ليالي الإصلاح بمكتبة الإسكندرية

إبراهيم البيومى غانم
في الليلة الأولي (1 مارس الجاري) لمؤتمر الإصلاح العربي السادس بمكتبة الإسكندرية كاد المشاركون في المؤتمر يروحون ضحية وجبة العشاء التي تناولوها في واحد من أفخر فنادق الثغر، إذ يبدو أنها كانت نصف فاسدة، أو بالأقل "كانت بايتة"، فأصيب أغلبهم بتلبك معوي بدرجات متفاوتة، وفي الصباح كان حديث الاضطرابات المعوية هو سيد التعليقات والثرثرات التي لم تنقطع طوال أيام المؤتمر، ولا أحد يعرف ما الذي كان سيحدث لو أن العشاء كان كامل الفساد.
فاق عدد ضيوف المكتبة في هذا المؤتمر الـ 600 شخص- حسب ما أعلنه مدير المكتبة في إحدي كلماته الافتتاحية- جاءوا من عدد كبير من البلدان العربية ومن مصر طبعاً، شيباً وشباناً، رجالاً ونساءً، بعضهم أصحاب رؤي واختيارات فكرية وسياسية (إسلامية، ويسارية، وليبرالية، وقومية). ومنهم موالون للحكومات علي طول الخط، ومنهم معارضون لها علي طول الخط، وآخرون منهم لا إلي هؤلاء ولا إلي هؤلاء، وإنما هم في حكم "عابري السبيل". ووسط هذا الحشد كان لأعضاء لجنة السياسات بالحزب الوطني الديمقراطي حضور بارز، بعضهم التزم الصمت وآثر السكوت، وبعضهم تحدث حتي قال الحاضرون ليته سكت كزملائه ولم يتكلم.
في الليلة الأولي للمؤتمر أيضاً، وبعد محاضرة بارعة لمدير المكتبة- الحق يقال إنها كانت وحدها التي حملت جديداً من الأفكار في كل ما قيل في المؤتمر- أثار الانتباه بقوة ما قاله في الجلسة الافتتاحية الدكتور صبري الشبراوي- وهو شخصية مرموقة في الاقتصاد والإدارة، فضلاً عن عضويته في لجنة السياسات بالحزب الوطني- فقد أدان منهج الحكومة في إدارة البلاد. وكثّف انتقاده في عبارة موجزة وبليغة للغاية وهي أن "الإدارة الحالية هي إدارة للفقر وتوزيعه"، وتساءل: لماذا يتحدثون دوما عن الفقر فقط، ولا يتحدثون عن مصادر الغني والثراء والموارد الطبيعية والبشرية التي تتمتع بها مصر؟. وقال في حسرة: ليس لمصر أي ترتيب في عالم التقدم الصناعي!، وقال: هل يعقل أن تكون مبيعات محلات كارفور السنوية في مصر 78 ملياراً ينفقها 700.000 مستهلك، وأن يكون إجمالي الدخل القومي لمصر كلها أكثر قليلاً من هذا الرقم؟. وكرّر القول: مصر غنية جداً، فلماذا يتحدثون فقط عن الفقر.. وليه ليه؟". وقد سألته في تعليق علي ما قيل في الجلسة- دون انتظار إجابة منه- وليه ما بيسمعوش كلامك يادكتور شبراوي؟!.
في الليلة الثانية أثار الانتباه أيضاً في جلسة عن التفاعلات العربية العربية، ما ورد علي لسان السيد عدنان عمران- الذي شغل سابقاً ولسنوات عديدة منصب الأمين العام المساعد للجامعة العربية- وهو قوله" عملت طويلاً في العمل العربي المشترك، ولكني أكثر الناس جهلاً بهذا الموضوع"!!. وكان واضحاً أن الرجل لا يتحدث حديث التواضع، وإنما حديث الحيرة والغموض ولم يحاول مجرد محاولة، ولم يلمّح ولو بالقليل إلي سر فشل العمل المشترك. وظل كلامه في عموم العموميات، ويبدو أن "العموميات" هي الدرس الأكبر الذي يعيه كبار المسئولين العرب إذا أرادوا أن يظلوا تحت الأضواء- ولو كانت خافتة- بعد خروجهم من مناصبهم.
في ليلتي المؤتمر (أول وثاني مارس) شوهد عدد من أبرز الأساتذة والمفكرين المصريين والعرب وهم يغطون في نوم عميق أثناء الجلسات. من هؤلاء: أستاذ فلسفة شهير بأقدم جامعة عربية (كان ينتبه بين الحين والآخر علي سماع التصفيق للمحاضر، ثم يستأنف النوم)، وأستاذ قانون لا يقل شهرة بجامعة الزقازيق، وأستاذ آخر بطب قصر العيني وعضو في لجنة السياسات (كان دمه زي العسل، إذ كان يجلس بجواري، وواصل النوم دون انقطاع إلي نهاية الجلسة، ولما انتبه في نهايتها سألني: إحنا فين؟ قلت له: مازلنا في المكتبة. فشكرني، وقال لي: يبقي أنت ما نمتش). ونام أيضاً رجل دين كاثوليكي معروف، إضافة إلي عدد آخر من الحضور. وانتهت ليالي الإصلاح!.
صحيح أن شيوع ظاهرة النوم ليست حكراً علي مؤتمرات الإصلاح بمكتبة الإسكندرية، بل هي في أغلب المؤتمرات، وآخرها المؤتمر الحادي والعشرون للمجلس الأعلي للشئون الإسلامية حيث نشرت بعض الصحف المصرية الصادرة (6 مارس الجاري) صورة تجمع شيخ الأزهر وبابا الكنيسة الأرثوذكسية وهما يغطان في نوم عميق أثناء الكلمة التي ألقاها وزير الأوقاف محمود زقزوق في الجلسة الافتتاحية. فهل يعني هذا أن النوم مشروع في المؤتمرات؟ أم أنه لابد من شرطة متخصصة في مطاردة النوم من أعين المشاركين فيها؟، أم أن المطلوب هو إصلاح منهجية المؤتمرات ذاتها؟

لأول مرة بعد الإفراج عنه يتكلم كما لم يتكلم من قبل فى حوار مع الدستور2








حوار: رحاب الشاذلي

تواصل «الدستور» اليوم الحلقة الثانية من حوارها مع دكتور أيمن نور - زعيم حزب الغد - الذي بدأته أمس وقدم خلالها اعترافاته لأول مرة عن أخطائه في السياسة والحزب والصحافة. وفي الجزء الثاني من الحوار يكشف نور عن تفاصيل العرض الذي تلقاه داخل محبسه من كبار المسئولين مقابل الإفراج عنه وإلي نص الحوار:

> مَنْ هم المسئولون الذين قاموا بزيارتك في السجن؟ وما تفاصيل هذا اللقاء؟



- ما أستطيع قوله في هذا الموضوع أنه منذ عامين عُرض عليَّ من قبل وسطاء بعضهم رسميون وآخرون دبلوماسيون، الإفراج عني بشرط السفر في ذات اليوم للعمل في مؤسسة دبلوماسية دولية في الخارج فرفضت العرض بشدة وأكدت أنني غير راغب في السفر للخارج وأنني أفضل أن أبقي في السجن علي أن أجبر علي مغادرة بلدي.

> وأنت تراجع حساباتك وأخطاءك السياسية في السجن كيف قيمت معركتك مع النظام وهل تري أنك أخطأت؟

- لم أخطئ في تعاملي مع النظام ولم أفعل شيئًا يمكن أن أندم عليه في معركتي لكن ممكن في بعض الأوقات تصدر بعض التعبيرات الانفعالية ولكن هذا أمر مسموح به في الانتخابات ومرتبط باللحظة فقط، لكنني في الحقيقة لم أر علي الإطلاق أنني كنت متجاوزا، طوال سنوات عملي السياسي كنت أتحدث بصوت منخفض حتي في البرلمان لم أرفع نبرة صوتي لمرة واحدة لكنني كنت في نفس الوقت أحمل مبدأ في طرحي السياسي ولا أقبل التنازل، وأري أني كنت أعبر عن أمة مأزومة، وبقدر تلك الأزمة وحجمها كنت أتحدث وكان الصراخ بحجم الألم، خاصة أن مصر فيها فساد واستبداد وخداع بصري في كل شيء، وارتفاع نبرة المعارضة هو انعكاس حقيقي لمقدار الأزمة وحجم الفساد والإستبداد والمغالطة والمكابرة السياسية ومحاولات «تلبيس» كل الكلمات الإيجابية معاني وحقائق مختلفة.. المغالطة في كل شئ عندنا تتم عيني عينك.

والنظام المصري يمارس سياسة السير عكس خط السير فيعطي إشارات أنه سيتجه نحو إصلاحات لكنه يترجم تلك الإصلاحات علي أرض الواقع إلي إفساد ما كان صالحا وليس إصلاح ما كان فاسدا.

> من داخل سجنك كنت تتابع أخبار جمال مبارك وكل ما يصدر عنه من تصريحات أو ما ينشر عنه من أخبار كما أنك تحتفظ بكل هذا في أرشيف خاص.. كيف تقيم الأداء السياسي لجمال خلال الفترة الأخيرة؟

- شايف أنه يجب أن نتوقف أمام حالة جمال مبارك بوصفها حالة متكررة في العالم العربي، وأنا أريد أن أسترشد بجمل قالها «سيف الإسلام القذافي» في حواره مع جريدة الشرق الأوسط عندما سئل عن أسباب اعتزاله العمل السياسي قال جملة في غاية الأهمية في تقديري وهي: «كنت أريد أن أقوم بدور لحل بعض المشكلات التي يعاني منها الشعب الليبي ففوجئت بسبب المنافقين الذين يحيطون بي أنني أصبحت المشكلة الأولي»، والحقيقة أن «جمال مبارك» أصبح الآن مشكلة في حد ذاته بسبب وجوده الكثيف حتي أصبح هو عين المشكلة ، اليوم كل شيء في مصر يدور في فلك جمال مبارك وكل تطور مفترض أنه إيجابي يدور حول شخصه وأفكاره.

> طرحت بعد خروجك من السجن أنك مهتم بفتح نقاش سياسي مع جمال مبارك.. لو أتيحت لك الفرصة، ماذا ستقول له وهل تعلن له صراحة ما سبق وأشرت إليه من أنه «عين المشكلة في مصر»؟

- أنا أريد عمل حوار سياسي وطني معه ووصفي له بأنه «عين المشكلة في مصر» سأعلنه أمامه صراحة لأنه تحول من شخص نشط في حزب إلي شخص تدور حوله كل الأحداث في مصر لتبرير وجوده في هذا الحزب أو في هذا الوضع الذي تجاوز الحدود القانونية والدستورية التي تسمح لشخص في مثل وضعه أن يتواجد فيها. صحيح جمال مبارك نجل الرئيس مبارك لكنه في النهاية الأمين العام المساعد للحزب الوطني وهذا الدور الذي يقوم به مرتبط بوصفه ابن الرئيس وليس بوصفه الأمين المساعد للحزب بدليل أن هناك أمناء مساعدين في الحزب لايحظون بذات القدر من الاهتمام الإعلامي والرسمي ولا يتحركون في مواكب تضم عشرات الوزراء..!!

«جمال» يمثل حكومة أخري موازية في مواجهة الحكومة الحقيقية في مصر وهذا الوضع يمثل حالة من حالات الخلل الدستوري وحالة من حالات الارتباك السياسي. الحزب ليس الحكومة، فحتي لو كان هذا الحزب هو الذي يشكل الحكومة إلا أنه فهو لا يمكن له أن يتحدث ويصرح باسم الحكومة والوطن كله، هذا الوضع أمر في غاية الخطورة ولايفيد الديمقراطية.

> لو أتيح حوار مع «جمال مبارك» في إطار حوار وطني أو بين حزب الغد والفكر الجديد في الوطني متمثلا في شخص جمال - كما يقولون- أنا شخصيا أريد أن أستوضح منه موقفه الأيديولوجي والسياسي فهل يري أنه إصلاحي ليبرالي أم ليبرالي شمولي ؟ وهل يري أن الليبرالية توجه اقتصادي واجتماعي فقط وليس توجها سياسيا؟

- إذا كان السيد «جمال» ليبراليا بحق فعليه أن يصارحنا بموقفه من قانون الطوارئ والقوانين الاستثنائية، وعليه أن يصارحنا بموقفه من الاعتقالات العشوائية، والاعتقالات التي طالت آلاف المصريين الذين أمضوا عشرات السنين داخل السجون دون محاكمة أو توجيه اتهام حقيقي أوعرضهم علي قاض يحسم في شأن تلك الاتهامات، لكان علي جمال مبارك أيضا أن يكشف عن موقفه من تلفيق القضايا للخصوم السياسيين وموقفه من عدم تداول السلطة وحالة التصلب في شرايين الوطن والتي طالت مستويات مختلفة من السلطة علي المستوي التنفيذي والتشريعي وجميع سلطات الدولة. ولكان عليه أيضا أن يواجهنا بموقف واضح ومحدد من مسألة نزاهة الانتخابات في مصر. وهل يؤمن فعلا أن مصر بلد تجري فيه الانتخابات وفقا للقواعد الدولية لنزاهة وشفافية الانتخابات وهل يؤمن أيضا بأن الليبرالية الحقيقية تعني القبول بالآخر، وأن ما يحدث في مصر هو نفي الآخر سواء كان بدعوي أنه محظور سياسيا أو أنه ممنوع من ممارسة حقوقه السياسية؟!.. هل هذه المواقف مواقف ليبرالية وهل تتسق مع منطق أو قيم الليبرالية التي لاتعرف التجزئة والتي لايمكن اختزالها في برامج اقتصادية ومواقف اصلاحية دون غيرها؟!

> هل تابعت زيارات أمين السياسات في القري والنجوع وأن هذه الزيارات متشابهة إلي حد التطابق مع تلك التي أجراها من قبل الرئيس مبارك... وبماذا تفسر ذلك ؟

- المشكلة أن جمال مبارك شخص يعلن أنه يحمل أفكارًا جديدة ولكنه يطبق تلك الأفكار بأدوات قديمة وبوسائل قديمة، فكثير من الأمور التي يقوم بها والتي من المفترض أن نصفق له عليها لا نجد تعبيرا يلخص كل هذه الأعمال غير «قديمة» كل حاجة بتحصل في مصر «قديمة».

> بعض الآراء والتحليلات السياسية تقول إن عملية التوريث ونقل السلطة إلي جمال ستتم خلال فترة قصيرة في ظل وجود مبارك الأب ذلك لأن هناك جهات سيادية في الدولة تقف ضد هذا المشروع بكل قوتها.. ما رأيك في هذا الطرح وما تصورك لعملية انتقال السلطة؟

- أنا كمواطن أسمع شائعات كثيرة وتكهنات بخصوص عملية التوريث، لكني كسياسي ليس لدي معلومة يقينية، وبالتالي لا يمكن لي إصدارحكم قطعي في هذا الموضوع إلا أنه من خلال الحقائق المنظورة والتي تقول إن هناك خطوات تصاعدية تزيد من توسع دور«جمال» في الحياة السياسية، حيث يظهر في الاحتفالات الرسمية والعامة في صفوف متقدمة لدرجة أننا لا نجد تفسيرًا أو مبررًا، لماذا يكون مكان الأمين العام المساعد للحزب الوطني بجوار رئيس الوزراء، و يسير الوزراء في كل الاحتفالات خلف جمال مبارك بعدة خطوات، و يصدر توجيهاته للوزراء بشكل علني وأمام الناس والكاميرات بصورة تعطي انطباعًا ظنيًا لدي من لا يعرف أنه رئيس الوزراء الحقيقي، الذي يدير الأمور في مصر..

أنا لست ضد أن يكون جمال مبارك رئيسا للوزراء.. بس يعلن، لأن السلطة تواجه قدرًا من المسئولية بقدر ذات السلطة.

> خلال الأربع سنوات الماضية صعد أحمد عز أمين التنظيم بالحزب الوطني بشكل كبير خاصة علي المستوي السياسي داخل الحزب الحاكم.. ذلك الصعود السياسي والاقتصادي أيضا أصبح مثيرًا لطرح تساؤل حول منصبه القادم في الدولة؟

- تقييمي الشخصي لـ«أحمد عز» وأنا زاملته خمس سنوات في المجلس حيث بدأت علاقتي به بانطباع سيئ عن شخصه، لكن عندما حضرت بعض اجتماعات اللجان التي كان يشارك فيها تنبهت إلي أن هذا الرجل شديد الذكاء واسع الاطلاع في بعض المجالات وله فريق عمل ضخم جدا يحضر له الملفات والمعلومات، وأري أن «عز» يحاول تعويض نقاط ضعف كثيرة في شخصيته، وأقوي علامات الضعف هو أن قبول أحمد عز إجمالاً ضعيف جدًا ويصل إلي حالة من حالات النفور منه، وفي نفس الوقت هو شخص مجتهد وذكي وحاد ومحدد جدا، وهذه الأمور مفترض أن تحسب له، لكن المشكلة أنه شخص ليس لديه القبول الكافي بل والاقل من الكافي لدي الناس والمتابعين والمشاركين في الحياة السياسية.

> في ظل الإمكانيات التي يمتلكها عز وصعوده الاقتصادي وقوته السياسية كيف تري مكانه السياسي القادم؟

- صعوده القادم قد يكون صعودًا للهاوية، لأن عز نفوذ اقتصادي قوي ونفوذ سياسي أقوي، لو تزحزح النفوذ السياسي سيؤثر بشدة علي النفوذ الاقتصادي وقد يؤدي إلي كارثة سيدفع ثمنها غاليًا، لأني متخوف من التزاوج غير المفهوم بين الصعود والنفوذ السياسي والاقتصادي لأنه لا يمكن الإجماع بين الاثنين، فالجمع بينهما هو جمع بين نقيضين «عز» يمثل رجال الأعمال والقطاع الخاص والاستثمار الخاص، وهو في نفس الوقت يضع الموازنة العامة للدولة ويضع خريطة الاوضاع السياسية والحزبية بحكم وضعه كأمين تنظيم في الحزب، وهذا التداخل ليس مجرد أخطاء بل خطايا فادحة في حق البلد، وتوازن السلطات فيها، أما الرهان علي أن «عز» سيقوم بإحداث التوازن بين فكرة الرقابة والمسئولية وأن يكون رقيبًا أم شريكا أم طرفا مستفيدا من كل هذه التوازنات وهذا أمر صعب جدًا وفوق احتمال أي إنسان.

> وإن نجح في تقييمك ما هو منصبه القادم؟

- مش عايز أتكهن بأمور البعض يتحدث فيها باعتبارها احتمالات، لكن بالقطع أحمد عز شخص له طموح. وهو أذكي من أن يأخذ أي منصب لأنه يمثل مرحلة وسطي بين الدولة الرسمية والدولة الخفية.

في مصر أصبحت هناك دولتان بحكومتين الأولي الدولة الرسمية التي يمثلها أحمد نظيف وحكومته والثانية هي الدولة الخفية التي يرأسها جمال مبارك ويمثل رئيس أركانها أحمد عز. لذلك أتصور أنه طالما بقي جمال مبارك يلعب هذا الدور الموازي طالما بقي عز محافظًا علي هذا الدور الموازي أيضا، أما إذا انتقل جمال إلي الدور الرسمي فهذا يعطي انطباعًا أن عز ممكن أن ينتقل إلي الدور الرسمي.

> أحمد عز يدعم ويشكل نسبة كام من قوة جمال مبارك السياسية ؟

- عز يدعم جمال ويشكل علي الأقل نسبة 60% من قوة نجل الرئيس.

> والنسبة الباقية من قوة دعم جمال.. من يمثلها؟

- النسبة الباقية في مجموعات أخري من رجال الأعمال الموجودين في الحزب الوطني.

> ما تقييمك لفتحي سرور وهل هو مع التوريث أم ضده وما طبيعة دوره في رأيك؟

- سرور شخصية وسطية يأخذ مواقف جوهرية في القضايا الثانوية ويأخذ مواقف ثانوية في القضايا الجوهرية، وهذا منهج وسطي لتفادي الصدام ولضمان الاستمرار والبقاء فهو حرس نفسه وكرسيه فقط، ليس له علاقة بتقسيمة الحرس القديم والجديد،وسرور شخصية مؤهلة بحكم علمه أن يكون الشخص رقم واحد وهو يدرك هذا ولكنه يوظف هذا العلم لكي يبقي الشخص الثاني، لأنه مدرك أن الدخول في مربع رقم واحد هو الدخول في مربع المنافسة علي السلطة.

> وماذا عن تقييمك لأداء الحزب الوطني وكيف تري المرحلة الراهنة التي يمر بها ؟

- لا يمكن لنا الفصل بين الحزب الوطني وبين مسئوليته عما يحدث في مصر لأنه في النهاية هذا الحزب سواء في عهد جمال مبارك أو ما قبل ظهوره هو الذي يحكم منذ أكثر من 30 سنة، فهو مسئول عن كل ماحدث في هذه المرحلة من أخطاء ومضاعفات لمشاكل مزمنة، وكون أن الحزب الآن يجلب بعض الأفكار التي تبدو جيدة في ظاهرها وحديثة وتوافق ما يحدث في بعض الدول المتقدمة، لا يبرئ ساحته أو ينفي مسئوليته عن هذه المضاعفات والإشكاليات التي تكونت بسبب الفساد والازدواجية في المعايير وعدم وجود معيار حقيقي لكفاءة التنفيذ في أي شيء، كثيرًا ما نسمع أفكاراً تبدو جيدة لكنها في التطبيق تتخذ مسارًا مختلفًا تمامًا.

المشكلة الحقيقية أننا أمام حزب يتحدث بلسانين ويفكر بعقلين وينفذ بطريقة تالتة خالص.

> تجربة السجن هل ساعدتك علي رؤية النظام الحاكم وحزبه من مساحة أقرب عما كنت فيها بالخارج؟

- من داخل السجن استطعت أن أري صورة بانورامية لمشاكل مصر، المسجون نصف ميت لأنه ينتقل إلي عالم آخر، ولا يستطيع أن ينتقل إلي العالم الأول بسهولة ومرونة ومن ثم رأيت صورة أكثر شمولاً عن التي كنت أراها وأنا داخل الأحداث وتفاصيلها التي تحجب رؤية الصورة مكتملة، أصبح لدي قناعة بعد السجن أن السبب في كل ما يحدث هو الإهمال والفشل والكذب، هذا الثالوث المقدس السبب في كل الكوارث.

> بصراحة هل كان طموحك في الشهرة والترشح لانتخابات الرئاسة في مواجهة الرئيس مبارك من ضمن أسباب إصرارك علي الترشح والمواصلة؟

- بنسبة قليلة جدًا جدًا بصراحة. لأني في المرحلة الأولي من حياتي البرلمانية من 95 إلي 2000 لم أكن راضياً عنها بشكل جيد لأنه وقتها كان مازال لدي قناعة أن الإصلاح يمكن أن يتم من خلال التعاون مع النظام وتوسيع جسور الثقة، لكن في الآخر اكتشفت أن هذا أمر صعب تحقيقه وأنه مهما قدمنا من تنازلات لا يمكن الحصول علي إصلاحات حقيقية وجذرية، لكن من 2000 إلي 2005 أنا راض بنسبة 100% عن أدائي البرلماني والسياسي وكان موقفي السياسي واضحًا جدًا وأقول رأيي دون النظر إلي الحسابات والمصالح السياسية.

> ما الأخطاء السياسية التي وقع فيها حزب الغد وسيتم أخذها في الاعتبار ومعالجتها الفترة القادمة؟

- الحزب كمؤسسة لم يقع في أخطاء. لكنه كان ينبغي في وقت ما أن نتنبه إلي أن معركة بناء الحزب خلال 89 يومًا وهي فترة قصيرة جدًا كانت محتاجة تكون أطول وكان ممكن في نفس الوقت نعيد ترتيب أولوياتنا. أنا شخصيًا لو عاد بي الزمن كنت أخذت قرارًا بإنشاء الغد ولن أتراجع عنه، لأنه علي الرغم من أنه أضر بالحزب في بعض الجوانب إلا أنه صنع حزبًا كبيرًا مأزوما وده أفضل ما كنا خضنا المعركة كحزب صغير غير مأزوم.

> كيف تري قرار العفو الصحي عنك بهذا الشكل المفاجئ.. هل النظام المصري عقل فجأة وبناء عليه قرر العفو أم ماذا حدث من وجهة نظرك؟!

- لو كان هذا القرار سبق وصدر في وقت مناسب دون مماطلة في اتخاذه الذي استمر لأربع سنوات كنت وصفته بأنه قرار عاقل وحكيم، لكن تأخر صدوره حتي ما قبل الإفراج عني بقوة القانون بأربعة شهور يعطي انطباعًا بأن الغاية النبيلة من القرار لم تكن هي نفسها الغاية المقصودة وقت اتخاذه. بمعني أني بالنسبة ليه كنت خارج خارج.

> كيف تري المستقبل السياسي في مصر؟

- رغم كل شئ أنا متفائل رغم أن عناصر التفاؤل تنقص كل يوم لكن ولد بداخلي عناصر جديدة، علي سبيل المثال السجن علمني أن الأمل هو السلاح الوحيد للإنسان ليدافع عن نفسه في مواجهة أن يموت قهرًا أو ظلمًا أو يأسًا.


لأول مرة بعد الإفراج عنه يتكلم كما لم يتكلم من قبل فى حوار مع الدستور


حوار : رحاب الشاذلى
> هل تتذكر أول يوم لك داخل السجن والشخصيات التي قابلتها ورد فعلهم علي سجنك؟

- لم يفاجأ أحد بالعكس كلهم قالوا لي إنهم كانوا متوقعين سجني وفي أول يوم حبس التقيت بشخص اسمه «جمال حبيب» تاجر سيارات وكان هذا الرجل سبق وزارني قبل سجنه في مكتبي لرفع إحدي القضايا،
وفي أول تعليق له علي سجني قال «إحنا كنا عارفين إنك جاي بقالنا أسبوعين منتظرينك» وسألته عرفتم منين ده أنا شخصياً فوجئت بقرار القبض وتنفيذه فرد : من السكرتير بتاعك اللي اسمه «إسماعيل عبداللطيف» وقاللي أوصاف كلها انطبقت علي هذا الشخص الذي كنا نعرفه في الحزب باسم «ضياء» والذي اكتشفنا فيما بعد أنه هو نفسه المخبر الذي استخدمه الأمن للقيام بعملية تزوير التوكيلات وترتيب القضية، وبالفعل بحثنا في ملفه الجنائي فوجدنا أن اسمه الحقيقي إسماعيل عبداللطيف، وبهذا حصلت علي أول خيط القضية من داخل السجن.

> مَنْ أبرز الشخصيات التي التقيتها في السجن؟

- الوزير السابق توفيق عبده إسماعيل، وحسام أبوالفتوح، ومحافظ الجيزة السابق ماهر الجندي وكان موجود إبراهيم عجلان - عضو مجلس الشعب السابق - ووكيل أول وزارة التعليم المرحوم سمير وهدان، كما كان هناك عدد آخر من رجال الأعمال ونواب القروض.

لكن لم تكن هناك مساحة للتحاور أو الحديث مع أحد بسبب التضييقات التي كنت أتعرض لها.

> كيف كانت علاقتك بـ «حسام أبوالفتوح» وماذا عن الصورة التي رسمها لك ولأسرتك وأهداها إليك؟

- قابلت حسام بالصدفة كثيرا أثناء خروجي للزيارة مثلا وأهداني أجمل هدية في السجن وهي أنه رسم صورة لي أنا وأبنائي وزوجتي مازلت محتفظًا بها حتي الآن وهذا شخص كريم جدا وكان عامل مؤسسة اجتماعية خيرية داخل السجن، أما الذي نشأت بيني وبينه صداقة هو خالد حامد محمود - المتهم في قضية نواب القروض - ووالده كان وزير الحكم المحلي في عهد السادات وكان نائب معي في المجلس من 95 إلي 2000، وده كان الشخص الوحيد اللي كنت باحب أتكلم معاه.

مع ذلك أهم شخصية شفتها في السجن كان متهم في قضية «محجوب» شقيق «رفعت محجوب» واسمه «زيزو» وعمره 90 عامًا تقريبا ووزنه حوالي 40 كيلو، كان طول الوقت بيتصرف بشكل كوميدي مثلا يقع جوه الـ «تواليت» بسبب شده نحافته وفي إحدي المرات قاللي «انت بقي اللي كنت مترشح تقعد مكان عبدالناصر» قلت «اه الله يرحمه» فغضب مني وقاللي «ما تقولش الله يرحمه عبد الناصر لسه موجود»، الغريب في «زيزو» إنه كان كل ما يقابلني يطلب مني أشتري له «كيس شيبسي» كنت اندهش جدا من طلبه خاصة لكبر سنه، وفي يوم مرض جدا وطلبني وقال «عايز اقولك علي حاجه مهمه انت عارف انا كل ما بشوفك ليه باطلب منك كيس شيبسي» سألته ليه رد: عشان كنت بأكسب في كل كيس ربع جنيه وأنا كنت بطلبه منك عشان أحوش الأربع جنيه دول كلها وفعلا حوشت 27 جنيه أجرة التاكسي اللي هروح بيه بس لأني بموت هنا فأنت خدهم لأنهم بتوعك لأنك أنت اللي كنت بتجيب لي الشيبسي» وبالفعل مات عم «زيزو» في اليوم نفسه.

> تعامل أمناء الشرطة والظباط معاك جوه السجن كان عامل إزاي هل كانوا متعاطفين معاك ومصدقينك ولا كانوا شايفينك مزور؟

- بصراحة كانوا بيتعاملوا معي بشكل جيد،لكن التعليمات كانت في منتهي القسوة وهي حرماني من حقوقي، بس التعامل الجيد كان سرًا وكل واحد فيهم جاي من قريته كان ينقل لي سلامات أهل البلد، وكلامهم وانطباعاتهم الجيدة عني، لم يعتد عليَّ أحد إلا خارج السجن.

وفي إحدي المرات، جاءني المخبر اللي في السجن وقالي «أنا عندي ألم شديد في المعدة» وطلب مني أعطيه الدواء المطلوب وفعلاً بمجرد ما أخد مني الدواء أعاده لي مرة أخري وقاللي «أنا مش عايزها أنا بس كان نفسي أعرف لو أنا جيت وقلت لك أنا موجوع هتهتم بيه وتديني العلاج ولا تمنعه زي ما بنمنع عنك الدواء... وأنا لما أروح بلدنا هحكي شهامتك معايا وأقول إن الراجل اللي إحنا بنمنع عنه الدواء ترك سريره وأعطاني دواه عشان يعالجني» الحكاية ديه أثرت فيا .. وفي مرة تانية كان السجن مانع الزيارات عني ودخول الطعام، ففوجئت في يوم إن فيه ظابط يحمل لي أكل طلب من مراته تعمله عشاني وكان الظابط بيهرب لي أكل من بيته اللي مراته بتعمله.

أنا لسه لحد اليوم عليه 3 آلاف و500 جنيه للسجن، طالع مديون لم أشتر خدمة أحد مقابل فلوس من يخدمني كان بحب، في يوم كان في طبيب ظابط في السجن وجاء وقال لي «أنا سمعت انك بتمر بأزمة مالية كبيرة وأنا جايب لك مبلغ من فضلك اقبله، أنا كنت رايح أشتري عربية جديدة بس القديمة لسه موجودة وعشان كده مش محتاج الفلوس ديه الآن» الموقف ده وغيره من المواقف أثرت في طريقة رؤيتي للأشياء والتفاصيل الصغيرة التي لم أكن أتوقف عندها من قبل.

> معرفتك للمرادفات الأوسع لمعني الظلم وغيره هل ستنعكس علي أدائك السياسي في الفترة القادمة؟

طبعا، سأقوم بإعادة ترتيب أولوياتي واهتماماتي في الحياة من أهمها استقلال القضاء وعدالة التقاضي في مصر كان بالنسبة لي موضوعاً ثانوياً جدا، أنا اتظلمت بس اكتشفت إني مش المظلوم الوحيد، شئ مرعب أن يكون الانسان غير مطمئن أو يأمل في عدالة قاضية ولكني عشت أفقد هذا الأمل داخل سجني لما عملت2013 بلاغ وقضي، في 99% منهم لم يكن عندي أمل في الحصول علي العدالة، اللي عايز أقوله كمان إن من أولوياتي التانية اللي اتغيرت بعد سجني إني أتمني إن العمر يرجع تاني وأعيش وأرعي أولادي وهما صغيرين. أنا انشغلت بحياتي ولم أستمتع بأولادي لأني كنت متعجلاً طول الوقت.

> ما الأمور التي تري بعد سجنك أنك تعجلت فيها كثيراً وكانت أخطاء وكان عليك مراجعتها وهل انتخابات الرئاسة من هذه الأمور؟

- لم يكن من بينها انتخابات الرئاسة علي الإطلاق، لما دخلت السجن بدأت أفكر هل أنا عملت كل حاجة لوجه الله وبصدق دون وجود أدني غرض من الشهرة أو إشادة الناس بي، فبدأت أحسب كل حاجة عملتها وبدأت أخصم الحاجات اللي أنا شاكك أني عملتها ولم أكن مخلصاً، وتدخلت فيها أغراض أخري انتخابية أو سياسية أو حتي بها قدر من الرياء للناس، وبدأت أخصمهم واحدة واحدة، بكيت بشدة لأني وجدت الباقي اللي عملته بمنتهي الصدق والإخلاص قليل جدا، فقررت أول ما أخرج من السجن أني أكون أكثر إخلاصا وأن أكون أكثر عدالة مع أولادي لأني لم أكن عادلاً معهم ودلوقتي باحاول أعوض الحاجات إلي ما عملتهاش معاهم قبل كده.

> وعلي المستوي السياسي ما هي الأمور التي راجعتها ووجدتها لم تكن صادقة أو حقيقية وكانت خطأ؟

- وكنت محتاج أكتر أن يكون أدائي البرلماني من عام 95 إلي 2000 مثل أدائي من 2000 إلي 2005 الذي كان أصدق وبلا أي توازنات في الفترة ديه لم أتفاد شيئاً نتيجة الحرج أو مجاملة لأحد، لكن في حاجات أحيانا لم أكن أدخلها نتيجة الحرج وده خطأ أنا ارتكبته بصراحة مرة واحدة في البرلمان عملت موقف لسه بندم عليه حتي اليوم وهو أنه كانت هناك مناقشة لقانون رفع السن للتعيين وأن «المعاش لا يكون له سن» فأحد الأشخاص اتصل بي وقال لي «أملنا ألا تعارض هذا القانون لأنه يمس مصالح فلان وفلان وهؤلاء لهم خبرات كبيرة محتاجينها في البلد» في هذا اليوم تغيبت عن الحضور بحجة إن في عزاء في باب الشعرية ولازم أحضره، أنا نادم جدا علي الموقف ده لأنه كان لازم أقول «لا» ممكن الموقف يكون تافهاً والآخرون لم ينتبهوا لما فعلته، لكني في السجن عاتبت نفسي كتير علي هذا وحسيت إني لو اتظلمت في السجن وعانيت ممكن يكون بسبب إني كنت نائباً وفي لحظة كان لازم أقول فيها «لا» وماقلتش، وفكرت إن في ناس كتير اتظلمت واتحرمت من الترقية بسبب عدم خروج كبار السن للمعاش، ممكن كان مجرد وجودي في المجلس وحتي معارضتي لم تغير شيئاً، بس كان لازم برده أقول «لا»

> ما الموقف الذي راجعته بينك وبين نفسك في السجن ووجدت أنك أخدته أو عملته من أجل الشهرة؟

- فيه موقف صحفي وليس سياسياً وأنا نادم عليه جداً، ولو عدت في يوم من الأيام - رئيس تحرير - فلن أكرره مره أخري لأن هذا الخطأ مازال يؤلمني ويغضبني من نفسي في وقت كان توزيع جريدة الغد بيزيد تقريباً كل عدد 20 ألف وفي الوقت ده تحديدا كان بالظبط التوزيع 170 ألف نسخة، وكان عندي رغبة شديدة إننا نكسر رقم 200 ألف فجاء أحد الصحفيين وقالي عندي شيء قوي وهو سبق خبري وكان علي تليفونه صورتان لفنانتين شابتين وحاملين أرقام السجن، وهما كانتا متهمتين في قضية قيل إنها كانت قضيه آداب، ونشرت الصورتين في الصفحة الأولي وقلت الحقيقة إنهم فعلا اتظلموا في القضية ودي كانت الحقيقة، بس الحقيقة أن غرضي من الكتابة ليس الدفاع عنهم، بل مجرد نشر الصورتين وعمل ضجه إعلامية وبس أرفع بيها التوزيع، وحتي الآن ضميري لم يسترح لهذا التصرف ونشر صورتيهما بهذا الشكل وأنا لم أفكر قد إيه أنا اتسببت في أذيتهم نفسيا بسبب الصور، خاصة وأني متأكد إن الصور ديه ملفقة كان مفترض إني أنشر المادة التحريرية فقط بدون الصور، لكن حلمي رفع التوزيع هو الذي دفعني لنشر الصور، والآن أنا أستغفر الله علي هذا الأمر وأتمني إنهم يسامحوني.

الأمر الآخر أني كابن وحيد لأمي وأبويا لم أعش معهما أيامهما الأخيرة وكذلك أولادي لأني ماشفتهمش وهما بيكبروا وهذه الأشياء تؤلمني نفسيا جدا وفي السجن لم يمر يوم بدون أن أحلم بأبويا وأمي حتي البيت إلي اتربيت فيه كنت بحلم بيه وإنه حوائطه بتضحك، «فجأه توقف نور عن الحديث مره أخري وعيناه لم تكف عن الدموع»

أنا عمري ما خنت حد ولا أذيته لكني في الوقت نفسه أتأذيت كتير واتظلمت من موسي مصطفي موسي ورجب هلال حميدة، أمي عاشت طول عمرها مريضة بالحمي الروماتزمية وكان معجزة إنها تنجب اطفال، وخلفتني حبا في أبويا وده سبب عدم وجود أشقاء ليه. في يوم من الايام لقيت رجب بيشتم في أمي في جريدة الغد إليِّ أنا عملتها بنفس اللون اللي أنا اختارته، بنفس الخط اللي أنا اختارته، باع علي حس مجهودي وتعبي وبعد كل ده في الجرنال بتاعي » أمي اتشتمت فيه» مش هقدر أنسي له ده، في ناس أصرت تزرع المرارة جوايا، واحد زي «موسي» لم يصدر مني تجاهه إلا كل خير ولم تكن له علاقة بالسياسة ولا الحياة العامة وأنا كنت في كل جلساتي كنت بتكلم عن مميزاته اللي هي أصلا مش موجودة فيه، وهو بعد مادخلت السجن كان بيكلم الناس عن عيوبي اللي مش موجودة فيا أنا كان بيصعب عليه أقول عنهم الحقيقة بتاعتهم لكنهم لم يصعب عليهم إنهم يقولوا كلام كتير مفيهوش حاجة واحدة حقيقية.

> لكنك الذي أدخلت موسي مصطفي موسي عالم السياسة ودعمت دخول رجب هلال حميده لحزب الغد؟

- ده خطأ كبير أنا ارتكبته في حياتي، لكني في لحظتها كنت أتصور إني بأعمل حاجة جميلة وأضيف للحياة السياسية، الفقيرة وأصبح هناك حزب جديد اسم الغد المفتوح أبوابه للجميع، أنا حساباتي لم تكن خطأ، حساباتي كانت «العملة الجيدة تطرد العملة الرديئة» لكن تدخل الحكومة أظهر العملة الزائفة وكأنها عملة جيدة، أنا ناضلت حتي لايحدث انشقاقات في الغد وعملت لائحة تضمن ده لكن لجنة شئون الأحزاب لم تهتم به لأن ساعة الجد الدولة ما بتعرفش القانون واحترامه.

عمري اتسرق ومجهودي وقراءتي وبحثي وفكرتي وللأسف اللي سرقوه ما عرفوش يحافظوا عليه لأنهم مايستهلوش، أنا حاسس إن في حد خطف ابني وعمله «بسطرمة وسابها لحد ما عفنت حتي ماكلهاش» لو كانوا سرقوا الحزب وكبروه والله كنت أفرح إني ابتديت شيء والناس كملت، لأن الغد مش بتاع أيمن نور، واللي حصل إنهم حرقوا الحزب وتاريخه وفي أول عدد من جريدة غد موسي الذي خرج وصدر بدون ترخيص لمدة عام «مفيش حد في مصر يعمل كده» لكن هما عملوا كده معايا وفي أول عدد ليهم وجدت تأييدًا لـ «جما ل مبارك» الذي دارت بينا وبينه معركة شرسة ثمنها دخولي السجن.

موسي ورجب فرغا كل شيء من معناه وكادا يكرهانني في كلمة الغد، كانا يبيعان الجرنال «بشتيمتي» إيه الظلم ده إلي كان واقعه عليه أكثر مرارة مليون مرة من ظلم الدولة ليه، المرة الوحيدة التي بكيت فيها بحرارة في سجني عندما أبلغوني خبر الحكم الصادر لصالحنا في رئاسة الغد.

> كيف كان وقع خبر حريق الغد عليك وأنت مسجون وكيف شاهدته عند خروجك؟

- خبر الحريق عرفته قبل ما يحدث الحريق بالفعل وأبلغت الجهات الرسمية التي أبلغتني جهات ما في الدولة . وهناك جهات رسمية متصارعة كتير، بلغني الخبر بصراحة من أحد قيادات الحزب الوطني، وأبلغت الجهات الرسمية بهذا التحذير الذي وصلني لكن لم يتحرك أحد وتركوا مراتي وأولادي وزملائي في الحزب يتحرقوا، من قبل حرقوا المجمع الثقافي في باب الشعرية وساعتها وقفت أشوفه والنيران تشتعل فيه وعشت 10 سنين أجمع فلوسه وتعبت فيه شفته والنيران بتحرق كل ده، ساعتها ازداد إحساسي بالتحدي وأني بعد ما زرعت ورده فجاء شخص آخر اقتلعها من جذورها فقررت أني بدل ما أزرع ورده أزرع شجرة تكون أصعب في الاقتلاع، عشان ما حدش يعرف يكسرها ده نفسه الاحساس الذي أصابني وأنا داخل الغد بعد ما أتحرق، مش عارف هعمل ده إزاي بس أنا واثق إني هعمله أحسن مما كان عليه، لكن حتي الآن ليس عندي حسابات توصلني لتلك النتيجة لكن كل ما أملكه هو اليقين والأمل والإصرار علي تحقيق ذلك.

> هل حسيت في اللحظة دي إن هناك من يغتصب حلمك ومشروعك السياسي الذي دفعت ثمنه ضياع أربع سنوات من عمرك في السجن؟

- آه، اغتصبوا حلمي ومشروعي وأربع سنوات من عمري وأنا أسامحهم في كل هذا

> تسامح بعد كل هذا.. هل هذا ضعف؟

- الشيء الوحيد الذي لم أسامحهم فيه هو أنهم أهانوا كلمة «الغد»، وهذا ليس معناه أنني ضعيف لأني عمري ما كنت ضعيفًا، لكني مقتنع أن التسامح قوة. الضعيف مظلوم واشفق علي خصومي وأخشي أن يقتلهم الفراغ بعد موتي.

هناك أشخاص يدور كل فلكهم وحياتهم علي مهاجمتي، لكن بعد موتي هيظهروا في الإعلام يقولوا إيه؟ أنا لم اقرأ في الصحف خبرًا عن موسي مصطفي إلا وهو يهاجمني أو مقدم بلاغ ضدنا لم يفعل شيئًا إيجابيًا علي الأقل يفيده وكان آخر الكلام ده أن صرح وقال «أيمن نور لو اتكلم باسم الغد سأبلغ النائب العام»؟ إيه السخافة ديه، عايز أقوله إنه لما كان يتحدث باسم الحزب كنت عايز أعمل فيه بلاغ حتي لا يتحدث بتلك الصفة.

> هل كان يتوقع أيمن نور هذه القوة والمثابرة التي بدت عليها جميلة إسماعيل واصرارها علي النضال من أجلك ليس كزوجة فقط بل كسياسية، خاصة أنها لم تمارس العمل السياسي والعام قبل دخولك السجن؟

- كنت بأقول إنني مدين لخصومي بنجاحي لأن في كثير من الأوقات الذي صنع نجاحي تصرفات وظلم خصومي لي أو استفزازهم لملكتي ومواهبي الشخصية، أنا الآن مدين لهم بدين جديد وهو بسعادتي الزوجية لأن خصومي بظلمهم استفزوا طاقات داخل زوجتي جعلتني أشعر أنها أمي وبنتي وزوجتي وشريكتي وصديقتي واصبحت جزءًا من نسيج آلامي وأحلامي . ليس مجرد إنسانة قابلتها واتجوزتها وأصبح بينا عشره، أشعر رغم كبر سني عنها بثلاث سنوات أشعر وكأننا ولدنا في لحظة واحدة واتنفسنا نفس النفس، رغم أن طباعنا وشخصياتنا مختلفة جدا لكني بدأت اشعر ان كل هذا انصهر في بوطأة الأزمة وخلق شيء اقوي من كل الامور العادية لطبيعة الحياة الزوجية.

جميلة شخصية قوية ومحترمة وليست شخصية تابعة أو سهلة الانقياد، الأزمة حولت جميلة لشخصية صعبة جدا للخارج وسهلة جدا بالنسبة لي فسهلت من مهمة التعامل معها. فهي معي في ظل الأزمة تسمع لي جيدا وبدأت أشعر في لحظات معينة أننا جسم واحد فيه عقل واحد بيفكر وايدين تنفذ والتوافق العضلي العصبي الحركي بيننا كأننا فعلا شخص واحد . هذا أثري جدا العلاقة الإنسانية ليس كزوج وزوجة لكن المقصود العلاقة الإنسانية بمعناها الأوسع.

وبنسبه 80 % دأب ومثابرة جميلة إسماعيل ومواجهتها القوية والصامدة ضد خصومنا خففت من وطأة إحساسي بالسجن والقيود وكنت أشعر بحريتي.

«البشير» رأس الذئب الطائر!


الكاتبة الكبيرة عايدة العزب موسى

إذا لم يسلم البشير نفسه فسنقبض عليه ونسلمه للمحكمة الجنائية الدولية، وأنا أنصح الأخ البشير أن يذهب عن طوع نفسه إلي المحكمة» هذه الكلمات هي ما قالها للصحفيين د. خليل إبراهيم زعيم حركة العدل والمساواة، عندما أشيع خبر غير مؤكد أن المحكمة الجنائية الدولية أصدرت قرار اعتقال بحق البشير!

وقد نفت المتحدثة باسم المحكمة صدور قرار بذلك.

جري هذا القول في العاصمة القطرية «الدوحة» أثناء مفاوضات جرت بين حكومة السودان وحركة العدل والمساواة، امتدت ثمانية أيام، ولم تسفر إلا عن اتفاق نوايا يمهد لمحادثات سلام فيما بعد.

التهمة الموجهة للرئيس «البشير» من المحكمة هي ارتكاب جرائم إبادة جماعية وجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في دارفور، ولكن المدعي العام للمحكمة «لويس مورينو أوكامبو» اختار جريمة الإبادة الجماعية لتكون التهمة الرئيسية برغم أن تقرير اللجنة الدولية التابعة للأمم المتحدة لتقصي الحقائق في أحداث دارفور التي شكلت عام 2004 أشار إلي أنه لم تكن هناك سياسة رسمية بارتكاب الإبادة الجماعية سواء بشكل مباشر أو غير مباشر أو من خلال الميليشيات التي تسيطر عليها الحكومة، فكيف استنتج «أوكامبو» نية الإبادة لدي «البشير» وبشكل قاطع من الأدلة المقدمة؟!

كما أن «البشير» أوقف إطلاق النار من جانب واحد وقيد استخدام الجيش للسلاح وشرع في إجراءات نزع أسلحة الميليشيات ووعد بتعويض المتضررين من الحرب. أليست هذه خطوات تحسب له؟! أم أن المطلوب أن يكون «البشير» رأس الذئب الطائر؟ المفروض إذا كان هناك رئيس يستحق المثول أمام المحكمة فهو «جورج بوش» الابن ومن قبله «بوش الأب» لما فعلاه بشعبي العراق والصومال التي ليسا لهما أدني صلة بها من قريب أو بعيد، وكذلك أولمرت وعصابته في غزة.

نعود إلي صلب الموضوع، من هو «خليل إبراهيم» الذي يهدد بالقبض علي البشير ومن أين يستمد هذا الجبروت؟ إنه زعيم أحد فصائل التمرد في دارفور التي وصل تعدادها إلي 30 فصيلاً، وحركته المسماة «جبهة العدل والمساواة» ليس لها وجود قوي سياسياً أو عسكرياً ولا تسيطر علي أرض وبالتالي هي لا تمثل شعب دارفور ولا تمثل كل مكوناته، حتي أها في عام 2006 رغم وجود ممثلين عنها أثناء محادثات السلام التي جرت بين حكومة السودان وحركة تحرير السودان في أبوجا، وكللت باتفاقية السلام DPA استبعدوا من المحادثات باعتبارهم غير فعالين.

إن د. خليل إبراهيم ليس الزعيم الأوحد لحركات المعارضة، فهل مجرد زعامة فصيل يعطيه الحق بالتكلم عن كل شعب السودان؟! أو أن يكون له الحق في إلقاء القبض علي رئيس دولته؟! إن خليل إبراهيم وأمثاله كثر في دول أفريقية وهم في حقيقتهم معارضون بالوكالة أي إنهم يقوون ويتحركون وينفذون أجندة وكلاء دوليين وإقليميين «المخابرات الأمريكية والبريطانية» بالتحديد.

خليل إبراهيم خرج من عباءة الدكتور حسن الترابي ليقود حركة مسلحة ضد النظام السوداني. ففي عام 2003 ظهرت حركة تحرير دارفور وتبناها الزعيم الجنوبي الراحل جون قرنق وطب تغيير اسمها إلي حركة تحرير السودان رفضت حركة العدل والمساواو الامتثال لطلبه. وقد أدرك قرنق حينذاك أن الحركة تختلف كلياً عن نظيرتها حركة تحرير السودان خاصة عندما ظهر انتماؤها الإسلامي ورفضها المناداة بالعلمانية كحل لمشكلة دارفور. ولعل انتماء خليل إبراهيم إلي حسن الترابي يبرر موقفه المتشدد من الرئيس البشير الذي يعاديه الترابي وأصبحا علي طرفي نقيض بعدما كانا متزاملين في البداية. وعلي العموم فكلتاهما الحكومة وحركة العدل والمساواة مرفوضتان من الغرب والولايات المتحدة لتوجههما الإسلامي ومطلوب تصفية كل وجود فاعل للإسلاميين في السودان سواء أكان في الحكم أو في المعارضة!

جذور القضية:

بدأت مشكلة دارفور تظهر علي السطح عندما قامت حركة تحرير السودان وخاضت هجمات عصابات علي حاميات حكومية، وردت عليها الحكومة بميليشيات الجنجويد التي تتشكل من عرب دارفور.

وأصل المشكلة تعود إلي ما قبل عام 1984 حيث حلت مجاعة لم يتم الفكاك منها وزادت مع نمو السكان، وكان اهتمام الحكومة السودانية ضعيفاً وشعورها بالمسئولية كان سلبياً ولم تقدم استثمارات مناسبة، وافتقدت السلطة المركزية والمحلية تمثيلاً مناسب لأهل هذه المنطقة، يضاف إلي ذلك الحتكاكات التقليدية والتنافسات بين أهل العشائر المختلفة التي لا تقوم بين العرب والأفارقة فقط بل تقوم بين العرب وبعضهم البعض وبين الأفارقة وبعضهم البعض.

والكلام السائد هو أن الصراع في دارفور هو صراع عشائري في الأساس نتج عن عداء طويل المدي بين المزارعين الأفريقيين والبدو العرب، وأنه يتركز أساساً علي المنافسة علي الأرض أي علي الرعي والماء، وأن المتمردين يمثلون الأفارقة بينما العرب تؤيدهم حكومة السودان من خلال الجنجويد، وإن الحكومة الصينية التي تحصل علي ثلثي بترول السودان تقف موقفاً سلبياً واختارت عدم استخدام نفوذها للضغط علي الخرطوم لوقف هذه المآسي والاختراقات لحقوق الإنسان.

ومنذ تصاعد القتال عام 2003 اعتادت الصحف الأفريقية أن تتضمن أخباراً وتعليقات عن دارفور تصور العرب علي أنهم غرباء عن الأرض وأنهم آتون من الخارج رغم أنهم يشكلون 80% من الأهالي، وإن الأفارقة هم أصحاب الأرض، وعلي سبيل المثال فإن 1500 مقالة نشرت عن دارفور بين أعوام 2004 - 2007 في الصحف الناطقة بالإنجليزية وحدها عدا الصحف الفرنسية والعربية والصحف الناطقة باللغات الأفريقية. وأغلب الكتابات صوَّرت المسألة العرقية علي أنها العنصر الأساسي في الصراع العنيف، وصورت الحرب بشكل ثابت في صياغات عرقية بتبسيط متناه مما يكشف عن تحامل ضد العرب ويظهر العرب كما لو كانوا أجانب، ومن ثم فإن المسائل السياسية المتعددة والمتشابكة المتعلقة بهذا الصراع تقلصت إلي نظرة ضيقة تتعلق بالخير في مواجهة الشر أي الأفريقي في مواجهة العربي، وهذا ما أنتجته وسائل الإعلام الغربية!

وهذا العرض لا يفسر كيف أن جماعات عاشت تاريخياً مع بعضهما شالبعض وتاجروا وتعاملوا وتزاوجوا مئات السنين يصيرون الآن في قلب حرب قاتلة وغير متوازنة بين حكومة مسلحة جيداً وميليشيات شديدة القسوة من جانب وبين متمردين من جانب آخر ويتسبب كلاهما في قتل الآلاف. وتصبح اللغة السائدة في الكتابات الأفريقية أن التعصب العربي لايزال يقتل الأفارقة السود! ويصفون العرب بالميليشيات العربية ويسمون الأفارقة الضحايا! وتكثر الأقلام التي تلوم الأفريقيين علي أنهم لا يدافعون عن إخوانهم السود في السودان ولا يواجهون العرب الذين يصطادون الأفارقة. ولكنهم لا يفسرون من هم العرب أليسوا هم أفارقة أيضاً وهم سواء كذلك وأنهم اتصلوا ببعضهم واختلطوا من قديم.

إن الاعتماد علي أن العرب ضد الأفارقة السود كأساس لفهم الصراع ينطوي علي إنكار العلاقات التاريخية التي تقوم بينهم في دارفور، وأن من ينظر إلي صور لمن يقال عنهم عرب جنجويد ومن يقال عنهم الأفارقة السود يتأكد كيف تتشابه ملامحهم بحيث يصعب التمييز بينهما، وأن وصف السودان بأنه عناصر متعددة هو وضع القارة الأفريقية كلها التي تتشكل من عناصر متعددة الأعراق واللغات. وأن القول بأن العرب يوجدون في الشمال في السودان والأفارقة في الجنوب هو قول لا يعني شيئاً بالنسبة لدارفور التي تقع في الغرب.

الحالة الدارفورية:

هذه التصورات للحالة الدارفورية تبدو سطحية والحقيقية أكثر تعقيداً من ذلك، ومع تناثر حركات التمرد والقتال عبر الحدود وافتقاد النظام والقانون يكون من الصعب إدانة عرق ضد عرق آخر، يضاف إلي ذلك قطَّاع الطرق الذين يسرقون الشاحنات التي تبعثها الوكالات الإنسانية للغوث «سرقت في العام الماضي 60 شاحنة وفقدت 39 أخري واختف نحو 709 أطنان من الأغذية.

وفي وسط هذه الفوضي تصاعد القتال علي الحدود بين تشاد ودارفور كما أدي إلي تهجير أعداد كبيرة من الأهالي وأصبح 5،2 مليون شخص يعيشون في معسكرات وعدد يتراوح ما بين 200 و300 ألف قتلوا أو ماتوا بسبب المجاعات والأمراض التي نتجت عن الحرب.

ولا شك أن ذلك مهما كانت مدي صحته يشكل كارثة، ولكن الرئيس البشير يشكك في هذه الأرقام ويقول إن القتلي لا يكادون يصلون إلي تسعة آلاف فقط، والقول بقتل العرب للسود هو محض أكاذيب فحكومة السودان هي حكومة الشعب بكل خلفياتهم العرقية «ونحن جميعاً أفارقة نحن جميعاً سود».

إن الصراع في دارفور ليس صراعاً بين العرب «والزرق» أي الأفارقة كما يطلق عليهم فالعرب أكثر تهميشاً، والحكومة السودانية اضطهدت العرب وتجاهلتهم رغم أنهم يمثلون 80% من السكان. وخلاصة الأمر يمكن إيجازها في خمس نقاط:

أولاً: المشكلة بدأت من عام 1984 مع القحط الشديد الذي حصل في ذلك العام ولم تُعَالج آثاره بل زادت بعد ذلك.

ثانياً: إن أهل دارفور قبائل وعشائر متناحرة فيهم عرب ضد عرب وأفارقة ضد أفارقة.

ثالثاً: إن قوات حفظ السلام كانت سبعة آلاف أيام الاتحاد الأفريقي متحركة علي مساحة قدر فرنسا، ولما أتت قوات الأمم المتحدة وقُدّر أن يكونوا 26 ألف لم يأت فعلياً إلا تسعة آلاف، يقارن ذلك بالبوسنة التي مساحتها مثل مساحة بلجيكا ذهب إليها 50 ألف مقاتل مجهزون أفضل تجهيز، فلم تقو هذه القوات علي حفظ السلام شأنها شأن قوات الحكومة.

رابعاً: أن تحقيق السلام لا يتم إلا من خلال حوار دارفوري دارفوري ينهي الصراعات القبلية والعشائرية.

خامساً: الأمريكان وأوروبا لا يهمهم العرب ولا الأفارقة كل الذي يهمهم الضغط بهذه المشكلة علي السودان لأن السودان يعطي الصين ثلثي بتروله!

حتمية إعادة اختراع الدولة


هبة رؤوف عزت
ننسي كثيراً أن الدولة الحديثة التي يسمونها الدولة القومية وأحياناً الدولة القطرية هي ماكينة وجهاز وآلة لتسيير السياسة وتوزيع الموارد وإدارة عجلة المجتمع هي اختراع حديث جداً عمره أقل من أربعمائة عام، وأن الوعود التي قدمتها من تحقيق الأمن وتوزيع الثروة وإطلاق طاقة الأفراد وحماية الحريات لم يتحقق منها شيء في تجربتنا معها أثناء وبعد الاستعمار، هذا الاستعمار الذي فتح أبوب الحارات ودخل بالخيل المساجد
وتحدث بلسان التنوير لكنه حكم بدَوِيّ المدافع وتعليق المشانق وهيمنة القوة وعود الدولة الحديثة أخفقت، حتي إن النظريات الحديثة للدولة في العالم النامي تسميها الدولة الفاشلة أي التي أخفقت في القيام بالأدوار المرسومة للدولة في النظريات.

باختصار شديد باع لنا الاستعمار آلة هي النظام السياسي للدولة القومية الحديثة أو بمعني أدق «الحداثية». بني لنا حدودها ووضح لنا معالمها بل وساعدنا علي بناء مؤسساتها، وقال: أديروها وهي ستعمل بكفاءة واتبعوا تعليمات التشغيل ولو احتجتم أي مساعدة سأساعدكم، لكن الآلة تسليم مفتاح، ونحن لا نعلم عن تاريخ اختراعها شيئاً، وربما كان يمكن أن نخترع نحن آلة أبسط لكنها أكثر كفاءة لأنها تناسب مجتمعنا وظروفنا ولسنا في حاجة لكل هذا التعقيد، بل إن كثيراً من الوظائف التي يمكن أن تقوم بها الآلة لا تلزمنا أصلاً، فالدولة هي الآلة وهي شكلها لطيف وشيك وأجهزتها معقدة ونحن اشترينا ودفعنا ويجب أن نظل نردد أنه كان لا بد من تطوير الأدوات كي نخفف وطأة شعورنا الدفين بالمقلب والكارثة، لكن تلك الآلة ستبقي كما وصفها برتران بادي عالم السياسة الفرنسي: «دولة مستوردة ذات روح غربية».

الغريب أننا لم نعاد في تاريخنا المعاصر كعرب وإسلاميين الحداثة الغربية إلا في فصلها بين الدين والدولة، وقامت المعارك الطاحنة حول العلمانية والإسلام، ولما تفتق ذهن المفكرين الإسلاميين عن حل هو أسلمة تلك الكارثة المسماة دولة حديثة وتلبستهم فكرة الدولة الإسلامية كان هذا في الحقيقة - بمعيارمقاصد الإسلام- أم الكوارث، ليس لأن الإسلام ليست له نظرية في السلطة والقوة والشرعية والإدارة السياسية، بل له نظرية ورؤي وتراث فكري محترم وغني جداً.. بل لأن أي صيغة سياسية للحكم تحقق مقاصد الإسلام من عدل ومساواة وتبادل لكرسي الحكم ومساءلة وشفافية ومواطنة لا يمكن أن تكون عبر هذه الدولة القطرية القومية الحديثة الكارثة تحديداً بأي حال من الأحوال ألبتة.

لقد كان الركن الركين والعمود الأساس في مشروع الحداثة هو العقلانية النفعية و السيطرة علي الطبيعة وعلي المجتمعات، وكانت الدولة هي أداة تحقيق التصورات الفلسفية من فردية وعقلانية مادية وتحول اقتصاد للسوق الحرة وتحول اجتماعي للمدن الصناعية. هي بعينها الدولة القومية وهي بسلطتها المتحكمة في المجال العام والمجالات السياسية والاقتصادية ومهارتها التاريخية في اكتساح المجال الاجتماعي وتدمير كل ما هو إنساني وتراحمي لإحكام السيطرة عليه بالقانون واحتكار استخدام القوة بتأسيس الجيوش النظامية ونزع أسنان وأظافر المجتمع والناس بزعم أن المجتمع المدني يجب ألا يكون مسلحاً وأن الدولة سـتأخذ السلاح وتقوم هي بحمايته وتتفاوض مع الناس في مصالحهم، لكن الواقع أن الدولة نزعت السلاح ولم تحقق للناس الحماية بل وجهت السلاح لصدورهم وأحياناً لظهورهم حين حاولوا استرداد حقوقهم وفتح أفواههم، وأهدرت مصالحهم القومية بل والإنسانية الأساسية. هذه الدولة هي ما أعنيه وليس النظام السياسي فقط، تلك الفكرة بخصائصها الحديثة وهذه الآلة بشكلها الواقعي..الواقعي جداً.. هي المشكلة، والنظم فهمت هذا واستغلته أسوأ استغلال وما زلنا نحن نسيء الظن بالنظم ونحسن الظن بالدولة الحديثة. ومهم أن نفهم أن مصر دولة قديمة وتاريخية ولم تصنعها تلك الدولة الأخري الحديثة.

سحبت الدولة وظائف المجتمع.. الدفاع والتعليم والرعاية الصحية والإسكان، وغيرها، فأصاب الضمور عضلات المجتمع التربوية والتراحمية والتعاضدية والتكافلية، وأخفقت الدولة إخفاقاً مذهلاً، راجع تقارير التعليم والصحة في أمريكا وأوروبا (لا حاجة لقراءة تقارير التعليم والصحة المصرية.. الأمر لا يحتاج ذلك أصلاً).

لقد صار التفكير بـ «منطق الدولة» هو الأصل، فالدولة لم تهيمن فقط علي المساحات لتأمين السوق بالأساس، بل هيمنت علي تصوراتنا عن السياسة فأضحت منهاجية للتفكير، لذلك برزت فكرة الدولة الإسلامية في الخطاب الإسلامي، ونحن لسنا ضد فكرة علاقة الدين بالدولة من حيث الرعاية والحاكمية بالمعني الإسلامي -الشورِي- لكننا بحسم ضد أن تتحول الدولة لمنطق سائد في التفكير السياسي يطغي ويهيمن، فتكون لدينا تلال من المؤلفات عن الدولة الإسلامية حكماً وسلطات ولا يكون لدينا إلا النذر اليسير عن المواطن في دار الإسلام وحقوقه، والمجتمع في ظل حكم الإسلام: فاعليته واستقلاله ومساحاته محرم علي الدولة أن تقترب منها.

آن الأوان أن يفتح ملف التجديد السياسي (وليس التجديد الديني فقط) لنعيد النظر في كوارثنا من منطلق الحاجة لآلة مختلفة للسياسة (وليس نظاماً أو حكومة مختلفة فقط)، دولة أخري في بنيانها وفلسفتها وأدوارها ومساحاتها تحقق وظائف الحماية والرعاية والعدل، لكن تكون أكثر كفاءة.. وأقل ضرراً وضوضاء!

الأمم تأخذ مئات السنوات في تطوير أفكارها ثم تحولها لأشكال، ونحن لا وقت لدينا، فقد تجاوزنا الوقت بل تجاوزنا التاريخ. ربما لم يبق لنا سوي قليل من الجغرافيا التي نأمل في الحفاظ عليها، والله المستعان.

صور أيمن نور بعد الإفراج عنه


صور أيمن نور بعد الإفراج عنه








إطلاق سراح أيمن نور لأسباب صحية

تحديث : وأضافت زوجته جميلة اسماعيل في اتصال مع رويترز "انه في المنزل"

قالت جميلة إسماعيل زوجة المعارض المصري أيمن نور إنه تم إطلاق سراح زوجها لأسباب صحية. جاء ذلك في تصريح أدلت به لوكالة رويترز للأنباء.

وكانت الحكومة المصرية قد رفضت من قبل عدة نداءات لاطلاق سراح نور الذي سجن بتهمة التزوير فى التوكيلات الخاصة بحزبه.

ويقول انصار نور ان التهم وجهت له جاءت عقب تحديه للرئيس المصرى حسنى مبارك فى اول انتخابات رئاسة مصرية.

ورفضت السلطات المصرية ضغوط واشنطن ومنظمات حقوق الإنسان للإفراج عن المعارض المصري.

وكان نور حل في المركز الثاني في انتخابات الرئاسة التي جرت في مصر سبتمبر/ أيلول 2005 بعد الرئيس حسني مبارك بعد أن حصل على ثمانية في المائة من الأصوات.