى علشان أساهم فيها.
قلت له وقد طرأت على بالى فكرة: من غير ما تكون صحفى.. تستطيع المساهمة بشىء آخر.. فبصفتك وزير الثقافة ابعث لنا بفرقة الموسيقى العربية لتعزف بعض الموشحات، ولو لساعة زمن، فتضيف إلى الاحتفال لمسة فنية، تمام، لك منى ذلك.

وشىء ثالث أيضا، فقد اتصل بى وزير الإعلام الأردنى محمد الخطيب وقتها، لكن من غير معرفة سابقة، هو يرجو دعوته لحضور الاحتفال ولو بصفته صحفيا سابقا، لكن أيضا باعتباره وزيرا للإعلام فهو يرجونى تعريفه بفكرة المسابقة وقواعدها لأنه يطمح فى الدعوة لإقامة مسابقة مماثلة فى الصحافة الأردنية، وفى كلمتى فى الاحتفال نوهت بحضوره معنا وتفاعله الكبير مع تلك المسابقة الأولى، وتاليا نشرت له عدة صحف تصريحات قال فيها: «لقد طلبت من مقرر جوائز الصحافة المصرية حضور ذلك الاحتفال لأننى حسدت الصحافة المصرية على هذا العيد، إن مصر رائدة دائما وسوف نسعى لإقامة عيد مماثل للصحافة الأردنية».

لكن الوصول إلى ليلة الاحتفال لم يكن هو الآخر سهلا، وقد ازدادت الصعوبة على ضوء جلستى الأولى مع مدير مكتب رئيس الوزراء قبل أن تتغير لهجته تماما فى مساء نفس اليوم، وهكذا اجتمعت مع زملائى فى «لجنة الحريات»، شرحت لهم توجسات الحكومة، وأنه لذلك فعليهم أنفسهم ضمان حسن تنظيم الاحتفال، هكذا تطوع لتلك المهمة زملاء عديدون فى مقدمتهم (الراحل) مجدى مهنا وعاصم القرش ومحمد حسن البنا ونصر القفاص ونوال مصطفى وخالد جبر وآخرون، أصبح عليهم استقبال الضيوف وإرشادهم إلى مقاعدهم مع أن بعضهم تقدم بأعمال صحفية إلى المسابقة ولم يقدر لهم الفوز، وقلت لهم: إن ما يعنينى بالدرجة الأولى، وقبل الاحتفال بالفائزين، هو الاحتفاء بالمساهمين من كبار الكتاب والصحفيين.. فإذا كانت قد فرقت بينهم السياسة.. فإننى أريد فى تلك الليلة أن تجمع بينهم المهنة.

فى النهاية أصبح برنامج الاحتفال من شقين، هناك ثلاث كلمات من أحمد بهاء الدين رئيس اللجنة العامة وإبراهيم نافع نقيب الصحفيين وأنا كمقرر للمشروع، وفى مداولاتنا اتفقنا على ألا تتجاوز كل كلمة خمس دقائق، بعدها كلمة رئيس الوزراء، ثم إعلان أسماء الفائزين ليسلم كل منهم الشهادة التقديرية وشيكا بقيمة الجائزة موقعا من أحمد بهاء الدين ومنى، حيث الجائزة الأولى فى كل فرع 1500 جنيه ثم ثانية وثالثة ليصل المجموع إلى 18 ألف جنيه.
أما الجزء الثانى من الاحتفال فكان تناول العشاء ثم الاستماع إلى موشحات غنائية أعيد توزيعها وتقوم بعزفها وغنائها فرقة الموسيقى العربية بقيادة المايسترو يسرى قطر.

جاء رئيس الحكومة إذن وفى معيته نصف دستة من الوزراء، وجاء كبار الكتاب جميعا، ورئيس مجلس الشعب ووزير الإعلام الأردنى وسفراء عرب وأجانب ومراسلو صحف عربية وممثلو خمس وكالات أنباء أجنبية. كلهم جاؤوا يشهدون ما أسماه عبد السلام داود فى عاموده بجريدة الأخبار بـ«عيد الصحافة المصرية».. أو بتعبير جريدة «الأنباء» الكويتية بعد يومين: «لأول مرة فى العالم العربى: الصحفيون المصريون يقررون جوائزهم ويستضيفون الحكومة».

فى تلك الليلة كانت الصحافة هى البطل، وكان رئيس الحكومة ودودا للغاية فى كلمته، خصوصا أن بعض الأعمال الفائزة تنتقد أداء حكومته. لكن هذا لم يمنعنى من أن أتوجه إليه فى إحدى النقاط لأقول له إن الساعة بلغت التاسعة والنصف، وبذلك تنتهى عهدتى.
سألنى مستغربا: أى عهدة؟
قلت له: مكتبك اشترط علىّ مسبقا ألا تتجاوز فترة حضورك معنا ساعة زمن.. الآن مضت الساعة.

رد كمال حسن علىّ بابتسامة عريضة: لماذا تريد أن تحرمنى من متابعة هذا الاحتفال المتحضر.. أنا سأنصرف فقط قبيل موعد العشاء.. ولولا ارتباط سابق لكنت بقيت معكم الاحتفال كله.

بعدها بيومين تلقيت اتصالا من مكتب كمال حسن على: رئيس الوزراء يريد استقبالك فى مكتبه ظهر الأربعاء.. هل يناسبك الموعد؟
ماذا جرى؟ اللهجة غير اللهجة ورئيس الحكومة هو الذى يطلب والمتحدث يريد منى تأكيدا بالحضور.. و.. و..
فى مكتب رئيس الوزراء وجدت فى انتظارى ومنه هو شخصيا مفاجأة من العيار الثقيل.

حتى بفلوسنا للحكومة شروط


محمود عوض
لم تكن «جوائز الصحافة المصرية».. باعتبارها أول مسابقة مهنية يقوم بتمويلها وتنظيمها الصحفيون أنفسهم.. صادرة من فراغ. فى الواقع سبقتها سلسلة ندوات مفتوحة اقترحتها، لبحث «حرية الصحافة فى مصر». وتعبير «ندوات مفتوحة» هنا، لم يكن فى حينها سهلا بالمرة. فحينما عرضت الفكرة لأول مرة، وجدت زملاء فى مجلس نقابة الصحفيين يصرون من البداية على أن تكون الندوات مغلقة، يحضرها صحفيون محدودو العدد والأسماء مسبقا.

وحينما رأونى مصرا على الندوات المفتوحة أجابونى بقولهم: نحن نشفق عليك.. فالسائد فى النقابة فى حينها غالبا، هو أنه لا يجتمع عشرة صحفيين، إلا ويظهر على الفور صحفى آخر ممن أسميهم «جرحى المهنة» يقوم بحسن أو سوء نية بإفساد الاجتماع.

وحينما فاتحت مصطفى أمين ليكون ضيف الندوة الأولى، فاجأنى هو أيضا بتردده فى القبول، وإن كان لسبب مختلف تماما. قال لى مصطفى أمين: وهل ترضى لى بأن يصرخ فى وجهى من يسلطه الشيوعيون، ليقوم بالشوشرة على انتقاداتى المعروفة لأوضاع الصحافة السائدة فى مصر الآن؟

وقلت له: إنك ستكون ضيفى أولا قبل نقابة الصحفيين. وأيا كانت الآراء التى ستقولها، أو المناقشات التى ستجرى، فإننى أضمن لك مستواها المهنى وموضوعيتها الكاملة.

وبالطبع لم يكن لدى ذلك النوع من السلطة الذى يتيح مثل ذلك الضمان المفتوح. سلطتى مستمدة فقط من حماس وإيمان الصحفيين أنفسهم، بضرورة الارتفاع بمستوى مهنتهم، ورغبتهم فى المناقشة المفتوحة مع أساتذة لهم فى المهنة، لم يعودوا يلتقون بهم إلا على صفحات الصحف.

فى الندوة الأولى كان المتحدث هو مصطفى أمين. وفى الثانية أحمد بهاء الدين. وفى الثالثة صلاح حافظ، وصلاح منتصر. وفى الرابعة رؤساء تحرير الصحف الحزبية فى حينها. وفى كل الحالات كان ما أسعى إليه، هو طرح قضية حرية الصحافة من وجهة نظر من هم على يمين الأمر الواقع، ومن هم على يساره. وكما نشرت صحف مصرية وعربية عديدة وقتها، فإن متوسط الحضور من الصحفيين تراوح بين ألف و1200 صحفى، وهو تطور غير مسبوق فى تاريخ نقابة الصحفيين المصريين. وفى كل مرة كان يجرى طرح القضايا والآراء والانتقادات والمناقشات بكل حرية وموضوعية.. وفى الهواء الطلق. والأكثر أهمية أن الإقبال فى الحضور والمشاركة، كان من الصحفيين المهنيين الذين اعتادوا سابقا العزوف عن كل ما فيه نقابة.

من تلك التجربة اخترت عددا من الزملاء، أعتمد عليهم فى تحويل مشروع «جوائز الصحافة المصرية» إلى واقع جديد وغير مسبوق فى الخريطة الصحفية المصرية. وقد أشرت سابقا إلى شعور أحمد بهاء الدين بالمفاجأة، وهو يقرأ فى بيتى مساهمات مكتوبة من كبار وشباب الصحفيين، بلغت 18 ألف جنيه.

ولتوضيح أهمية هذا الرقم، أتذكر أن الميزانية السنوية لنقابة الصحفيين كانت تعانى من عجز مزمن، رغم المعونة السنوية التى تساهم بها الحكومة. وفى أول ميزانية قرأتها بعد عضويتى لمجلس النقابة، كان العجز يتجاوز 59 ألف جنيه.

واكتشفت أن هناك شكوى متكررة سنويا من مكرم جاد الكريم الزميل المصور بجريدة «الأخبار»، وهو الذى انفرد (مع رشاد القوصى) بأبرز صور اغتيال أنور السادات فى أكتوبر 1981، وتناقلتها عنه فى حينها وكالات الأنباء الأجنبية. لكن هذا المصور المتميز، كان يهمه أساسا أن يتم تكريمه داخل مهنته الصحفية هنا فى مصر، وقد تلقى وعدا مكتوبا من نقيب الصحفيين وقتها، ومن مجلس النقابة بجائزة مالية قدرها ألف جنيه.

مع ذلك لم يتم تنفيذ ذلك الوعد، لأن النقابة سنة بعد سنة بعد سنة، لم يكن لديها تلك الألف جنيه لتكافئ بها مصورا موهوبا.

والآن ها هى جوائز حقيقية تقام لأول مرة، ويقوم بتمويلها الصحفيون أنفسهم وقيمتها 18 ألف جنيه، اعتبر أحمد بهاء الدين أنها «أكثر الفلوس حلالا فى بر مصر». كانت الفلوس خطوة أولى لكن الخطوات التالية لم تكن أقل صعوبة. هناك أولا تحديد فروع المسابقة: التحقيق الصحفى.. المقال التحليلى.. الصورة.. الكاريكاتير.. التغطية الرياضية... إلخ. وهناك لجنة تحكيم لكل فرع، حرصناعلى أن يرأسها فى كل حالة زميل مخضرم مشهود له بالنزاهة والموضوعية. زملاء بمستوى: سلامة أحمد سلامة، وحلمى التونى، ومصطفى حسين، وعبد السلام داود، وصلاح الدين حافظ، ومصطفى نبيل، ومحمد العزبى، وصلاح هلال، وممدوح طه، ومحمد يوسف، وناصف سليم و.. و..

وأخيرا هناك اللجنة العامة للجوائز، وتضم أحمد بهاء الدين، وصلاح وحافظ، ومصطفى بهجت بدوى، وإبراهيم نافع كنقيب للصحفيين فى سنته الأولى، ومحمود عوض كمقرر للجنة وصاحب فكرة الجوائز. كل هؤلاء ومن زاد عليهم مساهما فيما بعد، قدموا من وقتهم وجهدهم الكثير كمتطوعين لوجه الله والمهنة الصحفية. وبعد أن حددنا قواعد التقدم للجوائز، تقدم للمسابقة الأولى 226 صحفية وصحفيا. والرقم قد يبدو قليلا، لكن أهميته تصبح أكبر حينما نعرف أن مجموع الأعمال التى تقدم بها هؤلاء بلغ 351 عملا، جرى نشرها بالصحافة المصرية بامتداد سنة.

كانت اللجنة العامة تجتمع فى بيتى مرة بعد مرة، لمراجعة ترشيحات اللجان النوعية للأعمال الفائزة. وبالطبع لهذه اللجنة وبالإجماع أن تقر الترشيحات، أو تعدل فيها، أو تعيد هى نفسها قراءة الأعمال المقدمة من جديد. وكان على اللجنة عبء آخر هو التنسيق بين ترشيحات اللجان النوعية. فما جرى، ولم نتنبأ به، هو أن صحفيين عديدين تقدموا بأعمال عديدة لعدة فروع صحفية. وهنا تصبح المسألة هى: أى الفروع الصحفية تصبح أكثر مناسبة للصحفى المرشح للفوز. مسألة أخرى لم نتنبأ بها.

ففى المسابقة الأولى (عن عام 1984) تقدم الدكتور عبد المنعم سعيد، والسيد زهرة من مركز الدراسات الاستراتيجية بمؤسسة «الأهرام» بأعمال منشورة لهما. وجزء من نقاش اللجنة العامة أصبح هو: هل ما ينتجه مركز دراسات الأهرام أقرب إلى العمل الأكاديمى، أو هو فى صلب المهنة الصحفية؟

اجتماعات اللجنة العامة كانت فى بيتى والمناقشات المستفيضة بيننا، تستمر أحيانا حتى الواحدة صباحا. ويزيد الأمر صعوبة حينما نعرف أن أحمد بهاء الدين مثلا كان يعانى من آلام فى عينيه، وقرر له الأطباء عدسات إضافية كالميكروسكوب، يضعها فوق نظارته الطبية وقت القراءة. وحينما يلح عليه بعضنا أو كلنا بأن يخفف من هذا الجهد المؤلم يصر على الاستمرار قائلا: هذه الجوائز ستصبح مسئوليتنا جميعا. وشهادة التقدير التى سيحصل عليها الصحفى الفائز وعليها توقيعاتنا نحن الخمسة، سيحتفظ بها الفائز طول العمر. فالمسئولية كبيرة رغم أن الصحة بسيطة.

وفى تلك النقطة خطر لى أن أطلب من الصديق الرسام مصطفى حسين تصميما لشهادة التقدير يناسب الفكرة. ورحب تماما بالمهمة، مصمما شهادة تحمل رسما للكاتب المصرى المعروف تاريخيا، فأضاف مصطفى حسين جهدا آخر فوق رئاسته للجنة الكاريكاتير ومساهمته المالية فى الجوائز.

وكما كتب أحمد بهاء الدين فيما بعد: «شرفتنى لجنة الحريات فى نقابة الصحفيين باختيارى رئيسا للجنة التحكيم فى أول مسابقة، تقيمها النقابة لإعطاء جوائز صحفية... كانت مهمة شاقة وممتعة.

فقد قرأنا الكثير من الموضوعات الممتازة. وكانت فرصة لنرى إيجابيات كثيرة للصحافة المصرية ولشبابها، فى وسط إحساسنا وكلامنا الدائم عن عيوبها وسلبياتها. وأستطيع أن أقول باسم اللجنة، إننا تجردنا عن كل الاعتبارات، ما عدا اعتبار التفوق المهنى المحض.

ففاز شباب من كل الصحف، ومن كل الأحزاب، ومن كل الاتجاهات... وعدد كبير من الفائزين فوجئوا أكثر من الجميع، ولم يتصوروا أنه يمكن أن يتبرأ الاختيار من اعتبارات حياتنا المعروفة: رأى السلطة، أو المعرفة الشخصية، أو المجاملة، أو الميل الخاص، أو الشهرة والصيت».

لكن قبل أن نصل إلى تلك النقطة، كان السؤال فى اللجنة هو :كيف سنعلن الجوائز ونحتفل بها؟
قال صلاح حافظ: طالما أننا اتفقنا من البداية على أن الـ18 ألف جنيه تذهب كلها إلى الجوائز.. فلا يبقى سوى أن نقيم حفل شاى بسيطا بمبنى النقابة، ندعوا فيه الفائزين لاستلام جوائزهم.

وقلت له مداعبا: يا صلاح كل صحفى فائز يهمه إعلان فوزه أمام أكبر عدد من الناس وليس مجرد مهنته.. ولولا قصور إمكانياتنا لكنت فكرت فى حفل عشاء كبير وتليفزيون يصور.. و..
قاطعنى مصطفى بهجت بدوى: لن يجىء التليفزيون إلا إذا جاءت الحكومة.

تدخل النقيب إبراهيم نافع: إذن نعزم الحكومة ونعمل العشاء، ويكون فى فندق خمس نجوم، لكى يليق بهذه المسابقة الأولى من نوعها فى العالم العربى كله. وسكت قليلا قبل أن يضيف: وبصفتى رئيسا للأهرام، سأرفع عنكم هذا الهم، وستتحمل الأهرام تكاليف الاحتفال..
بعد تلك البشرى من إبراهيم نافع فى سنته الأولى كنقيب للصحفيين بقى السؤال: من يدعو؟ ومن يدعى؟

فى أوراق ذلك الاجتماع تحديدا، وقعنا على بندين: دعوة رئيس الوزراء كمال حسن على وقتها، يقوم بها إبراهيم نافع.. ودعوة كبار الكتاب، يقوم بها محمود عوض.

بعدها بيومين اتصل بى إبراهيم نافع ليخبرنى بكلمات غاضبة، بأنه أنهى لتوه مكالمة تليفونية مع مدير مكتب رئيس الوزراء بعد مناقشة حادة وهذا هو رقم تليفونه.. تفضل أنت وتصرف.

لم أعرف كيف أتصرف، فلم أكن أعرف رئيس الوزراء ولا مدير مكتبه. لكننى بعد أن فكرت فى المشوار الطويل الذى قطعته الجوائز، وكل ذلك الجهد، اتصلت بمدير مكتب رئيس الوزراء.
فى جلستنا بمكتبه وجدته يسترسل فى حكاية ورواية مكالمته الغاضبة مع نقيب الصحفيين. وقلت له: دعنا نبدأ من جلستنا هذه. نحن نريد دعوة رئيس الوزراء لحضور احتفالنا بجوائز، نحن الذين ساهمنا بها بغير حكومة ولا نقابة ولا مؤسسات. ما طلباتك؟
قال بكلمات حادة: كم عدد الصحفيين المدعوين؟
قلت له: المساهمون والفائزون والآخرون.. بالإجمال نحو ثلاثمائة صحفى.
قال مدير مكتب رئيس الوزراء: أولا.. أريد كشفا مكتوبا بأسمائهم جميعا وبالاسم الثلاثى لكل منهم وعنوان إقامته.

انعقد لسانى من الدهشة والاستغراب والمفاجأة: الاسم الثلاثى؟ لماذا؟ أنا لا أعرف حتى الاسم الثلاثى لجارى فى المسكن من عشرين سنة.. ما هى فكرتكم بالضبط عن الصحفيين؟ هل هم من غرائب الطبيعة والمخلوقات؟
رد الرجل بكل اطمئنان: انت بتقول فيها؟
الآن جاء دورى فى الغضب، فقلت له: هذه أول مرة نعزم فيها الحكومة، وعلى حسابنا، وكمان تفاجئنا بمثل هذا الطلب الغريب؟
رد جازما: هذا شرط أولى.. إنما هناك أيضا شروط أخرى.

من حـال الصحافـة والصحفيين

محمود عوض
هى فكرة. فى واقع الصحافة المصرية كان القلق مما يجرى متزايدا. هناك تآكل فى المدارس الصحفية. ولم يعد الصحفى الأجود مهنيا فى المقدمة. وفى أحيان عديدة أصبح انشغال الصحف ببعضها البعض أكثر من انشغالها بقضايا الناس. ومع ضغوط الحياة أصبح صحفيون واعدون يهاجرون مؤقتا إلى الصحافة العربية فى الخليج وغير الخليج. ومن يعد منهم بعد سنوات، يكتشف أنه ربما كسب مالا لكنه خسر عمرا، ومهنة، ومستقبلا. واستجد فى الداخل إغراء الخلط بين الصحافة والإعلان، وهو ما يعتبره الضمير الصحفى فى طليعة المحرمات الكبرى التى يعنى انتهاكها نسف مصداقية الصحافة والصحفيين معا.

هل يمكن فى هذا المناخ السائد أن تسترد الصحافة المصرية معايير مهنية فى الأداء، تصبح نموذجا يحتذيه الآخرون؟ هل يمكن إتاحة شعاع من الضوء يهدى الصحفيين نحو مستقبل أفضل؟ هل يمكن أن نستلهم عناصر القوة القليلة الباقية فى صحافتنا، وهى التى نشهد تراجعها، فى مواجهة ضغوط ومصالح ضارية متصاعدة؟ وهل يتحقق هذا الأمل إلا بالعودة إلى استنهاض أهم تلك العناصر فى المهنة الصحفية، وهم الصحفيون أنفسهم؟ أتحدث هنا عن تجربة ذاتية فى أحد جوانبها.. لكنها موضوعية فى نهاية المطاف.
هى فكرة.

أتحدث عن يوم وجدت نفسى فيه منتخبا من جموع الصحفيين المصريين عضوا فى مجلس نقابتهم، بغير أن أكون قد فكرت سابقا فى مثل هذا التوجه. أتحدث عن سنة 1984، وكنت فى ذروة صراع تصديت فيه لأحد أبرز جوانب الفساد والانحراف فى سلطة الإدارة، فاخترت اللجوء إلى القضاء ثقة فى القانون والعدالة من ناحية.. ولأننى لم أرغب فى الهبوط بمستوى الصدام إلى تمزيق متبادل للثياب يستنزف الجهد والطاقة، بعيدا عن صلب الموضوع، بمثل ما رأيته يحدث سابقا لزملاء موهوبين آخرين، جرى سحق موهبتهم مبكرا.. وبلا رحمة.. ليتحولوا إلى أشلاء.

ربما توسم صحفيون عديدون، معظمهم موهوبون، أن إقناعى بدخول مجلس نقابة الصحفيين، قد يعطيهم أملا فى حماية أكبر لمواهبهم ولمستقبلهم. لم أكن انتخابيا بطبعى.لكنهم بشرونى بأن كل ما يطلبونه منى هو التوقيع على استمارة الترشيح للانتخابات وهم كفيلون بالباقى. لم أصدر أى بيان انتخابى. لم أطلق أى وعود. لم أقم بأى جولة فى أى مؤسسة صحفية. لكنهم شكلوا من أنفسهم لجانا تقوم بكل ذلك نيابة عنى. ومن تلك اللحظة بدأت أخوض التجربة كما لو كنت أشاهد فيلما سينمائيا تفاجئنى مشاهده. وجاء المشهد الأخير بفرز أصوات الناخبين بما جعلنى عضوا فى مجلس نقابة الصحفيين مع أحد عشر زميلا آخر. وفى أول اجتماع للمجلس الجديد، جرى توزيع مسئولية الأعضاء على لجان العمل النقابى.. كلجنة الإسكان ولجنة العلاقات الخارجية ولجنة النشاط.. و.. و.. بقيت لجنة الحريات. عندها قال النقيب وبعض الأعضاء: لنترك رئاسة تلك اللجنة لمحمود عوض.

لم أعرف لحظتها.. هل النقيب يعطينى جائزة.. أو برميل بارود. لا تهم الإجابة هنا. المهم أنه بعد انتهاء الفيلم كله جلست أفكر: ماذا سأفعل مع الذين أعطونى ثقتهم على بياض، ودفعونى إلى عضوية مجلس نقابة الصحفيين من خلال صندوق الانتخاب؟ إن مدة العضوية أربع سنوات. وبالتأكيد هناك سؤال مشروع قد يطرحه على زملاء صحفيون من الآن فصاعدا، خلاصته: ماذا فعلت بأصواتنا؟ ماذا فعلت لنا؟ لم أكن بالطبيعة أصلح للوساطة فى أى شىء من نوع الوساطة للحصول على تليفون أو سيارة أو شقة، وكل تلك الأشياء التى قد يتوقعها البعض خدمات نقابية. لكن السؤال يظل مشروعا، وإجابتى عنه يجب أن تكون جاهزة ومقنعة. وفى النهاية اخترت أن تكون إجابتى هى فى صلب المهنة الصحفية وليس فى قشورها. كان اختيارى هو: إقامة أول مسابقة سنوية تكافئ المتميزين والمتفوقين مهنيا فى الصحافة المصرية.
هى فكرة.

لكن حتى الأفكار تحتاج إلى أجنحة لكى تحلق. وفى حالتنا هذه يصبح المال مطلوبا بشدة. فإذا كنت أفكر فى مسابقة سنوية لاختيار أفضل الأعمال المنشورة من حيث الأداء المهنى، فإن الصحفى الفائز يريد جائزة تتجاوز مجرد أن أقول له: أحسنت. وحديث المال هنا يبدأ من حقيقة مفزعة، عرفتها فى أول اجتماع لمجلس النقابة للتصديق على ميزانية سنة سابقة. فى الميزانية إعانة سنوية تتلقاها النقابة من الحكومة لتسديد المعاشات وتغطية خدمات أخرى، لا تكفى اشتراكات الأعضاء لتغطيتها. لم أكن أريد أيضا اللجوء إلى المؤسسات الصحفية لتمويل الجوائز لأن هذا يجعل الجوائز أسيرة للمصالح السائدة.. وهى فى معظمها مصالح صنعت الواقع الذى جعل الصحفى نفسه أرخص ما فى المهنة، بدل أن يكون أغلاها.

وقلت لزملائى: إننى أفكر فى أن تعبر هذه الفكرة عن مسابقة مهنية حقيقية . مسابقة مستقلة ومنزهة عن الهوى والغرض والسياسة. وأول ما تعنيه استقلالية المسابقة، هو استقلالية تمويلها. سوف أسعى لإقناع كبار الصحفيين بأن يكونوا هم أنفسهم ممولى هذه الجوائز السنوية، وبأن تكون لجان التحكيم وترشيح الأعمال الفائزة من صحفيين مخضرمين لهم رصيد حقيقى داخل المهنة، من حيث موضوعيتهم ومصداقيتهم ونقاء ضميرهم.
وقال لى بعض الزملاء: لكن كبار الصحفيين هؤلاء، عازفون عن النقابة. هم لا تلزمهم النقابة أصلا.
قلت لهم: هم لا تلزمهم النقابة. صحيح. لكن هم لازمون للنقابة. وهذا سيكون هو التغيير.

هى فكرة. لكن الأفكار مهما كانت جاذبيتها ترتبط بواقع. وفى الواقع كانت مفاجأتى كبيرة، حينما جلست مع أحد شيوخ المهنة لإقناعه بالمساهمة، لكنه بادرنى بالتساؤل معترضا: هل الصحافة بأوضاعها الراهنة تستحق أن نقدم لها جوائز؟ فليقوموا أولا بإصلاح الصحافة قبل أن نقوم نحن بعمل جوائز لها. أجبته قائلا: ولماذا لا نبدأ نحن بإعطاء النموذج؟ لماذا لا نعطى أملا للصحفيين الموهوبين، وهم بالطبيعة أقلية فيشدون إليهم الآخرين.. وهم أغلبية ؟ لم أنتظر إجابة. لكننى انتقلت إلى آخر من شيوخ المهنة.. وآخر.. وآخر.
فى حوارى مع أحمد بهاء الدين، وهو الكاتب المخضرم الذى كان له فى حينها عاموده اليومى فى جريدة «الأهرام»، بعد أن كان رئيسا لتحريرها فى مرحلة سابقة، طرحت عليه الفكرة قائلا له: إننى سأبدأ بنفسى مساهما فى هذه الجوائز بألف جنيه.
رد أحمد بهاء الدين على الفور: أنا أيضا سأساهم بألف جنيه.
قلت له: لم أجئ إليك لتساهم ماليا.. جئت لأقنعك برئاسة اللجنة العامة للتحكيم، وهى التى ستتحمل المسئولية عن نتائج المسابقة.
قال بهاء ضاحكا: ولماذا لا تسمح لى بأن أفعل الاثنين معا؟ فلنؤجل مسألة رئاسة لجنة التحكيم هذه.. ولتقبل منى الآن التزاما بألف جنيه.

ثم سكت بهاء قليلا قبل أن يضيف: إننى مسافر إلى الكويت غدا لعشرة أيام. ومن الآن أقول لك: إنك لو نجحت فقط فى جمع خمسة آلاف جنيه، فسيكون هذا بحد ذاته إنجازا غير مسبوق فى مهنتنا الصحفية.. لأن هذه الخمسة آلاف جنيه ستكون أكثر الأموال حلالا فى بر مصر!
وبعد عودته من الكويت بادر أحمد بهاء الدين بالاتصال بى متلهفا: هل نجحت فى جمع خمسة آلاف جنيه أو حتى ما يقترب منها؟
وأجبته: ساقول لك ما فاجأنى أنا نفسى. لقد جمعت 18 ألف جنيه.
مضت لحظات قبل أن يرد بهاء متهللا: بتتكلم جد؟ إذن سأزورك فى بيتك مساء لأعرف التفاصيل.

وفى بيتى بدأ بهاء يقرأ بضع أوراق تمثل استجابة لرسالة منى توجز الفكرة ومبادرتى بالمساهمة بألف جنيه.

من إحسان عبدالقدوس: «الأستاذ محمود عوض. موافق ومرحب بهذا المشروع، وإنى أساهم معك فيه بالتبرع بمبلغ ألف جنيه مصرى تضاف إلى قيمة الجائزة. وأشكرك على اهتمامك بمستقبل الصحافة والصحفيين».

من عبدالسلام داوود: «أهنئكم على هذه الفكرة الرائعة، وأرجو أن تقبلوا منى مبلغ ألف جنيه مساهمة فى إنجاح هذا المشروع العظيم. وفقكم الله إلى ما فيه خير العمل الصحفى الشريف».

من صلاح حافظ: «أخى الأستاذ محمود عوض: الفكرة رائعة وتعيد إلى الصحفيين بعض الاهتمام بالمستوى المهنى لما يكتبونه وبعض الاحترام للمستوى المهنى. وأرجو أن تقبل اشتراكى بألف جنيه فى ميزانية هذه الجائزة. ومن يدرى؟ لعلى ذات يوم أفوز بها! حظا سعيدا لك وللفكرة. أصدق احترامى».

من محمود السعدنى: «عفارم عليك، للفكرة منى ألف جنيه، ولك عندى دعاء الوالدين».
من مصطفى حسين: «يارب يا محمود تكتمل سعادتى بأن ترى هذه الفكرة النور، فتصبح تاجا على رؤوسنا جميعا.. وأتعهد لك بالمساهمة بخمسمائة جنيه وأى جهد آخر تطلبه منى».
من مصطفى شردى: «أنا وجريدة الوفد التى أرأسها معك بقلوبنا. ويسرنى المساهمة بثلاثمائة جنيه، تدعيما لهذه الفكرة الرائدة . وشكرا للزميل الفاضل محمود عوض الذى طرحها واحتضنها حتى بلغت مرحلة التنفيذ».

من محمود المراغى نائب رئيس تحرير «روزاليوسف»: «فى وقت تراجعت فيه المبادأة، وغابت الرعاية الصحفية اللازمة لجيل واسع جديد، تجىء فكرة جوائز الصحافة المصرية لأحسن عمل صحفى لتذكى روح المنافسة وتربط الجيل الجديد بالقديم، وتبرز الأجود والأفضل مما قد لا يحس به القارئ، أو يحس به المجتمع الصحفى بالدرجة الكافية. مع تحياتى والتزامى بالمساهمة بثلاثمائة جنيه».

من محمد حسنين هيكل :«لى الشرف أن أساهم فى هذه الجوائز بمبلغ خمسة آلاف جنيه. مع موفور الشكر».

و.. و.. و18 ألف جنيه وليس فقط خمسة، هى بتعبيرك أكثر الفلوس حلالا فى بر مصر، وساهم بها ثلاثون من كبار وشباب الصحفيين.

تهلل وجه أحمد بهاء الدين بسعادة استثنائية، ثم قال لى: طالما أصبحت لديك كل هذه المستمسكات فهات ورقة. بعدها كتب: «أهنئكم على الفكرة ويشرفنى أن أساهم فى الجوائز المقدمة بمبلغ ألف جنيه. مع أطيب تحياتى». شرحت لأحمد بهاء الدين أننى فى هذه المرحلة، لم أكن أريد تسلم أموال أو شيكات بأموال، لأن هذا سيحدث فقط بعد فتح حساب باسم الجوائز فى أحد البنوك قبل الدخول فى المرحلة التالية. ثم صمت بهاء قليلا قبل أن يتساءل: لكن.. هل هيكل متأكد مسبقا من نجاح هذه الفكرة واستمرارها لخمس سنوات قادمة، حتى يساهم بخمسة آلاف جنيه؟
قلت له: هيكل فاجأنى بما لم أتوقعه.. فاجأنى بقوله إنه يساهم بخمسة آلاف جنيه فى هذه المرة.. وبنفس المبلغ فى كل سنة تالية.

وبكل تلك الثقة من المساهمين بدأت أنا وزملائى طريق الألف خطوة لكى تتحول «جوائز الصحافة المصرية» من فكرة جاذبة، وحلم هائم، إلى واقع يتابعه الصحفيون جميعا.. بغير أن أتصور أنها جوائز سترصدها وتتابعها أيضا سفارات دول كبرى فى القاهرة

البحث عن الدكتورة «ن»..


د.هبة رءوف عزت

heba.raouf@gmail.com

من أين تنبت العدالة في مصر إذا لم نرويها في البيوت؟ وكيف نتطلع للتغيير الحقيقي ونحن أول أعدائه، وكيف نطالب بتطبيق الشرع والدين ونحن أول مخالفيه، وكيف نشكو من تراجع الأخلاق ونحن نتواطأ علي هدر كل قيمة نبيلة بصمت غريب وتخاذل عجيب غير مبرر ولا مفهوم.. ونخشي الناس ولا نخشي الله.. وكيف وكيف وكيف؟
ما زالت ضحكتها في أذني، هذا الصوت القوي وتلك الشخصية المرحة وهذا العقل الراجح.
تعارفنا منذ قرابة عام، وتقاربنا رغم أنها تقيم في الصعيد وأنا من أهل القاهرة. اتصلت بي لتكتب في تقرير دوري جزءاً عن الحالة الصحية..وبدأ التعاون.

هذا البريد محمى من المتطفلين , تحتاج إلى تشغيل الجافا سكريبت لمشاهدته
مع الأيام تطورت الصداقة وعلمت أنها تتعرض للضرب والإهانة من زوجها منذ سنوات، وآلمني أنه من أصحاب الخطاب الديني الذين يتحركون في المجال العام بشكل منظم. الإهانات المتكررة تتعرض لها أمام أبناء تتراوح أعمارهم بين طلبة الجامعة وطلبة الابتدائي..بل ويتم التعدي عليها بالقول في مكان العمل أحياناً أمام الزملاء، رغم أنها تحترم زوجها بل تأخرت عمداً في الحصول علي الدكتوراه كي لا تتخطاه..لأنهما في التخصص نفسه.

حدثتني عن الأحلام البريئة حين قبلته زوجاً، عن مشاعر الحب التي ملأت قلبها نحوه، والآمال الكبري عن إصلاح المجتمع وتأسيس أسرة تنهض بالأمة، وكيف ذهبت هذه كلها مع الريح. ما أسهل أن نتحدث عن نهضة الأمة دون أن نغير طباعنا، وأن نرفع شعارات الحل لإقامة دولة لكن إقامة العدل والإحسان في داخل بيوتنا أصعب، حدثتني عن التفاصيل البسيطة..وما الحياة الزوجية إلا مجموعة من التفاصيل البسيطة.

شكت لي كثيراً وأنا أنصت حزينة علي حال مجتمع يشكو ظلم حكامه ونخبته وهو أكثر ظلماً لنفسه وسكوتاً عن الحقوق، تشكو في مرارة وأنا أنصحها بالمصارحة والكلام، فالكلام لا بديل له سوي صمت قاتل.. أو عنف بالغ، ثم كان نصحي مع تطور الأحداث بتدخل الأهل للإصلاح.

لكن العمر يمضي، والكيل يفيض، والزوج لا يقيم وزناً لمكانتها الإنسانية والزوجية والعلمية بل والاجتماعية، فهي ليست ابنة بيئة اعتاد أهلها علي تلك الخشونة فوالدها طبيب وكذلك والدتها، ومكانتهما الاجتماعية معلومة، والأولاد تكبر، وآثار الضرب علي وجهها تظهر فتبررها كل مرة أمام الصديقات والزملاء في الجامعة بأنها اصطدمت بالباب(!).

الدكتورة «ن» اعترضت وطلبت الانفصال ..لكنه تمادي، التمست النصرة من الأهل فنصحوها بالاستمرار حتي لا تهدم البيت،..ونظرت لأبنائها فوجدت كل واحد منهم مشغول بصورته أمام دائرة أصدقئه و«سمعته» لو صارت أمه «مطلقة» وطالبوها -كلهم- بالصبر، واستغاثت بمن يرفعون الشعارات الكبري من أصدقاء وزملاء زوجها الأكبر سناً والأعلي مقاماً منها فتحدثوا عن أولوية استقرار البيت، وهي تكرر بإصرار طلبها المشروع والشرعي: «إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان»..لكن التفاوض الودي لم يثمر إلا المزيد من الإهانة فالتمست المشورة القانونية وبدأت- وحدها- تتصل بالمحامين في مدينتها وفي القاهرة. تعثر التفاوض مع الزوج وأهله، وخذلها الأبناء، وتراجع أهلها، وهي تتألم، لكن لا تتخلف عن أداء مسئولياتها ولا عن القيام بعملها بل وتتابع وتتحرك وتنشط في حملات العمل الاجتماعي لخدمة الفقراء من المرضي وتوعية النساء.. رغم أعبائها وأزمتها.

كانت الدكتورة «ن» في آخر مكالمة معي قد شكت لي أن زوجها الآن يتحدث عنها أمام الناس باعتبارها «أصابها مس من الشيطان أو حالة نفسية»، وأشعرني هذا بالخطر المقبل، فما أسهل أن يتم تشويه سمعة امرأة حين يكون من يفعل ذلك هو الزوج.. رافعاً شعار حرصه -هو- علي الحفاظ علي البيت.

وفجأة..

اختفت الدكتورة «ن»!

لا ترد علي الهاتف، ولا تتصل.

ثم وصلت رسائل للمحيطين بها تطلب منهم عدم الاتصال بها «حتي لا يحل عليهم غضب الله والناس»، ثم أصبح الهاتف مغلقاً.

سأل من يعرفونها من المحيطين عنها فجاءت الإجابات متضاربة، قالت الأم هي في زيارة لخالتها في محافظة أخري، وقال الابن لبعض الناس إنها تعاني من أعراض أشبه بالتوحد فتم عزلها عن الناس -وهي التي لم تكف عن الكلام والتواصل والحركة منذ عرفتها-، وبادر الزوج بالاتصال بآخرين قائلاً بحزم: «زوجتي حالتها النفسية متوترة فلا تحاولوا الاتصال بها..وإلا!».

سأل بعض معارفها الذين بدأوا يشعرون بمسئوليتهم أمام الله خبراء من أهل القانون فقالوا لا يمكن تحريك أي بلاغ إلا «من ذي صفة»، وهي لا يوجد حولها من أهل الصفة من يريد أن ينصرها، وحيدة هي الدكتورة «ن» تطلب العدالة، فكان جزاؤها أن تتهم بأنها «ليست في حالة طبيعية»..أما كل هؤلاء فأصحاء..لأن هدفهم الأسمي أن يحافظوا علي الأسرة....بهذا الثمن..لا بإمساك بمعروف..ولا بتسريح بإحسان..بل بهذا الذي يجري..ويبدو أن الأمر صار أكبر من حالة الدكتورة«ن»، صار مبدأ..ومذهباً..و«سمعة جماعة».

بلغني الخبر من عشرات المكالمات والرسائل، الكل يسأل ويتعجب، بل بدأ البعض في الإعداد لحملة علي الإنترنت للبحث عن الدكتورة «ن»..تدعو أن يشارك أي أحد يعرف معلومة منها أو عنها بما يعرف.

أنا لا أعلم أين هي الآن الدكتورة «ن» ..وخشيت أن أسأل فأنا «غير ذي صفة»، و«أصحاب الصفات» الحقيقيون يديرون الآن حياة امرأة تجاوزت الأربعين عاقلة طبيبة ملتزمة ناشطة.. ويهددون من يحاول الاقتراب منها أو السؤال عنها، أما هي فغائبة..لا يدري أحد خارج أسرتها أين مكانها ولا يعرف كيف يصل إليها.

كل ما أملكه وفاء لصداقتنا هو أن أكتب قصتها..قصة تلك المرأة الرائعة التي كانت تملأ الدنيا بزخم مشاعرها وحركتها وتمنح أبناءها ومرضاها ومن حولها وكل من عرفوها الطاقة والقوة والقدوة والعون..وناصرت أهل الحاجة والكرب لكن أحداً لم يناصرها حين طالبت أن يكون لها في بيتها قليل من الكرامة..أو حياة أكثر عدالة.

لا أحد!

ادعوا معي للدكتورة «ن» أن تعود من.. «مخبئها»، ادعو الله لها أن يفرج كربها..الذي هو كرب مصر.

كلمة هادئة في المشكلة الشيعية

أيمن محمد الجندى
هذه سباحة ضد التيار ، تغريد خارج السرب ، حضن دافئ للابن الضال . الواجب الأخلاقي للأغلبية ، أي أغلبية ، تجاه الأقلية ، أي أقلية ، في الاستيعاب . أما النبذ والاحتقار ، والتخوين والتضليل ، والسباب والتكفير فحيلة الضعيف الذي لا يملك حجة دامغة ولا دليلا قاطعا . ونحن ، والحمد لله ، أهل السنة والجماعة ، البحر الهادر الذي يستوعب ألف موجة ، ولو كانت شاردة ، وألف قناة ، ولو كانت مليئة . لدينا المنطق والحجة ، والعلم والتاريخ ، والمنهج العقلي السديد .
منذ شهور ، كما تذكرون ، كتبت في جريدتكم الموقرة ، مقالا بعنوان : " أيها المسيحي ، إنني أحبك " ، وكان منطقي واضحا ، إن هناك من الأشياء ما لا تستطيع الحصول عليه إلا بالحب !! ، بالحب نكسب القلوب ونكسب الأتباع ، بالحب تلين الخصومة وتهدي الضال ، بالحكمة والموعظة الحسنة . هذا دين مبدؤه الحب ، ومنتهاه الحب ، ولنا في رسول الإسلام أسوة حسنة ، كان صلى الله عليه وسلم كان في حالة حب دائمة ، لأنه - ببساطة - لا يوجد تفسير لحزنه الثقيل وصبره الطويل إلا الحب . منذ أن نزل على قلبه الوحي ، يطالبه بدعوة الناس إلى رب الناس ، هذه الدعوة التي لا يقدر على أعبائها إلا من امتلأ قلبه بالحب ..
والعقل يقول ، والمنطق البسيط ، أن دعوة الحب ، والرفق واللين ، التي اتسعت لأهل الكتاب ، الذين لا يؤمنون أصلا برسول الإسلام ، يجب أن تتسع – بدون أي شك – لأخوان لنا في الدين ضلوا ، فازوا بحب الرسول وآل البيت ، وخسروا بكراهية الصحابة رضوان الله عليهم . بالحب نستوعبهم لا بالسباب . إنني لأرتجف هولا ، إذا تصورت أن أحد الشيعة يقرأ التعليقات المفعمة بالكراهية ، التي تصورهم أنجس من الخنازير والكلاب . هذا كلام لا يليق ، ولا هو من هدي رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم ، ولا هي اللغة التي استخدمها مع المشركين . إن الحلم والرفق والأناة ما دخلوا في شيء إلا زانوه ..وإنني إذ أخاطب الشيعة استخدم لغة راقية ، فأؤكد إسلامهم كما أكدها العلماء الثقات ، مثل الشيخ شلتوت وأبي زهرة والقرضاوي ، وأثني على حبهم لآل البيت ، ثم أقول برفق وحب :
- أخواني من أهل الشيعة ، أشهد الله أني أحبكم ورفيق بكم وحزين من أجلكم . إنني أعرف أنكم تعرضتم لأكبر عملية استنزاف عاطفي في التاريخ ، وباسم الثأر لآل البيت تم استدراجكم لكراهية أخوانكم من أهل السنة ، نحن نشارككم الحب لآل البيت ، فهم السمع والبصر ، والعقل والفؤاد ، لا تظنوا أبدا يا معشر الشيعة أننا ، أهل السنة ، أقل منكم حبا لهم ، فكيف لا نحب من لا تصح صلاتنا بدون الصلاة والسلام عليهم ، ونحن نعتقد أن الإمام علي من خير الناس وأكرم الناس وأحب الناس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فنحن في حبه ذائبون ، وبمعرفة فضله مشتركون . ولا ينقص من حبنا للإمام علي أننا نحب أيضا أبا بكر وعمر وعثمان ، رضوان الله عليهم أجمعين ، أو لا نعتقد في نظرية الإمامة التي تؤمنون بها ، لأنها إذا كانت ركنا في الدين ، كما تعتقدون ، فلماذا لم تذكر ، ولو إجمالا ، في القرآن الكريم ؟ ، وهل تتصورون – أيها العقلاء - أن فتى الفتيان وفارس الفرسان ، سيدنا علي رضي الله عنه ، الذي حسم المعارك بشجاعته الخارقة ، كان يسكت لو أوصى له الرسول بالخلافة ؟ ، إن حسن ظننا في حبيبنا الإمام علي رضي الله عنه وأرضاه ، هو الذي يجعلنا نرفض ما تتهمونه أنتم به من غير قصد ، أن يصمت على وصية الرسول وركن الدين ؟ ، لقد تم التغرير بكم بفعل روايات مغرضة دسوها عليكم ، كما دس الفاسقون روايات على رسول الله .
أيقولون أن عمر بن الخطاب كسر ضلع فاطمة وتسبب في موتها ؟ ، أمن المعقول أن يسكت الإمام علي عن قاتل بنت الرسول ؟ ، حاشا وكلا ، فإن الواحد منا يدافع عن زوجته ولو دفع حياته ، فكيف بإمام المتقين ؟ ، أيسكت على ذلة ، وهو العزيز . هذه رواية واضحة التلفيق .
ومثلها ما تزعمون أن مجمل الصحابة نكصوا عن عهد الرسول بعد موته ؟ ، أيعقل أن رسول البشرية فشل في تربية أصحابه ؟ ، ألا يتناقض هذا مع ثناء القرآن المتكرر عليهم ؟ . أنتم ضحايا سوء فهم ، وروايات مغرضة دسها الحاقدون على الإسلام .
وفي كل الأحوال ، أيا كان رأيكم ، فإن كتمانه أولى ، لأن أهل السنة ، وهم الأغلبية ، لن يقبلوا أبدا المساس بالصحابة ، خصوصا كبارهم وأم المؤمنين عائشة رضي الله عنها ، تلك فتنة ، والفتنة أشد من القتل . ونحن لنا عدو مشترك ، يبتغي إضعافنا ، والاستيلاء على ثرواتنا . والعقل يقول أن نتجاوز الخلافات التاريخية ، التي لا تقدم ولا تؤخر ، ونتفرغ لواقعنا المرير ، واقعنا الذليل ، واقعنا الذي لا يرضي الله ورسوله ".
................
هذا هو الخطاب الوحيد الممكن للشيعة ، خطاب الحب الذي يبتغي الهداية ، لا البغض الذي يبتغي التفريق . عار علينا أن نستأسد على حزب الله ونسكت على جرائم إسرائيل . أو يرفرف في هواء المحروسة علم إسرائيل في الوقت الذي نقطع فيه العلاقات مع إيران. لقد نهانا القرآن عن الكيل بمكيالين ، وتوعد المطففين ، وأمرنا ألا ننسى الفضل بيننا . وفضل حسن نصر الله في المقاومة مشهود ، الرجل الذي وهب ابنه فداء للوطن والإسلام لا يمكن أن يكون عميلا لأحد ..نعم أخطأ الرجل ، لكنه خطأ الصديق !! . اللهم اهدي حسن نصر الله وأصلح الفاسد من عقيدته . اللهم تقبل جهاده وتعبه في سبيلك ، وأهده يا رب العالمين إلى محبة أصحاب نبيك وتوقيرهم . هذا ما ينبغي أن نفعله مع أعدائنا ، الدعاء ، وحسن نصر الله لم يكن أبدا عدوا ، ولن يكون إن شاء الله .
.....................
وفي نهاية المقال ، أود أن أعلن تأييدي المطلق والكامل لشيخنا الجليل القرضاوي ، في تحذيره من نشر التشيع ، في بلاد سنية خالصة ، لأن هذا يبذر الفتنة ويفرق بين المسلمين . كما أعلن تأييدي الكامل له في اعتباره الشيعة الجعفرية مسلمين مبتدعين ، فما نطق به هو عين الحقيقة ، نعم هو مسلمون ، وحتى اعتقادهم في الإمامة لا يخرجهم من الإسلام رغم خطئه ، وحتى سبابهم للصحابة ، عافانا الله وعافاهم ، لا يخرجهم من الإسلام وإن وصمهم بالفسوق . لكني في الوقت نفسه أرجوكم وأضرع إليكم ألا تعتبروا كل مخالف في الرأي مخدوعا أو مرتشيا أو عميلا ، تلك لغة ينبغي أن نعرض عنها فهي لم تجلب لنا غير الوبال ، وبرغم تأييدي الكامل للعلامة القرضاوي ، واعتقادي التام أن الصواب كان معه في هذه القضية ( وفي غيرها من القضايا حفظه الله وأطال عمره ) ، فإن حبي واحترامي وتقديري للأستاذ الجليل فهمي هويدي لم ينقص خردلة ، كان الرجل كما عهدناه شريفا وطنيا رائعا . وهب أنه ، أو السيد سليم العوا ، اختلفوا مع شيخهم ، فهو اختلاف الأصدقاء لا اختلاف الأعداء .
وقد تقدمت شخصيا بطلب فتوى من دار الإفتاء المصرية برقم 590956 على النحو التالي : " يحزننا ويدمي قلوبنا ما يقوم به الشيعة الجعفرية الأثنا عشرية من سب الصحابة رضوان الله عليهم وأم المؤمنين عائشة رضي الله عنها . ولا يراودني شك أنها جريمة شنعاء وذنب عظيم . سؤالي هو : هل سب أبي بكر وعمر وعثمان وعائشة كفر بواح يخرج من الملة ويترتب عليه أحكام غير المسلمين أم أنه ذنب عظيم بدون كفر" انتهى .
وكان رد دار الإفتاء المصرية كالتالي : الـجـــواب . 1- لا خلاف بين الفقهاء في أنّ سبّ عائشة رضي الله تعالى عنها ممّا برّأها اللّه تعالى منه كفر ، لأنّ السّابّ بذلك كذّب اللّه تعالى في أنّها محصنة. أمّا إن كان السّبّ بغير القذف لعائشة أو غيرها من أمّهات المؤمنين فقد صرّح الزّرقانيّ من المالكيّة بأنّ السّابّ يؤدّب. 2- لا خلاف بين العلماء في أنّه يحرم سبّ الصّحابة رضوان الله عليهم لقوله صلى الله عليه وسلم : « لا تسبّوا أصحابي فلو أنّ أحدكم أنفق مثل أحد ذهباً ما بلغ مدّ أحدهم ولا نصيفه » . فذهب جمهور العلماء إلى أنّه فاسق. انتهى . عافانا الله من الكفر والفسوق .
...............
وأخيرا ، وقد قلت حيلتي وضعفت مقدرتي ، لا يتبق لي غير الدعاء . اللهم اجمع كلمة المسلمين سنة وشيعة على حب رسولك وآل بيتك وصحابتك الأجلاء ، اللهم اجعلنا كما وصفتنا في كتابك العزيز " أشداء على الكفار ، رحماء بينهم " ، اللهم اهدي أخواننا من أهل الشيعة إلى الأدب مع صحابة رسولك وأمهات المؤمنين ، واجعلنا يا مولانا صفا واحدا أمام أعدائنا المشتركين ، واغفر لنا ولهم ، ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ، ربنا إنك غفور رحيم.
وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .
Elguindy62@hotmail.com

أسرار حرب «الرصاص المصهور»

أحمد منصور:
الكل حرب أهدافها المعلنة وأهدافها الخفية، وقد أعلنت إسرائيل عن أهدافها من وراء حرب الإبادة الهمجية التي خاضتها في الفترة من السابع والعشرين من ديسمبر من العام الماضي 2008 وحتي السابع عشر من يناير 2009 ضد قطاع غزة، والتي أهلكت فيها الحرث والنسل والجماد والحيوان وكل أشكال الحياة واستخدمت فيها معظم أنواع الأسلحة مع أسلحة جديدة محرمة دوليا لم يكشف عن نوعياتها بعد
ثم أعلنت بعد كل جرائمها أنها قد حققت أهدافها من وراء حملتها، لكنها لم تتعرض علي الإطلاق إلي أن هدفا أساسيا من أهداف هذه الحرب يتعلق بالسيطرة علي الغاز المكتشف علي شواطئ غزة والذي يغطي كما تقول التقارير الخاصة بشركة « بريتش غاز» مكتشفة حقول الغاز في شواطئ غزة حوالي 30% من احتياجات إسرائيل، فإذا كان أحد الأهداف الأساسية للحرب الأمريكية علي العراق هو السيطرة علي منابع النفط وسرقتها كما يحدث الآن فإني أؤكد من خلال هذه الدارسة ـ التي استغرق إعدادها عدة أسابيع ـ أن أبرز أهداف الحرب الإسرائيلية علي قطاع غزة هو السيطرة علي منابع وآبار الغاز التي تتواجد في سواحل غزة والتي لا يعلم عنها كثير من الناس حتي من أهل غزة إلا معلومات قليلة.

تعود جذور القصة إلي شهر نوفمبر من العام 1999 حينما زار ياسر عرفات رئيس السلطة الوطنية الفلسطينية الأسبق لندن، وكشفت بعض المصادر البريطانية وقتها أن دراسات لدي مجموعة «بريتش غاز» البريطانية أكدت وجود كميات كبيرة من الغاز قبالة سواحل غزة، وتدخل توني بلير رئيس الوزراء البريطاني آنذاك لدي عرفات وطلب منه التوقيع مع شركة «بريتش غاز» علي حق التنقيب واستغلال تلك الآبار مقابل خمسين مليون دولار تمنح سنويا لصالح السلطة الفلسطينية توضع في حساب خاص يخضع لمراقبة دولية ـ وقد أخبرتني مصادر خاصة أن هذا الحساب موجود في أحد البنوك في الأردن ـ ولم يتأخر ياسر عرفات المعروف بمجاملاته عن التوقيع الذي تم في 29 نوفمبر من العام 1999 في لندن حيث منح عرفات بصفته رئيسا للسلطة الفلسطينية التي تتبعها سواحل غزة شركة «بريتش غاز» حق التنقيب عن الغاز في سواحل غزة لمدة 25 عاما، لكن لم يمر عام واحد علي هذا التوقيع حتي نجحت بريتش غاز في اكتشاف أول بئرين للغاز قبالة سواحل غزة أطلقت عليهما غزة بحري 1 وغزة بحري 2، وقد أكدت لي مصادر«بريتش غاز» هذه المعلومات خلال اتصالات بيني وبين مقر الشركة الرئيسي في لندن استمرت ما يقرب من شهر بعدما رفض مكتب الشركة في إسرائيل تزويدي بأية معلومات عن الموضوع، وأكد المكتب الرئيسي لبريتش غاز في الرد الذي وصلني علي أن البئر الأولي تم اكتشاف الغاز بها في العام الأول، بينما « البئر الثاني أكد علي اكتشاف غاز جديد ومهم وقد زودوني بصورة لمنصة الحفر للبئر الأول غزة بحري 1 كما زودوني بخريطة توضح موقع البئرين من شواطئ غزة ومن عسقلان.

وكان توني بلير ـ رئيس الوزراء البريطاني ـ قد سعي لدي رئيس الوزراء الإسرائيلي أرييل شارون لإلزامه حصول إسرائيل علي هذه الصفقة التي كانت ستدر عدة مليارات من الدولارات علي شركة «بريتش غاز» وعلي الإسرائيليين كمستفيد أول ووحيد من وراء هذا الغاز مقابل الفتات الذي كان سيحصل عليه عرفات والسلطة كل عام تحت رقابة دولية، إلا أن قيام الانتفاضة في العام 2000 واضطراب الأمور في غزة أجل تنفيذ الصفقة، كما أن سعي شارون للحصول علي الغاز من الحكومة المصرية بسعر أقل من سعر بريتش غاز جعله يضغط من أجل الحصول علي الغاز المصري بسعر أقل وامتيازات أفضل، علي ألا يساعد في وصول أية مبالغ للسلطة الفلسطينية، وبالفعل نشرت صحيفة «الأندبندنت» البريطانية تقريرا عن تلك الصفقة في 19 أغسطس من العام 2003 قالت فيه: «إن رئيس الوزراء الإسرائيلي أرييل شارون قد أعلن عن معارضته لصفقة غاز غزة متعللا باضطراب الأوضاع في قطاع غزة، وأن عائدات الأموال يمكن أن تستخدم في شراء سلاح يمكن أن يستخدم بعد ذلك ضد الإسرائيليين»، وهو يرفض إدخال أموال إلي خزانة السلطة الفلسطينية دون أن يعرف فيما سيتم استخدامها، لكن السبب الأبرز ـ كما أوضح شارون ـ هو أن الحكومة المصرية قد وعدته ببيع الغاز لإسرائيل مقابل أسعار رمزية وكانت المفاوضات جارية آنذاك للتوقيع مع الحكومة المصرية، ورغم أن جون فيلد ـ المدير العام لمجموعة بريتش غاز في إسرائيل ـ قال في تصريحات نشرتها الأندبندنت البريطانية في 19 أغسطس 2003 أن شركة «بريتش غاز» تأمل أن يعيد شارون التفكير في خياراته فإن شارون مضي في مفاوضاته مع الحكومة المصرية.

وبالفعل بعد مفاوضات مطولة تم التوقيع في القاهرة في 30 يونيو من العام 2005 علي صفقة طويلة الأجل بين الحكومة المصرية وإسرائيل مدتها خمسة عشر عاما قابلة للتجديد خمس سنوات إضافية، وقد وقع عن الجانب المصري وزير النفط سامح فهمي، وعن الجانب الإسرائيلي وزير البنية التحتية بنيامين بن أليازر الذي كان قد التقي الرئيس المصري حسني مبارك قبل التوقيع، ونصت الصفقة علي أن تبيع مصر لإسرائيل من الغاز 7.1 مليار متر مكعب سنويا اعتبارا من أكتوبر من العام 2006 بإجمالي مقداره 25 مليار متر مكعب من الغاز ـ وذلك حسب المصادر الإسرائيلية ـ، وأعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي أرييل شارون آنذاك أنه فضل «شراء الغاز من مصر علي شرائه من شركة بريطانية ـ فلسطينية مشتركة خشية استفادة المسلحين الفلسطينيين من عائداته».

وكانت إسرائيل قد اضطرت للتوقيع علي الصفقة مع مصر التي بدأ التفاوض عليها قبل عشر سنوات من توقيعها بعد فشل جهود شركة «إسرامكو» الإسرائيلية في تطوير آبار للغاز اكتشفتها بالاشتراك مع شركة «بريتش غاز» قبالة سواحل عسقلان، حيث طلبت هذه الشركات من الحكومة الإسرائيلية في 29 يناير من العام 2000 وفق تقرير بثته وكالة الأنباء الفرنسية بالتمهل في توقيع العقد مع المصريين حتي يتم التثبت من جدوي تطوير الحقول قبالة سواحل عسقلان، لكن إسرائيل حصلت علي أكثر مما تريده من الحكومة المصرية بعد ذلك حيث حصلت إسرائيل علي الغاز المصري بأسعار أرخص من استخراجه من قبالة سواحل عسقلان، وهذا ما دفع مجموعة من الناشطين المصريين علي رأسهم السفير السابق إبراهيم يسري إلي رفع دعوي قضائية أمام محكمة القضاء الإداري في القاهرة التي أصدرت حكمها في 18 نوفمبر من العام 2008 بوقف تصدير الغاز المصري إلي إسرائيل، وبطلان الاتفاقية لأنها لم تعرض علي مجلس الشعب المصري وقالت المحكمة إن قرارا كهذا يجب التصويت عليه في البرلمان «لأن الموارد الطبيعية الوطنية هي ملك للشعب المصري والأجيال اللاحقة ولذلك علي السلطة التنفيذية أن تحظي بموافقة السلطة التشريعية قبل اتخاذ قرار كهذا».

ورغم صدور حكم في الأول من إبريل من العام 2009 من محكمة الأمور المستعجلة في القاهرة بوقف تنفيذ حكم محكمة القضاء الإداري فإن ذلك لم ينه المعركة القضائية حول الموضوع، ومن ثم حرصت إسرائيل علي إحياء مشروع الحصول علي الغاز من آبار سواحل غزة مرة أخري خوفا من أي عوامل يمكن أن تؤدي إلي منع تدفق الغاز المصري إلي إسرائيل، ولأن غزة تقع منذ العام 2006 تحت سلطة حكومة حركة حماس فإنه يجب التخطيط ـ وفق المنظور الإسرائيلي ـ لكيفية الاستيلاء علي آبار الغاز دون الحاجة للتفاوض مع حكومة حماس أو الرجوع إليها بل يجب القضاء عليها وإزالة وجودها من غزة ومن ثم يتم تحقيق أهداف كثيرة فيما يختفي هدف الحرب من أجل الغاز وراء مجموعة من الأهداف المعلنة التي تشترك فيها بعض دول المنطقة المتحالفة مع إسرائيل.

أما فيما يتعلق بغاز غزة وجدواه فقد أعلنت شركة «بريتش غاز» بعد اكتشافها الغاز في سواحل غزة في العام 2000 في تقرير نشرته صحيفة «التايمز» البريطانية في 23 مايو من العام 2007 أنها تقدر احتياطيات الحقل المكتشف في العام 2000 بأنها تزيد علي تريليون قدم مكعب من الغاز أي ما يساوي 150 مليون برميل من النفط، وفي تقرير الأندبندنت الذي نشر في 19 أغسطس من العام 2003 أعلنت بريتش غاز أنها يمكن أن تضخ من حقل غزة إلي إسرائيل بين 5،1 إلي 2 مليار متر مكعب من الغاز سنويا وهو ما يعادل ثلث الاحتياجات الإسرائيلية من الغاز.

وبعد شعور إسرائيل أن هناك عقبات داخلية تواجهها الحكومة المصرية قد تضطرها إلي التوقف عن تصدير الغاز لإسرائيل أحيت مشروع غاز غزة مرة أخري ونشرت صحيفة «التايمز البريطانية» في تقريرها المشار إليه في 23 مايو من العام 2008 أن مجموعة «بريتش غاز» علي وشك الاتفاق علي شروط صفقة تاريخية تقدر بأربعة مليارات دولار لتوصيل الغاز الفلسطيني إلي إسرائيل من الحقول المكتشفة علي سواحل غزة، وأن اجتماعا قرر في نهاية مايو من العام 2008 بين ممثلي الشركة البريطانية وممثلين للحكومة الإسرائيلية لدراسة عقد مدته خمسة عشر عاما وأكدت وزارة الخارجية الإسرائيلية أنها تود إبرام الصفقة في «أقرب وقت ممكن» حيث اعترفت الحكومة الإسرائيلية أنها بحاجة إلي مصادر جديدة من الطاقة لمواجهة احتياجات الاقتصاد الإسرائيلي المتزايدة.

وقد أكدت لي بريتش غاز ردا علي أسئلة أرسلتها إليهم علي طلب الحكومة الإسرائيلية تقديم مقترحات لتزويد شركة الكهرباء الإسرائيلية بالغاز وهي الشركة الوطنية لتوفير الكهرباء التي تمتلكها الدولة، وقامت مجموعة بريتش غاز بالفعل بتقديم اقتراح للحكومة الإسرائيلية لتوفير الغاز من حقل غزة البحري، وأكدت بريتش غاز في جوابها علي أسئلتي أنها استأنفت بالفعل المباحثات مع الحكومة الإسرائيلية بعد أن أعلنت عن نيتها علي شراء الغاز من حقل غزة البحري وذلك من أجل سد العجز المتوقع في إمدادات الغاز بعد العام 2011.

هذا العقد وهذه الصفقة المليئة بالشبهات القانونية والجنائية هي التي جعلت إسرائيل تعجل بحربها علي قطاع غزة لأسباب كثيرة معلنة وسبب رئيسي غير معلن هو إنهاء وجود حماس في غزة وإعادة السلطة أو أي طرف يمثل الشعب الفلسطيني يساعدها في السيطرة علي غاز غزة بثمن بخس وعبر اتفاق يتم إضفاء الشرعية عليه دون أن تبدو العملية كما هي قائمة الآن عملية سطو علي مقدرات الشعب الفلسطيني وثرواته حيث سعي شارون بالفعل لإلغاء العقد الموقع بين عرفات وبريتش غاز عام 1999 وصرح في العام 2001 بأن احتياطات غزة البحرية من الغاز تمتلكها إسرائيل.

ومن هنا بدأت إسرائيل مخططها لشن حرب الغاز علي غزة في العملية التي عرفت باسم «الرصاص المنصهر» في شهر يونيو من العام الماضي 2008 وذلك وفقا لمصادر صحيفة «هاآرتس الإسرائيلية» في عددها الصادر في 27 ديسمبر الماضي 2008، وهذا يعني أن قرار شن الحرب جاء بعد أيام من عودة التفاوض بين بريتش غاز والحكومة الإسرائيلية الذي أشارت له صحيفة «التايمز» وأكدته لي بريتش غاز كذلك بشكل غير مباشر في ردها علي أسئلتي، وهذا يفسر أيضا سر أن وزيرة الخارجية الإسرائيلية السابقة تسيبي ليفني كانت أحد الصقور التي تقود الحرب لأن وزارتها هي التي أعلنت أنها يجب أن تبرم الصفقة في أقرب وقت ممكن.

وقد أشار مايكل تشوسديفسكي في مقال نشره في 8 يناير 2009 علي موقع «جلوبال ريسرش» نقلا عن «جلوبس في 13 نوفمبر 2008» أنه في الوقت الذي انتهت فيه إسرائيل من وضع خطة حربها علي غزة المعروفة باسم «الرصاص المسكوب» كانت تتفاوض مع شركة «بريتش غاز» حيث بدأت مفاوضات جدية في شهر أكتوبر من العام 2008، وفي نوفمبر من العام 2008 أمرت وزارة المالية ووزارة البنية التحتية الإسرائيليتان شركة كهرباء إسرائيل بالدخول في مفاوضات مع شركة بريتش غاز لشراء غاز طبيعي من الحقل البحري لمجموعة بريتش غاز البريطانية، وبالفعل وافق مجلس إدارة شركة كهرباء إسرائيل بقيادة موتي فريدمان علي مبادئ الإطار المقترح منذ أسابيع أي بداية التفاوض في شهر مايو كما أشارت التايمز.

كل هذه المعطيات تؤكد علي أن الحرب علي غزة كانت بالدرجة الأولي من أجل الغاز مع تحقيق أهداف أخري كثيرة كانت هي المعلنة، ومع نهاية الحرب وإعلان إسرائيل عن انسحابها من أراضي غزة بشكل شبه كامل صبيحة تولي الرئيس الأمريكي الجديد باراك أوباما مقاليد الرئاسة في العشرين من يناير من العام 2009 وبعد اثنين وعشرين يوما من الحرب المدمرة، إلا أنها بقيت تحتل سواحلها ويبدو أنها لن تغادرها لأن بها الثروة التي يمكن أن توفر 30% من احتياجات إسرائيل من الغاز، وبالتالي نحن أمام عملية معقدة من الناحية القانونية والأخلاقية تشترك فيها بريتش غاز مع إسرائيل وربما أطراف أخري متواطئة لأنها تتعلق بثروات الشعب الفلسطيني ومقدراته، وبالتالي يجب أن يتحرك المدافعون عن حقوق الشعب الفلسطيني ورجال القانون الذين يمثلون الشعب الفلسطيني علي جميع المستويات السياسية والقانونية الدولية لإيقاف هذه الجريمة الكبري التي لا تقل عن الجرائم التي ارتكبت في غزة طوال ثلاثة وعشرين يوما من الحرب.

ليالي الإصلاح بمكتبة الإسكندرية

إبراهيم البيومى غانم
في الليلة الأولي (1 مارس الجاري) لمؤتمر الإصلاح العربي السادس بمكتبة الإسكندرية كاد المشاركون في المؤتمر يروحون ضحية وجبة العشاء التي تناولوها في واحد من أفخر فنادق الثغر، إذ يبدو أنها كانت نصف فاسدة، أو بالأقل "كانت بايتة"، فأصيب أغلبهم بتلبك معوي بدرجات متفاوتة، وفي الصباح كان حديث الاضطرابات المعوية هو سيد التعليقات والثرثرات التي لم تنقطع طوال أيام المؤتمر، ولا أحد يعرف ما الذي كان سيحدث لو أن العشاء كان كامل الفساد.
فاق عدد ضيوف المكتبة في هذا المؤتمر الـ 600 شخص- حسب ما أعلنه مدير المكتبة في إحدي كلماته الافتتاحية- جاءوا من عدد كبير من البلدان العربية ومن مصر طبعاً، شيباً وشباناً، رجالاً ونساءً، بعضهم أصحاب رؤي واختيارات فكرية وسياسية (إسلامية، ويسارية، وليبرالية، وقومية). ومنهم موالون للحكومات علي طول الخط، ومنهم معارضون لها علي طول الخط، وآخرون منهم لا إلي هؤلاء ولا إلي هؤلاء، وإنما هم في حكم "عابري السبيل". ووسط هذا الحشد كان لأعضاء لجنة السياسات بالحزب الوطني الديمقراطي حضور بارز، بعضهم التزم الصمت وآثر السكوت، وبعضهم تحدث حتي قال الحاضرون ليته سكت كزملائه ولم يتكلم.
في الليلة الأولي للمؤتمر أيضاً، وبعد محاضرة بارعة لمدير المكتبة- الحق يقال إنها كانت وحدها التي حملت جديداً من الأفكار في كل ما قيل في المؤتمر- أثار الانتباه بقوة ما قاله في الجلسة الافتتاحية الدكتور صبري الشبراوي- وهو شخصية مرموقة في الاقتصاد والإدارة، فضلاً عن عضويته في لجنة السياسات بالحزب الوطني- فقد أدان منهج الحكومة في إدارة البلاد. وكثّف انتقاده في عبارة موجزة وبليغة للغاية وهي أن "الإدارة الحالية هي إدارة للفقر وتوزيعه"، وتساءل: لماذا يتحدثون دوما عن الفقر فقط، ولا يتحدثون عن مصادر الغني والثراء والموارد الطبيعية والبشرية التي تتمتع بها مصر؟. وقال في حسرة: ليس لمصر أي ترتيب في عالم التقدم الصناعي!، وقال: هل يعقل أن تكون مبيعات محلات كارفور السنوية في مصر 78 ملياراً ينفقها 700.000 مستهلك، وأن يكون إجمالي الدخل القومي لمصر كلها أكثر قليلاً من هذا الرقم؟. وكرّر القول: مصر غنية جداً، فلماذا يتحدثون فقط عن الفقر.. وليه ليه؟". وقد سألته في تعليق علي ما قيل في الجلسة- دون انتظار إجابة منه- وليه ما بيسمعوش كلامك يادكتور شبراوي؟!.
في الليلة الثانية أثار الانتباه أيضاً في جلسة عن التفاعلات العربية العربية، ما ورد علي لسان السيد عدنان عمران- الذي شغل سابقاً ولسنوات عديدة منصب الأمين العام المساعد للجامعة العربية- وهو قوله" عملت طويلاً في العمل العربي المشترك، ولكني أكثر الناس جهلاً بهذا الموضوع"!!. وكان واضحاً أن الرجل لا يتحدث حديث التواضع، وإنما حديث الحيرة والغموض ولم يحاول مجرد محاولة، ولم يلمّح ولو بالقليل إلي سر فشل العمل المشترك. وظل كلامه في عموم العموميات، ويبدو أن "العموميات" هي الدرس الأكبر الذي يعيه كبار المسئولين العرب إذا أرادوا أن يظلوا تحت الأضواء- ولو كانت خافتة- بعد خروجهم من مناصبهم.
في ليلتي المؤتمر (أول وثاني مارس) شوهد عدد من أبرز الأساتذة والمفكرين المصريين والعرب وهم يغطون في نوم عميق أثناء الجلسات. من هؤلاء: أستاذ فلسفة شهير بأقدم جامعة عربية (كان ينتبه بين الحين والآخر علي سماع التصفيق للمحاضر، ثم يستأنف النوم)، وأستاذ قانون لا يقل شهرة بجامعة الزقازيق، وأستاذ آخر بطب قصر العيني وعضو في لجنة السياسات (كان دمه زي العسل، إذ كان يجلس بجواري، وواصل النوم دون انقطاع إلي نهاية الجلسة، ولما انتبه في نهايتها سألني: إحنا فين؟ قلت له: مازلنا في المكتبة. فشكرني، وقال لي: يبقي أنت ما نمتش). ونام أيضاً رجل دين كاثوليكي معروف، إضافة إلي عدد آخر من الحضور. وانتهت ليالي الإصلاح!.
صحيح أن شيوع ظاهرة النوم ليست حكراً علي مؤتمرات الإصلاح بمكتبة الإسكندرية، بل هي في أغلب المؤتمرات، وآخرها المؤتمر الحادي والعشرون للمجلس الأعلي للشئون الإسلامية حيث نشرت بعض الصحف المصرية الصادرة (6 مارس الجاري) صورة تجمع شيخ الأزهر وبابا الكنيسة الأرثوذكسية وهما يغطان في نوم عميق أثناء الكلمة التي ألقاها وزير الأوقاف محمود زقزوق في الجلسة الافتتاحية. فهل يعني هذا أن النوم مشروع في المؤتمرات؟ أم أنه لابد من شرطة متخصصة في مطاردة النوم من أعين المشاركين فيها؟، أم أن المطلوب هو إصلاح منهجية المؤتمرات ذاتها؟