الفيل والتنين


من أول السطر

إبراهيم عيسى
كي تعرف أن نظام الرئيس مبارك الذي يستمر منذ 28 عامًا فشل في أن يصنع من مصر شيئًا كبيرًا وعظيمًا بين الأمم، وكي تدرك أن ما نعيشه من ظروف اقتصادية بائسة إنما هي بفعل فشل هذا النظام في إدارته للبلد، تعال نذهب معًا إلي الفيل والتنين أو الهند والصين وكيف نجحت هاتان الدولتان في الصعود إلي قمة العالم الاقتصادية والانتقال بشعبيهما من درك الإفلاس والفقر الدكر إلي أن يتحولوا إلي ذكور العالم الاقتصادية، كيف تغير الهند والصين مصيريهما؟ وكيف تغيران - بفضل هذا كله - مصير العالم، وتنتقلان من بين صفوف بلدان العالم النامي لتحتلا موقع القوي العظمي؟ هذه ليست قصة نجاح الصين والهند بقدر ما هي ملحمة فشل مصر، ففي خلال أقل من عشرين عامًا حدثت المعجزة الآسيوية في الهند والصين!

سأستند في معلوماتي هنا إلي كتاب (الفيل والتنين) لكاتبة أمريكية متخصصة هي روبين ميريديث (صدر عن سلسلة عالم المعرفة من ترجمة الكبير شوقي جلال) لم ترد فيه كلمة واحدة عن مصر لكن في كل سطر فيه يقفز في وجهك السؤال: إشمعني إحنا؟ لماذا لم نصبح في عصر مبارك الطويل مثل هاتين الدولتين، لقد كسر (أو بالأحري حطم) الصعود الصيني والهندي كل الأوهام التي يروجها لنا نظام الرئيس مبارك كمبررات للوضع الاقتصادي الهزيل والمخجل الذي تجد مصر فيه نفسها بين دول العالم؛ حيث تقبع في قاع الدول المصدرة والمصنعة أو المكتفية ذاتيًا أو المؤثرة اقتصاديا، فضلاً عن وجود 44% من الشعب المصري تحت خط الفقر، ناهيك عن الانتشار الهائل للبطالة والتي تصل نسبتها حسب بعض الخبراء إلي 18% ويمكن لأي قارئ كريم أن يتكرم ويضيف لهذا المقال مزيدًا من الأمثلة علي حال الشعب المصري، فالكاتب ليس أعلم من المكتوب له. لكن لنركز الآن في الأوهام التي عاش عليها النظام المصري، الوهم الأول الذي ضربه النجاح الهندي والصيني وَهْم أعملكوا إيه وأجيب لكم منين؟وهذا الكلام الذي تسمعه من كبير مسئوليك، فالدرس الصيني هو أنك يمكن أن تنجح! نعم، فالفشل ليس قَدَرًا والتأخر والتدهور الاقتصادي ليس قضاء محتومًا ونقدر نعمل حاجة وحاجة كبيرة مش علي طريقة أجيبلكوا منين؟.. الوهم الثاني الذي تحطم هو أن التقدم والنجاح الاقتصادي المذهل حِكْرٌ علي الغرب سواء أوروبا أو أمريكا. أبدًا أي بلد عفي في أي مكان في العالم يمكن أن يفعلها. الوهم الثالث الذي تم نسفه نسفًا هو التحجج الملح والمخجل بأن الزيادة السكنية هي سبب استنزاف الثروة؛ حيث الهند والصين أعلي بلاد العالم كثافة وزيادة سكانية. الوهم الرابع هو الجملة الرزلة والممجوجة التي يرددها كل مسئول من عام 81 وحتي الآن وهي عنق الزجاجة التي يمر بها اقتصادنا، أو سخف الحديث عن إصلاح اقتصادي لمدة 28عامًا، فهل يصدق عاقل أو حتي مخبول أن اقتصادًا يتم إصلاحه 28عامًا ولا ينصلح أبدًا، إلا إذا كان الذين يصلحونه إنما هم مفسدون؟ في الهند والصين يتحقق إصلاح وتطور ونقلة هائلة في أقل من عشرين سنة تجعل من دولة نامية موشكة علي الإفلاس تتحول إلي دولة عظمي اقتصاديًا. الهند تحركت ببطء لكن في ثبات مطرد، علي عكس الصين التي صعدت بسرعة الصاروخ. ومع ذلك الهند بدأت نهضتها سنة 1991وهوب في السما، أما الصين فقد بدأت من 78 وسبقت أسرع وارتفعت أعلي، رغم أن الهند والصين، من نواح أخري كثيرة، متعارضتان؛ الهند ديمقراطية والصين تتبع نظام حكم ديكتاتوري، والهند أمة فيها مائة مِلَّة ويتحدث شعبها أكثر من ثلاثين لغة مختلفة، بينما الصين لغة واحدة وملة واحدة لكن ثمة شيئًا واحدًا فقط مشتركٌ بين البلدين الآن؛ الهند والصين أسرع الاقتصادات الكبري نموًا علي ظهر الكوكب، وفجأة أصبح كل منهما أرضا خصبة لأصحاب الأعمال والعاملين والعملاء والمنافسين، واستطاع المديرون التنفيذيون في مجالس إدارات الشركات من نيويورك إلي طوكيو ومن لندن إلي فرانكفورت التقاط حمي الهند الآن مثلما التقطوا منذ عقد مضي حمي الصين، وها هم كبار أصحاب مشروعات الأعمال يتحركون جيئة وذهابًا في سفريات مكوكية حول العالم؛ لأن الأمتين الصاعدتين تحققان نموًّا سريعًا للغاية، بحيث جعلتا اقتصادات الولايات المتحدة وأوروبا واليابان تبدو كأنها اقتصادات راكدة، وفجأة أيضًا أصبحت إقامة مشروعات الأعمال في الهند والصين الأمل الوحيد للشركات الغربية التي قررت الإسراع لكسب عملاء جدد.. مرة أخري تخيل أن الصين بدأت كل هذه النهضة منذ عام 1978فقط حيث كانت وقتها مبددة وضائعة تقريبًا، بينما الهند بدأت صعودها المدوي منذ حوالي 17عامًا فقط.. إزاي؟

أقولك إزاي!

الكاتب والرئيس


في ذكري وفاة الكاتب الكبير «رجاء النقاش» ننشر واحدة من أهم كتاباته:
ظهرت شخصية السادات بوضوح أمام الرأي العام بعد أن تخلص من خصومه وألقي بهم في السجون إذ بدا رجلاً شديد العصبية كثير الشكوك تملأ الهواجس نفسه تجاه الآخرين

اليوم تمر الذكري السنوية الأولي علي وفاة الأستاذ الكبير رجاء النقاش بلا ضجيج بعد أن عاش حياته في بلاط الصحافة والأدب والنقد بلا أدني صخب، كان الرجل برغم انجازه الرائد أكثر النقاد تواضعاً وأريحية ربما لأنها عادة شيمة الكبار الذين يقدمون الكثير دون انتظار كلمة إشادة واحدة وحتي في قراءاته النقدية العميقة
كان النقاش هادئ النبرة غير متعال ليعطي درساً لمهندسي اللغة والمتعاملين مع النقد باعتباره عملية تشريح معقدة أن القراءة المتعاطفة مع النصوص هي أكثر الطرق لاكتشاف طاقاتها الجمالية الكامنة، فضلاً عن اكتشاف النقاش أحد أبرع الروائيين العرب السوداني الطيب صالح ومحمود درويش شاعر المقاومة الأول في الأرض المحتلة وكان الأستاذ رجاء أول من قدم هذه الأصوات إلي الثقافة العربية، بالإضافة إلي أصوات أخري كثيرة كلها تدين بالولاء لصاحب هذا الصرح الشامخ من الحب والتعاطف والرغبة في تأكيد أصالة الثقافة العربية في مواجهة دعاوي هدم دعائم الماضي وخلق قطيعة معرفية مع التراث العربي لمحو هوية الثقافة العربية.

«الدستور» قررت أن تحيي ذكري الأستاذ الكبير علي طريقتها بنشر واحدة من أهم كتابات الراحل العظيم.

> > >

في 4 فبراير سنة 1973، أصدر الرئيس الراحل أنور السادات «1918-1981» قراراً انفعالياً غاضباً بطرد ما يقرب من مائة كاتب وأديب وصحفي من أعمالهم الأصلية، وإلحاقهم بأعمال أخري لا تمت بأي صلة إلي الصحافة والثقافة، وكان لهذا القرار من جانب السادات صداه الواسع في مصر وخارجها، لأن هذا القرار الغاضب كان يشمل عدداً من الأسماء المهمة والمعروفة علي المستوي العربي، وبعضها معروف علي المستوي العالمي.

ومن هذه الأسماء نجيب محفوظ، وأحمد بهاء الدين، ويوسف إدريس، وغيرهم، وقد كان وراء هذا القرار قصة لعب فيها الأديب الكبير توفيق الحكيم «1898-1987» دوراً أساسياً. وقبل أن نتعرض لهذه القصة بالتفصيل لابد من التوقف قليلاً أمام شخصية السادات، وأمام بعض الظروف التي كانت قائمة في مصر في تلك الفترة المضطربة، والتي بدأت من 15 مايو سنة 1971، حينما تمكن السادات من القيام بانقلاب ناجح علي أنصار عبدالناصر الذين كانوا يمسكون بالمراكز الرئيسية في الحكم والسلطة، واستطاع السادات أن يقبض عليهم جميعاً ويضعهم في السجون، ثم ينفرد بعد ذلك بالكلمة العليا في حكم البلاد.

وبعد انفراد السادات بالسلطة ازداد الاضطراب الشعبي، خاصة في صفوف الشباب، لأن سيناء كانت تحت الاحتلال الإسرائيلي، ولم يستطع السادات أن يحسم الأمور ويبدأ المعركة ضد العدو إلا في 6 أكتوبر سنة 1973، أي بعد أكثر من سنتين من انفراده بالسلطة.

ظهرت شخصية السادات بوضوح أمام الرأي العام بعد أن تخلص من خصومه وألقي بهم في السجون، وقد بدا السادات أمام الجميع رجلاً من رجال السياسة الذين يعانون العصبية وكثرة الشكوك والهواجس التي تملأ نفسه تجاه الآخرين، فقد كان سريع الغضب سريع الانفعال، كثير الخيالات والأوهام. وقد سمعت من أحد الذين عملوا معه عن قرب أنه في تلك السنوات بعد انفراده بالسلطة كانت تنتابه لحظات غريبة يبدو فيها شخصاً غير متوازن، فقد كان يمشي في حديقة الاستراحة الرئاسية المعروفة في منطقة «القناطر الخيرية» وينفصل عن مرافقيه من الحراس والمساعدين، فيمشون وراءه بمسافة غير قصيرة، بحيث تتاح لهم رؤيته بوضوح، وإذا بالسادات يهز عصاه في الهواء ويتحدث إلي نفسه بصوت مسموع، ويفقد إحساسه تماماً بكل من حوله، ويواصل الحديث مع نفسه، ويضحك أحياناً، ويتجهم أحياناً أخري!

وقال الراوي الذي كان يحدثني: إن السادات بعد أن انفرد بالسلطة، كان لا يطيق المناقشات الطويلة مع أحد، حتي لو كان من المقربين إليه والذين يثق بهم ويشعر معهم بالاطمئنان، وقد اشتكي عدد كبير من المقربين إليه والمساعدين له هذا الأمر، فلم يعد السادات يستشير أحداً، ولم يعد يطيق أن يستمع من أحد إلي رأي يخالف رأيه، وكان يتهم زوجته السيدة «جيهان السادات» أحياناً، خاصة حين تناقشه أو تختلف معه، بأنها لا تفهم في السياسة، وأن عليها ألا تتحدث في مثل هذه الأمور. هذا ما صرحت به السيدة «جيهان» نفسها في بعض أحاديثها الصحفية والتليفزيونية.

وبالطبع فنحن نصدق هذه الصورة للسادات لأسباب عديدة، أهمها أن التصرفات العامة العلنية له كانت لا تخلو مما يؤكد صحة هذه الصورة في خطاباته التي كان يلقيها أمام الجماهير، أو عن طريق التليفزيون، وفي أحاديثه الصحفية، وفي قراراته الحادة المفاجئة، ثم في عدوله المفاجئ أيضاً في بعض الأحيان عن هذه القرارات. كل ذلك يكفي لتأكيد صحة ما كان يقوله بعض المقربين إلي السادات من أنه كان يعاني التوتر العنيف، والغياب أحياناً عن الإحساس بالواقع من حوله، وهناك أمثلة عديدة علي ذلك، فقد عقد السادات مؤتمراً صحفياً في سبتمبر سنة 1981، بعد أن كان اتخذ قراراً غير حكيم باعتقال نحو ألف وخمسمائة من الصحفيين والمفكرين، وأهل الرأي والسياسة والأدب والصحافة في مصر. وفي هذا المؤتمر الصحفي سأله مراسل أجنبي سؤالاً قال فيه: «هل قمت سيادتك باستئذان أمريكا قبل اتخاذك قرار اعتقال السياسيين المصريين؟!»، وبدلاً من أن يرد السادات بهدوء علي مثل هذا الاستفزاز المألوف في المؤتمرات الصحفية الحرة، بتذكير هذا المراسل الاستفزازي بأن مصر بلد مستقل، وأن حكومتها ذات سيادة علي أرضها، وأن هذا المراسل قد دخل مصر بتأشيرة من السفارة المصرية في بلاده، وليس بتأشيرة من السفارة الأمريكية.. بدلاً من هذا، فإن السادات اندفع في غضب لا يليق برئيس دولة ليقول وهو ينتفض من شدة الانفعال للمراسل الأجنبي ما معناه:

- لولا أنك أجنبي لأخرجت مسدسي وأطلقت عليك الرصاص!

ومعني هذا الكلام الذي قاله السادات أن المراسل الأجنبي ضيف.. ولا يجوز قتل الضيوف.. ولولا هذا لفعلها السادات، وقتل هذا الضيف الذي أثار غضبه!

ومثل هذه العبارات الانفجارية الاندفاعية غير المسئولة كثيراً ما تصدر عن السادات، كقوله المشهور سنة 1971 عن المعارضين السياسيين له إنه سوف «يفرمهم» وكلمة «الفرم» كلمة دموية قبيحة لا يصح مطلقاً أن يصدر علناً، وفي حديث عام إلي الناس من أحد السياسيين، حتي لو كان هذا السياسي من كبار الطغاة في التاريخ فهؤلاء الطغاة يحاولون عندما يتحدثون علناً إلي الناس، أن يكونوا أكثر تهذيباً ولطفاً في انتقاء الكلمات. فالطغاة المتمكنون من طغيانهم لا يكشرون عن أنيابهم أو يستخدمون الألفاظ الحادة في أحاديثهم، بل علي العكس فإنهم يدخرون هذا كله للافعال وليس للأقوال العلنية، أما الطغاة المتوسطون أو من هم دون المتوسطين، فهم وحدهم الذين يحرصون علي إظهار قوتهم - بمناسبة ودون مناسبة - في أقوالهم وتصرفاتهم الظاهرة للناس!

ولعل السادات تكون لديه أسباب من تجاربه وتاريخه الشخصي لهذا التوتر والاضطراب العصبي وسرعة الانفعال، فقد قامت حياة السادات من بدايتها إلي نهايتها علي «المغامرة»، والمغامرة ببساطة هي عمل يندفع إليه الإنسان دون أن يكون علي معرفة بنتائجه وقد تنتهي المغامرة بكسر رقبة صاحبها، أو تنتهي بالنجاح! والعامل الحاسم في المغامرة هو «الحظ»، وقد كان الحظ حليفاً للسادات في كل مغامراته العجيبة، لكنه خان السادات مرة واحدة فأرداه قتيلاً، وكان ذلك في 6 أكتوبر سنة 1981 حيث فقد حياته في حادث المنصة الشهير.

وهناك ما يلفت النظر في حياة السادات، حيث إن حياته انتهت باغتياله وأنه كان قد بدأ حياته في ساحة السياسة المصرية قبل ثورة 1952 بالمشاركة في اغتيال السياسي المصري أمين عثمان، وكان هذا الاغتيال لحساب الملك فاروق الذي كان يكره أمين عثمان ويظن أنه يعمل ضده، وإن كان اغتيال هذا السياسي سنة 1946 في الظاهر بهدف الانتقام منه بسبب صداقته للإنجليز، كذلك اشترك السادات في محاولة لم تنجح لاغتيال الزعيم الوطني الكبير مصطفي النحاس، وكانت المحاولة لحساب الملك فاروق أيضاً.. وكان فاروق يكره النحاس، لأن النحاس كان زعيماً للأغلبية الشعبية ما جعل منه عقبة كبري في سبيل انفراد فاروق بالسلطة الرسمية والسلطة الشعبية أيضاً.

ويقال إن السادات كان يقول لبعض المقربين إليه إن لديه هاجساً وإحساساً قوياً بأنه سوف يموت مقتولاً في حادث اغتيال، وذلك عقاباً له علي أنه شارك في بعض الاغتيالات في مرحلة سابقة من حياته. ويمكننا أن نصدق هذه القصة المنسوبة إلي السادات وإلي أقواله عن نفسه، لأن السادات كان في المرحلة الأخيرة من حياته يعيش في حالة تدين كبيرة، لا يحق لأحد أن يتشكك فيها، كان يحس بأن الله معه، فقد أصبح رئيساً للجمهورية، وهو ما لم يكن يخطر علي باله أو علي بال أحد، فلم يكن هو أقوي رفاق عبدالناصر أو أهمهم، بل لعله كان بين الجميع أضعفهم شأناً وأهمية، ثم إنه بعد أن تولي الرئاسة، استطاع أن يعصف برجال عبدالناصر الأقوياء ويضعهم جميعاً في السجن، وكانت التقديرات السائدة قبل هذه الضربة المعروفة بضربة «15 مايو» هي أن السادات سوف يخسر معركته مع الناصريين، لأنه لم يكن يملك في يديه أي شيء من مفاتيح السلطة، لكن السادات انتصر، وخسر أمامه خصومه الأشداء. وكان السادات يسمي نفسه ويسميه أنصاره، «الرئيس المؤمن» تعبيراً عن نزعة التدين القوية عنده.

هذه الحياة الصعبة المضطربة المليئة بالمغامرات والمفاجآت والتي لعب فيها «القدر» و«الحظ» أدواراً رئيسة ساعدت علي أن تتعرض شخصية السادات لما ظهر فيها وعليها من عصبية وإحساس عنيف مستمر بالتوتر.

وفي المقابل كانت السنوات الممتدة من 1971 إلي 1973 من أعنف سنوات التوتر والعصبية في مصر نفسها، فقد كان الرأي العام فقد ثقته بالوعود المتتالية للسادات بمواجهة إسرائيل، فيما كان يسميه «سنة الحسم»، والتي كان يؤجلها من وقت إلي آخر بحجج متعددة، بعضها كان مثيراً للسخرية، مثل الحجة المشهورة التي أطلقها السادات يوماً من أن «الضباب» قد عطل المعركة مع إسرائيل وقد ظهرت في مصر وقتها عشرات النكت المصرية عن حكاية الضباب هذه، ما كشف عن عدم اقتناع الناس بالأسباب التي أعلنها السادات لتأجيل المعركة مع إسرائيل من أجل تحرير سيناء.

يضاف إلي انعدام «لغة سياسية مشتركة» بين السادات وشعب مصر في تلك الفترة أسباب قوية أخري ساعدت علي اضطراب الأوضاع في مصر بصورة عنيفة، وكان علي رأس هذه الأسباب ازدياد الأزمة الاقتصادية في البلاد، فقد كان الناس يعانون أشد المعاناة الغلاء وضعف الأجور وسوء الخدمات العامة مثل المواصلات والهواتف وغير ذلك، وكان أفراد الشعب يتحملون ذلك كله باعتباره تضحية يقدمونها في سبيل تحرير أرضهم، وكان يضاف إلي ذلك سبب دقيق آخر ينشر السخط والمرارة بين صفوف المصريين، فقد كان الجيش المصري اتجه إلي تجنيد الشبان المتخرجين في الجامعات، وذلك بعد أن تبين في حرب 1967 أن المجندين غير المتعلمين لا يحسنون استخدام الأسلحة الحديثة ولا يجيدون التعامل معها، فهذه الأسلحة تحتاج إلي درجة عالية من التعليم والمهارة العقلية. وبذلك أصبح عشرات الآلاف من خريجي الجامعات جنوداً في الجيش لا يعرفون متي ينتهي تجنيدهم لكي يعودوا إلي حياتهم الطبيعية وإلي الأعمال التي تتناسب مع مؤهلاتهم العلمية.. والحقيقة أن الشاب الجامعي في مصر ليس مجرد إنسان يحلم بمستقبله الخاص، لكنه في أغلب الأحوال يكون بعد تخرجه مصدراً من مصادر الرزق الأساسية في عائلته، إذ أن تسعة وتسعين في المائة من عائلات مصر تعلم أبناءها وتنفق عليهم من أجل أن يصبحوا بعد تخرجهم عوناً لهذا العائلات التي ليس لها مصدر رزق سوي عمل أفرادها المختلفين، ومعني دخول عشرات الآلاف من شباب مصر إلي الجيش عن طريق التجنيد العام غير المحدد المدة أن ينتج عن ذلك قلق واضطراب شديدان في حياة العائلات التي ينتسب إليها هؤلاء الشبان المجندون. أما بالنسبة إلي الشبان الذين كانوا لا يزالون في مرحلة التعليم الجامعي فإنهم كانوا يشعرون بالقلق والضياع والخوف من المستقبل. وكانت الدراسة الجامعية نفسها بحاجة إلي نوع من الاستقرار لا يشعرون به ولا يملكونه.. ثم ماذا يكون من أمر هؤلاء الطلاب بعد أن يتخرجوا في جامعاتهم؟ إن مصيرهم غامض في بلد محتل تمزقه الأزمة الاقتصادية وتصيبه تلك الحالة التي تحمل اسم «اللا حرب واللاسلم» بما يقترب من الشلل الكامل.

هذه الأمور كلها فجرت مظاهرات طلاب الجامعات في مصر في سنة 1972 وأوائل سنة 1973، وكان الطلاب يذهبون في جماعات إلي الصحف، ويحاولون أن يلتقوا كبار الكتاب والصحفيين، وأن يسمعوا منهم ويتحدثوا إليهم ويبحثوا معهم عن الحلول الممكنة لهذه الأزمة الخانقة التي يعيشها المجتمع ويعانيها الشباب أشد المعاناة.

كان علي رأس أهل الأدب والثقافة والصحافة في مصر ذلك الوقت توفيق الحكيم، وقد فتح هذا الكاتب الكبير مكتبه في جريدة الأهرام لاستقبال مجموعات بعد مجموعات من شباب الجامعات.

وكان توفيق الحكيم في تلك الفترة سنة 1973، في الخامسة والسبعين، ولأول مرة في حياته يجد نفسه وجهاً لوجه مع المجتمع ومشكلاته الصاخبة المختلفة العنيفة، وذلك عن طريق مجموعات الشباب التي سمح لها بلقائه. وقد كان توفيق الحكيم في حياته الطويلة قبل ذلك حريصاً علي أن يكون بعيداً كل البعد عن الحياة الاجتماعية، وأن يكون معتزلاً تماماً في برجه الخاص به الذي كان يسميه «البرج العاجي»، وكان هذا المعتزل الكبير في برجه العاجي ينظر إلي الناس من بعيد، ويكتفي بأن تكون مشاركاته للآخرين بالرؤي أحياناً، وبالعمل الفني المسرحي أو القصصي، أو غير المباشر أحياناً أخري، وبالصمت وعدم التعليق علي شيء في كثير من الأحيان. وبهذه الطريقة المتحفظة الحذرة قضي توفيق الحكيم حياته الطويلة قبل سنة 1973، ولكنه وجد نفسه في هذا العام يعيش مع أبناء وطنه في قلب عاصفة كبري، فماذا يفعل؟

هل ينسحب ويعتزل كما تعود أن يفعل؟

هل يمد يده لهؤلاء الشبان الذين يذهبون إليه بهمومهم وهموم الوطن ويطلبون منه الرأي والمشاركة؟

لقد اختار توفيق الحكيم الحل الثاني، وهو الانتماء والمشاركة، بل اختار في حدود قدراته أن يكون في المقدمة.. والحق أنه لم يكن أمام توفيق الحكيم إلا أن ينفعل، فهو صاحب رواية «عودة الروح» التي أصدرها سنة 1933، وهي رواية جميلة تفيض بالروح الوطنية الصادقة القوية، ويقال إن جمال عبدالناصر قد قرأ هذه الرواية في شبابه وإنها كانت من أكثر المؤثرات الفكرية في تكوين شخصيته وتحديد اتجاهاته في مستقبل أيامه، ولم يكن توفيق الحكيم، وهو المفكر الكبير والفنان صاحب الموهبة العالية، بقادر علي أن ينفصل عن وطنه، بينما كان هذا الوطن يحترق. إن أي اختيار آخر لتوفيق الحكيم في تلك اللحظة الصعبة كان يمكن أن يفقده احترامه لنفسه، بل وكان يمكن أن يغير نظرة الناس إليه وتقديرهم الكبير له، وكان ذلك سوف يجعل قلمه سيفاً من الخشب، لا جدوي منه ولا قيمة له. لقد كان الحكيم معتزلاً عندما كان يري أن آخرين كثيرين غيره يؤدون الرسالة ويحملون العبء علي أكتافهم، أما الآن، سنة 1973، فتوفيق الحكيم هو شيخ الأدباء والمفكرين، وهو الجالس علي قمة الحركة الثقافية في مصر والعالم العربي، فكيف يقبل ضميره أن يكون في أيام المحنة العامة من المعتزلين؟

لم يقبل توفيق الحكيم ذلك، وقرر أن يساهم في معالجة الأمور بقدر ما يستطيع، وكان توفيق الحكيم يعرف أنه لا يملك غير قلمه، ولكنه كان وبلا شك يعرف قيمة هذا القلم وقدرته علي التأثير، ولذلك اتجه إلي كتابة رسالة إلي السادات يعبر فيها عن رأيه ويكشف عن القلق الذي يعانيه شباب الأمة، ويطالب بموقف جديد حاسم يخرج بالأمة من حالة «اللاحرب واللاسلم» التي ملأت حياة الناس بالجمود والركود واليأس والإحباط. ولكي يكون لهذه الرسالة إلي السادات قوة معنوية، فقد رأي الحكيم أن تحمل الرسالة توقيع عدد كبير من الأدباء والمثقفين الوطنيين، من أهل اليمين واليسار علي حد سواء، وبالفعل حملت الرسالة توقيعات كثيرة مع توفيق الحكيم، وكانت هذه التوقيعات تشمل شتي الاتجاهات الفكرية والسياسية، لأن اللحظة كانت لحظة اتفاق وليست لحظة افتراق، وكانت لحظة إجماع وطني لا يستطيع أحد أن يتخلف عنه بضمير مستريح، وكان من الأسماء التي شاركت في التوقيع علي الرسالة: نجيب محفوظ ويوسف إدريس وعلي الراعي وثروت أباظة، وتم إرسال هذه الرسالة إلي السادات علي أنها رسالة إليه من كتاب مصر الذين يمثلهم توفيق الحكيم والذين معه من الموقعين علي الرسالة.

وهذا هو نص الرسالة التي كتبها توفيق الحكيم بقلمه وفيها يقول: «نحن الكتاب والأدباء الموقعين علي هذا البيان قد رأينا من واجبنا أن نعاون الدولة فيما تقوم به الآن هيئاتها الرسمية من تقصي الحقائق في حالة الاضطراب التي بدت بوادرها الآن في بعض الأحداث الجارية، يدفعنا إلي ذلك إيماننا بوطنية رئيس الدولة، واعتقاداً منا أنه في استطاعته الإمساك بالزمام للسير في طريق محفوف بالمخاطر تهب عليه الزوابع اليوم من كل جانب، ويحتاج إلي الحكمة وسداد الرأي لتجنيب الوطن ويلات الشطط وتوجيهه إلي حيث يجد نفسه ويؤكد شخصيته ويسترد قوته، ولما كان من خصائص الكتاب والأدباء بحكم رسالتهم في الأمة أن يكتشفوا باطنها ويستشفوا ضميرها، في حين أن مهمة الصحافة هي تقصي حقائقها من واقع حوادث معينة، قد تكون مجرد بثور خارجية لمرض دفين، ودخان ظاهري لنيران تتأجج تحت رماد، لذلك كان علينا نحن الكتاب والأدباء أن نكمل الصورة ونقدم المعونة بإبراز ما استتر واستخفي مما يعتمل الآن ويضطرم في باطن الأمة وضميرها، وليس ذلك فقط لمجرد استكمال عمل تقوم به الهيئات الأخري، ولكنه أيضاً للخشية من أن يهمل أمر هذا الغليان الذي يفور في نفوس الناس فيجد طريقه في أي لحظة إلي الانفجار وتقع الكوارث، ذلك أنه مما لا شك فيه لدينا أن البلد يغلي في الباطن علي نحو لم يعد يخفي علي أحد، وقد لا يعرف كل الناس تعليلاً لما يشعرون به من قلق واضطراب وغليان داخلي، وقد يبدي البسطاء من الناس والأبرياء من الشباب تعليلات مختلفة، يسوقونها بغير تفكير أو تمحيص، ويرددونها في أحاديثهم ويضعونها في منشوراتهم، وهذه التعليلات أو المطالب أو الاحتجاجات قد تبدو في أغلبها سطحية أو غير ناضجة أو مدروسة، ولكن تبقي الحقيقة التي لا شك فيها وراء كل هذا، وهي شعورهم جميعاً بأنهم قلقون لشيء ما، وأنهم ما عادوا يحتملون ما هم فيه من إحساس بالضياع.

والآن ما هو منشأ الإحساس العام بالقلق والاضطراب والضياع في نفوس الناس؟ لعل السبب الأهم في ذلك هو عدم وضوح الطريق أمامهم، فالصيحة المرتفعة أمامهم في كل حين بكلمة المعركة، وأن الطريق هو المعركة كان من الممكن أن يكون هو الجواب عن أسئلتهم والطريق الواضح أمام أعينهم. وهذا لا شك ما أرادت الدولة أن تقدمه كجواب أو مصباح لوضوح الرؤية في طريق المستقبل المعتم، ولكن مع الأسف تمضي الأيام وتصبح كلمة المعركة مجرد كلمة غامضة لا حدود لها ولا أبعاد لمعناها ولا تحليل لعناصرها، مجرد كلمة تلوكها الأفواه، مستهلكة لكثرة مضغها، ويصبح الناس ويمسون وهذه الكلمة تردد علي جميع النغمات في الأناشيد والأغاني والخطب والشعارات، حتي فقدت قوتها وفعاليتها، بل وصدقها، وصارت اللقمة الممضوغة في الفم غصة، لا هم يستطيعون ابتلاعها، ولا هم يجرؤون علي لفظها، وأصبحوا في حيرة من شأنهم، وأصبح طريق المستقبل أمامهم مرة أخري مسدوداً وهم في ضياع.. ولما كان الشباب هو الجزء الحساس في الأمة، وهو الذي يعنيه المستقبل أكثر من غيره، فهو لا يري أمامه إلا الغد الكئيب. فهو يجتهد في دراسته ليحصل علي شهادته النهائية، فإذا هي شهادة القذف به في رمال الجبهة لينسي ما تعلمه ولا يجد عدواً يقاتله، وهذا أيضاً بالنسبة إليه هو الضياع.

أما بقية المواطنين فهم يعيشون في حياة صعبة سيئة الخدمات العامة، وكل نقص أو إهمال أو توقف أو عبث يختفي خلف صوت المعركة وفي انتظار المعركة وتمحكاً بالمعركة.. وإذا بالأمر في نظرهم ينقلب إلي مهزلة وإلي سخط وإلي قرف عام.

هذا بعض ما استقر في الضمائر هذه الأيام، ولابد من حل سريع لهذا الوضع، ولا يمكن أن يكون هناك حل إلا في الصدق، والصدق وحده، لأن الصدق هو الذي ينهي الحيرة ويقنع الناس ويهدئ النفوس.. لأن الغليان في باطن الإناء يهدأ إذا كشف الغطاء.. الشعب يريد أن يقتنع بشيء لأنه غير مقتنع، ولابد لراحة باله واقتناعه من عرض حقائق الموقف أمامه واضحة من كل جوانبها، وعليه هو أن يقرر وأن يعرف ويختار طريقه. وهذا يقتضي النظر في تغيير بعض الإجراءات التي تسير عليها الدولة اليوم، وفيها حرية الرأي والفكر، وحرية المناقشة، والعرض، لإبقاء الضوء علي كل شيء في هذا الضباب حتي تتضح الرؤية، وليكن ذلك داخل المؤسسات. إذا كانت السرية لظروفنا الحاضرة تقضي بذلك. علي ألا يكون للدولة رأي مسبق تضغط به علي أهل الرأي وتجعلهم مجرد أبواق لترديده وترويجه. بل أن تكون الدولة آخر من يبدي الرأي بعد أن تستمع، وهي جادة صادقة، إلي رأي مصر الحر أولاً، لا أن تصوغ هي الرأي وتضع الشعار وتلقي به إلي الناس وتفرضه عليهم فرضاً.. آن للدولة في هذه الظروف العصيبة أن تخفف هي من كل العبء والمسئولية وتضعها علي كاهل الأمة.. إن في ذلك مصلحتها وصيانة لها أمام التاريخ».

ذلك هو نص البيان الذي جاء توقيعه علي هذه الصورة: «الكتاب والأدباء المصريون. عنهم: توفيق الحكيم».

وكان مع توقيع توفيق الحكيم، كما سبقت الإشارة، عشرات التوقيعات من الكتاب والأدباء، وقد وصل هذا البيان إلي السادات بعد أن نشرته الصحف الأجنبية وتناقلته وكالات الأنباء العربية والعالمية، إذ إن البيان تسرب من أيدي أصحابه، وهم يجمعون التوقيعات، وقد يكون الذين قاموا بستريبه عامدين، هم بعض الصحفيين الذين وقعوه، وكانوا يعرفون أن السادات يشعر بالقلق والإنزعاج من أي شيء يحدث في مصر ويكون له صداه في العالم الخارجي، بما في ذلك الدول العربية، فالشيء الذي يبقي محصوراً في مصر وحدها يكون أقل إثارة لغضب السادات مما يتسرب إلي الخارج ويكون له صدي في العواصم العالمية والعربية.

غضب السادات غضباً عاصفاً من رسالة توفيق الحكيم، واعتبرها عملاً شديد العداء له، وكعادته تصرف بانفعال وعصبية، وأصدر قراراً بطرد كل الموقعين علي البيان من وظائفهم وأعمالهم المختلفة والغريب أن السادات لم يكتف بمعاقبة الموقعين، بل أضاف إليهم كل الكتاب والأدباء والصحفيين الذين يشك فيهم حتي لو لم يكونوا قد وقعوا علي البيان. وكان عدد المفصولين والمطرودين في هذه الحملة الهمجية التي شنها السادات علي مثقفي مصر كثر من عدد المفصولين والمطرودين ممن وقعوا علي البيان، وعلي الرغم من أنني شخصياً لم أوقع علي البيان فقد كان اسمي بين المفصولين والمطرودين.

كان تاريخ هذه الحملة الساداتية علي المثقفين والصحفيين المصريين هو 4 فبراير سنة 1973، وكان من بين المطرودين في قرار السادات، كما سبقت الإشارة، أسماء كبيرة مثل نجيب محفوظ، وأحمد بهاء الدين، ويوسف إدريس وغيرهم، أما توفيق الحكيم كاتب هذا البيان الصريح الجريء الشجاع فلم يتعرض للفصل أو الطرد، وإنما صدر قرار ضده بمنعه من الكتابة وقد علق توفيق الحكيم علي هذا البيان عندما نشره في كتابه «شجرة الحكم في مصر - 1919 - 1979» بقوله: «كانت نتيجة هذه الرسالة أو هذا البيان طرد وتشريد أكثر المشتركين في التوقيع عليه، وكان أن شتمني السادات في اجتماع عام حيث قال: ما هذا «الهباب» الذي كتبه توفيق الحكيم»!

وهكذا اتخذ توفيق الحكيم موقفاً حاسماً في عهد أنور السادات، وشارك في التعبير عن رفض الرأي العام لحالة الجمود والركود التي كانت قائمة علي الجبهة العسكرية، كما عبر الحكيم في صراحة ووضوح عن حالة الإحباط والضياع التي كانت منتشرة في الجبهة الداخلية، ولست أزعم أن عندي من المعلومات ما يؤكد أن هذه الرسالة أو هذا البيان الذي كتبه توفيق الحكيم كان له تأثيره في قرار السادات ببدء المعركة العسكرية في 6 أكتوبر، أي بعد أقل من عشرة أشهر من صدور هذا البيان. ليس هناك أي معلومات تؤكد مثل هذا الاستنتاج، لكننا لو استخدمنا العقل والتحليل الدقيق للأحداث، لرأينا بوضوح أن هذا البيان قد أزعج السادات ونبهه إلي أن تجاهل الرأي العام لمدة طويلة أمر يهدد النظام والسلطة أخطر التهديد، ولذلك سارع السادات بتعبئة كل الإمكانات واتخذ قرار الحرب، وهو أعظم قرار اتخذه في حياته وهو قرار تاريخي له شأنه، ولعله القرار الوحيد الذي اتخذه السادات وأجمع أنصاره وخصومه علي احترامه وتقديره، أما بقية قرارات السادات فقد كانت في معظمها موضع خلاف شديد.

لقد أحس السادات بأن بياناً واضحاً وصريحاً ومؤلماً بهذه الصورة، يكتبه أديب كبير مثل توفيق الحكيم، مشهود له بالاعتدال والحرص علي الابتعاد عن أي عمل سياسي مباشر، إنما يعني أن الأمور قد وصلت إلي مأزق خطير، لا نجاة منه إلا بالعمل الجدي علي مواجهة العدو، فما لم نحارب هذا العدو فسوف ينتهي أمرنا بأن يحارب بعضنا بعضاً، ويبقي الاحتلال علي ما هو عليه.

في 28 سبتمبر سنة 1973، أي في يوم الذكري الثالثة لرحيل عبدالناصر، أصدر السادات قراراً مفاجئاً بإعادة جميع المفصولين والمطرودين من الكتاب الأدباء بسبب بيان توفيق الحكيم إلي أعمالهم، وبعدها بتسعة أيام كان الجيش المصري يعبر إلي الضفة الشرقية من قناة السويس ويرفع علم مصر علي أرض سيناء، ويطارد الإسرائيليين ويلحق بهم لأول مرة في تاريخهم هزيمة موجعة.

ولا شك أن بيان توفيق الحكيم أو رسالته إلي السادات، كان لها دورها وتأثيرها في التعجيل بالمعركة، وكانت هذه الرسالة ضمن عوامل أخري كثيرة وحسابات عديدة متنوعة، دافعاً من الدوافع التي جعلت إحساس السادات يزداد بأن تأخير المعركة سوف ينتج عنه تأثيرات سلبية لم يكن بإمكان السادات أن يتحملها أو يقف في وجهها.

ما بعد غزة

هبة رؤوف عزت
ربّ ضارة نافعة، صحيح أن الضرر كان بالغاً والابتلاء كان شديداً لكن الله له من كل أمر حكمة في ترتيب الكون ونواميس وسنن لا تتخلف، وقد حصدنا في غزة ما زرعناه كأمة من قرون لكن علينا أن نبدأ الغرس ونضع الفسائل في التربة الطاهرة ولا نيأس أبداً حتي لو أراد العدو أن يقنعنا أن لا أمل وأن توازنات القوة تضمن له تمرير جرائمه دون محاسبة أو ردع.

منذ عدة أيام كان لي شرف الجلوس علي منصة مع رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه، فقد عقد اتحاد الأطباء العرب مؤتمرا صحفياً لبعض الأطباء المصريين الذين ذهبوا لغزة أثناء القصف الوحشي،
وقرروا أن يدخلوها من معبر رفح رغم المخاطر والقنابل الفسفورية وألا ينتظروا الهدنة أو وقف إطلاق النار، وطلب مني المنظمون وهم الاتحاد وموقع متحف هولوكوست فلسطين وهو موقع علي الإنترنت لتوثيق الجرائم الإسرائيلية كم فعل اليهود في توثيق الإبادة النازية وابتزوا العالم بأكثر مما يستحقون كضحايا وقتلي لا خلاف علي حقوقهم القانونية والدولية والإنسانية والمعنوية، لكنهم حولوها لتجارة رابحة أو «صناعة الهولوكوست» كما أسماها «نورمان فنكلشتاين» الأستاذ الجامعي اليهودي الأمريكي الذي يعلن بوضوح في كل كتاب وفي كل مناسبة أن الكيان الصهيوني مرفوض وهو الذي فقد أفراد أسرته في الهولوكوست لكن رؤيته لما فعلته وكالة الدفاع عن حقوق ضحايا الهولوكوست وما تفعله إسرائيل بالفلسطينيين جعلته في صف الحق والعدل.

رأست الجلسة والتي بدأت بثلاثة من الأطباء تحدثوا عما شاهدوه وعرضوا صورا لما أسموه مشهد الجرحي الذين جاءوا للمستشفيات، فكان تعليقي أنهم ليسوا جرحي بل أشلاء بشرية حية، فمنهم من أكلت القنابل الفسفورية ساقيه ومنهم من أكلت بطنه وتوالت الصور الواحدة تلو الأخري فشعرت أني سيغُشي عليَّ من الصور فما بال من عاش المذبحة؟ وما بال من عالج وطبب؟! كانت صورة فتاة محترقة وقد فقدت ساقيها وبدت بقايا عظام الفخذ فقط وتخشب جسدها الصغير المتفحم هي القاصمة، لم أستطع الاحتمال فقمت وطلبت من طبيب من المشاركين أن يرأس الجلسة وغادرت، متوجهة لمكتب أمين عام الاتحاد وسألته عن دور الاتحاد في توثيق الجرائم فقال إن دورهم هو إرسال الأطباء وإن التوثيق هي مهمة الصحفيين، لكنني أعلم أن الأطباء دخلوا بعد مفاوضات شاقة بدعم من المخابرات المصرية مع الطرف الإسرائيلي في حين منع العدو دخول الصحفيين! وهو ما يلقي بمهمة صعبة علي الطبيب الذي يدخل في أي منطقة نزاع أن يعالج ويوثق في الوقت نفسه. هذه الصور التي شاهدتها التقطها الأطباء بكاميرات الموبايل وهي باهتة ودرجة نقاوتها لا تسمح للصحفيين بالاستفادة منها كما ينبغي، وقد تمت دعوة كل المراسلين الأجانب في القاهرة فلم يحضر إلا عدد قليل جداً، فهم لا يتحمسون لتغطية مثل هكذا أخبار ولو فعلوا فهم يعلمون سقف النشر في الموضوع، ومن كان ينشر من الجرائد الأجنبية أثناء الحرب لن ينشر بعد توقفها لأسباب معلومة ومفهومة من سيطرة الصهاينة وأعوانهم علي آلة الإعلام الغربية، فإذا كان أصدقاء مبارك من رؤساء الدول والحكومات قد جاءوا لشرم الشيخ ليتحدثوا عن معبر ومنع السلاح عن حماس، ثم ذهبوا لإسرائيل ليدعموا حقها في الأمن، فإن الإعلام الغربي لن يكون أكثر شجاعة.

نحن في حاجة لجمع كل ما تيسر من صور توثق للجرائم، وفي حاجة لتوثيق أسمائهم وهواياتهم وصور رسمية لأوراقهم الشخصية، وفي حاجة لأخذ شهادة من نجا منهم وعمل أفلام تسجيلية تروي ما حدث ونشرها علي نطاق واسع، وفي حاجة للدأب في متابعة قضايا دولية لمحاسبة مجرمي الحرب الصهاينة علي ما فعلوا، ونحن صبرنا قليل ولا نواصل وبعد فترة ننسي.

فليكن شعار كل من يعمل في هذا المجال «لن ننسي ولن نغفر»..فدماء الأطفال الذين أطلق جنود الصهاينة الرصاص عليهم من مسافات قريبة والأم التي احتضنت أبناءها فتفحمت جثثهم وانكمشت حتي صارت في حجم جسد طفل والشيوخ الذين ماتوا وهم ينزفون بعد قصف سيارات الإسعاف، والمرضي المصابون جرحاً فوق جرح لقصف المستشفيات كلهم لهم في أعناقنا حق، ولن ننسي ولن نغفر.

إن رهان إسرائيل هو علي الذاكرة، تضخيم ذاكرتها ومحو ذاكرتنا، رفع صوتها وإسكات أصواتنا، الدفاع عن أسراها وذبح أطفالنا ، وتدمير وتجريف الأرض.

صورة من بين صور عديدة استوقفتني علي الإنترنت: صورة امرأة فلسطينية تحتضن شجرتها وخلفها جرافة إسرائيلية، تلك الجرافة لا تريد فقط إبادة الشعب، بل تغيير معالم الأرض وهو وما رواه محمود درويش حين تحدث عن صدمته الكبري وأزمته الكبري في حياته ملخصاً وجع الفلسطيني حين عاد بعد عام من فرار أسرته من أمام وحشية العصابات الصهيونية ليبحث عن دراه ومدرسته وشجرته فلم يجد شيئاً، وفقد للأبد طفولته وبقي بداخله هذا الطفل السجين في ظلمة الوحشة يبحث عن ذاته..طول عمره.

إحياء الذاكرة وإعطاء صوت للضحايا والمطالبة بحقوق القتلي هو مهمة الجميع، وما بعد غزة يجب أن يستمر.

جهود الشعوب هي الأبقي، فكل الساسة القواد لهم كراسيهم وجبال حلفائهم التي يحسبون أنها ستعصمهم من طوفان الغضب، أما نحن فعلينا مهام..حفظ الأوطان وحفظ الذاكرة ومواصلة زرع الفسائل ومواصلة رفع الصوت.

في المنتدي الاقتصادي الدولي قام أردوغان من جلسة مع بيريز «الذي لا يعرفه شيخ الأزهر وسلَّم عليه بيديه وهو مش واخد باله» وقال إنه لن يعود للمنتدي، لأن مدير الجلسة قاطعه، ونحن نحتفي بالمنتدي بحضور رسمي واسع، لكن منتدياتنا نحن الشعوب تعرف جيداً قضيتنا وتناصرنا، ففي أجندة المنتدي الاجتماعي العالمي الموازي في البرازيل والذي تعقده الحركات الاجتماعية المناهضة للرأسمالية المتوحشة والهيمنة الأمريكية من كل أنحاء العالم كانت غزة علي رأس القضايا ونشطت الحركات تجمع توقيعات مئات الآلاف علي عرائض دولية تطالب بمحاكمة مجرمي الصهاينة وصور ضحايا غزة حاضرة في القلوب..لسنا وحدنا فلدينا حلفاؤنا من الشعوب في كل مكان.

ما بعد غزة..طريق طويل..

طريق الصبر والمصابرة والرباط.

أمن غزة أمننا وأمن سوريا كذلك


يسرى فودة
ربما لا يعلم البعض أن صاحب فكرة إقامة دولة حملت بعد ذلك اسم »إسرائيل» هو نابليون بونابرت؛ إذ إن هذا الداهية العسكرى الفرنسى هو الذى التفت حوله فأمعن النظر فاستطاع أن يقرأ واقع الجغرافيا السياسية للشرق الأوسط ببراعة لم يسبقه أحد إليها من قبل. «إذا أردت السيطرة على قلب العالم العربى فعليك أن تقصم وسط الساحل الشرقى للبحر الأبيض المتوسط». هذه هى فلسفته قبل أكثر من قرنين من الزمان، وهذه هى مصيبتنا اليوم.

من نوافل القول الآن إن فلسطين، وبخاصة غزة، تدخل مباشرةً فى قلب مفهوم الأمن القومى المصرى. تهتز غزة فتلين بوابة مصر الشرقية، وتصمد غزة فتمتنع مصر كلها. هذه عصارة تاريخ طويل من أيام الفراعنة والرومان والعرب والتتار والصليبيين والاستعمار الحديث والإسرائيليين. اختلفت طبائع الصراعات من عصر إلى عصر لكنها اتفقت جميعاً على ظاهرة واحدة: أن مصر تنتصر حين تدافع عن نفسها خارج حدودها، أو حين يدافع عنها الآخرون.

فليفكر إذن مرةً أخرى أولئك الذين «تكرموا» فى مصر بالتعاطف مع ضحايا مذبحة غزة الأخيرة. فهؤلاء الذين استشهدوا بقنابل اليهود الإسرائيليين استشهدوا فى الواقع دفاعاً عن مصر، سواء أدركوا هذا أو لم يدركوه، سواء أحبوه أو كرهوه. وليفكر إذن مرةً أخرى أولئك الذين يخلطون، عن عمد أو عن سهو أو عن جهل، بين أهداف سياسية مرحلية مؤقتة زائلة وبين ثوابت الأمن القومى وأعمدة الجغرافيا السياسية. وليفكر إذن مرةً أخرى أولئك الذين أرادوا أن يكونوا أنانيين ففشلوا حتى فى استيعاب مفهوم الأنانية.

جوهر الأنانية «الإيجابية» فى هذه الحالة يقبع فى دفاعك «عمليا» عن نفسك عن طريق دعم من يقف أمامك فى الصف، لا عن طريق رفع شعار عاطفى أجوف مثل «مصر أولاً»، ولا عن طريق ركل من يقف أمامك فى مؤخرته. تعيش مستور الصدر إذا عاش وتواجه الطوفان عارى الصدر إذا مات. أنا أرفع شعار «أنا أنانى» ولهذا أنا أبدأ بنصرة من هو مثلى «أنا»، ثم أتحسس مسدسى حين أسمع كلمة «مصر أولاً».

فليفكر إذن مرةً أخرى «أسيادنا» حين يعلمون أن «عبداً» مملوكاً، اسمه الظاهر بيبرس، هو الذى أدرك جوهر الأنانية «الإيجابية» من منظور مصر فخرج لنصرة الشماليين على التتار فعاشت بلاده. وليفكر إذن «أسيادنا» لماذا تثور ثورة من يعتبروننا أعداءهم (و يعاملوننا على هذا الأساس) كل مرة يقترب فيها جنوب الساحل الشرقى للبحر الأبيض المتوسط من شماله (مصر وسوريا بلغة اليوم). حدث هذا أيام صلاح الدين الأيوبى وأيام محمد على، كما حدث أيام جمال عبد الناصر وأيام حرب أكتوبر المجيدة، وسيحدث دائماً كل مرة يقترب فيها القطبان.

هذا هو واقعنا وهذا هو قدرنا، ومن لا يدرك هذا فهو إما جاهل أو مُغرض. أما وأننا لا نعتقد أن صناع القرار، سواءٌ فى مصر أو فى سوريا، يندرجون تحت أى من هذين التصنيفين فإن من الحكمة، ومن المسئولية فى آنٍ معاً، أن نرتفع جميعاً فوق مستوى الحسابات المرحلية والاستمزاجات الشخصية قبل أن يتحول المرحلى إلى متكرر ويتحول المتكرر إلى منهجى ويتحول المنهجى إلى ثابت.

الحكومات تأتى وتروح. لكل منها رؤيتها للواقع بناء على ما ترى فيه مصلحتها ومصلحة شعبها. وحتى إذا تلخصت رؤيتها لمصلحتها فى مجرد البقاء فى السلطة رغم أنف الشعب (مثلما هو الحال مع معظم الحكومات العربية) فإن ذلك لا يمنحنا الحق فى استخوانها ولا يمنحها الحق فى استغفالنا، ولا يمنح أياً منا الحق فى مصادرة الثوابت.

مثلما أن من الواجب أن يسعى المرء بكل الطرق المشروعة إلى استعادة الحق، فإن من الواجب كذلك حين يدرك أن ظروفه لدى لحظة زمنية معينة لا تسمح له باستعادة الحد الأدنى من حقه ألا يحرم الأجيال القادمة من شرف المحاولة لعل الظروف تتغير، وهى متغيرة لا محالة. وبالمقابل، مثلما أن من الواجب أن يكون لدى المرء رؤيته الخلاقة فى قراءة موقف متراوح، فإن من الواجب كذلك أن تكون لديه القدرة على التمييز بين ما هو مرحلى وما هو ثابت. بعبارة أخرى: أن يكون قادراً على تحديد مواقع الخطوط الحمراء، وأن يكون من الحكمة (ومن الواقعية) بحيث ينحنى تواضعاً أمامها وإلا كانت نهايته.

من الحكمة والواقعية كذلك (و أيضاً من شجاعة القلب) أن تنصر الحاكم على المتزلفين والمنافقين والذين لا يعلمون. إنها لمسألة تدعو إلى الأسف أن يعقد البعض منا، ومن بينهم «الزعيم» عادل إمام، دم شهداء غزة بناصية المقاومة (بغض النظر عن رأيك فى منهجها وفى أعضائها)، وإنها لمسألة تدعو إلى الحزن أن تقوم بعض الجماعات بإهدار دمه لأنه عبر عن رأيه فخانه الفارق بين المرحلى والثابت. وإنها لمسألة تدعو إلى التأمل أن تكون لدى البعض منا فى مصر كل هذه القدرة على التعالى والغرور (وأحيانا العنصرية) حين نواجه نقداً من هؤلاء «العرب»، حتى ولو كان بناءً وراقياً وعلى حق.

غير أن المسألة التى تدعو إلى القلق، أشد القلق، هى انتقال هذا اللغط من دائرة النخبة إلى دائرة العامة بصورة تهدد بخلط المرحلى بالثابت ربما إلى أمد بعيد على مرأى ومسمع من جيل نما فى ظروف هشة.

بين أيدينا فى مصر جيل يفصله عن حرب أكتوبر أكثر من خمسة وثلاثين عاماً، جيل لم يدرس مادة «التربية القومية»، جيل لم يعد حكراً على الآلة الإعلامية للدولة، جيل خرج منه من تزوج إسرائيليات وخرج منه من التحق بالقاعدة، جيل لا يعلم إذا تسلل لص إلى منزله بأى رقم هاتفى يتصل. لقد وصل «جيل كامب ديفيد» بين ليلة وضحاها إلى مرحلة الشباب فلم يجد موقعاً له فى البلد أفضل من موقع «فيس بوك».

على هؤلاء ينبغى أن نقلق وعلى أولادهم، لكننا بدلاً من ذلك «نستخدمهم» فى إطار ألعاب سياسية شخصية مرحلية عبثية تنتمى إلى عصور سحيقة، تماماً مثلما استخدم عبد الناصر (بغض النظر عن رأيك فيه) صوت العرب (بغض النظر عن رأيك فيه) كى يؤلب الرأى العام العربى (بغض النظر عن رأيك فيه) على النظام السعودى (بغض النظر عن رأيك فيه). فلا فشل عبد الناصر ولا فشل صوت العرب ولا فشل الرأى العام العربى ولا فشل النظام السعودى. فقط أضعنا وقتنا فى عبثية ضارة لا نزال نشتم رائحتها حتى اليوم فى عقدة «الفوقية/الدونية» لدى بعض النماذج فى الشعبين الشقيقين.

إننا لا نريد لمثل ذلك أن يحدث اليوم بين الشعبين المصرى والسورى. سيغضب كثيراً فى قبره نابليون بونابرت. لا نريد للمرحلى أن يتكرر ولا نريد للمتكرر أن يتمنهج. إن الخطر يكمن فى أن يتجاوز الخلاف مستوى الساسة إلى مستوى الأمنيين إلى مستوى الإعلاميين إلى مستوى المثقفين إلى مستوى الفنانين إلى مستوى عامة الشعب. عندها يتحول الخلاف إلى شك ويتحول الشك إلى كراهية، ويتحول نابليون بونابرت فى قبره إلى البحث عن تحدٍّ آخر أكثر تشويقاً.

فى السياسات العليا.. والسفلى


الكاتب الكبير محمود عوض يكتب: فى السياسات العليا.. والسفلى

مع أن هناك الكثير الكثير مما فعلته إدارة جورج بوش الذاهبة بمنطقتنا وبالعالم طوال ثمانى سنوات وستنكشف أسراره ودوافعه مستقبلا.. إلا أن مؤرخى المستقبل لابد سيتأملون بعمق الأيام الأخيرة لتلك الإدارة فى السلطة.

فعلى الرغم من أن الثقافة السياسية الأمريكية اعتادت إطلاق توصيف «البطة العرجاء» على كل إدارة تدخل شهورها الأخيرة فى السلطة، إلا أن إدارة جورج بوش الذاهبة سجلت استثناء على تلك القاعدة. ففيما بين الانتخابات وحتى تسلم الرئيس الجديد السلطة رسميا فى 20/1/2009 ،يعنى نحو 11 أسبوعا، كانت إدارة جورج بوش عرجاء فى كل شىء، وعلى كل جبهة، ما عدا المتعلق بإسرائيل تحديدا.

وافقت تلك الإدارة إسرائيل فى حربها المتوحشة ضد أهالى قطاع غزة المحاصرين أصلا من قبلها بثمانية عشر شهرا. ودافعت تلك الإدارة عن الحرب وقامت بحماية إسرائيل من الإدانة فى مشاورات مجلس الأمن. ثم وعدت وزيرة الخارجية أعضاء المجلس بموقف ونفذت غيره عند التصويت.

وخرجت وزيرة خارجية إسرائيل تسيبى ليفنى تنسب لنفسها الفضل فى ذلك التغيير من خلال سبع مكالمات تليفونية قالت إنها أجرتها مع الوزيرة الأمريكية، بعضها بصوت غاضب مرتفع. أما رئيسها إيهود أولمرت فقد صرح بأنه هو الذى تحدث مع الرئيس الأمريكى جورج بوش تليفونيا وأقنعه بأن يأمر وزيرته بعدم التصويت لصالح القرار فى الحالتين، وبرغم إنكار ضعيف من وزارة الخارجية الأمريكية مرة، وإنكار أضعف من البيت الأبيض مرة، لحقت الإهانة الإسرائيلية بالوزيرة الأمريكية وانتهى الأمر.

نفس الوزيرة المهانة هى التى تابعناها تستقبل وزيرة خارجية إسرائيل فى واشنطن، وتوقع معها مذكرة تفاهم بالغة الخطورة يوم 16/1/2009.. يعنى قبل مغادرة الإدارة للسلطة بمجرد أربعة أيام. لماذا الاستعجال؟ وقطع الطريق على سياسات إدارة جديدة تالية جاءت حاملة شعار «التغيير»؟ ولماذا، بعد الإهانة العلنية بأيام قليلة توقع تلك الاتفاقية الأمنية التى تتحمل أمريكا بمقتضاها التزامات جديدة نحو إسرائيل، بل والتزامات أخرى تحملها لحلفائها فى حلف شمال الأطلنطى، وفى منطقة تمتد من غرب البحر الأبيض إلى شرقه إلى البحر الأحمر وشرق أفريقيا جنوبا إلى خليج عدن والمحيط الهندى شرقا؟

ابتلعت كوندوليزا رايس الإهانة إذن ووقعت المذكرة المفاجئة مع وزيرة خارجية إسرائيل. وإذا كان رئيسها جورج بوش قد خذلها مرتين.. فإنها تكون قد شربت من نفس الكأس المرة التى فرضتها سابقا على سلفها كولن باول. فخلال عمله كوزير للخارجية فى الولاية الأولى لجورج بوش حدث ذات مرة من توترات الموقف فى فلسطين أن وقف الرئيس جورج بوش أمام الكاميرات فى البيت الأبيض ليعلن أنه كلف كولن باول وزير خارجيته الواقف إلى جواره بالسفر فى مهمة عاجلة إلى إسرائيل والأراضى الفلسطينية وفوضه من السلطات بما يتطلبه الموقف.

فى الأيام التالية، وفى أرض الواقع، تأرجحت وتناقضت تصريحات كولن باول على مدار الساعة وطوال الأيام التالية بما انتهى بالوزير إلى الفشل الكامل. لم نعرف السر إلا من مذكرات باول المنشورة تاليا، وروى فيها كيف كانت تطلبه يوميا كوندوليزا رايس، وهى وقتها مستشارة الرئيس للأمن القومى، لكى تبلغه امتعاض الرئيس من تصريحاته وتحثه على تغييرها حتى لو كان هذا يعنى شعوره بالمهانة لأنه لم يفعل سوى تنفيذ تعليمات الرئيس له من البداية.

العلاقة الحرجة بين الرئيس ووزير خارجيته فى النظام الأمريكى تصبح أكثر حرجا بين وقت وآخر، خصوصا إذا كانت للرئيس رؤاه الخاصة المحددة فى جوانب من علاقات بلاده الخارجية. ولأن إسرائيل هى زاوية اهتمامنا هنا.. فقد حدث مثلا فى يونيو سنة 1990، وخلال جلسة استماع فى الكونجرس الأمريكى، أن لخص جيمس بيكر وزير الخارجية حينذاك الموقف مع إسرائيل على النحو التالى: «لقد بذلت الولايات المتحدة كل ما تستطيعه للتسوية التفاوضية بين العرب وإسرائيل... بدون جدوى. والآن حينما تقرر إسرائيل أن تكون جادة بشأن السلام فعليها أن تطلب هذا الرقم 4561414 (202) إنه رقم تليفون البيت الأبيض».

بعدها بسبع سنوات، وفى ظل رئيس آخر وإدارة أخرى، سئلت مادلين أولبرايت وزيرة الخارجية الأمريكية: لماذا لم تذهبى بعد إلى الشرق الأوسط؟ فكان ردها: لأن الشرق الأوسط جاء إلينا.

وعلى رغم التشابه التقريبى بين المغزى فى كلمات بيكر وكلمات أولبرايت إلا أن الفارق بينهما كان فى جوهر الموضوع. فى حالة بيكر كانت الرسالة الأمريكية موجهة إلى إسرائيل. أما فى حالة أولبرايت فالرسالة موجهة إلى العرب أساسا. وبينما كانت إسرائيل فى الحالة الأولى هى المطالبة بأن تعطى، أصبح العرب فى الحالة الثانية هم المطالبون بأن يعطوا. وفى حالة بيكر كانت الرسالة الضمنية لإسرائيل هى أنه لا بديل أمامها سوى البيت الأبيض، لكن الوضع تغير فى الحالة الثانية ليصبح العرب هم الذين لم يعد أمامهم بديل سوى وزيرة الخارجية الأمريكية. وحتى فى تلك الحالة يتم تحويل المكالمة بين وقت وآخر إلى أحد مساعديها، دينيس روس مثلا.

أما فى حالة جورج بوش الابن ووزيرة خارجيته كوندوليزا رايس فقد سمحت الإدارة لنفسها فى ربع الساعة الأخير من عمرها السياسى أن تبرم مع إسرائيل اتفاقية أمنية خطيرة بغير أى تشاور مع من سمتهم «دول الجوار». نعرف أن وزير الخارجية فى أى نظام سياسى لا يصنع سياسة وإنما ينفذ سياسة يشارك فيها بصفته المستشار الأول لرئيس الدولة فى الشئون الخارجية. وفى النظام الرئاسى المعمول به فى أمريكا يفوض الدستور الرئيس بسلطات أكثر اتساعا من سلطات الإمبراطور فى روما القديمة. وأعضاء الحكومة لا يسمى أى منهم وزيرا وإنما سكرتيرا.

وحتى نائب الرئيس الذى يتم انتخابه مع الرئيس فى تذكرة انتخابية واحدة، لا يحدد له الدستور أى سلطات حقيقية إلا ما يفوضه به الرئيس. ومن زاوية اهتمامنا هنا فإن وزير الخارجية لكى ينجح فى إدارته لعلاقات بلاده مع الدول الأخرى لا بد أن يكون مدعوما من الرئيس بقوة ووضوح.

لكن فى التاريخ الأمريكى قد يحدث بين وقت وآخر أن يكون الرئيس أكثر احتياجا لوزير خارجيته بأكثر من العكس.. أو قد يحدث التضارب بين مصالح ضيقة للرئيس وبين رؤية وزير الخارجية لمصالح البلاد. هذا يعنى أن على الوزير أن يستقيل أو حتى أن يقيله الرئيس. إنما -ومرة أخرى.. من زاوية اهتمامنا هنا- فى التاريخ الأمريكى القريب جرى مثل هذا التضارب بغير أن يلجأ الرئيس إلى إقالة وزير خارجيته.

تلك الحالة تحديدا يمثلها الجنرال جورج مارشال. وهو الذى جرت تسمية البرنامج الأمريكى لإعادة تعمير أوروبا الغربية بعد الحرب العالمية الثانية باسمه. لكن الأهم أمريكيا من ذلك هو أن جورج مارشال كان رمزا لانتصار أمريكا فى الحرب العالمية الثانية باعتباره رئيسا لهيئة أركان القوات المسلحة الأمريكية ومهندسا للأداء العسكرى الأمريكى فى جبهتى الحرب: أوروبا واليابان.

وتناولى لجورج مارشال هنا سيقتصر على موقفه المبكر من القضية الفلسطينية وصدامه القاطع مع هارى ترومان، الرئيس الذى اختاره وزيرا للخارجية فى يناير 1947 فى لحظة حاسمة بالنسبة للقضية وللمنطقة. لكن الحديث عن جورج مارشال وهارى ترومان يبدأ من الرئيس فرانكلين روزفلت. فبسبب شعبية روزفلت داخليا وزعامته العملاقة عالميا جرى انتخابه لرئاسة أمريكا مرة رابعة (بعدها جرى تعديل الدستور بما يحدد فترتين كحد أقصى لولاية الرئيس). روزفلت فى فترته الرابعة اختار هارى ترومان نائبا له وفائز معه انتخابيا.

لكن حالة روزفلت الصحية سرعان ما تدهورت بما أدى إلى وفاته فى 12/4/1945 فى ظرف بالغ الدقة بالنسبة لأمريكا والعالم. هناك حرب عالمية ثانية متسعة وأمريكا تقود معسكرها من الحلفاء وأهمهم بريطانيا والاتحاد السوفيتى فى مواجهة دول «المحور» وهم ألمانيا وإيطاليا واليابان. فى تلك الحرب لأمريكا وحدها قوات مسلحة تضم 16 مليون رجل وامرأة ولها أيضا أكبر حشد بحرى فى التاريخ من عشر بوارج و27 حاملة طائرات و45 سفينة حربية وطائرات ودبابات ومدافع وأموال وتكنولوجيا أكثر مما كان تحت تصرف أى دولة واحدة بمفردها بامتداد التاريخ.

واعتبارا من الساعة السابعة وتسع دقائق مساء 12/4/1945 ورث هارى ترومان المسئولية عن هذا كله كخليفة لروزفلت لاستكمال مدة ولايته رئيسا للدولة وقائدا أعلى لقواتها المسلحة. والمشكلة الكبرى فى هذا كله كانت هى أن ترومان لم يكن يعرف أى شىء عن مجريات الحرب أو خططها أو مراحلها. لم يكن يعرف أى شىء عن علاقات أمريكا بحلفائها ولا مراسلات روزفلت مع قادتها أو زعماء الدول الأخرى.

وكما ذكر ترومان نفسه لابنته مارجريت فيما بعد فإن الرئيس روزفلت «لم يتحدث معى مطلقا بما يجعلنى مؤتمنا على أسرار الحرب أو شئون السياسات الخارجية أو حتى بما يشغل باله أو يفكر فيه بشأن السلام بعد الحرب».

لم يكن ترومان يعرف أى شىء أيضا عن أهم مشروع علمى/عسكرى تمضى فيه أمريكا سرا منذ سنوات لصناعة أول سلاح نووى فى التاريخ. وباختصار، وكما سجل كاتب سيرة حياة هارى ترومان، فإنه خلال 82 يوما شغل فيها منصب نائب الرئيس لم يقابله الرئيس روزفلت على انفراد سوى مرتين. وبينما سافر روزفلت فى رحلة ممتدة وسرية فى مرحلتها الأولى، ذروتها كانت اجتماع يالتا مع الزعيم السوفيتى جوزيف ستالين ورئيس وزراء بريطانيا ونستون تشرشل.. بقى ترومان فى واشنطن يقضى وقته فى مهام إجرائية كرئاسة جلسات مجلس الشيوخ أو يسلى نفسه بلعب البوكر مع أصدقائه.

وحتى بعد عودة الرئيس روزفلت من مؤتمر يالتا لم يجتمع مع ترومان أو يفضى له بحقيقة اتفاقاته السرية مع جوزيف ستالين ورئيس الوزراء البريطانى ونستون تشرشل. ولا أيضا شرح له خلفيات رحلته الخاطفة إلى مصر والبحيرات المرة فى قناة السويس حيث استقبل ملك السعودية عبد العزيز على متن سفينة حربية أمريكية، ولا أهمية اتفاقه مع الملك السعودى على إعطاء الشركات الأمريكية امتياز استكشاف وإنتاج وتسويق البترول لمدة ستين سنة تالية. اتفاق سال له لعاب الحليف تشرشل الذى كان يسعى إلى مثله وأخفاه عنه روزفلت طوال إقامتهما فى يالتا.

برحيل روزفلت المفاجئ أصبح على ترومان أن يرث مسئولياته الضخمة داخليا ودوليا، وبقدرات ذهنية وسياسية بالغة التواضع. وحينما اتجه إليه أحد المساعدين فى البيت الأبيض بعد دقائق من حلفه اليمين كرئيس ليقول له إن الصحفيين يريدون معرفة هل مؤتمر سان فرانسيسكو الخاص بتأسيس منظمة الأمم المتحدة سينعقد فى موعده بعد 12 يوما كما كان الرئيس روزفلت قد قرر.. أجابه ترومان تلقائيا:نعم.. بالتأكيد سيجرى المؤتمر فى موعده. وكان هذا تلقائيا هو أول قرار رئاسى يتخذه ترومان.

من الصباح التالى مباشرة أصبح على ترومان أن يستذكر بسرعة واجباته المنزلية وأصبح على أعضاء الحكومة أيضا إطلاعه على الملفات العاجلة كل فى اختصاصه، وأولها تقارير هيئة الأركان عن مجريات الحرب وكذلك التقرير بالغ السرية عن «مشروع مانهاتن» لصناعة أول سلاح نووى.كذلك أصبح عليه استقبال رؤساء وفود الدول القادمة لحضور اجتماع سان فرانسيسكو واختاروا المرور أولا بواشنطن، وأهمهم الوفد السوفيتى برئاسة وزير الخارجية مولوتوف ومعه السفير السوفيتى بواشنطن أندريه جروميكو.. إلخ.
وفى اليوم الثامن من تولى ترومان منصب الرئاسة الجمعة 20 إبريل 1945 وصل إلى البيت الأبيض الحاخام ستيفن ويلز الرئيس المناوب لـ «مجلس الطوارئ الصهيونى الأمريكى» لمناقشة الرئيس ترومان فى «مسألة إعادة توطين اللاجئين اليهود فى فلسطين». ولأنه كان قد طلب مسبقا رأى وزارة الخارجية فقد تلقى ترومان تحذيرا مكتوبا من الوزارة بأنه «عليك بالحذر البالغ لأن مشكلة فلسطين بالغة التعقيد».

واختار ترومان أن يختصر زمن المقابلة إلى ربع ساعة، معتذرا بعدها للوسيط الذى رتب للمقابلة. وسيط اسمه إدوارد جاكوبسون، يهودى صهيونى كانت أهميته أنه منذ وقت مبكر كان شريكا لترومان فى محل يمتلكانه لبيع الملابس فى كانساس. لكن هذا الشريك أصبح مؤخرا أهم شخص فى قاموس المنظمات الصهيونية داخل وخارج أمريكا لاعتبارات عديدة، فى مقدمتها أنه من الآن فصاعدا أصبح هو مفتاحهم إلى البيت الأبيض وإلى هارى ترومان شخصيا.

كانت المسألة الفلسطينية تزداد سخونة فى السنوات الأخيرة. فبريطانيا التى أصدرت «وعد بلفور» فى 1917 تعد فيه بالمساعدة فى إقامة وطن قومى لليهود فى فلسطين، هى نفسها التى أصبحت سلطة انتداب على فلسطين بقرار من عصبة الأمم بعد الحرب العالمية الأولى. وبتلك الصفة استخدمت بريطانيا وجودها وكل قدراتها للمساعدة فى تهجير يهود أوروبا إلى فلسطين بما هدد الفلسطينيين أنفسهم فى وطنهم فبدأت الصدامات المتكررة المتصاعدة. واستخدم اليهود الوافدون السلاح ضمن تنظيمات علنية وسرية لردع أصحاب الأرض وقمع ثوراتهم المتتالية.

وعندما لاحت فى الأفق نذر حرب عالمية ثانية أصدرت بريطانيا «الكتاب الأبيض» فى سنة 1939 لتقييد الهجرة اليهودية تهدئة للموقف فى فلسطين. لكن الوكالة اليهودية والمنظمة الصهيونية العالمية وباقى التنظيمات استمرت تعترض على تقييد الهجرة، وزادت من نشاطاتها فى أمريكا بعد أن لاح من حقائق الحرب أن نجمها صاعد بسرعة إلى عرش القوة العالمية.

وفى أرض فلسطين توسعت التنظيمات اليهودية المسلحة فى هجماتها لتشمل القوات البريطانية أيضا فى هجمات إرهابية. لم يذكر كاتب سيرة ترومان قيام منظمة الأرجون فى سنة 1945 باغتيال اللورد موين فى القاهرة، وهو وزير الدولة البريطانى المقيم بالمنطقة. لكنه ذكر مثلا أنه فى سنة 1946 نفذت الجماعات الإرهابية -بنص تعبيره- مذابح شتى، فنسفت جماعة «أرجون» فندق الملك داود فى القدس فقتلت 91 شخصا كلهم من المدنيين. أما فى الولايات المتحدة فكانت جماعات اليهود الأمريكيين تنظم حملاتها الدعائية بتركيز خاص على البيت الأبيض. وفى سنة 1947 وحدها أمطروا البيت الأبيض بأكثر من مائة ألف رسالة وبرقية للمطالبة بدعم إقامة دولة يهودية فى جزء من أرض فلسطين.

أما بالنسبة لهارى ترومان نفسه فقد ارتبط مبكرا بالنشاطات الصهيونية المحلية. وفى سنة 1943 مثلا، وقد كان عضوا فى مجلس الشيوخ، شارك فى اجتماع صهيونى بمدينة شيكاغو أعلن فيه أنه مستعد لعمل أى شىء «ممكن إنسانيا» لتوفير ملجأ ومأوى لليهود الناجين من قمع النازية. ومع توليه الرئاسة خلفا لروزفلت كان طبيعيا أن يصبح شريكه السابق فى بيزنس تجارة الملابس بكانساس سيتى، إدوارد جاكوبسون الذى أشرنا إليه سابقا هو همزة الوصل بين التنظيمات الصهيونية وترومان. وقد رأينا كيف رتب مقابلة لرئيس مجلس الطوارئ الصهيونى مع ترومان فى يومه الثامن كرئيس.

وفى مرة تالية ذهب جاكوبسون نفسه لمقابلة ترومان وقد صحب معه الحاخام من نيويورك آرثر ليلى ونائب رئيس شركة لبيع القمصان اسمه تشارلز كابلان. وبعد المقابلة استفسر منه الصحفيون عن موضوع المقابلة مع الرئيس فقال لهم مازحا «مابلان يبيع القمصان وأنا أبيع الملابس والحاخام يبيع الأفكار والعقائد».

وحسب ديفيد ماكليو، كاتب سيرة حياة ترومان، فإن ترومان كان لصيق الصلة بجاكوبسون ويثق فيه تماما. تلك الثقة الكاملة ستعطى جاكوبسون دورا وأهمية غير عادية مع تلاحق الأحداث. بل إن ترومان نفسه كتب قائلا فيما بعد أن جاكوبسون «كانت له أهمية حاسمة فى صناعة الأحداث» وهى أهمية لم تكن معروفة فى حينها. فقط لمس الجميع دوره الغامض حينما أصبح أول سفير لدولة إسرائيل لدى أمريكا بمجرد الإعلان عن قيامها فى سنة 1948.

لكن الوقت ما يزال مبكرا قبل تلك التطورات. فقط أصبح واضحا من البداية أن التنظيمات الصهيونية تستثمر بشدة فى هارى ترومان ومنصبه. وكما يروى كاتب سيرته فقد حدث ذات يوم أن عقدت مجموعة محدودة من اليهود الصهيونيين الأمريكيين اجتماعا فى مبنى حكومى فيدرالى بواشنطن، دعوا إليه أوسكار تشابمان، مساعد وزير الداخلية. ومن البداية نهض إبراهام فينبيرج، رئيس المجموعة، وهو صاحب مصنع ملابس فى نيويورك ومن كبار رجال المال، وكشف له كمية ضخمة من الأوراق المالية حتى أن جزءا منها تساقط على الأرض.

ثم أشار إلى تلك المبالغ وهو يتطلع إلى تشابمان قائلاً: «انظر.. إذا كان (الرئيس ) ترومان سيفعل شيئا فى شأن (إقامة) إسرائيل.. فحينئذ يمكننا أن نعمل معه «بيزنس كبير». ورد عليه تشابمان: «سأستكشف ذلك».

وتوجه تشابمان إلى البيت الأبيض ليخبر الرئيس ترومان بما جرى.وكان رد الرئيس: «قل لابن الحرام هذا إننى لا آخذ الأموال بمثل هذه الطريقة». وعاد مساعد وزير الداخلية لينقل هذا الرد إلى المجموعة الصهيونية. لكنهم بعدها بثلاثة أسابيع فقط عادوا ليعرضوا الأموال على ترومان نفسه مباشرة وبلا وسيط فقال لهم: اذهبوا إلى الجحيم.

لقد استمر ترومان يتلمس كل السبل الممكنة لمساعدة الصهيونيين. لكنهم مع ذلك واصلوا الضغط عليه بطريقة مهينة. ويذكر كاتب سيرته أنه حدث فى أحد الاجتماعات الوزارية أن شكا الرئيس ترومان نفسه لبعض مساعديه من أن رئيس مجلس الطوارئ الأمريكى الصهيونى كلما قابله تحدث معه بطريقة عاصفة وهو يدق بيده على المكتب.. «بينما لم يكن يجرؤ على بعض ذلك سابقا مع (الرئيس الراحل) روزفلت».

أى حاجة فى رغيف

محمد صلاح العزب
نحن قوم لا نأكل إلا فى الشارع، وإذا أكلنا نملأ التنك على آخره، فلا أحد يعلم متى يمكنه أن يأكل مرة أخرى، فى ظل الأزمات العالمية والمحلية المتتالية.

ثلاثة أرباع المصريين يخرجون من بيوتهم بمجرد الاستيقاظ، ولا يعودون إلا عند النوم، تحولت البيوت إلى لوكاندات، يسلّم المواطن المفتاح ويكتب وصيته وهو خارج، ويتسلم المفتاح ويسلم حصيلة عمله طوال اليوم وهو داخل، وهو غالبا لا يأكل إلا حين يتذكر، وهو غالبا لا يتذكر إلا مرة كل يومين أو ثلاثة وأحيانا كل أسبوع، وأحيانا يتذكر ويتناسى، وأحيانا يتذكر ويتحايل على الجوع بكوب شاى سكر زيادة، أو ببقسماطة، أو بباكو بسكويت، أو بالتفكير فى الجنة ونعيمها.

أحزمة المصريين من خامات مختلفة، جلد طبيعى، وغير طبيعى، وقماش، وبلاستيك، وليف، وأحبال، شد الحزام على وسطك غيره ما يفيدك، وشَدّ الحزام وسيلة قديمة وناجحة وناجعة ومفيدة ومجربة لإسكات الجوع، الجوع كافر، لكن المصريين جلسوا معه وقالوا له: اسلم تسلم، وأقنعوه بالحسنى وبالسيئة، وعقدوا له جلسات وعظ وإرشاد، وأخذوه من يده وذهبوا به إلى مشيخة الأزهر، وأجبروه على النطق بالشهادتين، حتى أسلم وحسُن إسلامه، وصار صديقا صدوقا مقيما.

الجوع فى البطن مثل الأصابع فى اليد، والأنف فى الوجه، والشعر فى الرأس، لو كان الجوع رجلا لأخذه المصريون من يده وجلسوا معه على القهوة، وطلبوا له حجرين معسل وواحد شاى بالحليب، ولتفاوضوا معه على مواعيد الزيارة، ولقسموها ورديات فيما بينهم، كل واحد يجوع يوم، وبالتالى حين يأتى الدور على الواحد منهم مرة أخرى يكون قد مر 75 مليون يوم، فلا يجوع فى حياته إلا يوما واحدا، مما سيوفر على الدولة الكثير من العملة الصعبة والمطاعم وموتوسيكلات توصيل الطلبات إلى المنازل.

الحاجة أم حسين، والحاجة أم أحمد، والحاجة أم الاختراع، لهذا تحايل المصريون على الجوع بمئات الوسائل، ومئات الأرغفة، العيش هو مرادف الشبع، نحن قوم لا نشبع من «الغموس» ولكن نشبع من العيش، لا يهم كثيرا نوع الشىء المعبأ والمخبأ داخل الخبز، المهم الخبز نفسه، حتى صار شعارنا القومى الذى يتبنى البعض اقتراح كتابته على العلم بدلا من النسر: «أى حاجة فى رغيف».

يذكر لنا التاريخ أسماء عدد من شهداء الخبز، كُتبت أسماؤهم بحروف من عجين على شكاير من خيش، فقدوا أرواحهم الطاهرة فى سبيل الحصول على 5 أرغفة ساخنة، وبعد زيادة أعدادهم فكرت الدولة أن تبنى لهم نصبا تذكاريا على هيئة رغيف عملاق أمام مجمع مطاحن شمال القاهرة، وأن تخصص لهم عيدا قوميا، يضع فيه كبير الفرانين إكليلا من الفينو المصنوع من الدقيق الفاخر بردا وسلاما واعتذارا لائقا لمواطنين ضحوا بأرواحهم فى سبيل أفران هذا الوطن.

كل ولا تقل، كل بما فى الجيب يأتيك ما فى الغيب، أكل يأكل أكلا فهو آكل وأكول وأكّيل، كل أكل الجمال وقم قبل الرجال، ولا عزاء للسيدات، ولكن لهن عربتان فى مترو الأنفاق، من تركب واحدة منهما تظل تأكل فى نفسها حتى تنزل، وإذا أكلتك رأسك فما حكّ جلدك مثل ظفرك، ولكن قص أظافرك قبل الأكل وبعده وفى المنتصف، ولا تنم بعد الأكل مباشرة، ولا ترسل ابنك ليلعب على السلم وفى يده برتقالة، فربما يكون ابن جارك لا يحب البرتقال فيتشاجر معه.

عربات ومطاعم الفول والطعمية والكبدة والسجق والجبنة والمربى والبلوبيف ولحمة الراس والكلاوى والفشة والكرشة والممبار والسمين والمكرونة والشاورما والبيض والكشرى تجرى من المصريين مجرى الدم، والدم عمره ما يبقى مية إلا بعمليات كيميائية معقدة، والقاسم المشترك الأعظم بين كل هذه المأكولات هو الرغيف، يتردد المواطن طويلا، ثم يتوجه إلى العربة أو المطعم، وينظر إلى قائمة أسعار الساندوتشات، ويتوكل على الله ويشترى، أى حاجة فى رغيف، وبجوارها بعض المخلل، الحمد لله امتلأ التنك، ويمكن لصديقنا أن ينطلق فى الحياة بأقصى سرعة، لينجز أكبر قدر من الأشياء غير المهمة فى الغالب قبل أن يفرغ تنكه مرة أخرى.

الفول يحتل المرتبة الأولى، الفول زبدة الفقراء، ولحمة البائسين، ومنه اشتقت ألفاظ كثيرة نستخدمها فى حياتنا اليومية: فول أوبشن، فول تانك، فول أوتوماتيك، وإن خلص الفول أنا مش مسئول، وماخطرتش على بالك يوم تفطر عندى؟ أما «القدرة» فهى الإناء الذى يطهى فيه الفول، يدخل نيئا، فيخرج مدمسا، كل شىء بالخناق إلا التدميس بالاتفاق، الفول قضية أمن قومى، ولهذا لا تستطيع البلدية فى أى مكان فى مصر التعرض لعربة فول، خذ من المصرى شقته التى يسكن فيها ولا تأخذ منه شقة الفول التى يأكلها، عض قلبى ولا تعض سندوتشى، فول على مهلك فول.. بكرة الدنيا تزول.

عربات الكبدة والسجق هى المنافس الأكبر لعربات الفول، أولا لن تعرف فى يوم من الأيام حتى لو استعنت بالمعمل الجنائى نوع الكبدة التى تأكلها من هذه العربات، والروايات متعددة، هناك من يجزم أنها كبدة حيوانات من التى تُركب، لكن أصحاب هذا الرأى اختلفوا فى كونها حيوانات نافقة أى ميتة، أم أنها حية مذبوحة طبقا للشريعة الإسلامية وعلى سنة الله ورسوله؟ أصحاب النوايا الحسنة يرون أنها كبدة جاموسى وبقرى، لكنها مستوردة ومجمدة، انتهت صلاحيتها، أو ساح ثلجها وانصهر تجميدها فى البحر، وبدلا من أن يلقوها للأسماك أدخلوها البلاد عن طريق الفساد ليأكلها العباد، وهناك رأى يرى أنها ليست كبدة أصلا، وإنما هى خفافيش مجففة ومطحونة ومنقوعة فى الدم، وهؤلاء يؤكدون أنها تعطى نفس الطعم تماما، إن لم تكن ألذ.

السجق قصة أخرى، فهو «أى حاجة فى حتة جلدة»، شغت على دهن على جلد على عيش على توم على توابل على ميكروبات، على ألوان غير صحية وغير مصرح بها، يتم فرم المجموع فى مفرمة كبيرة، قال شاهد عيان إنه رأى الفئران تحوم حولها ثم تسقط فيها أثناء الفرم، فتصدر صوت صراخ أشبه بـ«التزييق» قبل أن تدخل فى المواد المكونة، فإذا كنت تأكل سجقا، وصادفك شىء صلب بين أسنانك، فغالبا ستكون واحدة من أسنان فأر، فألقها فى المطرية أو الحلمية أو عين شمس وغن: يا شمس يا شموسة خدى سنة الفار وهاتى سنة الجاموسة، ولا تقلق كثيرا بشأن هذا الأمر، فغالبا ما سيكون لحم الفئران هو الشىء الطازج الوحيد فى الموضوع.

الكشرى، يأتى فى المرتبة الثالثة، وهو أفضل ما يمكن أن يطلق عليه: «كل حاجة فى رغيف»، أرز على مكرونة على شعرية على عدس على حمص على تقلية على شطة على دقة. هناك شرائح كثيرة لا تقتنع بفكرة أكل الكشرى مستقلا، فتقلّبه فى الطبق ثم تقلبه فى العيش، لتصنع منه »سندوتش كشرى«، وهذا هو السبب فى أنك لا تجد محل كشرى إلا وأمامه بائع يقف على قفص عيش، ويقال إن الفراعنة هم أول من اخترع الكشرى وإنه كان السبب فى تقدمهم المذهل، لكن تراجع حجم الطبق ودرجة حرقان الشطة على أيامنا والغش فى الدقة هو المسئول عما نحن فى من «تدحدر وانهدار».

كل المأكولات تتساوى بعد هذا، ولا يزورها زميلنا ورفيقنا المواطن الكادح إلا لمامًا، وهو حين يريد أن يغير الفول يأكل الطعمية، وحين يريد أن يغير الكشرى يطلب طاجن مكرونة من محل الكشرى أيضا، أما عربات الكبدة والسجق فهو مضطر إليها ولا يحبها، وهى ترفع أسعارها أسبوعيا تقريبا، الفينو يرتفع سعره ويصغر حجمه، والبائع يرفع شعار: «لحّس الرغيف وكمله بالطحينة»، ومن فرط مراعاة أصحاب عربات الكبدة للمواطنين ومشاعرهم، كتب أحدهم على عربته بخط كبير: نظرا لارتفاع أسعار المواد الخام عالميا.. نأسف لرفع أسعار السندوتشات.

فاصل وهوامش وتعريفات
الرغيف: كائن أسود غالبا، مستدير أحيانا، مكسو بحبيبات من الردة والتراب والرمل، له وجهان، وبالتالى ليس مخلصا، مصنوع من دقيق فاسد، أو مسرطن، أو حيوانى، مرصع بكل ما خف حمله وقذر شكله من أعواد ثقاب، وأعقاب سجائر، ومسامير، وشعر، وذقن، وكتل ملح، ومعادن غير معروفة، وهو على هذا كله بعيد المنال، لا يمكن الحصول عليه إلا بالوقوف فى صف طويل سيئ السمعة اسمه الطابور.

الطابور: صف طويل من البنى آدمين، يمكنك تمييز آخره بسهولة، لكن غالبا لن تتمكن من رؤية أوله، وهو بيئة مناسبة لجميع أنواع الموبقات، بدءا من السرقة والنشل والتحرش والتشاجر حتى القتل، وهو طابوران: طابور للرجال وطابور للنساء، وتحايلا على الوقت، يذهب المواطن مع زوجته إلى الطابور، فإذا كان طابور الرجال أطول تقف هى فى طابور النساء، وإذا كان طابور النساء أطول يقف هو فى طابور الرجال، وهناك كثير من المواطنين من هواة الطوابير، بمجرد أن يلمح طابورا يقف فيه، دون أن يهتم بمعرفة ما الذى يحدث فى آخره.

مشيخة الأزهر بالدراسة: أبرز الأدوار التى تقوم بها فى حياتنا هو الدور الأول، حيث تقام به حفلات عقد القران، ولا يوجد أى مواطن صالح فى القاهرة الكبرى وضواحيها لم يكتب ابن خالته كتابه هناك، ولها دور آخر فى منتهى الأهمية، ففى حالات الطلاق حين يريد الزوجان عدم احتساب الطلقة، أو حين تقع الطلقة الثالثة يسأل الزوجان: ما الذى ينبغى علينا عمله؟ فيجيب حكيم العائلة: روحوا اسألوا فى دار الإفتا، فيسأل الزوج مهموما: ودى فين دى؟ فيقول الحكيم: عارف مشيخة الأزهر اللى كتبت فيها كتابك.. لازقة فيها.

الحاجة أم الاختراع: . كانت تسكن فى الدويقة، وفى زلزال 92 انهارت بلكونة منزلها، وسمعت أنهم يوزعون شققا فى النهضة على المنكوبين، فارتدت جلبابها الأسود، وعلقت لافتة على صدرها كتبت عليها: «منكوبة»، أخذت شقة النهضة بدلا من البلكونة واحتفظت بشقة الدويقة، وحين خرج ابنها «سيد اختراع» من السجن بعد الحكم عليه فى قضية سرقة بالإكراه، أخذ شقة النهضة وأدارها لتجارة المخدرات، وحين أغرق الحشيش البلد رفض الاستمرار، وقال: «كده العملية لمت»، وغيّر نشاطه إلى سمسار عقارات وأعضاء، وهو أول من اخترع نظام تأجير الأعضاء قانون جديد لمدة محددة بدلا من التمليك نهائيا، وهو القانون الذى سيبحثه مجلس الشعب فى دورته الشهرية باقتراح من أحد نواب الحزب الوطنى.

العملة الصعبة: أصعب من امتحانات الثانوية العامة، ومن تداول السلطة، ومن القبض على محتكرى الحديد، ومن العثور على كرسى فى مترو الأنفاق، ومن إيمان فرعون، وإيمان البحر درويش. قديما كانوا يعلموننا أن العملة الصعبة هى الدولار والإسترلينى، ثم اليورو، وهذه كانت خدعة ضخمة، فحين كبرنا قليلا أدركنا أن أى عملة هى عملة صعبة، حتى لو كانت ربع جنيه مخروما.

هذه الأشياء الصغيرة



أحمد المسلمانى

ما الذى فعله رئيس الوزراء التركى العظيم أردوغان مع إسرائيل؟ الإجابة: لم يفعل الكثير.. لا قطع العلاقات الدبلوماسية، ولا أوقف المعاملات التجارية، ولا ألغى اتفاقيات التعاون العسكرى.

لكن أردوغان الذى يعرف جيداً ما هى السياسة، فعل تلك الأشياء الصغيرة.. المبادئ التى لا تكلف الكثير من الجيش ولا المال ولكنها تعنى الكثير من الاعتبار والاحترام.

استثمر أردوغان فى المبادئ ونال بعائد الأخلاق ما لم ينله زعيم آخر فى تلك المحنة، قال أردوغان عن الحرب ما هو لازم، وقال عن الضحايا ما هو واضح، وقال عن إسرائيل ما هو شائع. لم يفعل أردوغان إلا هذة الأشياء الصغيرة الكبيرة. لم يطالب أحد تركيا بقطع العلاقات، ولم يتظاهر عربى واحد يطلب من أنقرة طرد السفير، ولم يخطب ثائر أو تاجر يزايد على موقف رجل استقبل كل قادة إسرائيل واحداً تلو الآخر.

■ لكن.. لماذا لم يحدث الأمر نفسه مع مصر؟ ولماذا تجرأ على بلادنا كل من هب ودب وما لم يهب وما لم يدب؟ ولماذا أصبحت القاهرة مرمى نيران العرب بديلاً عن تل أبيب؟ ولماذا تجاسر قادة فصائل وفسائل على الهجوم على بلادنا دون اكتراث بحاضر المحنة أو قادم الأيام؟

■ الإجابة أسهل من الأسئلة.. ذلك أن فى مصر دبلوماسية تساوى صفراً وإعلاماً يساوى صفراً.. لأن الذين يعبرون عن بلادنا أقل من مستوى قرانا ونجوعنا.. لأن لدينا وزير خارجية لا يعرف شيئاً عن مصر أو العالم.. لا يعرف كيف يؤيد ولا كيف يهاجم ولا كيف يرد ولا كيف يجادل ويناور.. وزير خارجيتنا فشل فى الصمت بمثل ما فشل فى الكلام.. كلامه من تراب وسكوته من ذهب.

أسس وزير خارجيتنا نوعاً جديداً من الدبلوماسية هو دبلوماسية المصطبة مزيج من أحاديث ربات البيوت وثرثرات المراهقين وانفعالات العامة.. لا فكر ولا رؤية.. لا تكتيك ولا استراتيجية.. ولا أى شىء.

■ فى كل مرة يخطئ الآخرون ويظهر للجميع حجم المزايدات والرياء الذى هم فيه يرتعون، يقوم وزير خارجيتنا بما ينزع عنا الهيبة ويعيد إليهم الاعتبار، لو صمت وزير خارجيتنا تماماً لكسبت مصر ثلاثة أرباع المشهد الراهن.. ولو أنه أجاد بعض العبارات لكسبت مصر المشهد بكامله.

■ كان يمكن للوزير ألا يهاجم حماس ولا حزب الله ولا قطر، كان يمكن ألا يوقع بلادنا فى خصومات لا تجوز ولا تليق. وكان يمكنه أن يُظهِر بلادنا طرفاً لا وسيطاً وداعماً لا مشاهداً.. وكبيراً فوق جميع الأدوار والرجال.

كان يمكنه أن يطلق تصريحاً قوياً بالتفكير فى طرد السفير، والشروع فى وقف الغاز والتمهيد لإلغاء أبوحصيرة، والمرونة فى إدارة المعبر، والإعداد لمحاكمة إسرائيل. وحتى لو لم يفعل الوزير أى شىء من ذلك فإن أردوغان أيضاً لم يفعل، ولكنها السياسة والقيادة.. إنها المسافة الشاسعة بين دبلوماسية الدولة ودبلوماسية المصطبة.